http://www.abasalehonline.ir/osol/dataamini/library/osol/banner-asli-site-nahv.jpg

زبدة الأصول

السيد محمد صادق الروحاني ج 1


[ 1 ]

زبدة الاصول تأليف المحقق الفذآية الله العظمى السيد محمد صادق الحسينى الروحاني مد ظله الجزء الاول

[ 2 ]

الكتاب: زبدة الاصول المؤلف: السيد محمد صادق الحسينى الروحانى نشر: مدرسة الامام الصادق عليه السلام المطبعة: قدس الطبعة: الاولى، ربيع الاول 1412 الكمية: 1000 نسخه السعر: 200 تومان

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما اولينا من رد الفروع الى الاصول، والتفقه في الدين وتهذيب مباني الاحكام الشرعية بالبحث في المسائل الاصولية، واستخراج زبدتها وافضل صلواته واكمل تحياته على صاحب الشريعة الخالدة الكفيلة باسعاد المجتمع ومعالجة مشاكله وعلى آله العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه، سيما بقية الله في الارضين، الامام الثاني عشر، الامام المهدى ارواح من سواه فداه. وبعد فهذه زبدة الاصول جادت بها الفاكرة في خلال القاء المحاضرات في المسائل الاصولية على جماعة من الافاضل في خمس دورات، وكنت ادون ما القيه فلما تم تأليف الكتاب رأيت الاولى اخراجه الى عالم الظهور. وحيث انه من النواميس المطردة اهداء المؤلفات الى كبير من اكابر الدهر ولا اجد اكبر من الامام المهدى روحي فداه، فلذلك ارفع بكلتا يدى. هدى هذا الكتاب الى رفيع قدس الامام، موقنا انى لست ممن يقوى على اتفاق بضاعته في مثل هذه السوق الغالية غير انى اقول سيدى بما ان هذا الذى بين يدى مسائل يستنبط منها الاحكام الشرعية المأثورة عنك وعن ابائك الطاهرين، فمن على بقبول هذه البضاعة المزجاة وثبتها في ديوان الحسنات، ليكون ذخرا لى يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم. وقد رتبت كتابي هذا على مقدمة، ومقاصد، وخاتمة.

[ 5 ]

اما المقدمة، ففى بيان امور الاول: في ثبوت المبادى الاحكامية لعلم الاصول وعدمه. لا كلام في انه لكل علم، مسائل، ومبادي تصورية، وتصديقية. اما المسائل: فهى قضايا متشتة جمعها اشتراكها في غرض خاص. واما المبادى فهى قسمان: قسم راجع الى حدود تلك القضايا باطرافها، وهى المبادى التصورية، وقسم يتوقف عليه التصديق ثبوت محمولات تلك القضايا لموضوعاتها، وهى المبادى التصديقية. وافاد المحقق النائيني (ره) ان لعلم الاصول قسما ثالثا من المبادى، وهى المبادى الاحكامية وهى ما يتوقف عليه معرفة الاحكام الشرعية من التكليفية والوضعية باقسامها، وكذا الاحوال والعوارض للاحكام من كونها متضادة، وكون الاحكام الوضعية متأصلة في الجعل أو منتزعة عن التكليف وغير ذلك من حالات الحكم. قال ووجه اختصاص المبادى الاحكامية بعلم الاصول، هو ان منه يستنتج الحكم الشرعي وواقع في طريق استنباطه. واورد عليه المحقق الاصفهانى (ره) بان المبادى الاحكامية ليست قسيما للتصورية والتصديقية، بل المبادى التصورية تارة لغوية واخرى احكامية، وكذا المبادى التصديقية. فالبحث عن المعاني الحرفية والخبر والانشاء والحقيقية والمجاز واشباهها من المبادى التصورية اللغوية يعرف بها مفاد الهيئات النسبية الانشائية، ومعنى حقيقتها

[ 6 ]

ومجازها والبحث عن حقيقة الحكم بما هو، وعن التكليفى والوضعى، والمطلق والمشروط، وغير ذلك من تقسيمات الحكم من المبادى التصورية الاحكامية. والبحث عن ثبوت الحقيقة الشرعية، والصحيح والاعم من المبادى التصديقية اللغوية بها يصح حمل الصلاة مثلا على معناها المتداول شرعا، وبها يحكم باجمال اللفظ على الصحيح، فلا موقع للاطلاق، أو بالبيان الذى معه مجال له على الاعم. والبحث عن امكان اجتماع الحكمين وامتناعه من المبادى التصديقية الاحكامية - فيحكم بناءا على الامكان بعدم التعارض بين الدليلين المتكفلين للحكمين، وعلى الامتناع بالتعارض - ولا باس به. وكيف كان فجملة من المسائل المدونة في الاصول من قبيل المبادى باقسامها، وانما نتعرض لها من جهة عدم التعرض لها في علوم اخر ودخالتها مع الواسطة في الاستنباط. لزوم الموضوع للعلم وعدمه: الثاني: في لزوم الموضوع للعلم وعدمه. صرح اعلام الفن، بلزوم الموضوع للعلم، ولذلك صرح المحقق الخراساني (ره) بانه " ربما لا يكون لموضوع العلم وهو الكلى المتحد مع موضوعات المسائل عنوان خاص واسم مخصوص " كما في علم الاصول، ومحصل ما ذكروه في وجه ذلك: ان الغرض المترتب على كل علم بما انه امر واحد، مثلا الغرض في المقال، وهكذا ساير العلوم، وهذا الغرض الواحد يترتب على مجموع القضايا والمسائل المتشتة والمختلفة موضوعا ومحمولا. وقد برهن في محله " ان الواحد لا يصدر الا عن الواحد "، فلا بد وان يكون المؤثر فيه هو الجامع الذاتي الوحداني، وايضا لابد وان يكون ذاك هو الجامع بين موضوعات المسائل لا الجامع بين المحمولات، لتقدم الموضوع على المحمول، وكونه من آثار ذلك الموضوع، ويكون ذلك الجامع الوحداني هو موضوع العلم. وان شئت قلت انه لا بد من رجوع الموضوعات الى موضوع جامع.

[ 7 ]

ويرد عليه: اولا ان ذلك الغرض الوحداني اما، يكون واحدا شخصيا، أو يكون واحدا نوعيا، وعلى التقديرين لا تكشف وحدة الغرض عن وجود الجامع، اما على الاول فلانه يترتب على مجموع القضايا، وكل مسألة تكون جزءا من المؤثر، والمؤثر هو المجموع من حيث هو، ويكون سببية المجموع سببية واحدة شخصية، والاستناد إليه استناد معلول واحد الى علة واحدة شخصية لا الى علل عديدة. واما على الثاني، فلان الغرض يكون كليا ذا افراد يترتب كل فرد منه على واحدة من المسائل. مثلا يترتب على مسألة حجية خبر الواحد، الاقتدار على استنباط جملة من المسائل، وهو غير الاقتدار على استنباط المسائل المترتب على مسألة استلزام الامر بالشئ للنهى عن ضده، وهما غير ما يترتب على مسألة حجية الاستصحاب. اللهم الا ان يقال: ان الغرض الكلى إذا كان واحدا نوعيا حقيقا، وذلك الواحد بالذات الجامع بين افراده لا بد وان يكون له سنخية مع علته، والسنخية تستدعى وحدة العلة لوحدة المعلول، نعم إذا كان الغرض واحدا بالعنوان كما اختاره المحقق الاصفهانى (ره) يتم هذا الجواب. وثانيا ان المؤثر في الغرض ليس هو القضايا بوجوداتها النفس الامرية والالزم حصول الغرض لكل شخص كان عنده كتاب يشتمل على تلك القضايا، بل المؤثر فيه انما هو العلم بتلك القضايا وثبوت محمولاتها لموضوعاتها، فلابد من تصوير الجامع بين العلوم إذ القضايا حينئذ من قبيل الشروط، ولم يدع احد لزوم وحدة الشروط مع فرض وحدة المعلول، وعلى فرض التنزيل لا بد من فرض جامع بين النسب الخاصة لا الموضوعات. وثالثا ان موضوعات مسائل علم الفقه لا يمكن تصوير جامع حقيقي بينها، إذ بعض منها امر وجودي، والاخر امر عدمي، كترك الاكل في الصوم، وبعضها من الجواهر كالبول والمنى، وبعضها من قبيل الكيف المسموع كالقرائة، وبعضها من قبيل مقولة الوضع كالركوع. وقد برهن في محله: انه لا يتصور الجامع بين المعقولات العشر فضلا عن الوجود والعدم، فالمتحصل مما ذكرناه: انه لا ملزم لتصوير الجامع بين موضوعات المسائل ليكون هو موضوع العلم.

[ 8 ]

لزوم البحث عن العوارض الذاتية لموضوع العلم وعدمه الثالث: في لزوم البحث عن العوارض الذاتية لموضوع العلم وعدمه. قد طفحت كلمات القوم واهل الفن بان موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، مع انهم صرحوا بان العارض للشئ بواسطة امر اخص عارض غريب لا ذاتي. فيشكل حينئذ بان اغلب محمولات العلوم، عارضة لانواع موضوعاتها، فتكون اعراضا غريبة بالنسبة الى موضوع العلم. وقبل الشروع في ما ذكره الاصحاب في التفصى عن هذه العويصة، وبيان ما هو الحق عندنا لابد من تقديم مقدمة وهى ان العوارض جمع العارض، لا العرض، فان جمعه الاعراض، وهو المحمول على الشئ الخارج عنه، فيشمل العرض، المقابل في باب الكليات بالذاتي، وهو ما يتالف منه الشئ كالجنس والفصل، وغيره، كما يشمل الذاتي باصطلاح الحكماء وما يقابله، وهما، المحمول بالضميمة، أي ما لا يحمل على الشئ الا بعد ضم شئ آخر إليه كالعالم، حيث انه لا يحمل على الذات الا بعد ضم العلم إليه، وخارج المحمول، أي ما يكون خارجا حقيقة الشئ، المحمول عليه بعد ملاحظة نفس الذات، وان لم ينضم إليه شئ آخر. ثم ان اول من صرح بهذا الكلام، أي موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، بما انه من الحكماء، وتبعة غيره منهم، وكان لا ينطبق ذلك على اصطلاحهم في الذاتي، إذا غلب المحمولات بالنسبة الى الموضوعات تكون من المحمولات بالضميمة، ففسره اهل المعقول، بما فسره به صاحب الكفاية بقوله: " أي بلا واسطة في العروض ". والمراد به كون العارض عارضا له حقيقة، سواء كان بلا واسطة في الثبوت كادراك الكليات العارضة للنفس الناطقة، أو مع الواسطة في الثبوت كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار، والضابط هو ان لا يكون نسبة العرض الى الشئ بالعناية والمسامحة، من قبيل وصف الشئ بحال متعلقه من غير فرق بين كونها حلية كالحركة العارضة لجالس الفسينة بواسطتها، أو خفية كالبياض المنتسب الى الجسم، فان المعروض له حقيقة

[ 9 ]

هو السطح، وبذلك يظهر ان تعريف العارض الذاتي، بما يعرض الشئ لذاته أو لجزئه المساوى وهو الفصل، والعارض الغريب بما يعرضه، بواسطة الجزء الاعم، أو امر خارجي سواء كان اخص أو اعم أو المساوى، تام. إذا عرفت ذلك، فاعلم انه تفصى الاصحاب عن هذه العويصة بوجوه، ولهم فيه مذاهب: الاول: ما افاده صدر المحققين، واوضحة الحكيم السبزواري، واليه نظر المحقق الخراساني في الكفاية وهو ان اخذ لا بشرط فعوارض انواعه ذايتة له، وان اخذ بشرط لا فعوارض انواعه غريبة عنه، مثلا لو اخذ الحيوان لا بشرط يكون التعجب عارضا ذاتيا له، وان اخذ بشرط لا يكون غريبا عنه، وعلل بان الجنس ان اخذ لا بشرط يكون نفس الانواع ومتحدا معها، فالعوارض لانواعه عوارض له بلا واسطة. وعلى ذلك فان اخذ موضوع العلم لا بشرط تكون محمولات المسائل عوارض ذاتية له، وفيه، ان كون " عوارض الانواع عوارض غريبة للجنس " مبنى على اللابشرطية، فاخذ الجنس لا بشرط يصحح الحمل، إذ لو اخذ بشرط لا يكون مباينا لمعروض ذلك العارض، والمباينة منافية للحمل، وموجبة لعدم صحته، فان اخذ الجنس لا بشرط، صح الحمل وكان العارض غريبا عنه. ذاتيا، إذ لو كان من عوارضه الذاتية لزم كونه عارضا له في ضمن أي نوع تحقق ولو غير ذلك النوع، وحيث انه بديهى البطلان فيستكشف من ذلك انه انما يعرضه بالعناية والمسامحة، وان كان بنظر العرف منسوبا إليه بالحقيقة، مع انه لا يرتفع التهافت بين كلمات القوم بذلك، فانهم صرحوا بان العارض بواسطة امر اخص عارض غريب، مع انه من الواضح ان مرادهم هو صورة اخذه لا بشرط. وبما ذكره ظهر ضعف ما نسب الى المحقق الرشتى (ره): من ان الملاك في كون العارض ذاتيا كون الواسطة وذى الواسطة متحدين في الوجود حتى يكون العارض عارضا لكليهما. ولذا التزم بكون عوارض النوع عوارض ذاتية للجنس، ولم يبال بمخالفة القوم، قائلا: ان الاشتباه من غير المعصوم (ع) غير عزيز الثاني: ما ذكره المحقق الاصفهانى (ره) في تعليقته: وهو ان موضوع كل علم

[ 10 ]

متحيث بحيثية خاصة، ولا يبحث في العلم عن الجميع احواله، مثلا، موضوع علم الفقه ليس هو فعل المكلف من حيث هو ولا يبحث فيه عن جميع ما يعرض له ككونه مخلوقا لله تعالى أو الناس مثلا أو غير ذلك، بل يبحث فيه عن فعل المكلف من حيث الاقتضاء والتخيير، وكذا، موضوع علم النحو ليس هو الكلمة والكلام بما هما، بل من حيث الاعراب والبناء، وكذا ساير العلوم. والحيثيات المذكورة ليست عبارة عن الحيثيات اللاحقة لموضوعات المسائل أي الحيثيات الفعلية ككون الكلمة معربة أو مبنية، لان اخذ مبدء المحمول في الموضوع مستلزم لعروض الشئ لنفسه، بل المراد الحيثيات السابقة، أي الحيثيات الاستعدادية، ككون الكلمة مثلا مستعدة لعروض الاعراب أو البناء عليها، فهذه الحيثيات المتقدمة عناوين منتزعه من موضوعات المسائل، فالكلمة من حيث الفاعلية مستعدة لعروض الرفع عليها، وفعل المكلف من حيث انه الصلاة مستعدة لعروض الوجوب عليه، وهكذا وحيث ان الامر الانتزاعي لا وجود له، ولا تحمل عليه المحمولات، وانما هي تحمل على مناشى انتزاعه، فليس موضوع العلم كليا متخصصا في مراتب تنزله بخصوصيات تكون واسطة في عروض اللواحق له، بل هي تحمل على المعنونات بلا توسط شئ في اللحوق والصدق. وفيه: انه ان كان مراده ان الموضوع هو الامر الانتزاعي بما انه مشير الى موضوعات المسائل ومرآة إليها ومعرف لها ولا نظر إليه اصلا، فهو في الحقيقة انكار لوجود الموضوع، وان كان مراده اخذ الامر الانتزاعي بما هو موضوعا، فلا ريب في ان عوارض منشأ انتزاعه عوارض غريبة له، وبعبارة اخرى حاله اسوء من الكلى الحقيقي الجامع بين موضوعات المسائل، حيث ان الكلى متحد في الوجود مع افراده، بخلاف الامر الانتزاعي الذى لا موطن له الا الذهن، ولا يكون متحدا مع منشأ انتزاعه، فإذا كان عوارض الفرد عوارض غريبة للكلى فعوارض منشاء الانتزاع اولى بان تكون عوارض غريبة للامر الانتزاعي. واماما اورده الاستاذ الاعظم: من ان اقتضاء الموضوع لحمل المحمول عليه، لا يكون الا في الفقه، بناءا على مذهب العدلية القائلين بتبعية الاحكام للمصالح

[ 11 ]

والمفاسد، والا فلا يتم ذلك في ساير العلوم، إذ الكلمة مثلا من حيث الفاعلية غير مقتضية لعروض الرفع عليها، ولا اقتضاء فيها للحوقه، بل انما هو قانون مجعول. فغير تام إذ مراده من الحيثيات، هي الحيثيات الاستعدادية، أي استعداد الموضوع وقابليته لعروض المحمول عليه، وهذه الحيثيات عناوين انتزاعية لموضوعات المسائل، مثلا الكلمة المتحيثة بحيثية الاعراب والبناء عنوان انتزاعي من الفاعل والمفعول وغيرهما. ومرجع ذلك الى دعوى ان موضوع علم النحو مثلا هو الكلمة من حيث الفاعلية والمفعولية وما شاكل ذلك، وليس في كلامه (قده) من الاقتضاء بالمعنى الذى هو اساس الايراد عين ولا اثر. الثالث: ما ذكره المحقق النائيني (ره) -، وتوضيحه يبتنى على بيان مقدمات: 1 - ان موضوع العلم ليس هو الذات بما هو، بل مقيدا بحيثية خاصة، مثلا موضوع علم النحو، ليس هي الكمة من حيث هي، بل من حيث لحوق الاعراب والبناء لها، كما ان موضوعات المسائل، ليست هي الذوات، بل مقيدة بحيثيات خاصة، مثلا الموضوع في " كل فاعل مرفوع "، انما هو الفاعل من حيث قابلية عروض الرفع عليه وتكون الفاعلية علة لعروض الرفع عليه، قال: وهذه الحيثية من الامور الاعتبارية، مراده انها من الامور الانتزاعية. 2 - ان المراد بهذه الحيثية في الموردين، هي الحيثية السابقة التى بها يستحق الاعراب الفعلى، لا الحيثية اللاحقة الاعرابية، حتى يقال: ان الكلمة المعربة يستحيل عروض الاعراب عليها. 3 - ان الامور الانتزاعية والاعتبارية، ليست من قبيل الجواهر التى تنحل في الخارج الى جزئين: مادة وصورة، ولذا قد تنعدم الصورة وتبقى المادة المشتركة متصورة بصورة اخرى، ولا من قبيل الاعراض المنحلة بتعمل من العقل الى جزئين، وان كانت في الخارج بسيطه، بل هي من سنخ الوجود الذى هو بسيط من جميع الجهات، ويكون ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز. إذا عرفت هذه الامور، تبين لك ان موضوع العلم انما يكون منطبقا على

[ 12 ]

موضوعات المسائل بنحو العينية، ويكون ما به يمتاز موضوع كل مسألة عن موضوع مسألة اخرى، هو عين ما به يشتركان، فيكون عوارض موضوعات المسائل عوارض ذاتيه لموضوع العلم. ويتوجه عليه، ان خصوصيات موضوعات المسائل المنوعة، أو المصنفة لها الموجبة لصيرورتها انواعا أو اصنافا، تكون دخيله في الموضوع، لا انها حيثيات تعليلة، مثلا الموضوع في قولنا، " كل فاعل مرفوع "، هو الفاعل بما هو فاعل، وفي قولنا، " الصلاة واجبة " هي الصلاة بما هي صلاة وهكذا... وعليه فان ادعى ان موضوع العلم هي نفس تلك الحيثية الانتزاعية بما انها تشير الى موضوعات المسائل، فمرجع ذلك الى انكار وجود الموضوع، وان ادعى ان الموضوع هي نفس تلك الحيثية بما هي، فتكون المحمولات عوارض غريبة لها، لكونها تعرضها بواسطة موضوعات المسائل التى غير ذلك الامر الانتزاعي، وان ادعى ان الموضوع هو الكلى الجامع بين موضوعات المسائل مقيدا بالحيثية المذكورة، فيعود المحذور، ويضاف إليه ان المقيد بالامر الانتزاعي لا يكون من البسائط. وبما ذكرناه ظهر ان ما افاده بعض الاساطين (ره) في دفع العويصة، من ان خصوصيات موضوعات المسائل، جهات تعليلية لترتب المحمولات على الذات - مثلا الرفع والنصب وغيرهما من العوارض، انما تعرض ذات الكلمه لا على انواع خاصة، فان الفاعلية والمفعولية وغيرهما من الخصوصيات المنوعة، جهات تعليلية لعروض العوارض المزبورة على الذات، نظير المجاورة للنار بالنسبة الى حرارة الماء، وعلى ذلك فليس موضوع العلم الاعين موضوعات المسائل، وليست بالنسبة إليه من قبيل الانواع الى جنسها. غير تام، إذ الخصوصيات دخيلة في الموضوع، وتكون جهات تقييدية في عروض العوارض. وذلك في المسائل الفقهية واضح فان الصلاة بما هي صلاة، واجبة لا بما هي فعل المكلف الجامع بينها وبين شرب الخمر. واما في غيرها، فلان المحمول في قولنا: " الفاعل مرفوع " مثلا، انما هو جعل الرفع له، ومن البديهى، ان الجاعل انما جعل لكل

[ 13 ]

نوع حركة خاصة ليمتاز كل من الانواع الاخر. فتحصل ان شيئا مما قيل في دفع هذه العويصة لا يفيد. فالحق هو الالتزام بالاشكال، وتعيين رفع اليد عن احد المبنيين، والبناء اما على انه لا يلزم ان يكون المحمولات عوارض اتية لموضوع العلم، كما هو الصحيح، إذ لو ترتب غرض على البحث عن العوارض الغريبة لموضوعات المسائل، فضلا عن موضوع العلم، صح تدوين علم خاص، وقد التزم به الاستاذ الاعظم أو ان العارض بواسطة امر اخص كالنوع، لا يكون عارضا غريبا للاعم كالجنس. وبما ذكرناه تندفع الشبهة الناشئة من اعمية موضوعات مسائل علم الاصول عن موضوع العلم. ما به تمايز العلوم الرابع: فيما به تمايز العلوم قال المحقق الخراساني: وقد انقدح بما ذكرناه، ان تمايز العلوم، انما هو باختلاف الاغراض الداعية الى التدوين انتهى. واورد عليه: بانه لم يذكر ما يظهر منه ذلك، ولكنه ناش عن عدم التدبر في كلماته. فانه ذكر اولا: ان موضوع العلم، هو الجامع بين موضوعات المسائل، واقام البرهان عليه، بان موضوع العلم، ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، وحيث ان ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، هو موضوعات المسائل، فيكون موضوع العلم هو موضوعات المسائل، و محمولاتها لواحقه، ونتيجه ذلك، كون العلم عبارة عن جملة مسائل جمعها المدون و سماه باسم واحد. ثم ذكر: ان الذى اوجب جمع المسائل المتشتة وجعلها واحدا اعتباريا، هو اشتراكها في الدخل في الغرض، الذى لاجله دون هذا العلم، فيكون نتيجة ذلك كله، ان تمايز العلوم انما يكون باختلاف الاغراض الداعية الى التدوين. ولكن يرد على ما اختاره في ما به تمايز في مقابل المشهور القائلين، بان

[ 14 ]

تمايز العلوم انما يكون بتمايز الموضوعات، وهو ان تمايز العلوم انما يكون بتمايز الاغراض التى دونت العلوم لاجلها، امور: الاول: انه يرد عليه ما اورده هو (قده) على المشهور، من انه يلزم ان يكون كل باب بل كل مسألة علما عليحدة، إذ يترتب على كل مسألة غرض خاص غير الغرض المترتب على مسألة اخرى، مثلا الغرض في علم الاصول: الاقتدار على الاستنباط، وبديهى ان المترتبة على مسألة حجية خبر الواحد، غير القدرة المترتبة على مسألة حجية الاستصحاب. الثاني: انه ربما لا يترتب على علم غرض خاص كالفلسفة العالية. الثالث: انه على مسلكه (قده)، من انه يستكشف عن وحدة الغرض وحدة الموضوع، جامع بين موضوعات المسائل المؤثرة ؟ في ذلك الغرض، لا وجه للعدول عن ما اختاره المشهور، إذ مع وجود المائز في المرتبة السابقة على الغرض لا وجه لجعله مائزا. واما ما اورده المحقق النائيني عليه: ان العلوم المدونة ربما لا يترتب عليها الاغراض المذكورة، فلا يمكن ان يكون التمايز بها. فعزيب إذ ليس المراد من الاغراض هو الوجودات الخارجية بل الاقتدار عليها، مثلا الغرض من علم النحو ليس صيانه المقال عن الالحان بل القدرة عليها. وحق القول في المقام، انه لا ريب في ان كل مسألة من أي علم كانت لها واقع محفوظ ومتحققة في نفس الامر مع قطع النظر عن العلم والجهل، كان المحمول فيها من الامور الحقيقية، ام كان من الامور الاعتبارية كالوجوب، وتميز كل مسألة عن غيرها، تارة يكون بالموضوع، واخرى بالمحمول، وثالثة بكليهما، كما لا ريب في ان هذه المسائل المتشتة المتحققة في نفس الامر، يشترك كل طائفة منها في امر واقعى مع قطع النظر عن تدوين العلم، وذلك الامر ربما يكون هو الجامع بين موضوعات المسائل، وربما يكون هو الجامع بين المحمولات، وثالثا يكون هو الغرض المترتب على المجموع الجامع بين الاغراض الخاصة المترتبة على المسائل، وذلك الجامع ايضا يختلف سعة

[ 15 ]

وضيقا، مثلا يترتب على مسائل باب الفاعل، غرض واحد في قبال بال المفعول. ويترتب على مسائل باب المرفوعات، غرض وحداني اوسع من ذلك الغرض. ويترتب على مسائل النحو غرض اوسع. وهكذا... هذا حال المسائل قبل التدوين واما بعد التدوين وجعل كل طائفة من تلك المسائل علما مستقلا، فيتوجه السؤال عن ما به تمايز العلوم وانه بماذا تيمايز كل علم عن غيره. وفي هذا المقام اقول ان التمايز تارة يكون المراد منه التمايز في مقام التعليم والتعلم لكى يقتدر المتعلم ويتمكن من تمييز كل مسألة ترد عليه وان ايتها داخلة في هذا العلم، وايتها خارجة عنه، واخرى يراد به التمايز في مقام التدوين، وانه ماذا يكون داعيا وباعثا لاختيار المدون عدة من القضايا المتشتة المتخالفة وتدوينها علما واحدا وتسميتها باسم واحد ؟ اما التمايز في المقام الاول، وبالنسبة الى الجاهل المتعلم، فتارة يكون بالموضوع ولو مقيدا بحيثية خاصة، كما يقال: ان موضوع علم النحو، الكلمة والكلام من حيث الاعراب والبناء، والمراد بالحيثية المذكورة، حيثية استعداد ذات الموضوع لورود المحمول عليه. وعليه، فدعوى: " ان ذلك يرجع الى التمييز بالمحمولات " ناشئة عن عدم مراجعة كلمات اهل المعقول. واخرى يكون بالمحمول، كما يقال في تعريف علم الفقه: بانه العلم بالاحكام الشرعية عن ادلتها التفصيلية. وثالثة يكون بالغرض، كما ترى من تعريف المنطق بانه: قانون آلى يقى رعايته عن خطأ الفكر وهذا غايته. ورابعة يكون بذكر فهرست المسائل اجمالا. واما في المقام الثاني وبالنسبة الى المدون، فمناط اعتبار الوحدة لعدة مسائل متشتة وجعلها علما واحدا، ليس هو وحدة الموضوع، أو المحمول، أو الغرض، لانه، وان كان لها جامع حقيقي، وهو تارة يكون بالموضوع، واخرى بالمحمول ثالثة بالغرض المترتب عليها، الا ان ذلك الجامع يختلف سعة وضيقا كما مر تفصيله. بل المناط: هو غرض المصنف الشخصي، مثلا تارة يتعلق غرضه بتدوين علم يترتب عليه غرض خاص كعلم المنطق، واخرى يتعلق بتدوين ما يعرف فيه احوال الانسان من تمام جهاته، وثالثة يتعلق

[ 16 ]

بتدوين ما يعرف به ما يعرضه الحركة والسكون، وهكذا... وهذا هو المصحح لهذا الاعتبار، كما هو واضح بعد التدبر في ما ذكرناه. موضوع علم الاصول الخامس: في موضوع علم الاصول. مما ذكرناه ظهر انه لا موضوع لهذا العلم، ولكن لو تنزلنا عن ذلك، وسلمنا ان له موضوعا، فيقع الكلام في بيان ما هو الموضوع. ربما يقال: ان موضوعه الادلة الاربعة بوصف دليليتها. واختار هذا القول، المحقق القمى، ونسب الى كثير من الاصحاب، بل قيل: انه المشهور بينهم. واورد عليه: بان لازم ذلك، خروج اكثر المسائل الاصولية عن علم الاصول، وكونها من مباديه، كمباحث الحجج والامارات، ومباحث الاستلزامات العقلية، والاصول العملية، وغير ذلك من المباحث لان البحث في مباحث الحجج والامارات باسرها عن الدليلية فهو بحث عن ثبوت الموضوع لا عن عوارضه الذاتية، فتدخل في مباديه، والبحث في الاستلزامات العقلية بحث عن احوال الاحكام بما هي احكام، لا عن عوارض الادلة بما هي ادلة، ولا بما هي هي - فتدخل في المبادى الاحكامية، وبذلك يظهر خروج الاصول العملية. ولذلك عدل صاحب الفصول عن هذا المسلك، واختار ان الموضوع ذوات الادلة بما هي، وعليه فالبحث عن دليليتها، بحث عن عوارض الموضوع لاعن ثبوته، ولكن يرد عليه: ان البحث في حجية خبر الواحد، وساير الامارات على هذا خارج عن علم الاصول. فان المراد من السنة ان كان نفس قول المعصوم، أو فعله، أو تقريره، كما هو كذلك، فالبحث عن حجية الخبر بحث عن عوارض الحاكى للدليل لا عن عوارضه، وايضا، يلزم خروج مبحث التعادل والترجيح، وما شا كله من المباحث والاستلزامات العقليه عنه. ولذلك التجأ الشيخ الاعظم الى ارجاع البحث عن حجية الخبر الواحد الى البحث عن احوال السنة، وقال: فمرجع هذه المسألة الى ان السنة، اعني قول الحجة، أو فعله، أو

[ 17 ]

تقريره، هل تثبت بخير الواحد ام لا تثبت الا بما يفيد القطع من التواتر والقرينة، ومن هنا يتضح دخولها في مسائل اصول الفقه الباحثة عن احوال الادلة. انتهى. واورد عليه المحقق الخراساني بقوله: فان البحث عن ثبوت الموضوع، وما هو مفاد كان التامة، ليس بحثا عن عوارضه، فانها مفاد كان الناقصة، لا يقال: هذا في الثبوت الواقعي، واما الثبوت التعبدى كما هو المهم في هذه المباحث، فهو في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة. فانه يقال نعم، لكنه مما لا يعرض السنة، بل الخبر الحاكى لها، فان الثبوت التعبدى، يرجع الى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به، وهذا من عوارضه لا عوارضها. انتهى. وقد ذكر لا رجاع البحث عن ثبوت السنة بالخبر، بالثبوت التعبدى، الى البحث عن عوارض السنة، انتصار اللشيخ الاعظم، وجهان: احدهما: ما في تعليقة المحقق الاصفهانى على الكفاية، وحاصله: ان حجية الخبر، عبارة عن تنزيله منزلة السنة، فهو وجود تنزيلي لها، وهذا المعنى كماله مساس بالخبر كذلك له مساس بالسنة، فان حاصل البحث، اثبات وجود تنزيلي للسنة، وبهذا الاعتبار يقال بثبوت السنة تعبدا. وفيه اولا: انه قد حققناه في محله، وسياتى في الجزء الثالث من هذا الكتاب، انه لا تنزيل في باب الحجج، بل جعل الحجية، عبارة عن جعل الحكم المماثل، أو تتميم الكشف، فلا يكون مؤدى الخبر، منزلا منزلة الواقع. فان قلت: ان جعل الكاشفية للخبر، يلازم جعل المنكشفية للسنة، وصيرورتها محكية، يرجع البحث الى البحث عن عوارض السنة، قلت. ان غرض الاصولي متعلق بالجهة الاولى، واما الجهة الثانية فلا يبحث عنه الاصولي، وانما هي لازمة لما يبحث عن ثبوته، وهو كاشفية الخبر. الثاني: ان حجية الخبر، عبارة عن تنجز السنة بالخبر، فالبحث عن حجية الخبر، بحث عن عوارض السنة. وفيه مضافا الى ما حقق في محله، من عدم معقولية جعل المنجزية، وسياتى مفصلا في الجمع بين الحكم الظاهرى والواقعي: ان المجعول

[ 18 ]

هو المنجزية للخبر لا المتنجزية للسنة، وان كانت هي لازمة لما هو المجعول، فهو اشكالا وجوابا، كالثبوت التعبدى. فايراد المحقق الخراساني على الشيخ الاعظم متين لا يمكن الجواب عنه، فهذا الوجه ايضا لا يتم. ولذلك عدل صاحب الكفاية عن مسلك المشهور، والتزم بان موضوع علم الاصول، عبارة عن جامع مقولى واحد بين موضوعات مسائله. وقد مر ما في ذلك مفصلا. فعلى فرض لزوم البناء على وجود الموضوع، فالحق اين يقال: انه الجامع الانتزاعي من مجموع مسائله، كعنوان ما يقع نتيجه البحث عنه في طريق الاستنباط، وتعيين الوظيفة في مقام العمل. تعريف علم الاصول السادس، في تعريف علم الاصول، المعروف بين الاصحاب، تعريف علم الاصول، بانه هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي. وقال في الكفاية: الاولى تعريفه، بانه صناعة، يعرف بها القواعد التى يمكن ان تقع في طريق استنباط الاحكام، أو التى ينتهى إليه في مقام العمل. انتهى. ووجه الاولوية امور، عمدتها اثنان: احدهما: خلوه من ذكر العلم، وهو متين، إذ الاصول ليس هن العلم بالقواعد الخاصة، بل هو الفن والصناعة، وهى نفس المسائل التى يتعلق بها العلم تارة، والجهل اخرى، واما العلم بتلك القواعد، فهو العلم بالاصول، لا علم الاصول. الثاني: اضافة قيد: " أو التى ينتهى إليها في مقام العمل " ليدخل مسألة حجية الظن على الحكومة، ومسائل الاصول العملية في علم الاصول. توضيح ذلك: انه (ره) في اول مسألة البرائة، صرح: بان الاصول العملية لا تقع في طريق استنباط الاحكام، لانها وظائف مجعولة للجاهل بعد الفحص واليأس عن الظفر

[ 19 ]

بالدليل على الحكم الشرعي. واما حجية الظن على الحكومة في حال الانسداد، فالمراد بها، التبعيض في الاحتياط، والاكتفاء في مقام الامتثال بالامتثال الظنى كما حققناه في محله، فلو اقتصر في التعريف، على ما اشتهر، لزم خروج هذه المسائل عن الاصول، وهو بلا وجه. وهذا هو الوجه لاضافة هذا القيد، وعدم الاقتصار على تعريف المشهور. لا ما افاده المحقق الاصفهانى (ره): من ان الاصول العملية على قسمين:، الاول: الاصول الشرعية، والثانى: الاصول العقلية، والاصول الشرعية بانفسها احكام شرعية، لا انها واسطة في استنباطها، والاصول العقلية، لا تنتهى الى حكم شرعى ابدا، والظن الانسدادى لا ينتهى الى حكم شرعى، بل ظن به ابدا. ثم انه (قده) اسرى هذا الاشكال الى جل المسائل الاصولية، بدعوى ان المجهول في الامارات غير العلمية سندا كخبر الواحد، اما احكام مماثلة لما اخبر به العادل، أو منجزيتها للواقع، وعلى الاول، تكون نتيجة البحث عن حجيتها، حكما شرعيا، وعلى الثاني، لا ينتهى الى حكم شرعى، وكذلك في الامارات غير العلمية دلالة كالظواهر، بل يتعين فيها الثاني، لان دليل حجيتها بناء العقلاء، ولا معنى للالتزام بان هناك حكما من العقلاء مماثلا لما دل عليه ظاهر اللفظ حتى يكون امضاء الشارع ايضا كذلك. ثم ادخل مباحث الالفاظ في ذلك من جهة ان نتائجها لا تقع في طريق الاستنباط الا بتوسط حجية الظواهر التى عرفت حالها. ثم بعد ذلك تصحيحا لتعريف المشهور بنحو لا يرد عليه هذا الايراد قال: ان حقيقة الاستنباط ليست، الا تحصيل الحجة على الحكم الشرعي، وهذا المعنى كما ينطبق على حجية الامارات، لانها باى معنى كانت دخيلة في اقامة الحجة على حكم العمل في الفقه، كذلك ينطبق على حجية الاصول العملية، وعليه فعلم الاصول، ما يبحث فيه عن القواعد الممهدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي من دون لزوم التعميم. اقول: اما ما ذكره في تعريف الاستنباط، فهو مما لا يساعده اللغة، ولا الاصطلاح. واما الجواب عن اصل الاشكال بحيث يتم ما ذكره المشهور، ويندفع ما اورد عليه، فيتوقف على بيان مقدمات: الاولى: ان المراد من الاحكام الشرعية، انما هي الاحكام الكلية القابلة للالقاء الى

[ 20 ]

المقلدين، ويكون تطبيقها على مصاديقها بيد المقلدين لا المجتهدين، فلا تشمل الاحكام الجزئية، كحرمة الخمر المعينه الخارجية، ولا الاحكام الكلية التى يكون امر تطبيقها بيد المجتهد ولا يقدر المقلد على ذلك، وليس هو وظيفته. الثانية: ان المراد بها، اعم من الاحكام الظاهرية والواقعية. الثالثة: ان المراد من القواعد التى تقع في طريق الاستنباط، ما يمكن ان يقع في طريق الاستنباط لا الواقعة في ذلك الطريق على كل تقدير، وبعبارة اخرى، المراد بها، المسائل التى تقع نتيجتها في طريق الاستنباط في الجملة وعلى بعض التقادير، ولا يعتبر وقوع النتيجه على جميع التقادير في طريق الاستنباط، مثلا مسألة حجية الخبر الواحد مسألة تقع نتيجتها في طريق الاستنباط على تقدير القول بالحجية، ولا تقع في ذلك الطريق على فرض القول بعدم الججية. إذا عرفت ذلك فاعلم: ان الامارات غير العلمية تقع في طريق الاستنباط بمعنى انه لو انضم الى نتيجه البحث فيها صغرياتها، تكون النتيجة حكما كليا فرعيا، سواء قلنا: بان المجعول فيها، الطريقية، أو الحكم المماثل، اما على الاول فواضح، واما على الثاني فلان نتيجه البحث فيها وان كان حكما شرعيا الا ان حكم غير قابل للالقاء الى المقلدين، بل امر تطبيقها على صغرياتها بيد المجتهد، وهذا بخلاف الحكم المستخرج منها، بعد ضم الصغرى إليها، فانه بكونه حكما كليا قابلا للالقاء الى المقلدين. وبهذا ظهر حال الاصول العميلة الشرعية كالاستصحاب، فانها وان كانت بانفسها احكاما الا انها لا يصح القائها الى المقلدين، نعم بينهما فرق، وهو ان الحكم ظاهري، وهذا لا يوجب الفرق فيما هو ضابط كون المسألة اصولية. واما الاصول العقلية، فهى بانفسها ليست من المسائل، ولم تعنون في الاصول، مثلا في الاصول لا يبحث عن قبح العقاب بلا بيان، بل هي قاعدة مسلمة عند الجميع، وهى مسألة كلامية، والمخالف فيها انما هو الاشعري، كما لا يبحث فيها عن وجوب دفع الضرر المحتمل، واستحالة الترجيح بلا مرجح، والتكليف بما لا يطاق، وانما تكون هذه، قواعد

[ 21 ]

مسلمة عند الكل، بل في الاصول، في مسألة البرائة، انما يبحث عن انه يجب التوقف الاحتياط في الشبهة التحريمية لاخبار الاحتياط والتوقف، ام لا دليل على وجوبه ؟ واختار الاول الاخباريون، وذهب الاصوليون الى الثاني، وحيث انه على تقدير ثبوت دلالة الاخبار على وجوب الاحتياط تقع النتيجه في طريق الاستنباط، لانه إذا انضم إليها، ان شرب التتن محتمل الحرمة، يستنج حكم فرعى كلى، وهو عدم جواز شرب التتن، فتكون المسألة اصولية، وان كان على تقدير العدم والدخول في قاعدة: " قبح العقاب بلا بيان " لا يستنبط حكم اصلا، كما عرفت في المقدمة الثالثة، كما انه في مبحث الاشتغال، انما يبحث عن شمول ادلة البرائة، كحديث الرفع وغيره، لاطراف العلم الاجمالي والشبهات قبل الفحص، ام لا، وعلى تقدير العدم يرجع الى قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل فيما يمكن الموافقة والمخالفة، واستحالة الترجيح بلا مرجح فيما لا يمكن، وحيث انه على تقدير الشمول، يستنبط من ضم الصغرى الى نتيجه المسألة حكم فرعى كلى، فتكون المسألة اصولية. وقد يقال: انه على ما ذكرت تكون، قاعدة الطهارة لاضرر، وقاعدة ما يضمن بصحيحه بفساده من المسائل الاصولية: فان يستنتج من الجميع احكام فرعية كلية، مثلا يستنتج من الاولى طهارة الحديد، ومن الثانية عدم لزوم البيع الغبنى، ومن الثالثة ان البيع الفاسد يضمن به. اقول: اما قاعدة الطهارة، فهى وان انطبقت عليها تعريف مسائل الاصول الا ان وجه عدم عدها من المسائل، امران: الاول: اتفاق الكل عليها، ولم يخالف فيها احدكى تعنون وينازع فيها، والذى يدلنا على ان هذا هو وجه عدم التعرض لها، الغائهم لجملة من المباحث الاصولية وعدم تعرضهم لها كمسألة حجية القياس، ولذا تكون مذكوره في عداد المسائل في كتب القدماء. الثاني: ان المسائل الاصولية بالتتبع والاستقراء، هي ما يفيد في جميع ابواب الفقه أو اكثرها، وليست قاعدة الطهارة كذلك.

[ 22 ]

واما قاعدة لا ضرر فقد حققناه في محله، وسيأتى في الجزء الثالث من هذا الكتاب، ان الضرر المنفى هو الضرر الشخصي، لا النوعى، وعليه فلا يستنج منها حكم كلى، وانما يستنتج منها احكام جزئية شخصية، ولذلك ذكرنا في محله: انه لا يمكن اثبات خيار الغبن بحديث لاضرر. ومنه: يظهر ما في قاعدة: " ما يضمن بصحيحة يضمن بفاسده " لما حقق في محله، من ان المراد بها، انه كل عقد شخصي خارجي ان كان صحيحا، يضمن به، فكذلك على تقدير الفساد. العلقة الوضعية ليست من الامور الواقعية السابع في الوضع، والكلام فيه في جهات: (1) ان العلقة الوضعية التى تكون بين اللفظ والمعنى، ولا جلها يدل اللفظ على المعنى، هل هي ذاتية، ام جعلية محضة، ام تكون وسطا بينهما ؟ (2) انه على فرض كون العلقة جعلية، ماذا يكون مجعولا ؟ (3) في اقسام الوضع امكانا، واقسامه وقوعا. اما الجهة الاولى، فقد يقال: انها ذاتية، بمعنى انها من الامور التكوينية الواقعية، ولكنه فاسد، لان الامور الواقعية على قسمين،: الاول الموجودات الخارجية، الثاني، الامورات النفس الامرية التى يكون الخارج ظرفا لانفسها لا لوجوداتها، أي لا وجود خارجي لها، ومع ذلك لا تكون فرضية واعتبارية كالملازمات، واستحالة اجتماع النقيضين، فانها امورات واقعية ومع ذلك لا وجود لها. والقسم الاول ينقسم الى الجوهر والعرض، اما عدم كون الوضع من الجواهر، فلان الجوهر هو الموجود لا في الموضوع، والوضع ليس له وجود خارجي، وعلى فرضه، يكون وجوده بوجود المرتبطين. واما عدم كونه من الاعراض، فلان هذه العلقة قائمة بطبيعى اللفظ والمعنى لا بوجودهما، ولذا يصح الوضع للمعدوم بل المتسحيل، واما عدم كونه من الامورات النفس الامرية، فلان المراد بكونه منها، ان كان كونه من المدركات العقلية، نظير الملازمة بين طلوع الشمس

[ 23 ]

والنهار، فهو بديهى الفساد. إذ لا ريب في انه مع الجهل باللغة لا ينتقل الذهن الى المعنى من تصوير اللفظ. وان كان المراد، ثبوت المناسبة الذاتية بين كل لفظ ومعناه، وان كانت تلك المناسبة بنحو لا يلتفت إليها الواضع حين الوضع، وهو وان لم يكن مستحيلا، الا انه لابد من اقامة البرهان عليه، والاستدلال له: بانه بما ان نسبة جميع الالفاظ الى كل معنى من المعاني على حد سواء فوضع لفظ خاص لمعنى مخصوص من دون تلك المناسبة، ترجيح بلا مرجح، وهو محال، فلابد من الالتزام بثبوتها، فاسد. لعدم استحالة الترجيح بلا مرجح، كما حقق في محله، لا سيما إذا كان هناك مرجح لاختيار الطبيعي الجامع بين الافراد، فانه في هذه الصورة لا قبح فيه ايضا - وسياتى الكلام في ذلك في مبحث الطلب والارادة - مع ان المرجح يمكن ان يكون امرا خارجيا، كمن يسمى ولده (رضا) لكونه متولدا في يوم تولد اما منا الرضا (ع) مثلا، مضافا الى ان الالتزام بذلك، غير مربوط بالمدعى، وهو كون العلقة امرا واقعيا، واما يكون ذلك التزاما بان منشأها امرا حقيقيا فتحصل عدم كون دلالة الالفاظ على معانيها ذاتية محضة. وقد يدعى كما عن المحقق النائيني (ره) بان الوضع وسط بين الواقعيات والجعليات. وحاصل ما ذكره: انه بعد ما نقطع بحسب التواريخ انه ليس هناك شخص أو جماعة وضعوا الالفاظ للمعانى، ونرى عدم كون الدلالة ذاتية، لا محيص عن الالتزام بان الواضع هو الله تعالى ليس جعل لكل معنى لفظا خاصا لما بينهما مناسبة مجهولة عندنا، وهذا الجعل منه تعالى ليس جعلا تكوينيا كحدوث العطش عند احتياج المعدة الى الماء، ولا جعل تشريعيا كجعل الاحكام المحتاج ايصالها الى ارسال الرسل، بل يكون وسطا بينهما، ويلهم الله تبارك وتعالى عباده على اختلافهم بالتكلم بلفظ مخصوص عند ارادة معنى خاص، فحقيقة الوضع هو الوضع هو التخصيص والجعل الالهى. ويرد عليه - مضافا الى ان لازم ما ذكره عدم كونه امرا واقعيا بل جعلنا غاية الامر طريق ايصاله غير طريق ايصال ساير المجعولات الشرعية وذلك لا يخرجه عن كونه جعليا، هذا البرهان مؤلف من امرين: الاول عدم امكان كون الواضع هو البشر: لاستحالة احداث شخص أو اشخاص الفاظ جديدة بقدر الفاظ أي لغة، أو تعذره، بل

[ 24 ]

تصور المعاني ايضا الثاني: عدم تسجيل التاريخ ذلك، ولو كان الواضع شخصا أو اشخاصا لا محالة كان مسجلا في التاريخ. وفيهما نظر اما الاول، فلانه من الممكن اين يكون الواضع جماعة يضعون كل لفظ خاص عند الاحتياج الى ابراز المعاني المخصوصة في مدة من الزمن. ومما يؤكد ذلك، ما نرى من وضع الفاظ خاصة للمعانى الحادثة عند الابتلاء الى ابزارها. واما الثاني، فلان الوضع التدريجي بالنحو المتقدم، ليس من الامور المهمة، والحوادث التاريخية، كى يتصدى الناس لضبطه. فالمتحصل ان العلقه الوضعية ليست ذاتية ولا يكون لها منشأ ذاتي. بيان حقيقة الوضع واما الجهة الثانية، فقد ذهب كثير من المحققين، الى انها حقيقة اعتبارية، وذكروا في كيفيتها امورا: احدها: ما افاده المحقق الاصفهانى، وحاصله: انه كما يكون للاسد مثلا نحوان من الوجود: حقيقي وهو الحيوان المفترس، واعتبارى وهو الرجل الشجاع كذلك يكون للوضع نحوان من الوجود: الحقيقي كوضع العلم على رأس الفرسخ لينتقل من النظر إليه، ان هذا رأس الفرسخ، والاعتباري، بمعنى ان الوضع يعتبر وضع لفظ خاص على معنى مخصوص. وفيه: انه في باب الوضع الحقيقي لا دلالة حقيقية، بل هي فيه ايضا تابعة للجعل والبناء فباب الوضع الخارجي اجنبي عن باب الدلالة، وان كان قد يتضادقان في مورد واحد كالمثال، كما انه قد يتصادق الرفع والدلالة، كما لو بنى المولى على انه كلما عطش يرفع العمامة من رأسه فيكون الرفع دالا على حدوث العطش، وموجبا لانتقال الذهن إليه، وعليه فحقيقة الوضع ليست اعتبار مفهوم الوضع على حد الوضع الخارجي، مع انه ينافى ذلك ما سيصرح به (ره) في مبحث استعمال اللفظ في اكثر من معنى، من ان اللفظ ليس علامة للمعنى بل يكون وجودا تنزيليا للمعنى، وعليه يبنى عدم جواز الاستعمال المذكور.

[ 25 ]

وقد اورد عليه الاستاذ الاعظم تارة: بان هذا المعنى اجنبي عن اذهان الواضعين لا سيما الاطفال وامثالهم الذين يصدر منهم الوضع كثيرا فكيف يمكن صدور الوضع مع كونه امرا مغفولا عنه، واخرى: بانه في الوضع الحقيقي، المكان المخصوص موضوع عليه، وكونه رأس الفرسخ، موضوعا له ومدلولا، وفي المقام الموضوع له والموضوع عليه شئ واحد، وهو المعنى. وفيها نظر، اما الاول، فلانه ان اراد بذلك ان الواضعين لا يتصورون الفرد الحقيقي، ويكون حقيقة مغفولا عنها، فيرد عليه انه لا يعتبر في الاعتباريات تصور الفرد الحقيقي والالتفات إليه حين اعتبار، الا ترى ان اهل القرى والصبيان في معاوضاتهم يعتبرون الملكية مع انه لا ينتقل اذهانهم الى فردها الحقيقي الذى هو من الاعراض الخارجية والمقولات الواقعية ؟ وان اراد انهم لا يتصورون الاعتبار نفسه، فيرد عليه: انه ما الفرق بين هذا الاعتبار وساير الاعتبارات كالملكية حيث انهم يعرفونها ولا يعرفون هذا. واما الثاني: فلانه لا يعتبر في الوضع الحقيقي كون المدلول والموضوع له غير الموضوع عليه، بل قد يتحدان، واخرى يتعددان. اما الاول، فكما في المثال، حيث ان رأس الفرسخ الذى هو الموضوع له عنوان منطبق على نفس ذلك المكان، واما الثاني، فكوضع العلم على باب البيت للدلالة على انعقاد مجلس خاص في البيت. وعليه فالمعنى موضوع له وموضوع عليه في المقام، واستغراب اطلاق الموضوع عليه على المعنى، لعدم شيوع هذا الاستعمال، لا لعدم كونه كذلك، فالصحيح في الايراد ما ذكرناه. الثاني، اعتبار كون اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى. فيكون وجود اللفظ وجود اللمعنى في عالم التنزيل. وفيه: ان نتيجة الوضع، الانتقال من اللفظ الى المعنى وكان المعنى هو الملقى الى المخاطب ويحكم عليه بما يشاء، لا ترتيب آثار المعنى على اللفظ كى يصح هذا التنزيل وان شئت قلت ان التنزيل الا دعائي انما يكون بلحاظ ترتيب آثار المنزل عليه على المنزل ومن الواضح انه في باب الوضع ليس كذلك، إذ الواضع لا يريد بالوضع ترتيب آثار المعنى على اللفظ. فالتحقيق ان حقيقة الوضع، ليست الا ما اختاره جملة من اساطين المحققين، منهم

[ 26 ]

صاحب تشريح الاصول والاسناد الاعظم، وهو التعهد بذكر اللفظ عند تعلق قصد المتكلم بتفهيم المعنى وابزاره، ويكون متعلق هذا الالتزام النفساني امرا اختياريا، وهو المتكلم بلفظ مخصوص عند ارادة ابراز معنى خاص، والارتباط لا حقيقة له، وانما ينتزع من ذلك. وهذا المعنى، مضافا الى كونه موافقا المعنى الوضع لغة، وهو الجعل والاقرار، مما يساعده الوجدان والارتكاز واورد عليه بايرادات: الاول: ان حقيقة التعهد المزبور، هي الارادة المقومة لتفهيم المعنى باللفظ، وحيث انها ارادة مقدمية توصلية فلا يعقل ان تتعلق بما لا يكون مقدمة لتفهيم المعنى الا بنفس هذه الارادة. وفيه: ان المراد بالتعهد المزبور، هو البناء الكلى على ذكر اللفظ عند ارادة تفهيم المعنى به في مرحلة الاستعمال، عليه، فالتعهد المزبور، غير متوقف على كون اللفظ مفهما فعلا، بل يتوقف على كونه لائقا ومستعدا في نفسه لذلك. وذلك الاستعداد، لا يتوقف على التعهد، وما يتوقف على كونه مفهما فعلا، هي الارادة الاستعمالية التى هي غير هذه البناء الكلى. الثاني: ما عن المحقق العراقى (ره) من ان التعهد المزبور، ان كان راجعا الى النطق باللفظ الخاص الذى هو مرآة للمعنى الخاص عند ارادة ذلك، فيرد عليه: ان ذلك يتوقف على مرآتية اللفظ للمعنى في رتبة سابقة، وهى يتوقف على الوضع وبعده يكون التعهد لغوا. وفيه: ان التعهد المزبور لا يتوقف على المرآتية الفعلية، بل يتوقف على القابلية لذلك، والمرآتية الفعلية، انما تتحقق بنفس هذا التعهد، وما يتوقف على المرآتية الفعلية انما هو الاستعمال. الثالث: ان التعهد لابد وان يتعلق بامر اختياري، فالواضع متعهد لاستعمال نفسه اللفظ المخصوص عند ارادة معنى خاص، واما استعمال غيره، فلا يكون مما تعهده الواضع. وعليه، فالامر يدور بين الالتزام بان من وضع لفظا لمعنى خاص يكون بعد ذلك كل فرد من الافراد المستعملين له فيه واضعا مستقلا، وبين يكون استعمال غيره مجازا

[ 27 ]

وبغير الوضع، وكلاهما كما ترى. فيستكشف من ذلك عدم تمامية ذلك. وفيه: ان العقلاء لهم بنائات عديدة كلية فيما يتوقف رفع احتياجاتهم عليه، كبنائهم على حجية الظواهر، واعتبارهم ملكية زيد لشئ خاص بعد شرائه له، وغير ذلك من الموارد، والمراد من النباء في هذه الموارد، ليس انهم يشكلون مجلسا لذلك، بل هو امر ارتكازى للجميع لا يتخطون عنده. ومن هذه الموارد الوضع. فان بناء العقلاء - لاحتياجهم الى ابراز مقاصدهم بالالفاظ - يكون على متابعة وضع من له الوضع في هذا التعهد، وهم ايضا يتعهدون لذلك تبعا له، فكل فرد من الافراد يكون متعهدا، ولكن يستند الوضع الى الجاعل الاول، لسبقه، وصيرورة وضعه، داعيا لوضع غيره. ويترتب على ما ذكرناه امران: احدهما: ان كل مستعمل واضع حقيقة. ثانيهما: ان العلقة الوضعية، مختصة بصورة خاصة، وهى ما إذا قصد المستعمل تفيهم المعنى باللفظ، وما يرى من انتقال الذهن، من سماع اللفظ الى المعنى وان صدر من شخص بلا قصد التفهيم، أو عنه بلا شعور واختيار، بل وان صدر من اصطكاك حجر بحجر، فهو لا ينافى ما ذكرناه، ولا يكون مستندا الى العلقة الوضعية، بل هو من جهة الانس الحاصل بكثرة الاستعمال أو بغيرها. ثم ان العلقة تتحقق بالتصريح بانشائه، فيقول الوضع قد وضعت اللفظ الفلاني للمعنى الفلاني، وباستعمال اللفظ في غير ما وضع له، كما إذا وضع له، بان يقصد الحكاية عنه، والدلالة عليه بنفسه، لا بالقرينة، ويسمى ذلك بقسميه بالوضع التعييني، كذلك ربما تتحقق بكثرة استعمال اللفظ في المعنى من شخص واحد أو من اشخاص متعددة، الى ان يحصل به الاختصاص والارتباط الخاص، ويسمى بالوضع التعينى. وقد اورد على القسم الثاني من الوضع، التعييني: بان الوضع يستدعى لحاظ اللفظ مستقلا، والاستعمال يستدعى لحاظه فانيا في المعنى. فالوضع بالاستعمال يلازم لحاظ اللفظ بوجهين وبلحاظين في واحد شخصي محال.

[ 28 ]

ويرده ان الوضع سواء كان اعتباريا، ام كان هو الالتزام والتعهد النفساني، ام تنزيليا، فهو يكون متحققا قبل الاستعمال، واستعمال في المعنى، أو التصريح به يكون مبرزا لذلك، فدائما يكون الوضع قبل الاستعمال. مع ان المتكلم لابد وان يلاحظ اللفظ مستقلا في مقام الاستعمال دائما كى يصح الاستعمال. وانما يلاحظه السامع المخاطب آلة. فان حقيقة الاستعمال القاء اللفظ الى المخاطب لينتقل ذهنه من اللفظ الى المعنى، ويحمل عليه المتكلم بما اراده. فاللاحظ آلة، هو المخاطب دون المتكلم. والمتكلم لابد وان يلاحظ مستقلا، فيكون فعل المتكلم من قبيل جعل المرآة، وسماع المخاطب من قبيل النظر الى المرآة ليرى نفسه. ومن الوضح ان جاعل المرآة لا ينظر إليها آلة. فتدبر فانه دقيق. اضف الى ذلك، ان الوضع عبارة عن جعل اللفظ بحيث يكون حاكيا، والاستعمال هو جعله حاكيا فعليا، وهو لازم لجعله بحيث يكون حاكيا، فكما انه في الانشائيات ربما يجعل الشئ بنفسه، كجعل الوجوب والحرمة، وتمليك العين في الهبة، وربما يجعل الشئ بجعل لازمه، كجعل العقاب على ترك الفعل، أو الاتيان به، وتسليط المتهب الذى هو لازم التمليك، كذلك في الوضع، يمكن جعله مستقلا، ويمكن جعله بجعل لازمه وهو جعل اللفظ حاكيا فعليا بالاستعمال. وايضا اورد عليه: بان الاستعمال يتوقف على كون اللفظ مفهما فعلا، وهو يتوقف على الوضع، فإذا كان الوضع حاصلا بالاستعمال، كما هو المفروض، يلزم الدور. وفيه ان كون اللفظ مفهما بلا قرينة يتوقف على الوضع، والاستعمال انما يتوقف على كونه مفهما ولو مع القرينة فلا دور. فالوضع التعييني بقسميه خال عن الاشكال. واما الوضع التعينى فان بلغ فيه الاستعمال الى حد حصل الارتباط بين اللفظ والمعنى، بحيث كان ينتقل الذهن الى المعنى من سماعه ولكن لم يضع احد ذلك اللفظ لذلك المعنى، لم يتحقق الوضع لعدم التعهد، والاعتبار، والتنزيل. وان وضع احد أو جماعة، وابرزه ولو بالاستعمال، فهو يرجع الى الوضع التعييني. وبالجملة ان الاستعمال وان ما بلغ، لا يؤثر بوجوده الخارجي في حصول

[ 29 ]

الوضع قهرا، ما لم يكشف عن جعل المستعمل والتزامه، ومعه يكون الوضع تعيينا، فلا وضع تعينى لنا. اقسام الواضع امكانا، ووقوعا واما الجهة الثالثة، فالكلام فيها في موردين: الاول، في اقسام الوضع امكانا، والثانى، في اقسامه وقوعا. اما المورد الاول: فملخص القول فيه، ان الوضع سواء كان بمعنى التعهد أو الاعتبار أو التنزيل يكون فعلا اختياريا للمواضع. فيتوقف تحققه على تصور اللفظ والمعنى، وعليه فيقع الكلام في مقامين: احدهما في المعنى، وثانيهما في ناحية اللفظ. اما من ناحية المعنى، فالانحاء المتصورة فيها اربعة: الاول: الوضع العام، والموضوع له العام، والثانى: الوضع الخاص، والموضوع له الخاص، والثالث الوضع العام، والموضوع له الخاص، والرابع الوضع الخاص، والموضوع له العام ولا اشكال، ولا كلام في معقولية القسمين الاولين، بل ووقوعهما وانما الكلام في الاخيرين. وقبل بيان ما هو المختار فيهما، ينبغى تقديم مقدمات. الاولى: انه لا ريب في لزوم تصور ما يوضع له اللفظ قبل الوضع والا لا يعقل الوضع الذى هو من الافعال الاختيارية باى معنى كان، وهذا من البداهة بمكان. الثانية: لا يعتبر كون الموضوع له متصورا ومعلوما تفصيلا، بل لو تصورة الواضع اجمالا كفى في الوضع، مثلا في الاعلام الشخصية، تارة يلاحظ الشخص، الموضوع له بجميع خصوصياته فيضع له لفظا خاصا، واخرى يلاحظ بعنوان اجمالي منطبق عليه، كما لو دق الباب شخص فوضع الواضع لفظا، خاصا له، ولا حظه بعنوان من يدق الباب، الذى هو عنوان اجمالي منطبق على ذلك الشخص. وفي الانواع، تارة يلاحظ الطبيعة بمالها من الذاتيات، فيضع اللفظ لها، كما لو لا حظ الطبيعة المركبة من الحيوان والناطق، فوضع لها الانسان، واخرى يلاحظ اجمالا كما لو لا حظ معروض الضحك، فوضع له لفظ

[ 30 ]

الانسان، وهذا ايضا بديهى. الثالثة: ان العنوان الكلى الملحوظ قبل الوضع، ربما يكون من العناوين الذاتية، أو منطبقا عليها، وبكلمة اخرى يكون جامعا ذاتيا بين الافراد كالانسان، وربما يكون من العناوين الانتزاعية الحاكية عن الخصوصيات اجمالا، مثل عنوان فرد الكلى. إذا عرفت هذه المقدمات فاعلم ان جماعة من الاصحالب التزموا بعدم معقولية الوضع العام والموضوع له الخاص مستندا الى استلزامه الوضع لما لم يلاحظ، فان الملحوظ هو الطبيعي، والموضوع له هو الافراد. وجملة من المحققين التزموا بامكانه، مستدلا له بان لحاظ الجامع لحاظ للافراد اجمالا، ولا يعتبر في الواضع ازيد من ذلك. وحق القول في المقام، ان الملحوظ ان كان من قبيل القسم الاول المذكور في المقدمة الثالثة، لا يعقل الوضع للافراد، لعدم حكاية الجامع عنها، لمغايرته مع الخصوصيات، فلا وجه لدعوى ان لحاظ الجامع لحاظ للافراد بوجه، فحيث لا تكون الافراد ملحوظة، فلا يصح الوضع لها، كما عرفت في المقدمة الاولى. وان كان من قبيل القسم الثاني المذكور فيها، لا استحالة في الوضع للافراد، فان العنوان الملحوظ، حاك اجمالا عن جميع الخصوصيات، وقد عرفت في المقدمة الثانية، كفاية لحاظ الموضوع له اجمالا في الوضع. ولعله بما ذكرناه يجمع بين كلمات الاصحاب بان يكون نظر الطائفة الاولى الى القسم الاول، ونظر الطائفة الثانية الى القسم الثاني. واما الوضع الخاص والموضوع له العام، فعن المحقق صاحب الدرر امكانه، واستدل له، بانه إذا تصور الواضع شخصا وجزئيا خارجيا، فوضع اللفظ للجامع بينه وبين ساير الافراد، فان كان عالما تفصيلا بالقدر المشترك بينه وبين ساير الافراد، فلا محالة يكون الوضع عاما كالموضوع له، ولكن إذا لم يعلم به تفصيلا، وعلم اجمالا بوجود الجامع كما إذا راى جسما من بعيد ولم يعلم انه حيوان أو جماد فوضع اللفظ بازاء ما هو متحد مع هذا الشخص، لا يكون الوضع الا خاصا، إذ الموضوع له العام لم يلاحظ الا بالوجه، وهو الجزئي المتصور لفرض عدم تعقل الجامع.

[ 31 ]

ويرد عليه: انه قد مرفى المقدمة الثانية، انه لا يعتبر في صحة الوضع سوى لحاظ الموضوع له، ولو بعنوان مهمل حاك عنه، وعليه فكما انه الفرض الاول يكون تصور الخاص موجبا لتصور العام، فيكون الوضع كالموضوع له عاما، كذلك في الفرض الثاني، يكون تصور الخاص موجبا لتصور عنوان عام مهمل منطبق على الموضوع له، وهو الكلى المشترك بين الشبح وغيره، فانه بنفسه من العناوين العامة، ولحاظ الخاص اوجب لحاظه وتصوره والانتقال إليه، فلا محالة يكون الوضع عاما، فالاقوى عدم معقولية هذا القسم، بل دائما يوجب تصور الخاص تصور العام. هذا كله في ناحية المعنى. واما من ناحية اللفظ، فالواضع حين ارادة الوضع، اما ان يلاحظ اللفظ بمادته وهيئته كما في اسماء الاجناس، واعلام الاشخاص، واما ان يلاحظ المادة، كما في مواد المشتقات، واما ان يلاحظ الهيئة، كما في هيئاتها، وهيئات الجمل الناقصة والتامة. فالوضع في الاول والثانى شخصي، أي لا حظ الواضع شخص اللفظ بوحدته الطبيعية، و شخصيته الذاتية التى امتاز بها في حد ذاته عما عداها، وفي الثالث نوعي، أي لا حظ الواضع اللفظ بجامع عنواني، كهيئة الفاعل. واما المورد الثاني، وهو مرحلة الاثبات والوقوع، فلا اشكال في وقوع الوضع العام والموضوع له العام، كوضع اسماء الاجناس، كما لا شبهة في وقوع الوضع الخاص و الموضوع له الخاص، كوضع الاعلام الشخصية. واما الوضع العام والموضوع له الخاص الذى مر انه ممكن، فقد وقع الخلاف في وقوعه، فذهب جماعة الى ان وضع الحروف وما يشبهها منه، وانكره جماعة منهم المحقق الخراساني. في المعنى الحرفى وتنقيح القول في المقام، يتوقف اولا على تحقيق المعاني الحرفية، والمفاهيم الادوية، ثم التكلم في ان الموضوع له فيهما كوضعهما عام أو انه خاص ؟ فالكلام في مقامين:

[ 32 ]

الاول، في تحقيق المعاني الحرفية، والمفاهيم الادوية، وبيان المراد من عدم استقلالها. وليعلم انه يترتب على البحث عن حقيقة المعنى الحرفى ثمرات مهمة: منها، في الواجب المشروط، حيث انه لو قلنا: انه جزئي، أو آلى مغفول عنه، لا يعقل رجوع القيد الى الهيئة، إذ كونه مغفولا عنه، ينافى لحاظه مقيدا وكذلك الجزئية، لا تلائم مع التقييد، ولاجل ذلك انكر الشيخ الاعظم الواجب المشروط. ومنها في مفهوم الشرط، إذ لو كان المعنى الحرفى آليا مغفولا عنه لا يعقل رجوع القيد الى مفاد الهيئة، كما انه لو كان جزئيا، لابد من انكار مفهوم الشرط فيما إذا كان الوجوب مستفادا من الهيئة، لان انتفاء الحكم الجزئي بانتفاء شرطه عقلي لا ربط له بالمفهوم، بل الدلالة على المفهوم تتوقف على كون المعلق على الشرط سنخ الحكم. و لذلك فضل الشيخ، بين ما كان الحكم في الجزاء، مستفادا من المادة كقوله (ع) إذا زالت الشمس وجبت الصلاة، وما كان مستفادا من الهيئة، مثل ان جائك زيد فأكرمه، حيث التزم بدلالة القضية الشرطية على المفهوم في الاول دون الثاني، بملاك ان الحكم في الاول كلى وفي الثاني جزئي. وكيف كان فقد اختلفوا في حقيقة المعنى الحرفى على اقوال: منها: ان الحروف لم توضع لمعنى اصلا، بل وضعت لان تكون قرينة على كيفية ارادة مدخولها، نظير الاعراب، مثلا وضعت لفظة " في " لان تكون قرينة على ملاحظة الدار لا بما هو موجود عينى خارجي، بل بما هو موجود اينى وظرف مكان لشئ آخر، حيث ان الدار يلاحظ بنحوين: تارة بما ان لها وجود عينى خارجي، فيقال: دار زيد كذا، واخرى بما ان لها وجود اينى أي ظرف مكان لشئ آخر، فكلمة " في " وضعت لتدل على ان الدار في قولنا: ضربت زيدا في الدار، لو حظت بنحو الاينية لا العينية، كما ان الرفع، مثلا قرينة على ان ما اتصل به من الاسم الواقع بعد الفعل، كقولنا: ضرب زيد، هو الصادر عنه الفعل، بلا دلالة على معنى خاص، وهذا لقول منسوب الى المحقق الرضى. ومنها: ما يقابل هذا القول تمام التقابل، و هو انه لا فرق بين معاني الحروف و

[ 33 ]

معاني الاسماء في عالم المفهومية، وانما الفرق بينهما، انما يكون فيما هو خارج عن حريم المعنى والمستعمل فيه، وهو الاستقلالية والالية اللتان هما من قيود الوضع، و مميزاته على ستعرف توضيحه، من دون ان تكونا دخيلتين في الموضع له. فالمعنى في حد ذاته لا يتصف بالاستقال ولا بعدمه وانما نشأ من اشتراط الواضع، وهما من توابع الاستعمال وشؤونه، واختار هذا القول المحقق الخراساني، ونسب الى المحقق الرضى ايضا. ومنها ان الحروف لها معان في قبال المعاني الاسمية، وهى في حد كونها معان، أي في عالم التجرد العقلاني معان غير مستقلة، بخلاف المعاني الاسمية فانها معان مستقلة، فكما ان الجوهر في وجوده لا يحتاج الى موضوع بخلاف العرض، مع انهما في حد ذاتهما وكونهما معاني لا يحتاجان الى موضوع، فكذلك المفاهيم الاسمية في عالم التجرد العقلاني بجواهرها واعراضها معاني مستقلة، عكس المعاني الحرفية. ثم ان اصحاب هذا القول، اختلفوا في بيان الخصوصية المميزة لكل منهما عن الاخر على اقوال، وستمر وما هو الحق منها. واما القول الاول فيرد عليه - مضافا الى ما ستعرف عند ذكر البرهان على ما نختاره في المعنى الحرفى - انه لا ريب في ان الجملة مفيدة لمعنى غير معاني مفرداتها من الاسماء، مثلا " زيد في الدار " مفيد لظرفية الدار لزيد، وهى غير معنى زيد ودار وحيث انها مأخوذة في مفهوم الدار وليس شئ آخر في الكلام غير كلمة " في " يدل عليها، فيتعين ان يكون الدال عليها كلمة " في " والقياس على علامات الاعراب وان كان صحيحا الا انه نلتزم في المقيس عليه ايضا بذلك كما سيمر عليك. واما القول الثاني، فيرد عليه ان لازم ذلك جواز استعمال كل من الحرف والاسم في موضع الاخر، مع انه لا ريب في كونه من افحش الاغلاط، لا حظ ما إذا استعملت مكان سرت من البصرة، سير، ابتدا، بصرة، وهذا الاشكال ذكره المحقق الخراساني (ره)

[ 34 ]

مختار المحقق الخراساني ونقده بقوله: ان قلت: على هذا لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى، ولزم كون مثل كلمة " من " ولفظ " الابتداء " مترادفين صح استعمال كل منهما في موضع الاخر، وهكذا ساير الحروف مع الاسماء الموضوعة لمعانيها، وهو باطل بالضرورة كما هو واضح. واجاب عنه بقوله: قلت: الفرق بينهما، انما هو في اختصاص كل منهما بوضع، حيث انه وضع الاسم ليراد منه معناه هو وفي نفسه، والحرف ليراد منه معناه لا كذلك، بل بما هو حالة لغيره، كما مرت الاشارة إليه غير مرة، فالاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع يكون موجبا لعدم جواز استعمال احدهما في موضع الاخر، وان اتفقا في ماله الوضع، وقد عرفت بما لا مزيد عليه، ان نحو ارادة المعنى لا يكاد يمكن ان يكون من خصوصياته ومقوماته انتهى. وقد وقع الخلاف بين الاكابر في بيان المراد مما افاده. وقد افاد المحقق النائيني: بان مرجع هذا القول في الحقيقة الى ان كلا من لفظ من ولفظ الابتداء موضوع للمعنى الجامع بين ما يستقل بالمفهومية وما لا يستقل، فكان كل منهما في حد نفسه يجوز استعماله في مقام الاخر الا ان الواضع لم يجز ذلك، ووضع لفظة من لان تستعمل فيما لا يستقل، وبان يكون قائما بغيره، ولفظة الابتداء لان تستعمل فيما يستقل وما يكون قائما بذاته، فكأنه شرط من قبل الواضع مأخوذ في ناحية الاستعمال من دون ان يكون مأخوذا في حقيقة المعنى. اقول ليس مراد المحقق الخراساني ما افاده، كما ستعرف عند بيان مراده، ولكن لو سلم كون ذلك مراده، أو لا اقل من كونه مراد بعض آخر من الاعاظم يرد عليه: انه إذا كان المعنى الحرفى والاسمى واحدا، ولم يقيد الموضوع له في كل منهما بقيد غير ما يكون الاخر مقيدا به، ولم يضيق العلقة الوضعية، يلزم منه جواز استعمال احدهما في

[ 35 ]

موضع الاخر، فان شرط الواضع لان يستعمل كل منهما في المعنى المشترك في حالة خاصة، بما انه لا يكون راجعا الى الموضوع، ولا الموضوع له ولا الوضع، لا يكون لازم الاتباع. واما ما اورده هو (قده) عليه، بان ما ذكره مستلزم لكون المعنى في نفسه لا مستقلا ولا غير مستقل وليس هذا الا ارتفاع النقيضين، فهو غير تام. إذ الاستقلالية والالية في كلماته اريد بهما الاستقلالية والآلية في اللحاظ، فقبل تعلق اللحاظ بالمعنى لا يكون متصفا بشئ منهما، لعدم قابلية المعنى للاتصاف باحدهما في نفسه، فلا يلزم ارتفاع النقيضين. وعن بعض الاعاظم، ان مراده: ان المعنى الاسمى والحرف متحدان في طبيعي المعنى، وانما الاختلاف بينهما في ان كلا منها، حصة خاصة من ذلك الطبيعي الجامع. توضيح ذلك: ان المعنى الحرفى هو الطبيعي الملحوظ آلة، والمعنى الاسمى هو الطبيعي الملحوظ استقلالا، وحيث ان الطبيعي ما لم يتحصص لم يوجد لا خارجا ولا ذهنا، فكل حصة موجودة بوجود تغاير ساير الحصص، وان كان جميع الحصص مشتركة في اصل الطبيعي، وهذا هو معنى قولنا: ان نسبة الطبيعي الى الافراد نسبة الاباء الى الابناء لا نسبة الاب الواحد. والحرف موضوع للحصص الموجودة باللحاظ الالى، والاسم موضوع للحصص الموجودة باللحاظ الاستقلالي، ولا نعنى بذلك وضع كل منهما للحصص مقيدة باللحاظ الالى، أو الاستقلالي، حتى يرد عليه المحاذير الثلاثة المذكورة في الكفاية، بل المراد وضعهما لذوات الحصص التوأمة مع اللحاظ، وانما يؤخذ اللحاظ عنوانا معرفا، وعليه فيصح ان يقال: ان الاسم والحرف وضعا لمفهوم واحد ومع ذلك لا يجوز استعمال احدهما في موضع الاخر. وفيه: بعد ما ستعرف من ان مراده ليس ذلك ايضا - انه لو سلم كون هذا مراده ان ما ذكروه في محله - من ان الموجود لابد وان يكون حصة من الطبيعي، ولا يعقل ان يكون هو الطبيعي، والا يلزم ان يكون شئ واحد موجودا بوجودات متباينة، فيكون نسبة الطبيعي الى الافراد نسبة الاباء الى الابناء. انما هو في الوجود الخارجي، واما في الوجود

[ 36 ]

الذهنى فلا ينبغى التوقف في ان الموجود به، أي المتصور والملحوظ انما هو الطبيعي نفسه والا لما صح قولنا: الانسان نوع، إذ ما لم يتصور لا يصح الحمل، ومعه بصير حصة لا نوعا. والسر في ذلك، ان النفس من المجردات، فيمكن احاطة النفس بالطبيعي وليس معنى الوجود الذهنى الا ذلك. فإذا الملحوظ آلة، متحد مع الملحوظ استقلالا ذاتا، لا انهما متغايران. مع ان لازم كون الموجود بالوجود الذهنى حصة من الطبيعي، عدم الصدق على الخارجيات، وامتناع امتثال " سر من البصرة ". إذ الحصة الموجودة بالوجود الذهنى، كما تغاير الحصة الموجودة بالوجود الذهنى الاخر، كذلك تغاير الحصة الموجودة بالوجود الخارجي. فلا يمكن الامتثال حتى مع التجريد، والغاء الخصوصية. ودعوى ان الحصة الملحوظة حين الامر، تكون مرآتا لما يوجد في الخارج، فندفعة بانه بعد كونهما متغايرتين، لا معنى لذلك. اضف الى ذلك كله، ان لازم ما ذكره، كون الموضوع له خاصا. والمحقق الخراساني، ملتزم بان الموضوع له عام. بل لازمه كون الموضوع له في الاسماء ايضا خاصا، كما لا يخفى. والظاهر ان مراد المحقق الخراساني مما ذكره: ان المعنى الاسمى والحرفي واحد من جميع الجهات. وانما الاختلاف بين الاسم والحرف، يكون في العلقة الوضعية. وهو المانع عن صحة استعمال كل منهما موضع الاخر. توضيح ذلك: انه كما يكون للواضع ان يقيد الموضوع له. ويوضع لفظ " البكاء " للبكاء الشديد، ويقيد الموضوع، ويوضع لفظ " محمد حسن " لشخص خاص، كذلك له تضييق الوضع، والعلقة الوضعية، بان يقول: مثلا انى وضعت لفظ الماء، للجسم السيال البار، وبالطبع في الشتاء، بمعنى انى متعهد بانى متى ما اردت ذلك الجسم في الشتاء، ابرزه بهذا اللفظ، وما لو اردته في الصيف، فابرزه بلفظ آخر. ويكون ذلك، نظير تقييد اعتبار الملكية في باب الوصية بما بعد الموت، وتقييد الطلب في الواجب المشروط. وعليه فالمحقق الخراساني (ره) يدعى ان لفظ " من " ولفظ " الابتداء " وضعا لمفهوم واحد، الا ان الوضع في الاول، مقيد بما إذا لو حظ ذلك المعنى حالة لغيره وآلة، وفي الثاني، مقيد بما إذا لو حظ استقلالا، فالعلقة الوضعية بين كل من

[ 37 ]

اللفظين، وذلك المفهوم، انما تكون في حال دون حال. فلهذا لا يصح، استعمال احدهما في موضعع الاخر. وانت بعد الاحاطة بما ذكرناه، والتدبر في كلمات المحقق الخراساني في الكفاية في المقام، وفى المشتق، لا ترتاب في ان مراده ذلك. ولكن ذلك ايضا. لا يكون فارقا بين المعنيين، فانه ان ادعى كون الحرف، موضوعا للمعنى حين ملاحظته آلة لغيره، فيلزم ان يكون كل ما يلاحظ معرفا لغيره معنى حرفيا، توضيحه: ان المفاهيم ووالعناوين والعناوين الكلية، قد تلاحظ استقلالا وبما هي، ليحمل عليها بعض عوارضها، لكما إذا لو حظ الانسان، ليحمل عليه، انه كلى أو حيوان ناطق. وقد تلاحظ بما انها مرآة، وآلة ووجه للمصاديق لها ليحمل عليها عوارض المصاديق. كما إذا لو حظ الانسان، ليحمل عليه انه ضاحك. إذ بديهى، ان الضاحك، هو الفرد. وانما يؤخذ العنوان قنطرة إليه، لتعذر تصور المصاديق باجمعها. وعليه، فيلزم ان تكون المفاهيم - حين ما تلاحظ مرآة للمصاديق - معان جرفية. وهو كما ترى. اضف إليه، ان ملاحظة الشئ آلة لغيره، لا مورد لها، سوى المفاهيم، بالاضافة الى مصاديقها. إذ لا يصح جعل كل شئ، مرآة لكل شئ. بل لابد ان يكون بينهما مناسبة خاصة، وهى كون المعرف عين المعرف. ولذا لا يصح لحاظ الجدار، مرآة للبارى تعالى مع وجود المناسبة بينهما، وهى العلية. وعلى ذلك فلا يعقل كون المعنى الحرفى، ما لو حظ آلة لغيرة. إذ لو اريد ان الظرفية، مثلا في قولنا: " زيد في الدار " لو حظت مرآة للمصاديق، فهى مفهوم كلى ومعنى اسمى. وان اريد انها لو حظت مرآة بالنسبة الى الطرفين أو احدهما، فهو غير صحيح كما عرفت. وان ادعى ان المعنى الحرفى، هو الملحوظ حالة لغيره، فيلزم ان تكون المصادر معان حرفية. توضيح ذلك: ان الفرق بين المصادر، واسماء المصادر - على ما ذكره اهله - هو ان المعنى الحدثى كاكرام - تارة يلاحظ بما هو موجود في نفسه، واخرى بما انه وصف لمعروضه، وحالة للمكرم. والاول، هو اسم المصدر. والثانى، هو المصدر. وكذلك الظرفية، ربما تلاحظ بما هي. و ربما تلاحظ بما انها حالة للدار. وان لو حظت على النحو الاول، فهى اسم المصدر. وان لو حظت على النحو الثاني. فهى المصدر. لا انه على الاول، معنى اسمى. وعلى الثاني،

[ 38 ]

معنى حرفي. فالمتحصل مما ذكرناه: فساد القولين الاولين. وان المعنى الاسمى والحرفي، متباينان بالذات والحقيقة. ثم ان القائلين بهذا القول، اختلفوا في كيفية هذا التباين، وما به الامتياز. فقد يقال: ان التغاير بينهما ليس بالتباين، بل بالجزئية والكلية. وفيه انه ان اريد - يكون المعنى الحرفى جزئيا - انه جزئي خارجي حقيقي، فيرد عليه، ان لازم ذلك كون الاعلام الشخصية معان حرفية، مع انه نرى استعمال الحرف في الكلى. كقولنا: سر من البصرة، وصل في المجسد. وان اريد به، انه جزئي اضافي - كما عن صاحب الفصول - فيرد عليه ان لازم ذلك كون جميع الاسماء الا الاجناس العالية، معان حرفية، كما لا يخفى، مع ان الاجناس العالية - كغيرها من الاسماء - قابلة للتفييد بقيد، فتصير جزئية اضافية. وان اريد به انه جزئي ذهني، فيرد عليه ما تقدم، من ان لحاظ كون المعنى آلة لغيره، وحالة، له، لا يوجب كون المعنى معنى حرفيا. واما ما اورده المحقق الخراساني على هذا الوجه، من الايرادات الثلاثة، فاثنان منها غير واردين. احدهما: ان هذا اللحاظ لا يكون مأخوذا في المعنى والمستعمل فيه، والا فلا بد من لحاظ آخر متعلق بهذا اللحاظ، بداهة ان تصور المستعمل فيه مما لابد منه في استعمال الالفاظ، وهو كما ترى. فيرد عليه، انه يعتبر في الاستعمال لحاظ المستعمل فيه، إذا لم يكن حاضرا بنفسه عند النفس، من جهة انه إذا لم يتوجه إليه، لا يمكن ان يحكم عليه، وان يستعمل اللفظ فيه. وإذا كان المعنى من سنخ اللحاظ، أو كان ذلك جزء له، فلا حاجة في الحكم عليه واستعمال اللفظ فيه لحاظ آخر. ثانيهما: ان لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف، ليس الاكلحاظه في نفسه في الاسماء، فكما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا في المستعمل فيه، كذلك ذاك اللحاظ. ويرد عليه، ان المدعى ان لحاظ الالية اخذ جزء للموضوع له، ودخيلا فيه بخلاف لحاظ الاستقلالية في الاسم، ولذا يكون معنى الحرف جزئيا، والمعنى الاسمى كليا.

[ 39 ]

نعم ايراده الثالث، تام. قال: مع انه يلزم ان لا يصدق على الخارجيات، لامتناع صدق الكلى العقلي عليها، حيث لا موطن لا الا الذهن. مختار المحقق النائيني في المعنى الحرفى ونقده وعن المحقق النائيني (ره) اختيار مسلك آخر في الفرق بينهما. وحاصلة: ان المعاني الاسمية: معان اخطارية، ولها نحو تقرر وثبوت في وعاء العقل الذى هو وعاء الادراك، ويكون استعمال الالفاظ فيها موجبا لاخطارها في الذهن، والمعاني الحرفية امور ايجادية، واستعمال الالفاظ فيها موجب لايجاد معانيها من دون ان يكون لها نحو تقرر و ثبوت مع قطع النظر عن الاستعمال، بل توجد هي في موطن الاستعمال. ومحصل ما ذكره من الفرق بينهما يبتنى على اركان اربعة: الاول: ان المعاني الاسمية مفاهيم اخطارية غير مربوط بعضها ببعض، كمفهوم " زيد " و " دار " ومفهوم النسبة الظرفية لا حقيقتها، ويتوقف تأليف الكلام منها الى الربط، ولو كان معاني الحروف ايضا اخطارية لما وجد الربط، بل كان حالها حال المعاني الا سمية في الاحتياج الى الربط، فلا محالة تكون المعاني الحرفية باجمعها ايجادية موجدة للربط بين المفاهيم غير المرتبطة. الثاني: ان لازم كون المعاني الحرفية ايجادية، ان لا واقع لها بما هي معان حرفية في غير التركيب الكلامي، بخلاف المفاهيم الاسمية، فانها مفاهيم متقررة في عالم مفهوميتها سواء استعمل اللفظ فيها ام لا. الثالث: ان المادة في الهيئة الانشائية، مثل بعت، تكون ايجادية، الا انه فرق بين هذا النحو من الايجاد والايجاد في الحروف، وهو ان الحرف موجد لمعنى غير استقلالي ربطي بين مفهومين في مقام الاستعمال، ولا واقع له غير هذا المقام، بخلاف البيع الذى يوجد بقول البايع: " بعت " فان ايجاده بمعونة الهيئة ليس في عالم الاستعمال، بل بتوسط الاستعمال يوجد المعنى في نفس الامر في الافق المناسب لوجوده، وهو عالم

[ 40 ]

الاعتبار. فكم فرق بين ايجاد معنى ربطي في الكلام بما هو كلام، وبين ايجاد معنى استقلالي في موطنه المناسب له. الرابع: ان المعنى الحرفى حين الاستعمال غير ملتفت إليه، ويكون حاله حال اللفظ حين الاستعمال، فكما ان المستعمل حين الاستعمال لا يرى الا المعنى، ولا يلتفت الى اللفظ، كذلك المعنى الحرفى غير ملتفت إليه حال الاستعمال. بل الملتفت إليه، هي المعاني الاسمية غير الاستقلالية. ولو التفت إليه يخرج عن كونه معنى حرفيا. ولذا لا يعقل جعله مبتدئا يخبر عنه. توضيح ذلك: انه تارة تخبر عن نفس السير الخاص وتقول:. سرت من البصرة " فالنسبة الابتدائية في هذا المقام، مغفول عنها. واخرى عن نفس النسبة، فتقول النسبة الابتدائية كذا، فهى الملتفت إليها. فالمتحصل من هذه الاركان: ان الحروف، لها معان في قبال المعاني الاسمية. وهى في حد كونها معاني - أي في عالم التجرد العقلاني - معان غير مستقلة وتكون المعاني الحرفية باجمعها، ايجادية، موجدة لمعنى ربطي في الكلام، لا في محل آخر، كما في مادة الهيئة الانشائية. بخلاف المعاني الاسمية، فانها بجواهرها واعراضها في عالم التجرد العقلاني، معان مستقلة، وتكون اخطارية. ويرد على ما افاده (قده) امور: الاول: ان الكلام الذى هو مركب من الكلمات التى يكون كل كلمة منها فردا من مقولة الكيف المسموع، من حيث هو كلام لا يعقل الارتباط فيه. بل كون الكلام مرتبطا بعضه ببعض، انما يكون بلحاظ ما يحكى عنه هذا الكلام، وانما يستند إليه ثانيا وبالعرض. وعلى ذلك، ان كان مراده (قده) من ان الحرف يوجد الربط، انه يوجد الربط في الكلام، ويكون آلة لربط بعض اجزائه ببعض، فقد عرفت ما فيه. وان كان مراده، انه يوجد الربط بين اجزاء المدلول بالعرض، أي الواقع، فهو غير معقول. إذ الحاكى لا يمكن ان يؤثر في المحكى، والا لزم تقدم ما هو متأخر، مضافا الى مخالفته للوجدان. وان اريد انه يوجد الربط في المدلول بالذات، أي المفاهيم المتصورة، فيرد عليه: ان تلك المفاهيم، ان لو حظت مرتبطا بعضها ببعض، فالحرف لم يصر سببا لايجاد الربط، بل يكون حاكيا عنه، فيكون معناه اخطاريا. وان لو حظت غير مرتبط بعضها ببعض، فلا يعقل ايجاد الربط بين

[ 41 ]

ابعاضها، إذا الشئ لا ينقلب عماهو عليه. وان شئت قلت: ان الكلام يكون حاكيا عنها ومؤخرا، فكيف يعقل تأثيره فيها. الثاني: انه لو سلمنا ان الحرف يوجد الربط بين اجراء الكلام، ولكن بما انه لا يكون حاكيا عن النسبة الخارجية، ولا حاكى عنها غيره فلا يصح السكوت عليه. مثلا " زيد قائم " مركب من الموضوع، والمحول، والنسبة، والحاكى عن الموضوع والمحمول الخارجيين، هو الموضوع والمحمول في الكلام، واما الحاكى عن النسبة الخارجية فليس. وعليه فلابد ان لا يصح السكوت عليه، إذ الكلام انما يصح السكوت عليه باعتبار مدلوله، وهو كما ترى. الثالث: ان ما ذكره لكون المعنى الحرفى ايجاد يا ولا واقع له سوى الكلام ولا يمكن لحاظ استقلالا ويكون دائما مغفولا عنه، يرد عليه: انه غالبا يكون المقصود الصلى لالقاء الكلام الى المخاطب، افادة المعاني الحرفية، أي النسب الخارجية، مثلا من علم وجود " زيد " و " الدار "، واراد ان يخبر عن كون زيد في الدار، يقول: زيد في الدار، لافادة النسبة الظرفية، فكيف، يمكن الالتزام بكونها مغفولا عنها، مع ان الكلام سيق لبيانها، وانما ذكر الاسم مقدمة لافادتها. مختار الاستاذ الاعظم في المعنى الحرفى ونقده وقد افاد الاستاذ الاعظم: بان الحروف انما وضعت لتضييقات المعاني الاسمية، وتقيداتها بقيود خارجة عن حقائقها في عالم المفهومية، كان للمعنى وجود خارجي ام لم يكن. توصح ذلك: ان كل مفهنم من المفاهيم الاسمية جزئيا كان ام كليا يكون مقسما لاقسام وله حصص. غاية الامر، تارة يكون تفسيمه بلحاظ انواعه كالجنس، واخرى بلحاظ اصنافه كالنوع، وثالثة بلحاظ افراده، ورابعة بلحاظ حالات شخص واحد ولو كان بسيطا من جميع الجهات. وحيث ان حصص المعنى الواحد واقسامه - فضلا عن المعاني الكثيرة - غير منتاهية، الموجب ذلك لعدم امكان وضع خاص لكل حصة،

[ 42 ]

وغرض المتكلم قد يتعلق بابراز حصة خاصة من المفهوم، فلابد للواضع من وضع ما يوجب تحصص المعنى وتقييده، وليس ذلك الا الحروف والهيئات الدالة على النسب الناقصة، وهيئة الاضافة أو التوصيف، مثلا كلمه " في " في قولنا: الصلاة في المسجد، لا تدل الا على ان المراد من الصلاة ليس هي الطبعية السارية، بل خصوص حصة منها، كان تلك الحصة موجودة في الخارج، ام معدومة ممكنة، ام ممتنعة. ولهذا يكون استعمال الحروف في الواجب والممكن والممتنع على نسق واحد، وبلا عناية في شئ منها. ولكن يرد عليه، ان ما ذكر وان كان متينا، إذ ليس شان الاسماء التضييق، بل ذلك شان الحروف، الا ان ذلك اثر معاني الحروف ونتيجتها لا انها وضعت لذلك. والشاهد عليه، ان قولنا: زيد في الدار، يدل على ثبوت النسبة الظرفية التى غير المعاني الاسمية، ولو مع فرض ارادة الحصص منها. والدال عليها ليس الالفظ " في ". بيان المختار في المعنى الحرفى والتحقيق يقتضى ان يقال: ان الحروف انما وضعت للنسب والروابط الصرفة. توضيح ذلك: ان الوجود ينقسم الى اربعة اقسام: الاول: ما يكون في نفسه ولنفسه وبنفسه وهو وجود الواجب. الثاني: ما يكون في نفسه ولنفسه وبغيره، وهو وجود الجوهر. الثالث: ما يكون في نفسه ولغيره وبغيره، وهو وجود الاعراض، وبعبر عنه بالوجود الرابطى، ويعبر عن هذه الثلاثة، بالوجود المحمولي، ومفاد كان التامة وثبوت الشى الرابع: ما يكون في غيره ولغيره وبغيره وهو المعبر عنه بالوجود الرابط، وهو اضعف مراتب الوجود، حتى انه الاسفار حكم يتخالف الوجود الرابط مع الوجود المحمولي سنخا، وان اطلاق الوجود عليما من باب الاشتراك اللفظى، والحروف والهيئات انما وضعت لافادة هذا المعنى، وبما ذكرناه ظهر الفرق بين الحروف والاعراض. فان قلت: الفرق بين الحروف وجملة من الاعراض واضح مما ذكرت، واما

[ 43 ]

الفرق بينها وبين الاعراض النسبية، كمقولة الاين فغير ظاهر. قلت: الفرق بينهما، ان تلك الاعراض انما وضعت لهيئات ذوات نسب، مثلا مقولة الاين انما هي الهيئة القائمة بالكائن في المكان، واما الحروف فانما وضعت للنسب الخاصة، مثلا كلمة " في " وضعت لنسبة الكون في المكان، و " من " وضعت لنسبة المبتدء به بالمبتداء منه. فان قيل: ان مثل قولنا: " زيد في الدار " يدل على مقولة الاين بلا ريب، والدال عليها في هذه الجملة احد امرين: فاما ان يكون هو لفظ الدار ولو مجازا، وهو خلاف الوجدان. واما يكون هو لفظ " في "، فيعلم من ذلك ان كلمة " في " انما وضعت للعرض النسبى المعبر عن وجوده بالوجود الرابطى، لالربط الاعراض بموضوعاتها المعبر عنه بالوجود الرابط. اجبنا: ان الكلام المزبور لا يدل على مقولة الاين، نعم لازم ما يدل عليه - وهى نسبة الكون في المكان - تحقق مقولة الاين، ولكن الكلام لا يدل عليها، وهذا نظير ما لو اخبر المتكلم بمجئ احد ا لمتلازمين، فانه وان كان يستفاد منه مجيئ الاخر الا ان الكلام المسوق لبيان مجيئ احدهما لا يدل عليه. فتحصل مما ذكرناه امور: الاول: ثبوت الفرق بين الحروف والاعراض النسبية، فما نسب الى المحقق العراقى (ره) من عدمه ضعيف. الثاني: انه لا فرق بين الحروف والهيئات، كما عليه جماعة من الحكماء منهم صدر المتألهين، فايراد المحقق العراقى عليه غير وارد. الثالث: ان المعنى الحرفى اخطاري لا ايجادي، ومع ذلك يكون مباينا مع المعنى الاسمى ذاتا، لكونه متقوما وجودا وذاتا بالغير، بخلاف المعنى الاسمى. الرابع: ان المعنى الحرفى ملحوظ استقلالا، لكنه في ضمن لحاظ المنتسبين لا وحده، فانه بنفسه وذاته متقوم ومتدل بهما، ولا يكون ملحوظا آلة لغيره. فتد برفانه حقيق به.

[ 44 ]

الوضع في الحروف عام والموضوع له عام اما المقام الثاني: وهوان الموضوع له في الحروف عام أو خاص، فقد اختلفت كلمات القوم فيه على اقوال: الاول: كون الوضع عاما، والموضوع، والمستعمل فيه خاصا. الثاني: كون كل من الواضع والموضوع له والمستعمل فيه عاما. الثالث: كون الوضع عاما وكل من الموضوع له والمستعمل فيه خاصا. اما الوجه الاول، فهو بديهى البطلان إذ الوضع انما يكون للاستعمال، فلا معنى لوضع اللفظ لمعنى لا يستعمل فيه ابدا، ويستعمل في معنى آخر. واما الوجه الثاني، ففيه مذاهب: الاول: ما اختاره المحقق الخراساني، وقد عرفت ما فيه. نعم لو تم ما ذكره في المعنى الحرفى، صح ما بنى عليه. الثاني: ما اختاره استاذ الاساتذه المحقق النائيني (ره) وحاصله: ان المراد من الكلية والجزئية في المقام ليس بمعنى الصدق على الكثير ين وعدمه، كما هو شأن المفاهيم الاسمية. إذ حقيقة المعنى الحرفى، هي حقيقة الربط الكلامي. فلا يعقل صدق هذه النسبة على الخارج، بل هي مما ينطبق عليه المفهوم الاسمى بل المراد بالكلية والجزئية في المقام، هو ان المعنى الحرفى الذى يكون قوامه بالطرفين، كما ان الطرفين خارجان عن حريم المعنى، هل التقيدات ايضا خارجة فيكون الموضوع له واحدا وكليا ؟ وبعبارة اخرى: يكون ما اوجدته كلمة " من " مثلا في جميع الموارد هوية واحدة، وتكون الخصوصيات اللاحقة لذلك المعنى بتوسط الاستعمالات خارجة عن حريم المعنى ؟ ام هي داخلة في المعنى، فيكون الموضوع له متعددا وخاصا ؟ واختار قده الاول، بدعوى ان المعاني الحرفية، وان احتاجت في مقام وجودها الى خصوصية الطرفين، الا انها في مقام ماهياتها لا تحتاج إليها، فهى نظير الاعراض، فكما انها في مقام تحققها في الخارج

[ 45 ]

تحتاج الى الموضوع، لا في مقام ماهياتها، فكذلك المعنى الحرفى. وفيه: ان الموضوع له في الحروف ان كان هو القدر المشترك بين الروابط الخاصة الذى هو مفهوم من المفاهيم، تم ما ذكره في المقام: من ان الموضوع له عام، الا ان لازمه كون المعنى الحرفى اخطاريا. وان كان الموضوع له في الحرف حقيقة الربط الكلامي، الذتى تكون معنى جزئيا وان كانت خصوصيات الاطراف خارجة عن حريم المعنى، فيكون الموضوع له خاصا. وبذلك يظهر ان ما ذكره المحقق الرشتى (ره) من القول بكون المعنى الحرفى ايجاديا، يستلزم كون الموضوع له خاصا، إذ الشئ ما لم يتشخص لم يوجد، متين. ولا يمكن الجواب عنه بان الكلى الطيعى موجود في الخارج، إذ هو كان صحيحا الا انه لا يكون هو الموضوع له على هذا المبنى. والتحقيق يقتضى ان يقال: بعد ما لا شك في ان النسب الخاصة المتحققة، إذا لا حظناها نرى بالوجدان ان كل جملة منها متماثلة، وتماثلها انما يكون بامر ذاتي داخل في قوامها، مثلا النسبة الظرفية التى تستعمل كلمة " في " فيها، لها جزئيات خارجية متماثلة، وتلك الجزئيات متباينة مع جزئيات النسبة الابتدائية، وعلى ذلك وقع الكلام في ان تلك الجهة، هل هي جامع حقيقي ام انتزاعي، وهل تكون هي الموضوع لها ام لا ؟ فالكلام في موردين: الاول، في امكان وجود الجامع الحقيقي بين تلك النسب. والثانى، في مقام الاثبات. اما الاول، فقد يقال كما عن المحقق الاصفهانى: بانه لا يمكن وجود الجامع بين تلك النسب الخاصة، حيث ان حقيقة النسبة في ذاتها متقومة بالمنتسبين ذهنا وعينا، فلا تقرر لها مع قطع النظر عن الوجودين، بخلاف الماهيات، فانها متقررة في ذاتها. وعليه فلا جامع ذاتي بين حقائق النسب، فان الغاء الطرفين اعدام لذاتها، فهى مع قطع النظر عنهما لا شئ اصلا حتى تقررا، فلا يعقل ان يكون الموضوع له فيها عاما. وفيه: ان المراد بالكلية والجزئية والعموم والخصوص في الموضوع له فيها، ليس عدم دخل المنتسبين ودخلهما، بل المراد انه كما تكون النسبة في وجودها وتقررها

[ 46 ]

وذاتها تابعة لهما - وهى بذاتها معنى متدل في الغير - كذلك تكون في كليتها وجزئيتها تابعة لهما. فان كان الموضوع له هي النسب الخاصة بين المنتسبين الخاصيين بخصوصيتهما، كان الموضوع له خاصا. وان كان الموضوع له هو النسبة القائمة بالمنتسبين العامين، كان عاما. مثلا نقول: ان " في " وضعت لافادة النسبة الظرفية التى بين الظرف - كان هو الدار أو غيرها - والمظروف - كان وهو زيدا أو غيره - وهذا المعنى من العموم والخصوص يتصور في النسبة. وامال المورد الثاني: فالظاهر هو الوضع للعام، لما نرى من استعمال الحروف في الجهات العامة بلا عناية، كما في قولنا: سر من البصرة الى الكوفة. فانه لا ريب في ان كلمة " من " و " الى " انما استعملتا في طبيعي معناهما، وعلى الجملة، المنساق الى الذهن، هو كون الموضوع له عاما. فالمتحصل مما ذكرناه كون الموضوع له عاما. وبما ذكرناه ظهر مدرك كونه خاصا، ونقده. تحقيق الانشاء والاخبار قال المحقق الخراساني، بعد ما اختار من ان المعنى الاسمى والحرفي متحدان بالذات والحقيقة ومختلفان باللحاظ الالى والاستقلالي وقد بينا مراده: لا يبعدان يكون الاختلاف في الخبر والانشاء ايضا كذلك، فيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه، والانشاء ليستعمل في قصد تحققه وثبوته، وان اتفقا فيما استعملا فيه انتهى. توضيح ذلك: ان الصيغ المشتركة - كصيغة بعت - تستعمل في معنى واحد مادة وهيئة في مقامي الانشاء والاخبار، اما بحسب المادة فلانها وضعت للطبيعة المهملة، وهى تستعمل فيها دائما. واما بحسب الهيئة فلانها تستعمل في نسبة ثبوت المادة الى المتكلم في كلا المقامين، غاية الامر العلقة الوضعية في كل منهما غير العلقة الوضعية في الاخر. فانها في الجملة الانشائية تختص بما إذا قصد المتكلم ثبوت المعنى في الخارج،

[ 47 ]

وفي الجملة الخيرية تختص بما إذا قصد الحكاية عنه. وتبعه في ذلك جمع من المحققين. واورد عليه الاستاذ: بانه لو كان الامر كذلك لصح استعمال الجملة الاسمية في مقام الطلب، كالجملة الفعية مع انه يصح، فيكشف ذلك عن خصوصية في الافعال. وفيه، ان استعمال الجملة الاسمية في مقام انشاء الطلب كثير. لا حظ " انى طالب لقيامك " وفي مقام الانشاء في غير الطلب اكثر، كقولنا: " هذا لزيد بعد وفاتي ". و " زوجتى طالق ". و " عبدى حر ". وبالجملة استعمال الجملة الاسمية في مقام انشاء الطلب وغيره غير عزيز. وعدم صحة استعمال بعض الجمل الاسمية في مقام انشاء الطلب كعدم صحة استعمال الفعل الماضي في مقام انشاء الطلب، واستعمال المضارع في مقام انشاء البيع، انما هو لخصوصية في المعنى. مثلا " زيد قائم "، لا يصح استعماله في مقام طلب القيام من زيد، من جهة ان هيئة هذه الجملة وضعت لتفهيم ثبوت النسبة بين القيام والزيد. ثم انه (دام ظله) افاد في مقام الفرق بينهما: ان الانشاء حقيقته، هو ابراز امر نفساني باللفظ، غير قصد الحكاية. فالمتكلم بمقتضى تعهده والتزامه يكون اللفظ الصادر منه مبرز الاعتبار من الاعتبارات القائمة بنفسه، وانه هو الداعي لايجاده، مثلا هيئة " افعل " بمقتضى التعهد المزبور تكون مبرزة لاعتبار الوجوب، وكون المادة على عهدة المخاطب. والخبار حقيقته ابراز قصد الحكاية عن ثبوت المحمول للموضوع، أو نفيه عنه في الجملة الاسمية، وابراز قصد الحكاية عن تحقق المبدء سابقا على التكلم في الفعل الماضي، وابراز قصد الحكاية عن تلبس الذات بالمبدء في حال التكلم أو بعده في المضارع. و استدل لما اخناره: بان حقيقة الانشاء، ليست عبارة عن ايجاد معنى كالطلب و غيره باللفظ. فان الوجودات الحقيقية للمعانى، لا يمكن ايجادها الا باسبابها الخارجية، واللفظ ليس منها بالضروة. واما الوجودات الاعتبارية، فاعتبار نفس المتكلم، قائم بنفسه من غير دخل للفظ فيه. واما الاعتبارات العقلائية، فالانشائات وان كانت موضوعات لتلك الاعتبارات، الا انها مترتبة على قصد المعاني بها. والكلام فعلا في بيان ذلك، فلا مناص عن الالتزام بما ذكرناه في الانشاء. واما الاخبار، مثلا الجملة الاسمية،

[ 48 ]

فهى غير موضوعة للنسبة الخارجية، كما هو المعروف، لعدم وجودها في كثير من الجمل الاسمية. مع انه لا كاشفية لها من حيث هي عن تحقق النسبة في الخارج ولو ظنا. فما معنى كونها موضوعة لها ؟ فلا محالة تكون موضوعة لما ذكرناه. اقول: ما ذكره في الاخبار، من انه موضوع لقصد الحكاية عن ثبوت المحمول للموضوع، أو نفيه عنه، أو لقصد الحكاية عن انتساب المبدأ بالذات بالنسبة التحققية، أو التلبسية، تام. ولا ينافى ما ذكرناه تبعا لجماعة من المحققين، من ان هذه الهيئات موضوعة كساير الهيئات والحروف للنسب الخاصة. إذ مرادنا، هو ذلك لاجل ان الوضع بما انه هو التتعهد - كما عرفت - فلابد وان يتعلق بامر اختياري. وهو التكلم بلفظ مخصوص عند تعلق القصد بتفهيم معنى خاص. فالمراد من وضع الهيئة للنسبة، هو انه إذا تعلق القصد بتفهيم النسبة، يجعل مبرزها الهيئة. فتكون الجملة بنفسها، مصداقا للحكاية. فهذا الذى ذكره، يؤيد ما اخترناه في وضع الحروف. واما ما افاده: من ان الانشاء ليس عبارة عن ايجاد المعنى باللفظ، وان ما اشهر من ان الانشاء، هو قصد تحقق المعنى باللفظ مجرد لقلقة اللسان، فهو على فرض الاخذ بما هو ظاهر هذا الكلام في بادى النظر، حق ومتين. ولكن يمكن ان يقال: ان مراد المشهور، كون الانشاء موجبها لوجود المعنى في عالم الاعتبار، أي اعتبار العقلاء. وعليه فهو حق لا سترة عليه. إذ لا ريب في انه اعتبر المتبايعان - مثلا - ملكية شئ للمشترى بازاء ملكية الثمن، تتحقق الملكية في اعتبار هما، وتتحقق في اعتبار العقلاء. وإذا ابرز هذا الاعتبار النفساني باللفظ، أو الفعل فبمقتضى البناء الارتكازي العقلائي الكلى تتحقق الملكية في عالم الاعتبار العقلائي. وليس المراد من ايجادية الانشاء، سوى ذلك. ولذا يقول المحقق الخراساني في فوائدة: انه بالانشاء يوجد الملكية في الوعاء المناسب لها، بالنحو الذى توجد بالحيازة، والسبب الاضطراري، كموت المورث. وهذا امر متين لا سترة عليه. واما ما افاده: من ان الانشاء ابراز امر نفساني باللفظ، غير قصد الحكاية، فلا يتم. إذ البرهان الذى ذكره لعدم كون الجملة الخبرية مبرزة للنسبة الخارجية، من انه لا كاشفية

[ 49 ]

لها من حيث هي، عنها، وانها وضعت لابراز قصد الحكاية عن ثبوت المحمول للموضوع، بعينه يجرى في الانشاء. ويقضى عدم كون الانشاء، مبرزا للاعتبار النفساني. وانه مبرز لقصد تفهيم ذلك الاعتبار. نعم لو كانت دلالة الانشاء على الاعتبار الخاص بالطبع، كان ما ذكر تاما، ولكن بما انها ايضا تكون بالوضع، فيجرى في الانشاء ما يجرى في الخبار، من، ان الواضع تعهد بانه متى ما قصد تفهيم ثبوت ذلك الاعتبار النفساني، يجعل مبرزه الجملة الانشائية وعليه، فالموضوع له والمستعمل فيه، فيهما واحد، وهو قصد تفهيم انتساب البيع الى البايع مثلا، والاختلاف بينهما انما يكون من ناحية الدواعى بالنحو الذى ستعرفه. والمنسوب الى المحقق العراقى القول: بان الاخبار والانشاء يشتركان في المحكى عنه بالذات، وهو نفس المفهوم الذى يتصوره النفس عند تصور الجملة الحاكية، وانما يفترقان في المحكى عنه بالعرض. فانه في الاخبار، يكون المحكى عنه بالعرض، هو الطبيعي المنطبق على امر جزئي خارجي مفروغ الوجود، موضوعا كان أو محمولا، أو نسبة، يريد المتكلم - بكلامه - الكشف عنها واعلام السامع بها. وفي الانشاء، الجملة بهيتها ومادة المسند فيها، تحكى عن طبيعي النسبة وطبيعي المسند، الحاكيان عن ايقاع المادة ونسبتها غير المفروغ وقوعهما. بل يرى وجودهما، معلولين لنفس هذا الانشاء. فوجود البيع الجزئي، ونسبته الجزئية في الخارج، يكون نتيجة الانشاء، بقول: بعت. ويرد على ما ظاهره ما تقدم من ان القول بان حقيقة الانشاء ايجاد معنى باللفظ، صرف لقلقة اللسان وفي الانشاء ايضا، لا يوجد المسند والنسبة باللفظ. وانما هما يتحققان قبله بالاعتبار النفساني. ولكنه يمكن توجيه بما ذكرناه، بان يكون مراده ايجاد المعنى في عالم الاعتبار العقلائي. وذلك كله يظهر ان ما اختاره جماعة من المحققين، من ان الفرق بينهما انما يكون باختلاف الدواعى، وانه قد يكون الداعي وهو الايجاد فهو الانشاء، وقد يكون الحكاية فهو الاخبار، متين جدا. وخلاصة القول في المقام: ان الموضوع له، والمستعمل فيه، في هيئة الصيغة

[ 50 ]

المشتركة - مثل بعت - شئ واحد. وهى النسبة المحققة بين المسند - وهو الاعتبار النفساني - والمسند إليه - وهو المتكلم - إذ في كلا المقامين يكون الاعتبار - أي اعتبار المتكلم - متحققا قبل الاستعمال. وانما يفترقان في الداعي. فانه في الانشاء الداعي للاستعمال في المعنى، واعلام انتساب الاعتبار النفساني بالمتكلم، وهو ايجاد الملكية، مثلا في عالم الاعتبار. أي اعتبار العقلاء والشارع. حيث ان بناء العقلاء والشارع، على عدم اعتبار الملكية في البيع - مثلا - الا مع اعتبار المتعاملين بقيد الاعلام به. فالاعلام انما يكون بهذا الداعي. وهذا بخلاف الاخبار. فان الداعي للاعلام فيه غير ذلك. ولا فرق بينهما من غير هذه الجهة. وبهذا الاعتبار صح تمسية الانشاء ايجادا، بمعنى انه بضمية الاعتبار النفساني، موضوع لاعتبار العقلاء والشارع، فتدبر في اطراف ما ذكرناه حتى لا تبادر بالاشكال. هذا في الصيغ المشتركة. واما الصيغ المختصة، فالكلام فيها موكول الى محل آخر. اسماء الاشارة والضمائر قال في الكفاية: يمكن ان يقال: ان المستعمل فيه في اسماء الاشارة والضمائر ونحوهما، ايضا عام. وان تشخصه انما جاء من قبل طور استعمالها، حيث ان اسماء الاشارة وضعت ليشاربها الى معانيها، وكذا بعض الضمائر. وبعضها ليخاطب به المعنى. والاشارة والتخاطب يستدعيان التشخيص، كما لا يخفى. فدعوى ان المستعمل فيه في مثل هذا وهو واياك، انما هو المفرد المذكور. وتشخصه انما جاء من قبل الاشارة والتخاطب بهذه الالفاظ إليه. فان الاشارة والتخاطب لا يكاد يكون الا الى الشخص أو معه غير مجازفة انتهى. الكلام فيها تارة فيما هو الموضوع له، واخرى فلى انه عام أو خاص. اما الاول، فعمدة الاقوال فيه ثلاثة: الاول: ما ذكره المحقق الخراساني: وهو ان اسم الاشارة، مثل ذا وضع للمفرد

[ 51 ]

المذكر ليشاربه إليه. بمعنى الارشارة الموجية للتشخص، تكون من مقومات الاستعمال، لا الموضوع له، أو المستعمل فيه. وفيه: ان الاشارة باللفظ الى المعنى ان كان باستعماله فيه، فجميع الالفاظ موضوعة لذلك. وان كان بغير ذلك، فهو مما لا نتعقله. وان كان مرادة الاشارة إليه بالاشارة الخارجية، فيرد عليه - مضافا الى كونه خلاف ظاهر كلامه - انه كثيرا ما يستعمل في معان يمتنع الاشارة إليها خارجا. وان كان مراده، انه وضع ليستعمل مقرونة بالاشارة الذهنية الى المعنى، ففيه: انا لا نتعقل للاشارة الذهنية معنى غير توجه النفس الى المعنى وتصوره المشترك فيه استعمال جميع الالفاظ في معانيها. مع ان الله تبارك وتعالى يستعمل هذه الاسماء، ولا يمكن الالتزام بذلك فيه. وبذلك ظهر ما في القول الثاني، الذى اختاره المحقق الاصفهانى (ره) وهو ان اسماء الاشارة موضوعة للمعنى إذا صار مشارا إليه، بالاشارة الخارجية، بمثل اليد أو العين، أو بالاشارة الذهنية، فلا نعيد. الثالث: ان اسم الاشارة موضوع لايجاد الاشارة به، فيكون فردا جعليا وضعيا لالة الاشارة. وبعبارة اخرى: ان لفظة " ذا " - مثلا - يتعهدا لواضع جعلت مكان اليد في كونها آلة للاشارة، وموجدها، ولكن لا مطلقا، بل فيما كان المشار إليه المفرد المذكر. أي مصداقة، لا مفهومه. والى ذلك اشار اين مالك بقوله: بذا لمفرد مذكر اشر. واورد عليه تارة بان لازوم ذلك كون اسماء الاشارة من الحروف، لكونها ايجادية. واخرى، بان لازمه عدم صحة قولنا: هذا زيد: لان هذا المحمول، لا يصح حمله على ما هو آلة للاشارة. وفيهما نظر. اما الاول: فلما عرفت من عدم كون معاني الحروف ايجادية. واما الثاني: فلا اسم الاشارة وان كان يوجد الاشارة، الا انه نظير الالة الخارجية، في ان الاشارة الموجودة به، طريق للانتقال الى المشار إليه ليتوجه المخاطب إليه ويحكم عليه بشئ، أو به على شئ آخر. وعليه، فالموضوع في القضية الواقعية المحكى عنها بالقضية اللفظية - في مثل هذا زيد - هو المشار إليه الخارجي، لا الاشارة ولا آلتها. فان الالة، هي نفس اللفظ

[ 52 ]

لا معناه. والاشارة، انما تكون طريقا لاحضار المشار إليه. ولم يقم برهان على لزوم كون الموضوع في القضية اللفظية، وجودا لفظيا للمعنى، بمعنى كونه موضوعا له. بل لابد من احضار المعنى في ذهن السامع باللفظ، اما باستعماله فيه، أو بنحو آخر، مثل الاشارة إليه. بل الاظهر، عدم اعتبار كون الموجب لاحضاره اللفظ، كما سيمر عليك. وبذلك كله يظهر الحال في الضمائر والموصولات. واما الكلام في المورد الثاني، فهو الكلام في وضع الحروف. فالاظهر كونه عاما. لانه كثيرا ما يكون المشار إليه معان كلية كما لا يخفى. وعليه فالتشخيص الجائى من قبل الاشارة، ليس هو التشخيص الخارجي كى يتوهم انه داخل في الموضوع له. بل هو من جهة اضافتها الى المشير والمشار إليه. وقد ظهر مما ذكرناه في الحروف: خروجه عن الموضوع له. استعمال اللفظ في المعنى المجازى الثامن: في استعمال اللفظ في المعنى المجازى، اختلفوا في ان استعمال اللفظ في المعنى المجازى ماذا ملاك صحته ؟ فقد ذهب حماعة، منهم المحقق الخراساني، الى انه يصح بالطبع. والاخرون، الى انه بالوضع أي ترخيص الواضع في الاستعمال، وبدونه لا يصح. وافاد صاحب الكفاية - في وجه ما اختاره، بشهادة الوجدان - بحسن الاستعمال فيه ولو منع الواضع عنه. وباستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه، ولو مع ترخيصه. ولا معنى لصحته الا حسنه. وليس مراده - مما افاده - انه في الاستعمالات المجازية يكون دلالة اللفظ على ما يستعمل فيه بالطبع ابتداءا، حتى يورد عليه، بان هذا عين الالتزام بالدلالة الذاتية، أو ما يقرب من ذلك. بل المراد، ان الالفاظ الموضوعة للمعانى الحقيقية بعد وضعها لها، يصح استعمالها في المعاني المناسبة لتلك المعاني الموجبة لا دعاء العينية بينهما. ففى الحقيقة يدعى، ان جواز هذا الاستعمال، انما يكون من شؤون الوضع الاول

[ 53 ]

بواسطة الطبع الذى يجول في ميدان المعاني، ويلحق بعضها ببعض. وعليه، فيشهد له - مضافا الى ما ذكره المحقق الخراساني - تقارب المعاني المجازية في اللغات المتعددة. فان استعمال الاسد وما يرادفه من ساير اللغات في الرجل الشجاع يصح. فهل اتفق الوضعوان على الترخيص فيه وفي غيره المجازات الشايعة ؟ وفي المقام امران، كل منهما يكفى في عدم الموضع لهذا البحث. احدهما: ما نسب الى السكاكى، من ان اللفظ في جميع الموارد، يستعمل في المعنى الموضوع له. غاية الامر ان التطبيق، قد يكون مبتنيا على التنزيل والا دعاء. يعنى ان المستعمل، ينزل معنى من المعاني منزلة المعنى الحقيقي، ويعتبره هو، فيستعمل اللفظ فيه، فيكون الاستعمال حقيقيا. ونظير ذلك، ما افاده المحقق الخراساني، من ان كلمة " لا " الموضوعة لنفى الحقيقة، تستعمل دائما فيه، حتى في مورد نفى الكمال. غاية الامر في ذلك المورد، يكون استعمالها فيه على نحو الا دعاء والمبالغة، ولا تستعمل في نفى الكمال. ولا بعد في ذلك. فان فيه، المبالغة في الكلام الجارية على مقتضى الحال. ولذلك نرى بالوجدان، الفرق بين قولنا: زيد شجاع، وقولنا: زيد اسد. ولو لا ذلك لما كان بينهما فرق. وهو واضح. ثانيهما: ان الواضع لا يتعين في شخص، كى يبحث عن اذنه وعدمه. بل كل مستعمل واضع حقيقة، كما مر تفصيل ذلك في مبحث الوضع. استعمال اللفظ في نوعه التاسع، في استعمال اللفظ في نوعه ومثله وصنفه وشخصه قال في الكفاية: لا شبهة في صحة اطلاق اللفظ وارادة نوعه، كما إذا قيل: ضرب، مثلا فعل ماض أو صنفه، كما إذا قيل: زيد، في ضرب زيد، فاعل، إذا لم يقصد به شخص القول، أو مثله، كضرب في المثال إذا قصد. انتهى. تنقيح القول في المقام، بالحبث في موارد.

[ 54 ]

الاول، في اطلاق اللفظ وارادة نوعه. الثاني، في اطلاقه واراده صنفه أو مثله. الثالث، في اطلاقه وارادة شخصه. اما المورد الاول، ففى صحة اطلاق اللفظ وارادة نوعه خلاف، ذهب جماعة من المحققين، منهم الخراساني والنائيني الى الاول، واختار جماعة الثاني. ثم ان القائلين بالصحة. اختلفوا في انه، هل يكون ذلك من باب الاستعمال، كما عن المحقق النائيني (ره) ام يكون من باب القاء المعنى بنفسه، كما اختاره الاستاذ الاعظم، ام يكون بغير ذلك ؟ وقد ذكر المحقق النائيني (ره) في تقريب ما ذهب إليه: ان استعمال اللفظ في المقام، كاستعماله في ساير المعاني. فان المتكلم يلتفت الى طبيعة لفظ ضرب اولا، ثم حين الاستعمال يكون اللفظ الصادر منه، الذى هو من افرادها مغفولا عنه بحيث لا يرى الا الطبيعة. ولا يلقى في الخارج الا اياها، كالاستعمال في المعاني. نعم بينه وبين الاستعمال في ساير المعاني فرق من جهتين: الاولى: ان المفنى في ساير الاستعمالات امو متغايرة لطبيعة الالفاظ، وفيما نحن فيه من سنخها. الثانية: ان المصحح للاستعمال في ساير الموارد، اما الوضع، أو المناسبة بين المعنى الحقيقي، وما استعمل اللفظ فيه. وفي المقام كون اللفظ الملقى بنفسه متحدا مع المعنى فيه خارجا، والارتباط بنهما اشد من الارتباط الجعلى. واورد عليه المحقق العراقى (ره): بان اللفظ المستعمل، اما ان يكون هو طبيعي اللفظ، أو شخضه، فعلى الاول يلزم اتحاد الدال والمدلول، وعلى الثاني يلزم عدم صحة الاستعمال، لعدم المسانحة بين المستعمل، وهو الطبيعي والخصوصية المشخصة - والمستعمل فيه - إذ المركب من المباين وغيره مباين. وفيه: ان له. ان يختار شقا آخر. وهو كون المستعمل، الحصة م من الطبيعي التوأمة مع الخصوصية. وهذا الجواب وان كان محل تأمل بناءا على المختار من وجود الكلى الطبيعي في الخارج، الا الن هذا المورد على مسلكه ليس له هذا الايراد. وحق القول

[ 55 ]

في المقام بنحو يظهر ما في كلمات القوم ايضا، ينتنى على بيان مقدمتين. الاولى: انه إذا وجد فرد من الطبيعي في الخارج، فكما ان المهية الشخصية، موجودة في الخارج بتبع تحقق الوجود، كذلك يكون الطبيعي موجودا بوجوده. وبعبارة اخرى ان الوجود الخارجي بناء على اصالة الوجود، له حد مختص به. ولا يشترك فيه غيره، وهو المنشاء لانتزاع المهية الشخصية، وله حد آخر مشترك فيه مع غيره، وهو المنشاء لانتزاع المهية النوعية. وبتعبير ثالث، انه كما يكون المهية الشخصية معروض الوجود في التحليل العقلي، وفي مرحلة التصور، وعينه في الخارج كذلك يكون الطبيعي معروضة تصورا، وعينه خارجا. فاضافة الوجود الى المهية الشخصية، كاضافته الى الطبيعي من دون كون وجود الفرد واسطة لعروض الوجود على الطبيعي. ولذا يصح اطلاق اطبيعي - كالانسان - على كل فرد من الافراد بما له من المعنى المشترك بين الجميع. الثانية: ان استعمال اللفظ، انما هو بايحاد الطبيعي في الخارج فانيا في معناه. بمعنى ان الفناء صفة للطبيعي لا الفرد الخارجي. ضرورة ان الشخص يكون بالوجود وفي مرحلة الاستعمال. فلا يعقل ان يكون هي المستعمل، والالزم تأخر ما هو متقدم والواضع انما وضع الطبيعي لا الفرد. إذا عرفت هاتين المقدمتين، تعرف انه لا يصح استعمال اللفظ في نوعه، إذ يلزم اتحاد الدال والمدلول. وهو محال. وما ذكره المحقق الاصفهانى (ره) من عدم استحالة ذلك، واستدل له بقوله (ع): يا من دل على ذاته بذاته. وقوله (ع): انت دللتني عليك، غريب. إذا لدلالة في المقام، عبارة عن ابراز المعنى باللفظ، وكونه علامة له. فكيف تقاس بلالة الذات على نفسه التى هي اما بمعنى كون الذات دالا بخلقته، كما هو مقتضى قوله تعالى: كنت كنزا مخفيا فاحببت لان اعرف، فخلقت الخلق لكى اعرف. أو بمعنى كونه، هو الظاهر بنفسه وظهور غيره لابد وان ينتهى إليه. كما يشير إليه قوله (ع): ألغيرك من الظهور، ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ؟ ولكن مع ذلك يصح اطلاق اللفظ وارادة نوعه، لامن باب الاستعمال بل من باب احضار الموضوع في القضية الحقيقية بنفسه،

[ 56 ]

والقائه على السامع من دون وساطة ما يستعمل فيه. فيكون المضوع في القضية اللفظية متحدا مع ما هو الموضوع في القضية الخارجية. ولا محذور في ذلك. وقد يقال: ان المثال الذى ذكره المحقق الخراساني - ضرب فعل ماض - إذا لم يقصد به شخص القول ليس من استعمال اللفظ في نوعه. لعدم كون الحاكى فعلا ماضيا. وعليه، فهو من باب الاستعمال في غيره. وفيه: ان الفعل الماضي، ما يكون بوضه دالا على تحقق الحدث في الخارج. ولا يعتبر فيه الدلالة الفعلية، فانها غير ثابتة قبل الاستعمال. فلفظ ضرب استعمل في معناه ام لم يستعمل فيه، فعل ماض. أي ما من شانه انه لو استعمل فيما وضع له يكون دالا على الحدث. واما المورد الثاني، فالظاهر ان اطلاق اللفظ وارادة صنفه أو مثله، انما يكون من قبيل القاء المعنى بنفسه، وليس من باب الاستعمال. وبعبارة اخرى يكون الطبيعي، ملقى الى السامع بنفسه بلا وساطة الحاكى عنه. وحيث ان الغرض تعلق بافادة حصة خاصة منه، فلابد من جعل الدال على ذلك. لا حظ. قولنا: زيد، في ضرب زيد، فاعل. ولا مجال لتوهم استعمال الطبيعي في الصنف، أو المثل، أو الشخص. ويكون الدال الاخر قرينة على ذلك. كما يظهر من ملاحظة موارد استعمال اللفظ في معناه وارادة حصة خاصة منه، كقولنا: الصلاة في المسجد، افضل من الصلاة في الدار. فانه في هذه الموارد، لا تستعمل الصلاة في الحصة الخاصة من تلك الطبيعة. بل استعملت في نفس الطبيعة. وانما تستفاد الصة، بتعدد الدال. كما حقق في مبحث المطلق والمقيد. فان هذا الكلام بعينه. يجرى في صورة القاء المعنى بنفسه واحضاره في ذهن السامع، بلا تفاوت. اطلاق اللفظ وارادة شخصه واما المورد الثالث، فقال صاحب الفصول: واما لو اطلق واريد به شخص نفسه، كقولك: زيد لفظ. ادا اردت به شخصه، ففى بدون تأويل، نظر. لاستلزامه اتحاد

[ 57 ]

الدال والمدلول، أو تركب القضية من جزئين مع عدم مساعدة الاستعمال عليه. انتهى ووجهه المحقق الخراساني بقوله: لان القضية اللفظية على هذا، انما تكون حاكية عن المحمول والنسبة لا الموضوع. فتكون القضية المحكية بها، مركبة من جزئين مع امتناع التركب الا من الثلاثة. ضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين. انتهى. واجاب عنه المحقق الخراساني بوجهين: احدهما: ان اشكال تركب القضية من جزئين، يبتنى على ان يكون الموضوع في القضية الحقيقية، محتاجا في حضوره ووجود في الذهن الى واسطة كاللفظ بالاضافة الى المعنى. فانه واسطة لذلك. وليس هو بنفسه، موضوعا للقضية. بل هو، لفظ الموضوع، وحاك عنه. فموضوعية اللفظ، انما هي باعتبار انه الواسطة لاحضار ما هو موضوع فيها حقيقة. نعم هو، موضوع في القضية اللفظية. وإذا فرضنا ان الموضوع في القضية الحقيقية لا يحتاج في وجوده وحضوره في الذهن الى الواسطة، فلا يلزم محذور تركب القضية من جزئين. ومقامنا من هذا القبيل. فان الموضوع في قولنا: زيد لفظ أو ثلاثى، إذا اريد به شخصه، شخص ذلك اللفظ الذى هو من مقولة الكيف لا انه لفظ - وبديهى ان اللفظ، لا يحتاج في حضوره في الذهن الى أي واسطة، لا مكان ايجاده على ما هو عليه واثبات المحمول له - فعليه فالقضية، مركبة من اجزاء ثلاثة: الموضوع، وهو ذات اللفظ و شخصه، والمحمول، وهو لفظ، أو ثلاثى مع النسبة بينهما. واورد عليه بان القضية حينئذ، لا تكون لفظية، لعدم الحاكى عن الموضوع. وفيه: ان القضية، هي ما تكون مركبة من مسند ومسنداليه في عالم اللفظ. ولا يعتبر في صدقها، تغاير الموضوع فيها مع الموضوع في القضية المحكية. مع انه، لا ضرر في عدم صدقها، فانه لا مشاحة في الاصطلاح. ثانيهما: ان اتحاد الدال والمدلول ذاتا، مع تعددهما اعتبارا لا يضر. فمن حيث انه لفظ صادر عن لافظه، كان دالا. ومن حيث انه نفسه وشخصه مراده، كان مدلولا. وفيه: ان التعدد الاعتباري، غير مجد في المقام. إذ الدلالة، عبارة عن العلم بشئ من العلم بشئ آخر. فهى، تتوقف على حصول علمين المتوقف على ثبوت معلومين.

[ 58 ]

فمع كون المعلوم واحدا، لا يعقل تعداد العلم. والتعدد الاعتباري، لا يجدى في تكثر العلم. وكون احد العلمين، معلولا لاخر. وان شئت قلت: ان استعمال شئ في شئ، عبارة عن احضاره في ذهن السامع، لينتقل ذهنه الى المستعمل فيه. وفي المقام، لا مورد للانتقال الثاني. فلا يكون من الاستعمال في شئ مع ان الدال، انما هو ذات الشئ لا بقيد انه لفظ صادر. وبعبارة اخرى، هذطه الحيثية الاعتبارية ليست دخلية في الدلالة كى توجب التعدد. وقد ذكر المحقق الاصفهانى (ره) في وجه تصحيح كلام المحقق الخراساني وجها دقيقا لا يخلو ايراد عن فائدة، وحاصله يتوقف على مقدمات: الاولى: ان الشوق، يستحيل تحققه مطلقا وبلا متعلق. ولابد في تحققه من تعلقه بمتعلق. ولا يعقل تعلقه تعلقه بالموجود الخارجي. إذ الخارج عن افق النفس، لا يعقل ان يكون مقوما لما في النفس. ولا الموجود الذهنى. إذ الشوق والعلم، صفتان متباينتان وفعليتان. ويستحيل تقوم فعلية بفعليب آخر. فان كل فعلية، تأبى عن فعلية اخرى مع ان الشوق ليس متعلقا بالموجود الذهنى بالوجدان. فلابد وان يتعلق بالماهية المعراة عن الوجود الخارجي والموجود الذهنى. ويتعلق الشوق بها، تكون الماهية موجودة بالوجود الشوق. كما توجد في الخارج بالوجود الخارجي، وفي الذهن بالوجود الذهنى. الثانية: ان استعمال كل لفظ في معناه، يتقوم بارادتين: احدهما، تتعلق بايجاد المعنى باللفظ وابرازه به. وثانيتهما، تتعلق بايجاد اللفظ تكوينا. وهذه الارادة ربما تنفك عن الاولى. كما إذا لم يكن المتكلم في مقام الاستعمال والحكاية عن الواقع. الثالثة: ان عوارض الالفاظ ومحمولاتها ككون لفظ زيد ثلاثيا - كما تكون اوصافا للماهية الشخصية الموجودة الخارجية، كذلك تكون اوصافا للماهية الموجودة بالوجود الشوقي. لانها، اوصاف لمهية الكيف المسموع على الفرض. وهى اينما تحققت تترتب عليها هذه الاوصاف. إذا عرفت هذه المقامات، فاعلم. ان المتكلم إذا قال: زيد ثلاثى، واراد منه شخص نفسه، تكون هذه المهية الشخصية بوجودها الخارجي، دالة على الموجودة بالوجود الشوقي. وبعبارة اخرى، يجعل اللفظ بوجوده الخارجي، فانيا في اللفظ

[ 59 ]

بوجوده الشوقي. ولا ينافى ذلك، ارادة شخص نفسه. لان المراد بالذات والمصادر، مهية شخصية من غير جهة الارادة في قبال ما إذا اريد افناء اللفظ في الطبيعة. كما ان فرض ارادة اخرى مصححة للدلالة، لا ينافى في قرض ارادة شخصية وعدم ارائة غيره. إذ المرئى حينئذ، نفس المهية الشخصية. غاية الامر، ثبوتها في وعاء دال على ثبوتها في وعاء آخر. وفيه: اولا: ان الوجود، مساوق للتشخيص. ففرض ثبوتين، ملازم لفرض شخصين. فيكون الحاكى شخصا، غير المحكى. فهو من استعمال اللفظ في مثله لا شخص. وان شئت قلت: ان المهية الشخصية الثابتة بالثبوت الشوقي، غير الماهية الموجودة بالوجود الخارجي. وثانيا: ان الشوق وان لم يكن متقوما بالوجود الخارجي، لا لما ذكره من البرهان، لانه يرد عليه ما حققناه في محله من امكان تعلق العلم بنفس الموجود الخارجي، بل من جهة عدم الثبوت الخارجي حين وجود الشوق. بل ربما لا يوجد الى الابد. ولا بالموجود الذهنى بما هو هو، ولكن لا نسلم تعلقة بالمهية وثبوتها به. فان الشوق من الصفات، و الاعراض ذات الاضافة فهو بنفسه له مهية خاصة موجودة بوجوده، كما هو الشأن في جميع الكيفيات النفسانية. وعليه، فلو كان متعلقه المهية الثابتة بثبوته، لزم اتحاد المهيتين المختلفتين، وتحققهما بوجود واحد. وهو محال. بل المتعلق. هو الموجود الذهنى بما انه فان في الخارج، وآلة لملاحظة الموجود الحقيقي. وبالجملة ان الوجود، منحصر بالوجود الخارجي والذهني على ما هو المسلم عند ارباب المعقول. وليس من الوجود الشوقي في كلماتهم عين ولا اثر. وصدور مثل هذا الكلام من مثل هذا المحقق النحرير، ليس الا من باب ان الجواد قد يكبو، ويؤيده ما ذكره (ره) في مسألة تعلق الامر بالطبيعة: ان طبيعة الشوق، من الطبايع التى لا تتعلق لا بما له جهة فقدان وجهة وجدان. تبعية الدلالة للارادة العاشر: في تبعية الدلالة للارادة: قال في الفصول: فصل، هل الالفاظ، موضوعة بازاء معانيها من حيث هي أو من حيث كونها مرادة للافظها وجهان. انتهى.

[ 60 ]

قبل البحث قى ذلك، لابد من التنبيه على امرين. احدهما: ان منشأ هذا البحث، ما حكى عن العلمين: الشيخ الرئيس، والمحقق الطوسى، من مصيرهما الى ان الدلالة، تتبع الارادة. ثانيهما: ان الدلالة - أي دلالة الالفاظ على المقاصد - على اقسام ثلاثة: القسم الاول: الدلالة التصورية. وهى الانتقال من كثرة استعمال اللفظ في المعنى. وغير مربوط بالدلالة الوضعية. بل لو فرض صدور اللفظ من غير اختيار أو اصطكاك حجر على حجر، ينتقل الذهن الى المعنى. القسم الثاني: الدلالة التفهيمية: وبعبر عنها بالدلالة التصديقية فيما قال. وهذه الدلالة، تتوقف زائدا على العلم بالوضع، على احراز ان المتكلم في مقام التفهيم، ولم ينصب قرينة متصلة على الخلاف. القسم الثالث: الدلالة التصديقية فيما اراد. وهى، الدلالة على مطابقة المراد الجدى للمرادا لاستعمالي. وهى، ثابتة ببناء العقلاء. وبعد ذلك نقل: ان مراد العلمين مما افاداه، ليس اخذ الارادة قيدا للموضوع له أو المستعمل فيه، - كما توهم صاحب الفصول - حتى يرد عليه: 1 - استحاله اخد ما هو من مقومات الاستعمال المتأخر بالطبع عن المستعمل فيه في الموضوع له أو المستعمل فيه. والالزم تقدم ما هو متاخر. 2 - لزوم التجريد عند ارادة الحمل. إذ المحمول على زيد - في زيد قائم مثلا - نفس القيام لا بما هو مراد. وكذا الموضوع. فانه، نفس زيد لا بما هو مراد. 3 - لازمه كون وضع عامة الالفاظ، عاما والموضوع له خاصا. لمكان اعتبار خصوص ارادة اللافظين فيما وضع له اللفظ. ولا ما افاده المحقق الخراساني، من حمل الدلالة في كلامهما، على الدلالة التصديقية فيما اراد غير الوضعية فان تبعيتها للارادة في الواقع ونفس الامر واضحة لا مجال للكلام فيها اصلا.

[ 61 ]

بل مراد هماآان العلقة الوضعية، مختصة بصورة تعلق الارادة بتفهيم المعنى. وان الدلالة الوضعية، مختصة بالدلالة التصديقية فيما قال كما هو صريح كلامهما في بحث الدلالات للارادة بتبعية مقام الاثبات للثبوت لا حظ كلامهما. قال العلامة الطوسى (ره) في محكى شرح منطق الاشارات، في دفع انتقاض تعريف المفرد والمركب: دلالة اللفظ لما كانت وضعية، كانت متعلقة بارادة المتلفظ الجارية على قانون الوضع فما يتلفظ به ويراد منه معنى ما، ويفهم عنه ذلك المعنى: يقال: انه دال على ذلك المعنى وما سوى ذلك المعنى، مما لا تتعلق به ارادة المتلفظ. وان كان ذلك اللفظ، أو جزء منه بحسب تلك اللغة أو لغة اخرى أو بارادة اخرى، يصلح لان يدل عليه. فلا يقال: انه، دال عليه. ونحوه، ما ذكره في محكى شرح حكمة الاشراق في باب الدلالات الثلاث. قال الشيخ الرئيس في محكى الشفاء ان اللفظ بنفسه، لا يدل البتة. ولو لا ذلك لكان لكل لفظ حق من المعنى لا يجاوزه، بل انما يدل بارادة اللافظ. وعلى ذلك، فما افاده العلمان متين جدا. وذلك على المختار في حقيقة الوضع من كونه بمعنى الالتزام والتعهد، واضح. فان متعلق التعهد والالتزام، لابد وان يكون امرا اختياريا. والامر غير الاختياري، لا يعقل ان يكون طرف الالتزام. وعليه، فلا محالة يكون التعهد، مختصا بصورة تفهيم المعنى وارادته من اللفظ. وليس بين ذات المعنى واللفظ مع عدم الارداة، علقة وربط. واما على القول: بان الوضع، عبارة عن جعل اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى، أو اعتبار وضع اللفظ على المعنى، فلانه وان امكن ثبوت العلقة مع عدم الارادة والقصد. الا انه من جهة اختصاص فائدة الوضع، وهى الافادة والاستفادة بصورة قصد التفهيم، فلا محالة تكون العلقة الوضعية، مختصة تبلك الحالة مع فرض كون الموضوع له هو طبيعي المعنى من دون تقييده بقيد. وما يرى من انتقال الذهن الى المعنى عند سماع اللفظ من التكلم بلا اختيار، فانما هو من جهة الانس لامن جهة العلقة الوضعية.

[ 62 ]

وضع المركبات الحادي عشر: في وضع المركبات في انه، اهل يحتاج المركب الى وضعه ثانيا بعد وضع مفرداته، ومنها الهيئة التركيبة، ام لا ؟ قولان: وقبل الشروع في البحث فيه، لابد وان يعلم ان محل الكلام في المقام - كما افاده صاحب الفصول - في وضع المركب بما هو مركب. أي وضعه بمجموع اجزائه من الهيئة والمادة. مثلا في قولنا: زيد قائم. قد وضعت كلمة " زيد " لمعنى خاص، وكلمة " قائم " لمعنى آخر، والهيئة القائمة بهما لمعنى ثالث. وهذا كله، لا اشكال فيه. انما الكلام في انه هل يكون لمجموع المركب من هذه المواد وضع على حدة ام لا ؟ فما افاده المحقق النائيني (ره) (من ان المراد ليس ذلك. فانه لا يمكن اين ينسب الى احد من العقلاء. فضلا عن العلماء. بل النزاع في ان الموضوع للربط الكلامي في الكلام العربي - كزيد قائم - هل هو الاعراب كما ذهب إليه بعض، أو انه هو الضمير المقدر - أي لفظه هو - كما افاده جماعة من اهل الميزان، أو انه الهيئة التركيبية كما هو المختار للمحققين ؟) غير تام. فان هذا النزاع، انما حدث بين المتأخرين. واما النزاع الواقع بين القدماء، فهو النزاع الاول. وكيف كان فالحق في النزاع الاول، عدم الوضع للمركبات. لا لما في الكفاية، من عدم الحاجة إليه بعد وضعها بموادها، مع استلزامه الدلالة على المعنى، تارة بملاحظة وضع نفسها، واخرى بملاحظة وضع مفرداتها. فانه يمكن الجواب عن الايراد الاول، بان الفائدة المترتبة على الوضع ليست الا امكان وقوعه مقدمة للتفهيم والتفهم. ولا ريب في امكان وقوع ضوع المركبات، مقدمة لهما، ولو في مورد عدم العلم بوضع المفردات. وعن الثاني، بانه، لا محذور في ذلك. إذ معاني المفردات، لو حظت بنحو الانفراد. ومعنى المركب ملحوظ بنحو الجمع. نظير الدار بالاضافة الى البيت والجدران والسقف وغيرها. فلكل منهما، مدلول مستقل غير

[ 63 ]

مربوط بالاخر. فلا يلزم اجتماع السببين على مسبب واحد، مع انه لو سلم لزوم ذلك، فليكن من قبيل اجتماع العلتين على معلول واحد. فلا يكون مدلولان ودلالتان. بل مدلول واحد ودلالة واحدة مستندة الى مجموع العلتين. بل الصحيح. ان يستدل لعدم وضعها، بعدم الدليل عليه. وبان الانتقال الى المعنى مرتين بالنحو الذى ذكرناه وان ممكنا الا انه غير واقع وهو آية عدم الوضع والا لترتب عليه الانتقال لا محالة. واما النزاع الثاني فقد اورد على القول بان الموضوع للربط الكلامي هو الاعراب، بان الاعراب مشترك بين هذا النحو من التركيب وبقية التراكيب. وعلى القول بانه هو الضمير المقدر أي لفظة هو، بانه موضوع لمفهوم استقلالي اسمى فلا يكون مقيدا للمعنى الحرفى، فلا محالة يكون هو الهيئة التركيبية. وافاد المحقق النائيني (ره) ان ذلك انما هو في الهيئة التركيبة الاسمية، واما الجمل الاخر، كضرب زيد، أو كان زيد قائما، فالمفيد للربط فيها هي هيئة الفعل بانواعها وقد يكون الدال على الربط احد الافعال الناقصة كلفظة كان مثلا ولو كان للهيئة التركيبية في الجمل الفعلية وضع على حدة لزم افادة المعنى الواحد مرتين وهو غير معقول. اقول يرد عليه امور، الاول: ان هيئة الفعل انما تدل على قيام الحدث بمحل ما وتشخيص ذلك المحل لا دليل عليه سوى الهيئة التركيبية - مثلا - ضرب انما يدل على حركة هذا المعنى من عالم المفهومية الى عالم التحقق والثبوت، واما تشخيص الفاعل فهو لا يدل عليه وذكر لفظ زيد بعده لا يفيد ذلك فيتعين الالتزام بوضع هيئة الجملة لذلك، الثاني: ان هناك مزايا اخر غير ما وضوع له هيئة الفعل وان سلم دلالتها على تشخيص الفاعل، كالحصر والاستمرار ونحوهما، لا تدل هيئة الفعل عليها، فلا دال عليها سوى الهيئة الكلامية، الثالث: انه بناءا على مسلكه (ره) من وضع الهيئة لايجاد الربط الكلامي، لابد له من الالتزام بوضع المركبات لدلالة الجملة على الربط الخارجي، والمفروض عدم وضع المفردات حتى الهيئة له فلابد من القول بوضع المركب لذلك الربط الخاص القائم بالطرفين، ونحن فسحة من ذلك حيث التزمنا بان الهيئة وضعت لابرار ارادة تفهيم

[ 64 ]

الربط الخارجي. ويظهر مما ذكرناه اهل الادب من تقسيم المجاز الى المجاز في الفرد و المجاز في المركب، غير تام: لان الاستعمال المجازى فرع وجود الموضوع له وقد عرفت ان المركب لم يوضع لشئ ومعه لا يتصور المجاز فيه. نعم يجوز التشبيه في بان يشبه المركب بالمركب في قوله تعالى " مثلهم كمثل الذى استو قد نارا " كما يجوز الكناية فيه كما في قولهم " اراك تقدم رجلا وتؤخر اخرى "، فانه كناية عن التردد الحاصل في النفس الموجب لذلك. التبادر من علامات الحقيقة الثاني عشر: في علامات الحقيقة والمجاز، وقد ذكر الاصحاب للحقيقه علائم. منها التبادر - وغاية ما قيل في وجه كونه علامة الحقيقة، ان الانسباق الى الذهن و خطور المعنى فيه والانتقال من اللفظ الى المعنى، اما ان يكون ناشئا من العلقة الوضعية، أو من جهة المناسبة الذاتية، أو من جهة قرينة خارجية ولو كانت هي الاطلاق، وحيث ان المفروض عدم الثالث، وبطلان الثاني، فلابد وان يكون الانتقال مستندا الى الوضع، وكون اللفظ موضوعا له. وفيه انه قد يكون التبادر ناشئا عن الممارسة في كلمات اللغويين والمراجعة إليها فان ذلك ايضا يوجب الانتقال الى المعنى، وليس ذلك آية كونه موضوعا له إذ هو لا يزيد على اصله ومنشائه وهو قول اللغوى الذى لا يكون دليلا على الحقيقة، فالتبادر لا يكون علامة للحقيقة بقول مطلق، بل إذا كان منشأ الانتقال، وهو الارتكاز النفساني، غير ناش عن الممارسة في كلمات اللغويين فالعلامة الحصة الخاصة من التبادر، وهو فهم المعنى من اللفظ نفسه بلا معونة خارجية وهى كاشفة عن الواضع لا محالة. وربما يورد على ذلك، باستلزامه الدور إذ من المعلوم بالضرورة ان الوضع بنفسه لا يوجب التبادر، بل الموجب هو العلم بالوضع فلو انتفى العلم به انتفى التبادر ولو كان

[ 65 ]

التبادر موجبا للعلم بالوضع لزم الدور. واجاب عنه المحقق العراقى على ما نسب إليه، بان الموقوف فرد من العلم و الموقوف عليه فرد آخر منه، فلا دور حتى مع المعلوم كيف يعقل تعدد العلم. وفيه: انه مع فرض وحدة المعلوم كيف يعقل تعدد العلم. الصحيح - هو الجواب عنه بما هو معروف - وهو ان العلم بالوضع تفصيلا، يتوقف على التبادر الاجمالي الاتكازى، توضيح ذلك ان كل فرد من افراد اهل المحاورة يستعمل الالفاظ الدراجة في معان مخصوصة عند الابتلاء إليها وهو عالم بتلك المعاني بالاتكاز، ولكنه غافل عن خصوصيات معلومة، كغيرها من معلومات الانسان التى يغفل الانسان عن خصوصياتها مع كونها مرتكزة في ذهنه بالاجمال، فإذا كان في مقام معرفة معنى لفظ خاص يرجع الى ذهنه ويفتش عن ما في ضميره فان رأى تبادر معنى عند اطلاق لفظ خاص من دون استناد الى القرينة فيكشف له ان ذلك معنى ذلك اللفظ. ويظهر مما ذكرناه من توقف التبادر على العلم لارتكازي، ان عدم التبادر ليس علامة المجاز إذ ليس كل واحد عالما بمعاني جميع ما يستعملها اهل المحاورة - حتى ما هو خارج عن محل ابتلائه - كما ان تبادر معنى لا يكون علامة كون غيره مجازا لاحتمال الوضع له ايضا مع عدم علمه به. ثم انه لو كان لفظ ظاهرا في معنى، بمعنى انه كان يتبادر منه عند الاطلاق، ولكن شك في ان هذا التبادر، هل يكون من حاق اللفظ فيكون ذلك المعنى موضوعا له، ام يكون بواسطة القرينة فلا يكون موضوعا له. فان كانت القرينة المحتملة عامة موجودة في جميع موارد استعمال اللفظ، لا يترتب ثمرة على النزاع في جريان اصالة عدم القرينة. واما ان لم تكن كذلك فقد يقال انه يجرى اصالة عدم القرينة ويثبت بها ان هذا المعنى موضوع له، فيحمل عليه عند اطلاقه مجردا عن تلك القرينة. واورد عليه: تارة بمعارضتها مع اصالة عدم الوضع لذلك المعنى واخرى، بان اصالة عدم القرينة لا تجرى في المقام، سواء كان مدرك اصالة القرينة بناء العقلاء، أو

[ 66 ]

اخبار الاستصحاب. اما على الاول فلان بناء العقلاء وان كان على عدم القرينة عند الشك فيها، الا انه انما يكون في مورد الشك في المراد مع احراز المعنى الحقيقي، لا في مثل المقام مما احرز المراد وشك في المعنى الحقيقي لان بنائهم مطلقا عملي يستكشف من العمل، واما إذا كان مدركها الاخبار أي ادلة الاستصحاب، فلان احراز المراد من الاثار غير الشرعية، فلا يثبت بتلك الادلة. وفيهما نظر، اما الاول: فلان اصالة عدم الوضع للمعنى المراد معارضة مع اصالة عدم الوضع لغيره للعلم اجمالا بوضعه لمعنى من المعاني، واما الثاني: فلانا تختار ان مدرك هذا الاصل بناء العقلاء ولا ندعى ثبوت بنائهم في مورد احراز المراد، بل المدعى انه إذا استعمل لفظ امرارا واريد منه معنى خاصا ثم بعد ذلك استعمل مرة اخرى وشك في المراد منه من جهة انه يحتمل ان يكون فهمه ذلك المعنى في تلك الموارد من جهة القرينة لا من حاق اللفظ بناء العقلاء على كون ذلك المعنى هو المراد، وان شئت فاختبر ذلك من حال الموالى والعبيد العرفية فانه، إذا امر المولى عبده مرارا باتيان الماء وكان العبد بفهم منه ارادة الجسم السيال المخصوص، وبعد ذلك امره باتيانه وشك في ان فهم ذلك المعنى في تلك الموارد كان من جهة القرينة غير الموجودة، ام من حاق اللفظ و صار ذلك سببا للشك في المراد، فان احدا لا يشك في انه موظف باتيان ذلك الجسم في نظر العقلاء وليس له الاعتذار عن عدم الامتثال بعدم كشف المراد. عدم صحة السلب من علامات الحقيقة ومنها: عدم صحة السلب وقد يعبر عنه بصحة الحمل، وقالوا كما انه علامة الحقيقة كذلك تكون صحة السلب علامة المجاز، اقول المجاز، اقول: تحقيق القول في المقام يقتضى التكلم في مقامين: الاول: في صحة الحمل وملخص القول فيها: ان الحمل على قسمين: الاول: حمل الاولى الذاتي، وهو عبارة عن حمل احدا المفهومين على الاخر لما بينهما من الاتحاد الماهوى. لا المفهومى سواء كان احد المفهومين مجملا والاخر مفصلا،

[ 67 ]

كقولنا: " الانسان حيوان ناطق " أم كان كل منهما مجملا، " كقولنا الانسان بشر ". فقد يقال ان صحة هذا الحمل علامة الحقيقة، فلو علم المستعلم عن معنى لفظ بشر، معنى الانسان تفصيلا، جعله موضوعا، وحمل عليه لفظ البشر بما له من المعنى المشكوك وضعه لذلك المعنى موضوع له، من غير فرق بين القسمين، إذ كما انه يستكشف من صحة الحمل في المجملين اتحاد المعنيين، كذلك يستكشف في الجمل و المفصل اتحاد المعنيين ذاتا وماهية، ومجرد اختلافهما مفهوما ما لكون احد هما مركبا مفصلا، والاخر بسيطا مجملا، لا يضر باستكشاف الاتحاد، عليه، فما عن المحقق العراقى (ره) من عدم تسليم كونها علامة الحقيقة في القسم الثاني، في غير محله. ولكن يمكن ان يقال ان غاية ما يدل عليه صحة الحمل اتحاد المعنيين و اما كون اللفظ حقيقة في احد المعنيين فهو امر آخر غير مربوط بصحة الحمل و بعبارة اخرى ان هذا المعنى الاخر عليه فلا يمكن اثبات كونه حقيقة بصحة الحمل فليست هذه علامة الحقيقة وان تمسك بانسباقه الى الذهن منه فهو استدلال بالتبادر والكلام في كون صحة الحمل بنفسها علامة للحقيقة. القسم الثاني: حمل الشايع الصناعي وهو حمل احد المتحدين في الوجود الذهنى أو الخارجي على الاخر و هو على اقسام، إذ تارة يكون حمل الطبيعي على الفرد كزيد انسان، واخرى يكون حمل احد الكليين على الاخر مع كونهما متساويين مثل " الانسان ضاحك "، وثالثة يكون حمل الكلى الاعم على الاخص مثل " الانسان حيوان "، وعلى كل تقدير، قد يكون الوجود المفروض وجودا لهما بالذات كما في حمل الطبيعي على مصداقه أو الكلى الاخص منه مع كونه جهة جامعة له ولغيره، وقد يكون وجودا لهما بالعرض مثل " الضاحك متعجب "، وثالثة يكون وجودا بالذات لاحدهما وبالعرض للاخر مثل " الانسان ضامك ". اما إذا كان وجودا بالذات لهما فغاية ما يمكن ان يقال في وجه استكشاف الوضع

[ 68 ]

منه في جميع الاقسام انه مثلا في الطبيعي والفرد إذا اراد المستعلم ان يعلم تفصيلا معنى الانسان وكان عالما بالطبيعي الذى يكون زيد احد افراده جعل - زيدا - موضوعا وحمل الانسان عليه بما له المعنى الارتكازي في نفسه، فإذا صح هذا الحمل انكشف كون معنى الانسان هو الجهة الجامعة بين زيد و غيره من افراد الحيوان الناطق، وهكذا في المتساويين مثل " الانسان ناطق " إذا كان النظر الى المميز لهذا النوع من غيره، وفي الاعم والاخص، مثل " الانسان حيوان " إذا كان النظر الى المعنى الموجود في ضمن النوع. ولكنه غير تام فان ما ذكر غاية ما يستكشف منه كون المستعمل فيه كذلك لا الموضوع له ومع الاغماض عن ذلك وتسليم ما ذكر فانما هو فيما إذا كان وجودا لهما بالذات. واما في غير ذلك من موارد الحمل الشايع حتى في الفرد والكلى مثل " زيد ضاحك "، فلا يمكن استكشاف الوضع به، الا إذا رجع إليه كما في المثال، فانه ان علم معنى الهيئة، ولم يعلم تفصيلا معنى المادة واراد تشخيص معناها جعل الضاحك محمولا وحمله على زيد بلحاظ الصفة القائمة به فمن صحة الحمل وان استكشف معنى المادة الا انه من جهة ان كل ما بالعرض لابد وان ينتهى الى ما بالذات، فلا محالة ينتهى الامر الى الحمل على تلك الصفة القائمة بالجسم وهو من حمل الكلى على فرده، ويتبعه يستكشف ان الضاحك معناه ماله تلك الصفة المسماة بالضحك، وكذلك ان علم معنى المادة تفصيلا، واراد ان يعلم معنى الهيئة تفصيلا وانها موضوعة لاى نحو من انحاء النسبة فانه من صحة حمل لضاحك على زيد يستكشف وضعها للنسبة الجامعة بين قيام الضحك بزيد وما ماثله. ومما ذكرناه ظهر حكم حمل الحد العامين من وجه على الاخر، وانما لم نذكره في العنوان لاجل انه لا يعقل كون النسبه عموما من وجه ويوجدان بوجود واحد مع كونه وجودا لهما بالذات كما لا يخفى، هذا هو القول الفصل في المقام، ومنه يظهر ما في كلمات المحققين من الخلط والاضطراب. المقام الثاني: في صحة السلب، فملحض القول فيه: ان السلب ايضا على قسمين: القسم الاول، نفى الاتحاد الماهوى والثانى، نفس الاتحاد وجودا.

[ 69 ]

اما صحة السلب بالمعنى الاول: فهى ليست امارة المجاز بقول مطلق فانها لا تدل على عدم كون المسلوب عنه من افراد المسلوب كى لا يصح الطلاقه عليه. نعم، هي امارة المجاز بمعنى كون استعماله فيه مجازا. واما صحة السلب بالمعنى الثاني، فمن جماعة من الاساطين كونها امارة المجاز بقول مطلق إذ لازم صحة السلب عدم الاتحاد ماهية ولا وجودا فيكون المسلوب عنه اجنبيا عن المسلوب لا معناه الحقيقي ولافراد من افراده، فلا يصح استعماله فيه ولا اطلاقه عليه، اقول: هذا انما يتم بناء على عدم اعتبار كون الموضوع متحدا مع المحمول مهية في الحمل الشايع، والا فلا يتم إذ صحة السلب بالمعنى المذكور على هذا المعنى، لا تلازم تغايرهما ماهية، فلا تكون امارة كون المسلوب اجنبيا عن المسلوب عنه. الاطراد علامة الحقيقة ومنها الاطراد، وقد جعله جماعة من الاصحاب علامة للحقيقة، وملخص القول فيه: انه ان كان المراد منه كثرة استعمال اللفظ في معنى مخصوص، فهو حاصل في المجاز لانه إذا صح استعمال لفظ في معنى مرة صح استعماله فيه مرارا بعين ذلك الملاك. هذا من حيث صحة الاستعمال، واما من حيث نفسه فربما يكون الاستعمال في المعنى المجازى كثيرا، كما انه ربما يكون في المعنى الحقيقي قليلا لقلة الابتلاء به. وكذلك ان كان المراد منه صدق المعنى على تمام افراده في الخارج. وبعبارة اخرى. اريد من الاطراد التكرار في التطبيق لا الاستعمال. فانه وان توهم المحقق الاصفهانى ان ذلك يختص بالمعنى الحقيقي فانه الذى يصح استعماله في جميع موارد وجود ذلك المعنى كالانسان الذى يطلق على زيد بلحاظ كونه حيوانا ناطقا فانه يصح اطلاقه على جميع افراد الحيوان الناطق بخلاف المعنى المجازى كالبدر الذى يطلق على زيد بلحاظ جماله، فانه لا يصح اطلاقه على كل جميل حتى النخلة الجملية.

[ 70 ]

لكنه غير تام إذ صدق المعنى المستعمل فيه اللفظ على مصاديقه قهرى عقلي سواءأ كان الاستعمال مجازيا ام حقيقيا. نعم يمكن اخذ خصوصية فيه لا يصدق لاجل ذلك على فاقد الخصوصية، فان هذا يمكن في المعنى الحقيقي ايضا، وهذا هو السر في عدم صدق البدر على الجميل غير الانسان، وان كان المراد من كون الاطراد علامة الحقيقة انه إذا استعمل لفظ في معناه الموضوع له المردد عندنا بين معان فيه يميز الموضوع له عن غيره - مثلا إذا رأينا انه يطلق الانسان على زيد حقيقة - ولكنه لم نعرف انه من جهة قيام الضحك به، أو كونه حيوانا ناطقا أو غير ذلك فبالاطراد - وكثرة اطلاقه على موارده ومصاديقه يستكشف انه موضوع للحيوان الناطق، فيرد عليه انه يجرى في المعنى المجازى ايضا - مثلا إذا رأينا صدق الاسد على زيد بما له من المعنى المجازى ولم نعرف انه بلحاظ شجاعته، أو غيرها من الصفات، فبالاطراد يستكشف انه انما يكون بلحاظ تلك الصفة، مع انه ربما لا يجرى في المعنى الحقيقي وهو ما لو احتمل ان يكون استعمال الانسان وارادة زيد بلحاظ ما هو من لوازم هذا النوع كالكتابة بالقوة كما لا يخفى. اقول: يمكن ان يكون المراد من الاطراد، صحة استعمال اللفظ في معناه في جميع موارد جعله أو فرد من افراده موضوعا على اختلاف القضايا وتعدد المحمولات - مثلا - الانسان يصح استعماله في معناه من دون فرق بين انواع المحمولات المنتسبة إليه، وهذا بخلاف المعنى المجازى فانه لا يصح استعماله فيه وجعله موضوعا في جميع القضايا - مثلا - إذا اردت اظهار الكراهة ممن هو في الجمال كالبدر لا يحسن ان تقول انى اكره البدر، وجعل الاطراد علامة الحقيقة وعدمه علامة المجاز بهذا المعنى لا باس به، وبعبارة اخرى المراد من الاطراد هو الاطراد في التراكيب المختلفة الكلامية مع حفظ وحدة المستعمل فيه، فان صح التعبير عنه بهذا اللفظ في أي تركيب من التراكيب المختلفة باختلاف الفعل المنسوب إليه كاستعمال لفظ الاسد في الحيوان المفترس، فهو علامة الحقيقة، وان لم يصح كما في لفظ الاسد في الرجل الشجاع فانه وان صح قولنا جائنى اسد، ولا يصح تزوج اسد، نام اسد وغيرهما من الافعال غير المناسبة لاظهار الشجاعة،

[ 71 ]

فيكون مجازا به. بقى الكلام في ثمرة هذا البحث وانه، يترتب على هذا النزاع اثر ام لا ؟ قد يقال كما عن بعض الاجلة انه لا يترتب ثمرة على تشخيص المعنى الحقيقي إذ الظاهر حجة، فان احرز ظهور اللفظ في معنى يكون ذلك حجة سواء كان ذلك معناه الحقيقي أم كان هو المعنى المجازى، وان لم يكن ظاهرا فيه فلا يفيد تشخيص كونه معنى حقيقيا إذ على أي تقدير لا بكون حجة. وفيه: ان ثمرة ذلك بناءا على كون اصالة الحقيقة من الاصول العقلائية التعبدية ظاهرة لا تخفى، واما بناء على عدم كونها منها ودوران الحجية مدار الظهور الفعلى: فلان تشخيص المعنى الحقيقي من مقدمات انعقاد الظهور الفعلى، فانه إذا علم ذلك واستعمل اللفظ وشك في ارادة معناه الحقيقي المحرز منه أم معناه المجازى من جهة احتمال وجود القرينة تجرى اصالة عدم القرينة ويحرز بها ارادة الحقيقي ويثبت بها الظهور الفعلى، نعم فيما إذا احرز الظهور الفعلى في معنى أو عدمه كما في اختفاف الكلام بما يصلح للقرينية لا يترتب ثمرة على تشخيص المعنى الحقيقي، لكنه يكفى ثمرة لهذا النزاع ما ذكرناه، وهى ثمرة مهمة مترتبة على تمييز المعاني الحقيقة عن المعاني المجازية. تعارض الاحوال ثم ان الاصحاب ذكروا للفظ احوالا، التخصيص، التقييد، الاشتراك، المجاز، الاضمار وذكروا لتقديم كل واحد منها في صورة المعارضة وجوها، اقول تنقيح القول في المقام انه ان دار الامر بين المعنى الحقيقي وغيره، فان كان المراد معلوما فلا كلام إذ لا يترتب على النزاع في ان المراد هو المعنى الحقيقي أو غير مستندا، وان لم يكن معلوما - فان كان احتمال ارادة غير المعنى الحقيقي مستندا الى وجود ما يصلح للقرينة يحكم بالاجمال لعدم انعقاد الظهور معه، وان كان مستندا الى احتمال وجود القرينة - فيما إذا دار الامر بينه وبين المجاز، أو التخصيص - والاضمار - فيما إذا دار الامر بينه وبين

[ 72 ]

الاضمار، والنقل - أو الوضع الثاني مع بقاء الاول - فيما دار الامر بينه وبين الاشتراك أو النقل - يبنى ان المراد هو المعنى الحقيقي الاول لاصالة الحقيقة في الثلاث الاول، وبعبارة اخرى اصالة عدم القرينة، وعدم التقدير والاضمار توجبان الحمل على المعنى الحقيقي، كما ان اصالة عدم النقل وعدم الوضع الثاني اللتين من الاصول التى عليها بناء العقلاء تعينان ارادة المعنى الاول، نعم فيما ثبت النقل أو الاشتراك وشك في ان الاستعمال كان قبل ذلك أو بعده، كلام سيأتي تنقيح القول فيه في المسألة الاتية فانتظر. وان دار الامر بين بعضها مع بعض آخر مع القطع بان المعنى الحقيقي الاول غير مراد، فان كان اللفظ مع الصارف عن المعنى الحقيقي ظاهرا في احدها، يحمل عليه لحجية الظهور، والا فيحكم بالاجمال وما قيل في وجه التقديم من الوجوه الاعتبارية الاستحسانية مثل كون بعضها اقرب الى المعنى الحقيقي ونحوه، مما لا يعتمد عليه - نعم - فيما إذا كان منشأ العلم بعدم ارادة المعنى الحقيقي هو تعارض الدليلين، لابد من الرجوع الى ما يقتضيه قواعد ذلك الباب من تقديم ما يكون دلالته بالعموم على غيره، وما يكون اطلاقه شموليا وغير ذلك من القواعد المقتضية لتقديم احد الدليلين على الاخر. الحقيقة الشرعية الثالث عشر: في الحقيقة الشرعية والكلام فيها في جهات. الاولى: في محل النزاع والظاهر انه اللفظ المستعمل في الماهية المخترعة من الشارع بحيث لا يعرفها اهل العرف كالصلاة وغيرها، ويظهر من القوانين اعميته من ذلك ومن سبب الموضوع العرفي كالبيع. الجهة الثانية: ان الوضع التعييني كما مر في مبحث الوضع على قسمين: 1 - تصريح الواضع بانشائه 2 - استعمال اللفظ في غير ما وضع له كما إذا وضع له. وقد مر الاشكال في معقولية القسم الثاني ونقده. وقد يقال ان هذا الاستعمال أي الاستعمال بداعي الوضع لكونه بعد التعهد

[ 73 ]

النفساني يكون حقيقة، ولكن ان يوجه عليه بما تقدم في مبحث الاخبار الانشاء انه في امثال هذا الامر العقلاء لا يرتبون الاثر عليه ما لم يبزر فالتعهد النفساني وحدة لا يفيد. فما افاده المحقق الخراساني من ان هذا الاستعمال ليس بحقيقة تام، كما ان ما افاده من عدم كونه مجازا ايضا تام لعدم كونه في غير ما وضع له. الجهة الثالثة الظاهر ثبوت الحقيقة الشرعية بنحو الوضع التعييني بالمعنى الثاني، ويمكن ان يستدل له بوجوه. الاول: انه وان سلم عدم التصريح من الشارع بالوضع، والا لوصل الينا لعدم كونه مما توافر الدواعى لا خفائه بل توفر الدواعى لنقله، الا ان بناء العقلاء دليل وضعه إذ لا ريب في ثبوت بنائهم على ان كل من اخترع شيئا يسميه باسم خاص لاسيما مع كونه مورد الابتلاء، والظاهر ان الشارع المقدس لم يتخط عن هذه الطريقة المألوفة، وعليه فهو ايضا وضع الفاظا لمخترعاته غاية الامر، بما انه نعلم بعدم الوضع بالتصريح، لا مناص عن الالتزام بالوضع بنحو الاستعمال. الثاني: ما ذكره المحقق الخراساني قال ويدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها في محاوراته، ويؤيد ذلك انه ربما لا يكون علاقة معتبرة بين المعاني الشرعية واللغوية فاى علاقة بين الصلاة شرعا والصلاة بمعنى الدعاء انتهى. واورد عليه: بان التبادر الفعلى لا يفيد إذ ثبوت الحقيقة المتشرعية ليس محل الكلام والخلاف، وهو لا يدل الا عليه، واما التبادر في زمان الشارع بمعنى انسباق ذهن اهل ذلك الزمان من تلك الالفاظ المتداولة الى المعاني الشرعية فمما لا طريق لنا الى اثباته - نعم - لا يبعد دعوى ثبوت الحقيقة في زمان الصادقين عليهما السلام بل قبله. ولكن الظاهر ان مراده هو التبادر في محاورات الشارع وفي ذلك الزمان بتقريب ان العرب المتدينين لما سمعوا الايات المتضمنة للامر بتلك الالفاظ، اما انهم لم يفهموا شيئا من تلكم المفاهيم والمعاني المعروفة، أو فهموها بالقرينة، أو فهموها من حاق اللفظ ولا رابع، والا ولان واضح البطلان، فيتعين الثالث، وهو علامة الحقيقة.

[ 74 ]

وبما ذكرناه يظهر تمامية الاستدلال له بالايات مثل قوله " كتب عليكم الصيام كما كتب الج " وقوله تعالى " واذ في الناس ابا الحج " وقوله تعالى " واوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا " الى غير ذلك فانها بضميمة ما ذكرناه في تقريب الاستدلال بالتبادر تدل على ذلك. ولا يراد عليه ما ذكره بعضهم بقوله ويرد عليه: اولا ان صلاة الامم السابقة كما نشاهد الان ليست الا دعاء محضا وكذلك الحج والزكاة، وثانيا ان غاية ما يستفاد من هذه الايات ثبوت هذه الماهيات المخترعة في الشرايع السابقة، ولا تدل على انها كانت مسماة بهذه الاسماء، بل دعوى القطع بالعدم قريبة جدا: إذ لغات الشرايع السابقة غير عربية وهذه الفاظ عربية، مع ان قوله تعالى في الاية الاولى - كما كتب الخ - الضمير فيه يرجع الى معنى الصوم لا الى لفظه كى يستدل به. الجهة الثالثة في الثمرة بين القولين، قال جماعة منهم المحقق الخراساني بانه يظهر الثمرة في المسألة بحمل الالفاظ الواردة في الكتاب والسنة بلا قرينة على المعاني اللغوية مع عدم الثبوت وعلى معانيها الشرعية مع الثبوت إذا علم تاريخ الاستعمال. ويرد عليه انه لابد من تقييد ذلك بعدم صيرورتها مجازات مشهورة في ذلك الزمان في المعاني الشرعية إذا الشهرة مانعة عن انعقاد الظهور في المعنى الحقيقي بل ربما توجب انعقاد الظهور في المعنى المجازى، بل يمكن ان يدعى انه إذا احتمل صيرورتها كذلك في زمانه (ص) لابد من التوقف والحكم بالاجمال فيما لم يعلم تقدم الاستعمال على ذلك: فان اصالة عدم وصولها الى حد الشهرة الى حين الاستعمال لو سلم جريانها، تعارض استصحاب وصولها الى هذا الحد بنحو القهقرى الى حين الاستعمال فتدبر. كما انه: يرد على ما ذكره من حملها على المعاني الشرعية على تقدير ثبوتها انه لابد وان يقيد ذلك بما إذا نقلت تلك الالفاظ عن معانيها اللغوية الى المعاني الشرعية، واما إذا كان ثبوتها لا بهذا النحو بل بنحو الاشتراك فلا يتم ذلك بل يحكم بالجمال، ولا يبعد دعوى كونها بنحو النقل على تقدير الثبوت. هذا كله إذا علم تاريخ الاستعمال. واما إذا جهل التاريخ، فتاره يكون زمان الاستعمال معلوما وزمان النقل مجهولا،

[ 75 ]

واخرى يكونان بالعكس، وثالثة يكون كلا الزمانين مجهولين. اما في الصورة الاولى - فقد يتوهم انه يحمل اللفظ على المعنى اللغوى: لاصالة عدم النقل الى حين الاستعمال. ولا يرد عليه ما قيل من انها ليست اصلا عقلائيا: فانه يمكن دفعه بان بناء العقلاء على حمل الالفاظ على معانيها اللغوية مع احتمال ان يكون المستعمل نقلها الى معان اخر، بل لان ذلك انما يتم في ما إذا لم يحرز النقل والا فمع احرارة والشك في تقدم الاستعمال وتاخره، يعارض هذا الاصل مع اصالة النقل الى حين الاستعمال بنحو القهقرى التى هي ايضا في نفسها من الصول العقلائية: إذ لا ريب في ان العقلاء إذا ارأو لفظا مستعملا في كلمات القدماء وله ظهور فعلا في معنى يحملونه عليه، مع احتمال ان يكون الظهور الفعلى لنقله عن ما كان موضوعا عليه حين الاستعمال - فتتساقطان ويحكم بالاجمال. وبذلك ظهر وجه الحكم بالاجمال في الصورتين الاخيرتين، ولكن الذى يهون الخطب - عدم ورود رواية متضمنة لهذه الالفاظ مع عدم القرينة على ارادة المعاني اللغوية أو الشرعية - فهذا البحث مما لا يترتب عليه ثمرة عملية. الصحيح والاعم الرابع عشر في الصحيح والاعم، وقد وقع الخلاف في ان الفاظ العبادات و المعاملات، هل تكون اسام للصحيحة، أو الاعم وقبل ذلك ينبغى التنبيه على جهات. الاولى: لا شبهه في تأتى الخلاف على القول بثبوت الحقيقة الشرعية، واما على القول بعدم الثبوت ففيه اشكال. وقد ذكر في وجه جريان النزاع على هذا القول وجوه. منها: ما نقله في الكفاية من ان النزاع وقع على هذا: في ان الاصل في هذه الالفاظ المستعملة مجازا في كلام الشارع هو استعمالها في خصوص الصحيحة أو الاعم، بمعنى ان ايهما قد اعترت العلاقة بينه وبين المعاني اللغوية ابتداءا وقد استعمل في الاخر بتبعه ومناسبته كى ينزل كلامه عليه مع القرينة الصارفة عن المعاني اللغوية وعدم قرينة اخرى

[ 76 ]

معينة. وهو غير صحيح: إذ المعنى المجازى الثاني ان كان بينه وبين المعنى الحقيقي مناسبة صح الاستعمال، ولكنه ليس سبك المجاز من المجاز، والا لما صح الاستعمال وان كان بينه وبين المعنى المجازى الاول مناسبة. ثم ان كان مراد المحقق الخراساني من من نقل عنه هذا الكلام هو الشيخ الاعظم فالظاهر انه لم يحرر النزاع بهذا النحو، بل بنحو آخر، وحاصله ان اللفظ قد استعمل مجازا عند الصحيحى في الصحيح دائما لعلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، واستعماله في الفاسد انما يكون من جهة التصرف في امر عقلي وهو تنزيل المعدوم منزلة الموجود، فدائما يكون المستعمل فيه عنده الصحيح اما واقعا أو ادعاء. واما الاعمى فهو يدعى ان اللفظ دائما يستعمل في الجامع بين الصحيح والفاسد مجازا وهو الذى اعتبرت العلامة بينه وبين المعنى اللغوى، وافادة خصوصية الصحة انما تكون بدال آخر، وعلى هذا فاللفظ يحمل على الصحيح إذ استعمل في كلامه مع القرينة الصارفة عن المعنى اللغوى - عند الصحيحى - ما لم ينصب قرينة على التصريف في امر عقلي، كما انه عند الاعمى يحمل على الجامع مع عدم الدليل على خصوصية الصحة. وبهذا التقريب يندفع ما اورده في الكفاية على الشيخ من لوجهين وهما، انه لا يكاد يصح هذا الا إذا علم ان العلاقة انما اعتبرت كذلك واين بناء الشارع في محاوراته استقر عند عدم نصب قرينة اخرى على ارادته بحيث كان هذا قرينة عليه من غير حاجة الى قرينة معينة اخرى وانى لهم باثبات ذلك. اما ما ذكره اولا: فلان الدليل على ذلك هو الدليل على الحقيقة المتشرعية إذ منشأ ثبوت تلك، استعمال اللفظ في ذلك المعنى مجازا في لسان الشارع وتابعيه حتى صار حقيقة فيه، واما ما ذكره ثانيا: فلا من الصحيحى والا عمى يدعى ان المستعمل فيه دائما شئ واحد فمع عدم نصب القرينة على التصرف في امر عقلي، أو على ارادة الصحيح يحكم بارادة المستعمل فيه منه كما هو الشان في جميع الموارد. و لكن يرد على ما افاده الشيخ الاعظم من التصرف في امر عقلي على القول

[ 77 ]

بالاعم، انه لا يتم في موردين، الاول: فيما إذا اريد منه الفاسد وجعل موضوعا في قضية محمولها فاسد أو باطل - مثل - الصلاة بلا سورة فاسدة، الثاني: فيما إذا اريد منه الجامع بين الصحيح والفاسد كما لا يخفى. ويمكن تصوير النزاع على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية بوجه آخر، وهو ان هذه الالفاظ المتداولة التى صارت حقائق في المعاني الشرعية عند المتشرعة، وتلك معانيها المجازية في لسان الشارع، هل لو حظت العلاقة المصححة للاستعمال بين معانيها الحقيقية و خصوص الصحيحة من المعاني الشرعية، أو لو حظت بينها وبين الاعم بنحو يكون كلامه (ص) مع القرينة على عدم ارادة المعاني اللغوية ظاهرا فيما لو حظت العلاقة بينها وبين المعاني الحقيقية، اما لاستقرار ديدنه على ارادتها من تلك الالفاظ، أو لكثرة استعمال الشارع الالفاظ فيها فتدبر. ومنها: ما نسب الى الباقلانى وهو ان يكون النزاع في ان قضية القرينة المضبوطة التى لا يتعدى عنها الا بالاخرى الدالة على اجزاء المأمور به وشرائطه هو تمام الاجزاء و الشرائط أو هما الجملة. وفيه: ان الدال على بقية الاجزاء والشرائط المعتبرة في موضوع الامر لا في المستعمل فيه ان كان لفظا واحدا يستعمل فيها دائما صح هذا النزاع بالتقريب المذكور ولكن الباقلانى لا يدعى ذلك بل يدعى ان الدال عليها انما هي الالفاظ الموضوعة لغة لكل واحد منها وعليه فلا مجال لهذا النزاع. الجهة الثانية في معنى الصحة: قال في الكفاية الظاهر ان الصحة عند الكل بمعنى واحد وهو التمامية وتفسيرها، باسقاط القضاء كما عن الفقهاء، أو بموافقة الشريعة كما عن المتكلمين، أو غير ذلك انما هو بالمهم من لوازمها. الى ان قال ومنه ينقدح ان الصحة والفساد امران اضافيان فيختلف شئ واحد صحة وفسادا بحسب الحالات فيكون تاما بحسب حالة وفاسدا بحسب اخرى. وتنقح القول بالبحث في موردين: احدهما: انه ما المراد من التمامية وان الصحيحى هل يدعى الوضع للتام من أي جهة، وان المراد هو التمامية من جميع ما يعتبر

[ 78 ]

في المأمور به، ام يكون هو التمامية من جهة دون اخرى. الثاني: في انه على فرض كون المراد هو التام من جميع ما يعتبر في المأمور به، هل الصحة والفساد وصفان اضافيان كما افاده في الكفاية ام هما وصفان حقيقيان. اما المورد الاول: فلا اشكال في انه ليس المراد من التمامية، التمامية من حيث اسقاط القضاء، أو من حيث موافقة الامر: لان الشئ لا يتصف بالحد العنوانين الا بعد الامر به واتيانه، ومثله لا يمكن ان يقع في حيز الامر، بل الظاهر ان المراد منها هو التمامية من حيث الاستجماع للاجزاء والشرائط والخصوصيات المعتبرة في المأمور به ولعله الظاهر من الكفاية وصريح غيرها. والحق انه لا يصح دعوى الوضع للتام من جميع الجهات توضيح ذلك: ان التمامية، تارة تلاحظ بالاضافة الى الاجزاء خاصة، واخرى باضافة الشرائط إليها، وثالثة باضافة عدم المزاحم الموجب لعدم الامر فيكون الصحيح هو المركب من الاجزاء والشرائط مع عدم كونه مزاحما بواجب آخر، ورابعة باضافة عدم النهى الى ما ذكر. اما الاخيران خارجان عن المسمى قطعا: لانهما فرع المسمى حتى ينهى عنه أو يسقط امره بوجود المزاحم. واما الشرائط فقد يقال بخروجها عن محل النزاع لانها لا تعتبر في المسمى قطعا، إذ الشرط متاخر عن المشروط رتبة فكيف يدخل في المسمى المستلزم ذلك لتساويهما، ولكنه مردود بان تسمية المتقدم والمتاخر باسم واحد لا توجب تساويهما رتبة حتى لا تكون ممكنة، نعم الشرط الذى ياتي من قبل الامر كقصد الامر المعتبر في التعبديات لا يكون داخلا في المسمى والالزم عدم استعمال اللفظ في معناه عند الامر به ولو في مورد، وهو كما ترى، وستاتى تتمة البحث في ذلك عند الحبث في تصوير الجامع على القول بالوضع للصحيح. واما المورد الثاني: فالحق ان الصحة بمعنى التمامية من حيث الاستجماع لجميع ما يعتبر في المأمور به وما يقابلها وصفان حقيقيان، وما افاده المحقق الخراساني من انهما امران اضافيان، لا يتم لانه علله بانه يختلف شئ واحد صحة وفسادا بحسب الحالات

[ 79 ]

فيكون تا ما بحسب حالة وفاسدا بحسب اخرى، ويرده انه من الخصوصيات المعتبرة في المأمور به حالات المكلف فما يكون واجدا لجميع الخصوصيات لا يتصف بالفساد ابدا، مثلا صلاة الحاضر وان كانت فاسدة بالنسبة الى المسافر، الا انه انما يكون لفقد خصوصية من الخصوصيات المعتبرة كما هو واضح فالحق انهما وصفان حقيقيان لا امران اضافيان. الاحتياج الى تصوير الجامع الجهة الثالثة، انه لابد على كلا القولين من تصوير جامع يشترك فيه جميع الافراد، حتى يكون هو القدر المشترك الذى وضع اللفظ بازائه، أو استعمل فيه مجازا في لسان الشارع وعلى نحو الحقيقة في لساننا وذلك: لعدم كون هذه الالفاظ من قيل المشترك اللفظى بين الافراد وهو بديهى، ولا من قبيل الموضوع له الخاص: لاستعمالها في الجامع بلا عناية: ولانا لا نتوقف عند سماع لفظ الصلوة بلا قرينة، بل ينتقل ذهننا الى تلك العبادة المخترعة من دون دخل الخصوصيات فيها: ولانه لا سبيل الى شئ منهما ان كان وضعها تعينيا، أو تعيينيا بالاستعمال كما لا يخفى، وان كان وضعها تعيينيا بالتصريح فهى كساير اسماء الاجناس، فتكون من قبيل المشتركات المعنوي، فلابد من تصوير الجامع لكونه الموضوع له والمستعمل فيه. وللمحقق النائيني في المقام كلام وهو انه لابد من تصوير الجامع وان كان الموضوع له خاصا إذ لابد من قدر جامع به يشار الى الموضوع له. وفيه: ما مر منا في مبحث الوضع انه إذا لا حظ الواضع القدر المشترك بين الافراد لا يصح وضع اللفظ للافراد إذ الجامع لا يكون مرآتا للخصوصيات وحاكيا عن الافراد، بل لابد في الوضع للافراد من لحاظها تفصيلا أو لحاظ عنوان منتزع عن الخصوصيات. وعليه فبناءا على كون الموضوع له خاصا القدر المشترك لا يكون لازما. ثم انه قال المحقق النائيني (ره) بعد ان اشكل في تصوير الجامع - ويمكن دفع

[ 80 ]

الاشكال بالالتزام بان الموضوع له هي المرتبة العليا الواجدة لتمام الاجزاء والشرائط، والاستعمال في غيرها من المراتب الصحيحة على قول الصحيحى أو الاعم منها على قول الاعمى، من باب الا دعاء والتنزيل. ثم قال وهذا يوجب بطلان نزاع الصحيحى والاعمى راسا. وفيه: اولا: ان المرتبة العليا ليست عبارة عن عدة اجزاء وشرائط معينة بحيث لا يختلف قلة وكنزة، بل هي تختلف بحسب اختلاف اقسام الصلاة، مثل صلاة الصبح، وصلاة الظهر، وصلاة العيدين، والايات، والصلوات المستحبة، فالالتزام بوضعها للمرتبة العليا يتوقف ايضا على تصوير جامع لجميع الاقسام. وثانيا: انا نرى بالوجدان ان اطلاق الصلاة على المراتب النازلة كاطلاقها على المرتبة العليا انما يكون من دون مسامحة وبلا تنزيل وتصرف في امر عقلي. وثالثا: ان المرتبة العليا لو سلم كونها قسما واحدا بما انها تكون صحيحة بالنسبة الى بعض المكلفين وفاسدة بالنسبة الى آخرين، فيمكن النزاع في ان الموضوع له، هي تلك المرتبة اعم من ان تكون صحيحة أو فاسدة، ورابعا: ان ما ذكره (ره) فليكن احد الاحتمالات أي احتمالا ثالثا:، وهذا لا يوجب بطلان النزاع. تصوير الجامع بين الافراد الصحيحة ثم ان تنقيح القول بالبحث في مقامين الاول: في العبادات الثاني: في المعاملات. اما الاول: فالكلام فيه في موردين 1 - في تصوير الجامع 2 - في ادلة الطرفين. اما تصوير الجامع فالكلام فيه في موضعين، احدهما في تصوير الجامع بين الافراد الصحيحة، ثانيهما في تصويرة بين الافراد اعم من الصحيح، والفاسد. اما الاول: فقد ذكر المحققون من الاصحاب لتصويره وجوها. منها ما افاده المحقق صاحب الكفاية، قال منها - لا اشكال في وجوده بين الافراد الصحيحة - وامكان الاشارة إليه بخواصه وآثاره فان الاشتراك في الاثر كاشف عن الاشتراك في جامع

[ 81 ]

واحد يؤثر الكل فيه بذاك الجامع فيصح تصوير المسمى بلفظ الصلاة مثلا بالناهية عن الفحشاء وما هو معراج المؤمن انتهى. وحاصله ان الجامع يترتب النهى عن الفحشاء الذى هو غرض من الصلاة المأمور بها فان وحدة الغرض تكشف عن وحدة المؤثر لان الواحد لا يصدر الا عن الواحد - واورد عليه باليرادات. الاول: ما افاده المحقق النائيني وحاصله ان العبادات بالنسبة الى الاغراض المترتبة عليها من قبيل العلل المعدة وهى ما يتوسط بينها وبين المعلول امر آخر كان ذلك امرا اختياريا ام غير اختياري وليست من قبيل الاسباب التوليدية - وذلك يستكشف من تعلق الامر بها بانفسها لا ما يترتب عليها من الاغراض إذ لو كانت من قبيل الاسباب التوليدية كان الاولى تعلق الامر بالاغراض كما هو الشأن في جميع ما هو من هذا القبيل نظير الطهارة الخبيثة لا بنفس الاجزاء والشرائط فلا يعقل ان يكون هناك جامع يكون عنوانا للمصاديق في مقام التسمية وتعلق الخطاب والغرض تصوير الجامع في هذا المقام. وبعبارة اخرى انه كما لا يصح الامر بالاغراض كذلك لا يصحخ اخذها قيدا للمأمور به لفرض خروجها عن تحت قدرة المكلف، ولا كاشفال عن المسمى بداهة انه بعد ما كانت الملاكات من باب الدواعى وكان تخلف الداعي عن الافعال الختيارية بمكان من الامكان فكيف يصح اخذها معرفا للمسمى. وفيه: ان الغرض المترتب على المأمور به امران: الاول: الغرض الا على الذى يكون بالنسبة الى المأمور به من قبيل المعلول بالنسبة الى العلة المعدة. الثاني: الغرض الاعدادي المترتب عليه الذى يكون بالنسبة إليه من قبيل المعلول بالنسبة الى العلة التامة أو الجزء الاخير منها، والذى يكون ملاكا للامر هو الغرض الثاني، لا الاول، وهو قابل لتعلق التكليف به بنفسه أو يجعله قيدا له لكونه تحت اختيار المكلف بالواسطة وانما لم يؤثر به وامر بمحصله لاجل كونه من الامور الذى لا يفهمه العرف. الثاني: ما ذكره المحقق النائيني (ره) ايضا، وهو انه لو سلم كونها من قبيل الاسباب التوليدية فلازمه ان لا يمكن التمسك بالبرائة عند الشك في الاجزاء والشرائط لرجوع

[ 82 ]

الشك الى الشك في المحصل. وفيه: ما حققناه في محله من مبحث الاقل والاكثر من ان الغرض إذا كان مما لا يفهمه العرف ولا يعرفون محصله والمولى لم يامر به وامر بمحصله، الذى يجب على المكلف هو الاتيان بالمحصل الذى امر به المولى، واما تحصيل الغرض حتى باتيان ما لم يأمر به فلا يحكم العقل بلزومه، وعليه فالغرض بالمقدار الذى قام عليه من المولى بيان يجب تحصيله، وفي غير ذلك يكون مورد الاصالة البرائة وتمام الكلام في محله. الثالث: ما ذكره الاستاذ الاعظم وهو ان الصلاة مركبة من مقولات متباينة، وقد ثبت في محله انها اجناس عالية ولا يمكن تصوير الجامع الحقيقي بين فردين منها، اضعف إليه ان الصحة في صلاة الصيح مثلا متوقفة على ايقاع التسليمة في الركعة الثانية، وفي صلاة المغرب متوقفة على ايقاعها في الثالثة وعدم ايقاعها في الثانية، فكيف يمكن تصوير الجامع بين المشروط بشئ والمشروط بعدمه. اقول هذان الايرادان كجملة من الايرادات الاخر التى اوردوها عليه، مبنيان على ان يكون المحقق الخراساني مدعيا لوجود جامع حقيقي مقولى بين الافراد كما صرح دام ظله به. لكن الظاهر من كلماته انه (قده) يدعى وجود جامع عنواني بسيط منطبق على كل واحد من افراد الصلاة الصحيحة الذى هو ملزوم عنوان المطلوب المساوى له - لا حظ قوله ان الجامع انما هو مفهوم واحد منتزع عن هذه المركبات المختلفة زيادة ونقيصة بحسب اختلاف الحالات متحد متعه بنحو اتحاد -. توضيح ذلك، ان العنوان غير الذاتي يمكن ان يتحد مع كل واحدة من ا لحقائق المختلفة مثلا - عنوان التعظيم، قد ينطبق على القيام، وقد ينطبق على الايماء، وقد ينطبق على الكيف المسموع ومعلوم انه لا جامع مقولى بين هذه العناوين. وعليه فيصح تصوير المسمى بلفظ الصلاة مثلا بالناهية عن الفحشاء وما هو معراج المؤمن ونحوهما من العناوين الاعتبارية المنطبقة على هذه المركبات المختلفة زيادة ونقيصة بحسب اختلاف الحالات المتحدة معها نحو اتحاد، وان شئت قلت ان الصلوة مثلا عنوان جعلى اعتباري ينطبق على كل فرد من افراد الصلواة الصحيحة بما لها من الاختلاف بحسب الاجزاء

[ 83 ]

والشرائط. الرابع: ان اتحاد البسيط مع المركب محال ولا يعقل ان يكون المركب فراد للبسيط وفيه ان نطباق عنوان بسيط جعلى اعتباري غير ذاتي على المركب لا استحالة فيه، بل هو واقع كما في التعظيم وما مائله من العناوين. الخامس: ان الغرض المترتب على الصلاة واحد نوعي لا شخصي: إذ يترتب على كل فرد من افراد الصلاة فرد من الغرض، غير ما يترتب على غيرها. والبرهان المزبور أي " الواحد لا يصدر الا عن الواحد " على تقدير تماميته انما يتم في الواحد الشخصي دون النوعى. ويرد عليه: ما ذكرناه في اول الكتاب من جريان البرهان المزبور في الواحد النوعى ايضا. السادس: ما ذكره هو (قده) في الكفاية وهو ان لازم ذلك عدم جريان البرائة مع الشك في اجزاء العبادات وشرائطها لعدم الاجمال في المأمور به حينئذ بل فيما يتحقق به. والجواب عنه هو الذى ذكره بقوله ان الجامع انما هو مفهوم واحد الخ. وحاصله ان هناك مسائل ثلاث: الاولى: ان يكون متعلق التكليف بنفسه مرددا بين الاقل والاكثر، كما إذا كان المأمورية في الصلاة نفس الاجزاء والشرائط المرددة بين الاقل والاكثر، وفي هذا القسم اكثر المحققين اختاروا جريان البرائة. الثانية: ما إذا كان المأمور به عنوانا مسببا عن مركب مردد بين الاقل والاكثر وله وجود منحاذ عن ذلك المركب نظير الطهارة المسببة عن الغسل، وفي هذا القسم الاكثر على عدم جريان البرائة، وان كان المختار عندنا جريانها في بعض موارد هذا القسم. الثالثة: ان يكون المأمور به عنوانا بسيطا منطبقا على ذلك المركب المردد بين الاقل والاكثر. وفي هذا القسم مختار الشيخ الاعظم (ره) عدم جريان البرائة، والمحقق الخراساني على ما يصرح به في تعليقته على الفرائد في المسألة الرابعة من مسائل الاقل والاكثر، اختار جريان البرائة، وعليه فالمقام بما انه من القسم الثالث لا الثاني، فيجرى في البرائة. فالصحيح ان يورد عليه بان ذلك بخلاف ما ارتكز في اذهان المتشرعة، وخلاف

[ 84 ]

النصوص الواردة عن مخترعها الذى هو المرجع في ذلك، فانها صريحة في كونها اسماء للاجزاء والشرائط انفسها، ومن مطاوى ما ذكرناه ظهر عدم امكان تصوير الجامع المقولى الحقيقي. كما انه ظهر مما ذكرناه انه ان ما نسب الى الشيخ الاعظم (ره)، من تصوير الجامع في خصوص الصلاة التى استكشفنا من ادلة القواطع وجود هيئة اتصالية معتبرة فيها، فيكون لفظ الصلاة موضوعا لتلك المادة سواء، اريد بها، الجامع المقولى، أو العنوانى لا تكون الصلاة اسما لها، اما على الاول: فلعدم معقوليته، واما على الثاني: فالمامر فلا نعبد، ولان لازمه عدم جريان البرائة عند الشك في الاجزاء والشرائط على مسلكه (قده) كما تقدم. وقد يقال في تصوير الجامع كما في تعليقة المحقق الاصفهانى (ره) بما حاصله ان في المعاني والمباهات المضوع له في جميع الموارد معين من جهة ومبهم من ساير الجهات - مثلا - الخمر انما وضعت للمايع المسكر المعين من هذه الجهة المبهم من حيث اتخاذه من العنب والتمر وغيرهما ومن حيث اللون والطعم وغيرهما من الخصوصيات وتكون بحيث إذا اراد المتصور تصورها لم يوجد في ذهنه الا المايع المسكر المبهم من جميع الجهات، وعليه فالموضوع له للفظ الصلاة مع هذا الاختلاف الفاحش بين مراتبها كما وكيفا، سنخ عمل معين من جهة وهى النهى عن الفحشاء و المنكر أو غيرها من المعرفات المبهم من ساير الجهات، فالموضوع له للفظ الصلاة، هو الناهي عن الفحشاء والمنكر - ثم قال (ره) - ان هذا البيان يجدى للاعمى ايضا - بدعوى - ان تلك الجهة المعينة كالناهي عن الفحشاء والمنكر - ان اخذ الناهي الفعلى معرفا للمسمى فهو الجامع بين الافراد الصحيحة وان وضع بازاء العمل المبهم الا من حيث اقتضاء النهى عن الفحشاء دون الفعلية عم الوضع وكان الموضوع له هو الاعم: إذ كل مرتبة من مراتب الصلاة لها اقتضاء النهى عن الفحشاء لكن فعلية التأثير موقوفة على صدورها من اهلها لا ممن هو اهل لمرتبة اخرى. اقولي في كل من تصويري الجامع على الصحيحى، وعلى الاعمى، نظر. اما على الاول: فلان العنوان المعلوم الذى هو الموضوع له أو معرف لما وضع له،

[ 85 ]

اما ان يكون ذاتيا للافراد، أو عرضيا، وعلى الاول: فاما ان يكون تمام الذاتي لها كالانسان الموضوعإ للحيوان الناطق، أو جزء ذاتها - كالحيوان - وعلى الثاني: فاما ان يؤخذ العنوان المزبور معرفا للذات الموضوع له أو يكون الموضوع له نفس ذلك العنوان. فان كان مراده من العنوان هو العنوان الذاتي فيرد عليه: ان الجامع الذاتي بين افراد الصلاة غير معقول لانها مركبة من مقولات متباينة وقد ثبت في محله انها اجناس عالية ليس فوقها جنس، وان كان مراده هو العنوان العرضى بالنحو الاول فيرد عليه: انه انكار لوجود الجامع، ويلزم ان يكون الموضوع له خاصا وهو خلاف الفرض، وان كان مراده العنوان العرضى بالنحو الثاني، فهو يرجع الى ما ذكره المحقق الخراساني والكلام فيه هو الذى اوردناه عليه. واما على الثاني: فلانه لو تم هذا الجامع على الصحيحى لا يتم على الاعمى، لان ما ذكره انما يفيد بالنسبة الى بعض الصلوات الفاسدة ولا يتم بالنسبة الى جميعها - مثلا - الصلاة خمس ركعات ليس فيها اقتضاء النهى عن الفحشاء ولا تصح ولو من شخص واحد. وافاد المحقق العراقى (قده) في تصوير الجامع وجها آخر وحاصله: ان الجامع لا ينحصر بالجامع المقولى والعنواني، بل هناك جامع آخر وهو الجامع الوجودى والصلاة موصوعة له. بيان ذلك ان الصلاة مثلا وان كانت مركبة من المباهات المتباينة ولكن بينها اشتراك وجودي وحصة خاصة من الوجود الجامعة بين تلك المقولات المتباينة ماهية فتكون الصلاة امرا بسيطا خاصا يصدق على الكثير والقليل والضعيف والقوى. وبعبارة اخرى هي موضوعة لمرتبة من الوجود السارى في جملة من المقولات المحدود من طرف القلة بعد اركان الصلاة مثلا ومن طرف الكثرة لو حظ لا بشرط بنحو يصح حمله على الفاقد لها والواحد. وفيه مضافا الى ان المنسبق الى الذهن من الفاظ العبادات ليس مرتبة من الوجود المقترنة بالمعقولات الخاصة، بل نفس تلك المقولات: ان الوجود من دون الاضافة يكون جامعا ووجوديا بين جميع موجودات، ومع الاضافة يكون وجودا خاصا، وليس بين

[ 86 ]

الوجودات جامع وجودي. فالمتحصل عدم تمامية شئ مما ذكر في تصوير الجامع بين الافراد الصحيحة ليكون هو الموضوع له. تصوير الجامع عل الاعم واما الموضع الثاني: فقد ذكر الاصحاب في تصوير الجامع على الاعم وجوها: احدها: ما ذهب إليه المحقق القمى (ره) وهو ان يكون عبارة عن جملة من الاجزاء كالاركان في الصلاة مثلا وكان الزايد عليها معتبرا في المأمور به لا في المسمى. واورد عليه المحقق الخراساني (ره) في الكفاية بايرادات ثلاثة 1 - التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها ضرورتها صدق الصلاة مع الاخلال ببعض الاركان 2 - عدم الصدق عليها مع الاخلال بساير الاجزاء والشرائط عند الاعمى 3 - انه يلزم ان يكون الاستعمال فيما هو المأمور به باجزائه وشرائط مجازا عنده وكان من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل ولا يلتزم به القائل بالاعم. واورد المحقق النائيني (ره) عليه بايرادين: احدهما: ان الاركان مختلفة بحسب الموارد من القادر، والعاجز وامثالها، فلابد من تصوير جامع آخر بين ذلك المراتب فيعود الاشكال. الثاني: ان بقية الاجزاء ان كانت خارجة عن المسمى دائما فهو ينافى الوضع للاعم فان المروض صدقها على الصحيحة ايضا، وان كانت خارجة عند عدمها خاصة فيلزم دخول شئ في الماهية عند وجوده وخروجه عنها عند عدمه، وهو محال: إذ التشكيك في المهية وان كان معقولا الا انه في الماهيات البسيطة كالسواد والبياض وغيرهما، ولكنه لا يعقل في الماهيات المركبة كما حقق في محله. اقول: الصحيح في تصوير الجامع هو هذا الوجه بعد اصلاحه بان الموضوع له جملة من الاجزاء الخاصة لا الاركان، وان بقية الاجزاء على فرض وجودها داخلة في المسمى. وتنقيح القول فيه يقتضى التكلم في مقامين: الاول في مقام الثبوت، وبعبارة

[ 87 ]

اخرى في امكانه. الثاني في مقام الاثبات واقامة الدليل عليه. اما المقام الاول: فحق القول فيه بنحو يندفع جميع الايرادات المتقدمة يقتضى تقديم مقدمات: الاولى: انه لا مانع من ضم ماهيات مختلفة التى لا جامع بينها وتسميتها باسم واحد، وتصير بذلك مركبا اعتباريا كما نرى ذلك بالوجدان في المركبات الاعتبارية لا حظ الاطمعة والا شربة. والثانية: انه لابد في المركب الاعتباري عند ارادة تعيين الموضوع له من الرجوع الى مخترعه سواء كان المخترع هو الشارع أو غيره. الثالثة. انه في المركب الاعتباري يمكن ان يكون شئ على تقدير وجوده جزءا وعلى تقدير عدمه غير مضر، ان كان ما اخذ مقوما ماخوذا فيه لا بشرط، وهذا لا يستلزم التشكيك في الماهية، وغير مربوط به. والدليل على ذلك وقوعه كما في لفظ البستان فانه موضوع لما اشتمل على ساحة وحيطان وعدة اشجار، وإذا زيد على ذلك عذة اشجار اخر أو حوض أو غيره، فهى من اجزاء البستان والا فلا، وما اشتهر من ان المركب ينتقى بانتفاء احد الاجزاء فانما هو في المركب الحقيقي لا الاعتباري. الرابعة: انه في المركب الاعتباري يمكن ان يكون المقوم احد امور على سبيل البدلية - مثلا - المعجون في اللغة موضوع للمركب من العسل وغيره أي شى كان، والحلوا، اسم لما طبخ من شكر أو غيره من الحلوايات وغيره سواء كان ذلك ايضا حنطة أو ارزا أو غيرهما، ولا يلزم في ذلك تصوير جامع بين تلك الامور. إذا عرفت هذه الامور، فاعلم انه يمكن ان يقال ان الصلاة مثلا اسم لجملة من الاجزاء والشرائط (وهى ما ستعرف في المقام الثاني، الطهارة، والتكبيرة، والركوع، والتسليمة)، وان شئت فعبر عن هذه بالاركان بهذا الاعتبار، وغيرهما من الاجزاء والشرائط حتى الفرد الثاني من الركوع، والسجود دخلية في المأمور به، خارجة عن حقيقتها، ولكنه عند الاتيان بها تدخل في المسمى. ولا يرد على ذلك شئ من الاشكالات المتقدمة، اما الاولان: فلانه لا سبيل الى دعواهما بعد ورود الدليل من المخترع على ذلك، واما الثالث: فلما عرفت في المقدمة الثالثة، من ان بقية الاجزاء داخلة في المسمى على تقدير وجودها. فاطلاق الصلاة واستعمالها في مجموع الاجزاء

[ 88 ]

والشرائط، لا يكون مجازا، واما الرابع: فلما عرفت في المقدمة الرابعة، واما الخامس فلما ذكرناه في المقدمة الثالثة، هذا كله بحسب مقام الثبوت. واما المقام الثاني وهو اقامة الدليل عليه في مقام الاثبات، فنتعرض للدليل على ذلك في خصوص الصلاة التى هي العمدة في الباب، وبه يظهر الحال في بقية العبادات، وملخص القول فيها، ان لنا دعويين، الاولى: كون الموضوع له للفظ الصلاة - هي - الطهارة، والتكبيرة، والركوع، والسجود، والتسليمة، والموالاة. الثانية: ان بقية الاجزاء والشرائط على فرض تحققها داخلة في المسمى. اما الاولى: فيشهد لها: النصوص الكثيرة المتضمنة ان التكبيرة افتتاح الصلاة، والتسليمة اختتامها، وانه لا صلاة الا بطهور، وان الصلاة ثلاثة الثلاث، ثلث الطهور، وثلث الركوع، وثلث السجود فمفاد هذه النصوص كون الاجزاء الخمسة الاولى داخلة في المسمى، واما الموالاة فيشهد لاعتبارها في مسمى الصلاة الارتكاز العرفي: إذ لا يشك احد في ان من كبر في اول الصبح، وركع في الظهر، وسجد في الليل، لا يصدق انه صلى، فالمتحصل انه إذا راجعنا الى الشارع المخترعإ يظهر لنا ان الامور الستة المشار إليها داخلة في المسمى ومن اتى بها يصدق على ما فعله الصلاة ولا يتوقف صدق الصلاة على شئ آخر. واما الثانية: فيشهد لها: استعمال الصلاة عند المتشرعة في مجموعإ الاجزاء والشرائط بلا عناية وتجوز، بل في لسان الشاع الاقدس وحافظي شريعته وايضا التعبير عن غير الستة المذكورة في السنتهم باجزاء الصلاة وقيودها وما يعتبر، فان ذلك كاشف عن صدقها على المجموع المركب من الستة المذكورة وغيرها حين وجود بقية الاجزاء والشرائط، ويشهد به ايضا النصوص المتضمنة، ان من زاد في صلاته فليستقبل صلاته: فان كل زيادة لا شبهة في عدم مبطليته كحك الرأس، بل الزيادة المبطلة هي ما لواتى بشئ بما انه من اجزاء الصلاة ومبطليته حينئذ ليست من جهة التشريع بل من جهة الزيادة نفسها، فيستكشف من ذلك ان كل ما اتى به بعنوان انه من الصلاة يصير جزءا للصلاة وداخلا في المسمى مع انه عدمه لا يضر بالصدوق، ومما يشهد لذلك التعبير بكلمة (في) لا

[ 89 ]

(على) فان ذلك آية صيرورته جزءا للصلاة. لا يقال ان ما تضمن ان التكبير افتتاح الصلاة، ينافى مادل على دخالة الطهور الذى يكون مقدما عليها: إذ لو كان دخيلا كان هو افتتاحها. فانه يقال: ان الطهور من شرائط الصلاة لا اجزائها وفي الشرائط انما يكون المعتبر تقيد الا جزء بها وليست بانفسها دخيلة في المأمور به والمسمى كما سيأتي تنقيح القول في ذلك في مبحث الشرط المتأخر. لا يقال انه في حديث - لا تعاد الصلاة الا من خمس - اطلقت الصلاة على الفاقة للطهارة والركوع والسجود فيعلم من ذلك من عدم دخلها بالخصوص في المسمى. فانه يقال: اولا: ان الاستعمال اعم من الحقيقة واصالة الحقيقة انما يرجع إليها مع الشك في المراد لا مع معلوميته. وثانيا: يمكن الالتزام بعدم دخالة الطهور فيها، وعدم جريان الحديث في الصلوة غير الواجدة لطبيعي الركوع والسجود، وانه مختص بما إذا اتى ولو بفرد واحد من الركوع مثلا ولم يأت بغيره من الافراد واما إذا لم يأت ولو بفرد واحد فهو باطل من جهة عدم كونه صلاة لا للحديث. لا يقال ان لازم ما ذكرت عدم كون صلاة الغرقى صلاة، مع انه يطلق عليها الصلاة. فانه يقال هذا اشكال يرد على الاعمى باى نحو تصور الجامع والجواب عنه: انه لابد من الالتزام باحد امرين: اما عدم كونها صلاة بل هو عمل خاص به يستوفى مصلحة الصلاة في ذلك الوقت، أو الاشتراك اللفظى في لفظ الصلاة ولا محذور في شئ منهما. فتحصل ان الصلاة اسم لجملة من الاجزاء والشرائط الخاصة لا بشرط من الزيادة، بمعنى ان كل ما زيد عليها يدخل في المسمى، وعدم الاتيان به لا يضر في الصدق. و مما يؤيد ما اخترناه افتاء افتاء الاصحاب بصحة صلاة وتر من تطهر ثم كبر فنسى القرائة فركع وكذلك نسى بقية الاجزاء سوى السجود والتسليمة. فان ذلك يؤيد ما اخترناه من تقوم الصلاة بتلكم الامور الخاصة. وبذلك يطهر الحال في الحج وغيره من العبادات.

[ 90 ]

الوجه الثاني لتصوير الجامع الى الاعم ثانيها: ان يكون الجامع هو معظم الاجزاء، فتكون الصلوة مثلا موضوعة لمعظم الاجزاء التى تدور مدارها التسمية عرفا، فصدق الاسم عليها كذلك يكشف عن وجود المسمى وعدم صدقه عن عدمه وقد نسب الشيخ الاعظم ذلك الى المشهور. واورد عليها المحقق الخراساني بايرادات 1 - ان لازم ذلك كون استعمال الصلاة في مجموع الاجزاء والشرائط مجازا 2 - انه عليه يتبادل ما هو المعتبر في المسمى فكان شئ واحد داخلا فيه تارة وخارجا عنه اخرى. بل مرددا بين انه يكون هو الخارج أو غيره عند اجتماع تمام الاجزاء 3 - مع ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب الحالات. اقول انه مع قطع النظر عما ذكرناه في تصوير الجامع، هذا الوجه احسن الوجوه ولا يرد عليه شئ مما ذكر وغيره مما لم نذكره: إذ لو التزما بان الموضوع له هو معظم الاجزاء، لا بمعنى مفهوم معظم الاجزاء، بل المراد ان الموضوع له عدة من الاجزاء معتنى بها، وبعبارة اخرى اغلب الاجزاء والشرائط فصاعدا بالتقريب المتقدم، يندفع الايرادان الاولان. فانه عند الاجتماع يكون كل جزء داخلا في المسمى فلا مجاز، ولا يتردد امر كل جزء بين ان يكون هو الخارج أو غيره، وعرفت انه لا مانع من كون احد امور على البدل داخلا في المسمى. واما الايراد الثالث فالجواب عنه وعن ساير ما اورد على هذا الوجه يظهر بعد بيان امر، وهو انه لاغلب الماهيات والمفاهيم البسيطة - أو المركبة بالتركيب الحقيقي - أو بالتركيب الاعتباري مع تبين المفهوم عند الشخص في عالم المفهومية - مصاديق مشكوك فيها - مثلا - الماء الذى يكون مفهومه من اوضح المفاهيم، مصاديق يشك في انها من مصاديق الماء - وعلى ذلك - فالمدعى ان مفهوم الصلوة - واضح معين - وهو معظم الاجزاء ولهذا المفهوم مصاديق متيقنة كمعظم اجزاء صلاة الظهر - ومصاديق مشكوك فيها كمعظم اجزاء صلاة الوتر مثلا - وهذا لا يوجب عدم معلومية المفهوم عند

[ 91 ]

المتشرعة وتردده حتى في عالم المفهومية. نعم يرد هذا الوجه انه امر ممكن الا انه يحتاج في البناء عليه الى دليل في مقام الاثبات وهو مفقود. الوجه الثالث والرابع ثاليها: ان يكون وضعها كوضع الاعلام الشخصية كزيد فكما لا يضر في التمسية فيها تبادل الحالات المختلفة من الصغر والكبر ونقص بعض الاجزاء وزيادته كذلك في المقام. واورد عليه المحقق الخراساني (ره) بان الاعلام موضوعة للاشخاص والتشخص انما يكون بالوجود الخاص ويكون الشخص حقيقة باقيا مادام وجوده باقيا وان تغيرت عوارضه، واما الفاظ العبادات فهى موضوعة للمركبات ولا يكاد تكون موضوعة لها الا ما كان جامعا لشتاتها وحاويا لمتفرقاتها. اقول يمكن توجيه هذا الوجه بنحو يرجع الى ما اخترناه في تصوير الجامع ولا يرد عليه ما ذكر، بان يقال ان من وضع له لفظ زيد، انما يكون مركبا من نفس وبدن، ولا يكون الموضوع له هو النفس، لما نرى بالوجدان من صحة استناد الرؤية والضرب وغير هما مما يعرض على البدن الى زيد. ولان لازمه عدم صحة استناد الموت الى زيد فان النفس تكون باقية بعد تفاوتها من البدن ويكون ذلك من قبيل خلع اللباس. مع ان هذا مما لا يفهم اهل العرف الذين هم الواضعون للاعلام الشخصية - كما انه لا يكون الموضوع له هو البدن - لما نرى من صحة استناد العلم وما شابهه من عوارض النفس الى زيد، مضافا الى القطع بدخالة النفس في المسمى. بل الموضوع له هو النفس مع عدة من اجزاء البدن فصاعدا، وان شئت قلت الاجزاء التى تقوم بها الحيوة، ولذا مادام لم يقطع رجل زيد يكون جزءا له، وقطعه لا يضر بالصدق، ويكون الصلاة مثلا كذلك كما مر تقريبه. فينطبق هذا الوجه على ما اخترناه فيكون وضع الاعلام مؤيد للمختار. رابعها: ان ما وضعت له الالفاظ ابتداءا هو الصحيح التام الواجد لجميع الاجزاء

[ 92 ]

والشرائط الا ان العرف يتسامحون ويطلقون تلك الالفاظ على الفاقد للبعض تنزيلا له منزلة الواجد ثم يصير حقيقة فيه بعد الاستعمال فيه كذلك دفعة أو دفعات للانس الحاصل من جهة المشابهة في الصورة أو المشاركة في الاثر. ويرد عليه مضافا الى ما اوردناه على المحقق النائيني - في اول هذا المبحث - ان الاستعمال في غير تلك المرتبة العليا، ان كان في الافراد، فمضافا الى انه خلاف الفرض وهو تصوير الجامع، لا يوجب صيرورته حقيقة فيها كما لا يخفى، وان كان في الجامع فلابد من تصويره اولا:، ثم الالتزام بذلك، مع ان لازم ذلك كونها من قبيل المشترك اللفظى، إذ هذا النحو من الوضع لا يوجب هجر المعنى الاول. وعليه فيلزم الاشتراك اللفظى في الفاظ العبادات بين الصحيح والاعم. وهو خلاف ما يدعيه الا عمى كما لا يخفى. بيان ثمرة المسألة ثم انه وقع الخلاف في انه هل لهذه المسألة ثمرة ام لا ؟ وقد ذكر جماعة لها ثمرتين الاولى: ما ذكره منهم المحقق الخراساني وهو انه يجوز التمسك بالاطلاق أو العموم على القول بالاعم عند الشك في اعتبار شئ جزءا أو شرطا، ولا يجوز التمسك به على القول بالصحيح، بل يكون الخطاب مجملا ولابد فيه من الرجوع الى الاصول العملية. توضيح ذلك ان التمسك بالاطلاق يتوقف على تمامية مقدمات: الاولى: ورود الحكم على المقسم بان يكون له قابلية الانطباق على نوعين أو انواع. الثانية: كون المتكلم في مقام البيان. الثالثة: عدم نصب قرينة على التعيين فإذا تمت المقدمات يصير الكلام مطلقا ويصح التمسك به لنفى اعتبار ما شك في اعتباره في المأمور به، وان شئت قلت انه يعتبر في التمسك بالاطلاق احراز صدق ما تعلق الامر به ويكون الشك في اعتبار امر زيدا على المسمى فلو كان صدقه مشكوكا فيه على الفاقد لما شك في اعتبارة لم يصح التمسك بالاطلاق. وعليه فعلى القول بالوضع للاعم يتم المقدمات الثلاث لو تمت الاخيرتان أي

[ 93 ]

كان الدليل في مقام البيان، ولم ينصب قرينة على التعيين لان المقدمة الاولى التى هي الاساس تامة على هذا المسلك لان الحكم حينئذ تعلق بالطبيعي الجامع بين الافراد الصحيحة والفاسدة، فيصح التمسك بالاطلاق لدفع ما شك في اعتباره جزءا أو قيدا لانه شك في اعتبار شئ زايدا على صدق اللفظ. بخلاف القول بالوضع للصحيح فان المقدمة الاولى على هذا المسلك مفقودة إذ الحكم ورد على الواجدان لجميع الاجزاء والشرائط، فلو شك في جزئية شئ أو شرطيته لا مجالة يؤول الشك الى الشك في صدق اللفظ على الفاقد للمشكوك فيه لاحتمال دخله في المسمى ومعه لا يصح التمسك بالاطلاق. واورد على هذه الثمرة بايرادين: الاول ان الحظات المتعلقة بالعبادات الواردة في الكتاب والسنة، اما ان لا تكون في مقام البيان كما هو الغالب فلا يصح التمسك باطلاقها ولو الاعم، واما ان يكون في مقام بيان تعداد الاجزاء والشرائط كصحيح حماد، فالصحيحي ايضا يتمسك بالاطلاق كالاعمى لعدم جزئية المشكوك فيه للسكوت عنها في مقام البيان، وان شئت فاختبر ذلك من حال المقلدين في مراجعة كتب الفتاوى حيث ان المجتهد إذا كان في مقام بيان تعداد الاجزاء والشرائط ولم يبين جزئية المشكوك فيه يتمسكون بالاطلاق لنفى اعتبارة، وكذلك عند مراجعة المريض الى الطبيب فانه إذا كان في مقام بيان المعجون الفلاني يتمسك المريض بالاطلاق لنفى ما يحتمل اعتباره إذا لم يصرح به الطبيب. وفيه: هناك صورة ثالثة - غير ما ذكر - وهى: ما إذا كان الدليل واردا في مقام بيان وجوب ما يصدق عليه الصلاة مثلا مع ما يعتبر في المأمور به: فانه حينئذ الاعمى بعد احراز صدق الصلاة يتمسك باطلاقه لدفع ما شك في اعتباره، واما الصحيحى فحيث ان الشك في اعتبار امر في المأمور به عنده موجب للشك في صدق الصلاة على فاقدة فليس له التمسك بالاطلاق، وان شئت قلت: ان محل الكلام هو التمسك بالاطلاق اللفظى لا المقامى، وما ذكر في تقريب استدلال الصحيحى بالاطلاق انما هو تمسك بالاطلاق المقامى والفرق بينهما ظاهر. الايراد الثاني ان الصحيحى وان كان لا يمكن له التمسك بالاطلاق الا ان الاعمى

[ 94 ]

ايضا ليس له ذلك فان المأمور به ليس هو الفاسد ولا الجامع بينه وبين الصحيح بل هو الصحيح فالمأمور به مقيد بقيد صدقه على الفاقد لماشك في اعتباره مشكوك فيه فلا يمكن التمسك بالاطلاق. وفيه: انه للصحة المستعملة في كلمات القوم في المقام معان: احدها: ما يقوله الصحيحى في الوضع، وهو العنوان البسيط الملزوم للمطلوب المنطبق على مجموع الاجزاء والشرائط، أو غيره مما قيل في وجوه تصوير الجامع على الصحيح الذى يدعى الصحيحى انه الموضوع له. الثاني: ترتب الاثر، فالصحيح هو ما يترتب عليه الاثر، ويكون وافيا بالغرض. الثالث: مطابقة الماتى به للمأمور به. وشئ منها لا يكون دخيلا في المأمور به على الاعم، اما الاول فلان دخل عنوان بسيط منطبق على مجموع الاجزاء والشرائط في المأمور به بنفسه مما لا دليل عليه، بل الدليل ظاهر في تعلقه بنفس الاجزاء والشرائط، و اما الثاني فلان المأمور به ليس هو المحصل للغرض بعد فرض كون بيان المحصل وظيفة الشارع، وعلى أي تقدير لا دليل على تقيد المأمور به به، واما الثالث: فلانه مما لا يتاتى الا من قبل الامر فكيف يمكن اخذه في المتعلق، وهل هذا الا تقدم ما هو متاخر وهو محال. فتحصل انه كما لا يكون الفاسد مامورا به لا يكون الصحيح مامورا به بل المتعلق هو الاجزاء والشرائط الخارجية وبعد تعيين ما هو دخيل في المأمور به بالدليل الخاص أو بالاطلاق لو اتى به المكلف يتصف ما اتى به بالصحة، وعليه فعلى الاعم إذا امر بالصلاة مثلا المفروض انها اسم لعدة اجزاء خاصة وشك في اعتبار امر آخر غير تلك الاجزاء في المأمور به كجلسة الاستراحة، يتمسك بالاطلاق لنفى اعتباره وببركته تنصف الصلاة الخارجية الفاقدة لها بالصحة، وهذا بخلاف القول بالوضع للصحيح، فان المأمور به انما هو عنوان يشك صدقه على الفاقد لما شك في اعتباره لفرض كون المسمى هو الواجد لجميع الاجزاء والشرائط، ومع الشك في صدق الموضوع لا مجال للتمسك بالاطلاق. وبما ذكرناه ظهر ما في كلمات المحقق العراقى (ره) في المقام، حيث اورد على هذا الجواب - أي عدم معقولية اخذ الصحة في المأمور به على الاعم - بانه كما ان الصحة لم تؤخذ في المسمى على الصحيح، بل الموضوع له واستعمل فيه، هي الحصة الخاصة

[ 95 ]

المقارنة للصحة كذلك، يكون المأمور به على الاعم هي تلك الحصة الخاصة، فالاعمى والصحيحى سواء في التمسك بالاطلاق وعدمه. وجه عدم تمامية ذلك ما تقدم من ان الصحيحى لا يمكن له التمسك بالاطلاق وعدمه. وجه عدم تمامية ذلك ما تقدم من ان الصحيحى لا يمكن له التمسك بالاطلاق لاجل الشك في صدق المسمى - هذا بخلاف القول بالاعم - فالمتحصل تمامية هذه الثمرة. الثمرة الثانية ما ذكره جماعة منهم المحقق القمى (ره) وسيد الرياض من ان، الاعمى يتمسك بالبرائة عند الشك في جزئية شئ أو شرطيته للمأمور به، والصحيحى يتمسك بالاشتغال، فلو شك في دخل شئ في المأمور به ولم يكن هناك اطلاق يتمسك به يلزم على الصحيح الرجوع الى قاعدة الاشتغال لرجوع شكه الى الشك في الامتثال، واما الاعمى فهو يرجع الى البرائة. واورد عليه الشيخ الاعظم الانصاري (ره) بان الرجوع الى البرائة أو الاشتغال على القولين يبتنى على انحلال العلم الاجمالي وعدمه إذ على الاول يرجع الى البرائة على القولين، وعلى الثاني يرجع الى الاشتغال كذلك، واجاب عنه المحقق النائيني، بان الوضع للصحيح لا يمكن، الا بتقييد المسمى اما من، ناحية المعلول، أو العلة، كما تقدم، وعليه فحيث ان تعلق التكليف بذلك القيد معلوم وحصوله باتيان الاجزاء المعلومة مشكوك فيه فالابد من الرجوع الى الاشتغال حتى مع انحلال العلم الاجمالي، واما الاعمى فهو لا يرى تعلق التكليف بامر خارج عن الماتى به، فهو على الانحلال يرجع الى البرائة. اقول هذا الجواب وان كان متينا على مبنى العلامة الانصاري من الرجوع الى قاعدة الاشتغال فيما إذا كان المأمور به امرا منطبقا على الاجزاء المرددة بين الاقل والاكثر الذى يصرح به في المسألة الرابعة من مسائل الاقل والاكثر ويكون حكم هذه المسالة حكم ما إذا تعلق التكليف بامر حاصل منها - الا انه بناء على ما هو الحق عندنا من جريان البرائة فيها لا يتم كما لا يخفى.

[ 96 ]

الثمرة الثالثة بقى في المقام امران: الاول: انه هل يترتب على هذه المسألة ثمرة فقهية غير ما ذكر ام لا ؟ والحق ترتبها عليها، وهو حمل الالفاظ الواقعة في لسان الشارع المأخوذة موضوعا لحكم آخر على الصحيح على القول به، وعلى الاعم على القول به - مثلا - دل الدليل على مرجوحية صلاة الرجل - إذا كانت المرئة تصلى بحياله أو قدامه، فلو كانت صلاتها فاسدة على القول بالصحيح لا مرجوحية في صلاة الرجل بخلافه على الاعم، وكذلك - دل الدليل على ان الصسافر إذا قصد اقامة عشرة ايام وصلى صلاة رباعية ثم عدل عن قصده يتم مادام في ذلك المحل والا فيقصر - وحينئذ - لو صلى صلوة رباعية فاسدة، فعلى الاعم يتم، وعلى الصحيح يقصر، وكذلك دل الدليل على صحة الاقتداء بصلاة العادل فعلى الصحيح لابد من احراز صحة صلاته بخلافه على الاعم الى غير ذلك مما يجده المتتبع في الفقه، وهذه ثمرة مهمة مترتبة على هذه المسألة ولا ينقضى تعجبي عن الاساطين كيف غفلوا عن ذلك ولم يذكروها. الثاني: لو شك في الوضع للصحيح أو الاعم ولم يحرز شئ منهما، هل يكون حكم الشاك في هذه الثمرات حكم الصحيحى، أو الاعمى، ام يفصل بينها ؟ وجوده اقويها الاخير: وذلك فانه بالنسبة الى جريان البرائة أو الاشتغال يكون ملحقا بالعمى، إذ من شك في الوضع للصحيح أو الاعم يكون عالما بان في ترك الاجزاء المعلومة عقاب، واما في ترك المشكوك فيه فلا يكون ذلك محرزا كان المأمور به هو ذوات الاجزاء والشرائط، أو العنوان البسيط المنطبق على المجموع فيجرى البرائة ويحكم بعدم العقاب عليه، وان شئت قلت انه يجرى البرائة عن وجوب ذلك العنوان البسيط كما تجرى عن وجوب الجزء المشكوك فيه، واما في التمسك بالطلاق فهو يشارك الصحيحى إذ الشاك لا يكون محرزا المسمى على الجزاء المعلومة كما لا يخفى، واما بالنسبة الى الثمرة الاخيرة، فان اخذت الصلاة شرطا كما في الاقتداء، فهو يشارك الصحيحى، وان اخذت مانعا، كما في مثال الصلاة خلف المرئة فهو يشارك الاعمى.

[ 97 ]

ادلة القول بالصحيح الجهة الرابعة: في ادلة القولين، وقد استدل للصحيحى بوجوده. احدها التبادر، ويرده انه لا يتصور الجامع بين الافراد الصحيحة، سوى ما افاده المحقق الخراساني، وهو الالتزام بعنوان بسيط منطبق على مجموع الاجزاء والشرائط، ولا مورد لا دعاء تبادر ذلك المعنى، لما عرفت من انه لا يخطر ببال عامة الناس وانه خلاف ما ارتكز في اذهان المتشرعة من معاني هذه الالفاظ، ومعه كيف يدعى تبادره من لفظ الصلاة مثلا. ثانيها: صحة السلب عن الفاسد، والمراد به ما يقابل الحمل الشايع الصناعي، إذ صحته على نحو الحمل الاولى الذاتي، لا تكون علامة كما تقدم، ولذلك هي ثابتة عند الاعمى، لانه يدعى الوضع للجامع بين الصحيح والفاسد، لا الحصول الفاسد ولو بنحو المشترك اللفظى. ولكن يرد عليه انه بعد ملاحظة موارد اطلاق هذه الالفاظ بما لها من المفاهيم، في لسان الشارع والمتشرعة وارادة الافراد الفاسدة التى هي كثيرة جدا، لا سبيل الى هذه الدعوى، مع انه لو اخبر شخص بان زيدا يصلى مع عدم علمه بصحة صلاته، فهل تراه كاذبا في هذا الخبر وهذه آية قطعية على عدم صحة السلب. ثالثها: الاخبار الظاهرة في اثبات بعض الخواص والاثار للمسميات مثل الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أو عمود الدين، أو معراج المؤمن وماشا كل: فان هذه النصوص بمقتضى الاطلاق تدل على ان كل صلاة يترتب عليها هذه الاثار، فلازمه بمقتضى عكس النقيض ان ما لا يترتب عليه هذه الاثار ليس بصلاة - وبديهى عدم ترتبها على الصلاة الفاسدة فتدل على ان الفاسدة ليست بصلاة، وهكذا ساير العبادات. وفيه: انه لو سلم استعمال هذه الالفاظ في الصحاح لا يصح الاستدلال بها: لان اصالة الحقيقة انما يرجع إليها لتشخيص المراد بعد العلم بالمعنى الحقيقي والشك في انه

[ 98 ]

المراد أو غيره، ولا يرجع إليها لتشخيص المعنى الحقيقي بعد العلم بالمراد والشك في الموضوع له، كما ان اصالة العموم أو الاطلاق تكون حجة فيما احرز المصداقية وشك في الحكم لا فيما إذا شك في المصداقية واحرز الحكم والاثر كما في المقام - اضف الى ذلك انه لو سلم انه يرجع الى اصالة الحقيقة وكذا اصالة العموم لتشخيص المعنى الحقيقي، وثبت ان الاستعمال في المقام انما يكون في الموضوع له، لا يثبت مدعى الوضع للصحيح: إذ الاعمى انما يدعى الوضع للجامع بين الصحيح والفاسد، وعليه فيمكن ان يكون ارادة الصحيح منها بتعدد الدال والمدلول، ولا دليل على ان هذه الالفاظ انما استعملت وحدها في الصحيحة حتى يثبت مدعى الصحيحى. واجاب المحقق الاصفهانى (ره) عن هذا الدليل بجواب آخر وهو ان ظاهر هذه التراكيب الواردة في مقام افادة الخواص كالقضايا غير الشرعية المتضمنة لذلك كقولنا السنا مسهل - والسم قاتل - وغيرهما، سوقها لبيان الاقتضاء لا الفعلية، ويؤيده ان الظاهر اتحاد المراد من الصلاة عقيب الامر والصلاة المؤثرة في النهى عن الفحشاء والمنكر مع ان فعلية النهى عن الفحشاء موقوفة على قصد الامتثال الذى لا يمكن اخذه فيما وقع في حيز الامر، وعليه فهذه الاخبار دليل للاعمى: إذ المقتضى لتلك الاثار هو نفس تلك المراتب المتداخلة وحيثية الصدور غير دخيلة في الاقتضاء. وفيه: ان ذلك يتم إذا لم يلاحظ المصلى وقصر النظر على ذات الفعل، واما إذا لو حظ المصلى ولو صدور الفعل من شخص كالمسافر والحاضر والمختار والمضطر وغير ذلك من العناوين الدخيلة في المسمى على الصحيحى، فلا يتم إذ كل ما فيه اقتضاء لترتب هذه الاثار هي الصلاة الصحيحة لا الفاسدة لانها الااقتضاء فيها لها اصلا كما لا يخفى، فالصحيح ما ذكرناه. رابعها: ما في الكفاية، وهو ما تضمن نفى ماهية المسميات وطبايعها مثل لا صلاة الا بفاتحة الكتاب ونحوه مما كان ظاهرا في نفى الحقيقة، بمجرد فقد ما يعتبر في الصحة شطرا أو شرطا. ولكن الاستدلال بهذه الاخبار لكون الموضوع له هو الصحيح بالمعنى الذى

[ 99 ]

اختاره، ينبغى ان يعد من سهو القلم إذ مقتضى هذه الاخبار عدم صدقها على الفاقد للشرط أو الشرط وان صدر العمل ممن لا يجب عليه ذلك، مع الجامع الذى تصوره هو الجامع بين الواحد لذلك القيد وفاقده. ولاحد الشخصين الاستدلال بها لمختاره، 1 - من يدعى الوضع للمرتبة العليا الواجدة لتمام الاجزاء والشرائط 2 - من يدعى الوضع لعدة اجزاء فصاعدا كما اخترناه، وحيث عرفت فساد المسلك الاول فهذه الاخبار من الادلة ما اخترناه غاية الامر بانسبة الى بعض ما في تلك الاخبار من الاجزاء كفاتحة الكتاب بانسبة الى الصلاة، حيث دل الدليل على عدم دخلها في المسمى ولذا تصح الصلاة مع نسيانها وتستعمل الصلاة في فاقدها بلا عناية، فيحمل تلك الاخبار على كونها مسوقة لبيان اهمية هذا الجزء وان الفاقد له كأنه ليس بصلاة مثلا. خامسها: دعوى القطع بان طريقة الواضعين وديدنهم وضع الالفاظ للمركبات التامة، والظاهر ان الشارع غير متخطئ عن هذه الطريقة فيستنتج من المقدمتين ان الشارع وضع الفاظ مخترعاته من العبادات لخصوص تام الاجزاء والشرائط. اقول في كلتا المقدمين والنتيجة نظر، اما الاولى فلانا لا نسلم ان طريقة الواضعين ذلك، بل مقتضى الحكمة الداعية الى الوضع، هو الوضع للاعم، لان الغرض قد يتعلق بالحكم على الناقص كالحكم على الصحيح التام، فهذا العرف ببابك لا حظ المركبات المخترعة لهم، مثلا إذا اخترع معجونا لرفع وجع الرأس، وكان شرط تأثيره اكله قبل الطعام، فهل يتوهم احد ان الواضع المخترع وضع اللفظ لخصوص الواجد للشرط، وكذلك بالنسبة الى الاجزاء، واما الثانية فلانه لم يدل دليل قطعي على عدم تخطى الشارع الا قدس عن هذه الطريقة، والظن لا يغنى من الحق شيئا، واما الثالثة، فلانه لو تمت المقدمتان كانت النيجة هو الوضع للمرتبة العليا الواجدة لجميع الاجزاء والشرائط، ولا تكون النتيجه الوضع للقدر الجامع بين الواحد لتلكم الاجزاء، وفاقدها. فالمتحصل ان شيأ مما استدل به للوضع للصحيح لا يدل عليه، بل بعضها يشهد بالوضع للاعم.

[ 100 ]

وجوه القول بالوضع للاعم وقد استدل للاعمى بوجوه. منها: تبادر الاعم: وقد مر عند تصوير الجامع على القول بالوضع للاعم: الدليل على ان الموضوع له هو الجامع الذى تصورناه. ومنها: صحة التقسيم الى الصحيح والسقيم، ومحصل هذ الوجه بتوضيح منا ان صحة تقسيم الصلاة الى الصحيح والسقيم بما لها من المعنى المرتكز في الاذهان آية كونها حقيقة في الاعم إذ لا ريب في كاشفية ذلك عن كون الجامع هو الموضوع له. ودعوى ان صحة التقسيم بهذا النحو وان كانت كاشفة عن وجود الجامع بين الصحيح والفاسد، وليس التقسيم من باب تقسيم ما يطلق عليه اللفظ ولو مجازا كما هو كذلك في قولنا، الانسان اما له روح وجسم وصورة، أو يكون نقشا في الجدار وكاشفة عن كونها حقيقة في الجامع في هذا العصر، الا انها لا تكون كاشفة عن كونها حقيقة في الجامع في عصر الشارع لا قدس. مندفعة بانه ان ثبت كونها حقيقة في الجامع في هذا العصر ثبت كونها كذلك في عصر الشارع، بواسطة اصالة عدم النقل التى عليها بناء العقلاء كما مر مبحث الحقيقة الشرعية، وعرفت انه لولاها لانسد باب الاستظهار من الخصوص بالمرة. ومنها: ما ذكره غير واحد، وهو استعمال الصلاة، وغيرها في غير واحد من الاخبار في الفاسدة، وحيث انه بلا قرينة فيكون علامة الحقيقة. اقول هذا الوجه بعد تصحيحه باطلاق الصلاة وغيرها على الفاسدة، إذ الاعمى يدعى الوضع للجامع بين الصحيحة والفاسدة لا لخصوص الفاسدة، ومعلوم ان استعمال اللفظ الموضوع للجامع في نوع منه مجاز، متين لا ايراد عليه، فان اغلب هذه الاخبار واردة في النواقض والمبطلات وهى كثيرة، والالتزام بان جميع تلك الاستعمالات من قبيل المجاز ومع القرينة الحالية بعيد غايته، فهى آية كون الموضوع له هو الجامع، وبذلك يندفع الايراد عليه بان الاستعمال

[ 101 ]

اعم من الحقيقة. ومنها: قوله عليه الصلاة والسلام. " بنى الاسلام على الخمس الصلاة و الزكاة والحج والصوم والولاية فاخذ الناس باربع وتركوا هذه فلو ان احدا صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلاة " فان الاخذ بالاربع لا يكون بناءا على بطلان عبادات تاركى الولاية الا إذا كانت اسامى للاعم. واجاب عنه المحقق الخراساني بجوابين: احدهما: ان المراد هو خصوص الصحيح بقرينة انها مما بنى عليها الاسلام، وفيه ان موضع الاستدلال قوله فاخذه الناس بالاربع تقريب الاستدلال به انه (ع) استعمل الاربع وهى الصلاة واخوتها المذكورة في الصدر في الفاسدة. ثانيهما: انه لعل اخذهم بها انما كان بحسب اعتقاد هم لا حقيقة، وذلك لا بمقتضى استعمالها في الفاسد أو الاعم. وفيه: انه لا يصح استناد فعل الى شخص مع عدم استناده إليه واعتقاده نفسه ذلك - مثلا - لو كان شخص معتقدا انه اعلم الناس وكان الانسان عالما بخلافه، لا يصح ان يقال انه اعلم الناس، وهكذا ساير الافعال فلو لم تكن ما فعلوها تلك العبادات لما صح استنادها إليهم واجيب عنه بوجهين اخرين. احدهما: ان الاستعمال اعم من الحقيقة، وقد تقدم الكلام في ذلك. الثاني: ان لفظة الاربع في الخبر لم تستعمل في الفاظ تلك العبادات، وهى في معانيها، بل استعملت هي ابتداءا في معانيها - وعليه فلم تستعمل الفاظ. الصلاة، والصوم، واخوتهما، في الفاسدة كى يستدل بها. وفيه: ان لفظة الاربع استعملت في معاني تلك الالفاظ لا في غيرها، أي الاعمال التى تشبهها فيستكشف من ذلك ان معانيها اعم من الصحيحة والفاسدة إذ المفروض فسادها في الفرض. فالصحيح ان يجاب عنه: ان لفظة - الاربع - ان كانت مصدرة بالالف واللام كانت تدل على ذلك فانها حينئذ تكون اشاره الى ما ذكرت في الصدر وهى الصلاة واخوتها وان لم تكن مصدرة بهما، لم تكن اشارة الى ما ذكر في الصدر، بل مفاد الخبر حينئذ اخذ

[ 102 ]

الناس باربعة اشياء غير معينة، القابلة لان يراد بها تلك الحقائق التى بنى الاسلام عليها، أو حقائق تشبهها ولا يدل الخبر على شئ منهما فلا يدل على المدعى، وحيث ان النسخ مختلفة فلا يصح الاستدلال بتلك الاخبار. فان قيل انه يمكن ان يستدل له بما في ذيل تلكم الاخبار من قولهم عليهم السلام، فلو احدا صام نهاره الخ فانه استعمل الفاظ العبادات في الفاسدة. توجه عليه ان الاستعمال اعم من الحقيقة لا يرجع إليها لتشخيص الموضوع له بعد معلومية المراد هذا بناءا على ان المراد من عدم القبول الفساد، والا فلا يصح الاستدلال بهذه الرواية على كل تقدير. ومنها قوله (ع): " دعى الصلاة ايام اقرائك " ضرورة انه له لم يكن المراد منها الفاسدة لزم عدم صحة النهى عنها لعدم قدرة الحائض على الصحيحة منها. واجاب عنه المحقق الخراساني بان النهى في هذا الخبر للارشاد الى عدم القدرة على الصلاة والا كان الاتيان بالاركان وساير ما يعتبر في الصلاة بل بما يسمى في العرف بها ولو اخل بما لا يضر الاخلال به بالتسمية عرفا محرما على الحائض ذاتا وان لم تقصد به القربة ولا اظن ان يلتزم به المستدل بالرواية. وقد اورد عليه بعض الاكابر من المحققين: بانه كما في صحة النهى المولوي كون متعلقه مقدورا كذلك يعتبر القدرة في متعلق النهى الارشادي إذ الارشاد الى ترك المنهى عنه يستدعى قابليته لان ينهى عنه. وفيه: انه لا يعتبر القدرة في متعلق النهى الارشادي، بل ربما يكون النهى ارشادا الى عدم القدرة على ما تعلق به وذلك فيما إذا لم يكن عدم القدرة على المنهى عنه مما يعلمه من توجه إليه الخطاب، وذلك واقع في المحاورات العرفية الا ترى انه لو لم يعلم الانسان عدم قدرته على المشى الى السوق لمانع في الطريق يصح لغيره ان ينهاه عن ذلك ويكون هذا النهى ارشادا الى عدم القدرة. وعلى ذلك فلوا سلم ظهور النهى المتعلق بالبعادة في حال كالحيض أو مع شئ في كونه ارشادا الى مانعية تلك الحالة أو ذاك الشئ يتم جواب المحقق الخراساني إذ

[ 103 ]

حينئذ كما يمكن ان يكون النهى ارشادا الى مانعيتها عن المأمور به، يمكن ان يكون ارشادا الى مانعيتها عن تحقق المسمى، وعدم القدرة على المسمى في تلك الحالة. والمحقق الخراساني يدعى ان السمتفاد من فتوى الاصحاب بعدم حرمة ما يسمى بالصلاة مطلقا بل يعتبر في الحرام جميع ما هو يعتبر في الصلاة ما عدى الطهارة من حدث الحيض، يستفاد ان النهى عن الصلاة ايام الحيض ارشادى الى عدم القدره على الصلاة الصحيحة. فيتم جوابه. ومنها: انه لا شبهة في صحة تعلق النذر وشبهة بترك الصلاة في مكان تكره فيه، وحصول الحنث بفعلها وهذه علامة الوضع للاعم، وهذا الوجه ينحل الى امرين: احدهما: ان انعقاد النذر يتوقف على القدرة على المنذور في ظرفه كما هو شرط في صحة كل تكليف، وعليه: فان كانت الصلاة موضوعة للاعم يصح نذر من ان لا يصلى في الحمام مثلا للقدرة عليها في ظرفها، وان كانت موضوعة للصحيحة لا ينعقد لعدم القدرة على الصلاة الصحيحة على فرض انعقاد النذر الموجب لفساد الصلاة، بل هو موجب للمحال فانه يلزم من وجوده عدمه، وحيث ان الفقهاء اطبقوا على صحة هذا النذر فيستكشف من ذلك وضعها للاعم. الثاني: ان الحنث لا يصحل باتيان الصلاة الفاسدة على فرض كونها موضوعة للصحيحة، فالصلاة في تلك الموضع إذا نذر تركها بما انها فاسده على الفرض لا يحصل بها الحنث، وإذا لم يحصل به الحنث صحت، وعلى فرض الصحة يحصل بها الحنث، وما يلزم من وجوده عدمه، محال. والجواب عن هذا الاستدلال هو ما ذكرناه في اول هذا المبحث من المراد من الوضع للصحيح هو الوضع للصحيح من غير ناحية الامر أو النهى المتعلق به بعناوين اخرى فراجع، فالصلاة صحيحة بهذا المعنى حتى مع انعقاد النذر وفساد الصلاة، مع انه يمكن ان يقال ان متعلق النذر ان كان ترك الصلاة في تلك المواضع فلا ينعقد هذا النذر بناءا على ما هو المسلم عندهم من اعتبار رجحان المنذور، فان ترك الصلاة لا رجحان فيه إذا فعله ارجح كما سيأتي في العبادات المكروهة، فصحة النذر بترك الصلاة

[ 104 ]

في المكان الذى يكره الصلاة فيه تتوقف على ان يكون المنذور ترك الخصوصية أي ايقاع الصلاة في ذلك المكان، وعليه فيسقط هذا الدليل رأسا كما لا يخفى. هذا كله في العبادات. المقام الثاني في المعاملات وتنقيح القول فيه بالبحث في موضعين: الاول: في ان الفاظ المعاملات كلفظ البيع، والصلح، والاجارة وما شاكل، هل هي اسام للصحيحة أو الاعم ؟ الثاني: في التمسك باطلاقات ادلة الامضاء عند الشك في اعتبار شئ فيها. اما الاول: فقد نص الشهيد الثاني في كتاب اليمين من المسالك على ان عقد البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح وتبعة غيره. وقد ذهب جملة من المحقين منهم المحقق الخراساني، الى ان اسامى المعاملات ان كانت موضوعة للمسببات، فلا مجال للنزاع في كونها موضوعة للصحيحة أو الاعم: لعدم اتصافها بهما، بل بالوجود تارة وبالعدم اخرى، واما ان كانت موضوعة للاسباب فللنزاع فيه مجال. ثم ان المحقق الخراساني نفى البعد عن كونها موضوعة للصحيحة ايضا. وقد يوجه ما افاده من عدم جريان النزاع على القول بالوضعت للمسببات بان للصحة معنيين، احدهما ترتب الاثر على الشئ في مقابل ما لا يترتب عليه الاثر، ثانيهما استجماع الشئ لجميع الاجزاء والشرائط، والمسبب في المعاملات لا يتصف بشئ منهما، اما الاول فلانه لا يكون مؤثرا في امر، بل هو نفسه اثر، واما الثاني فلانه بسيط من جميع الجهات وليس له اجزاء وشرائط فهو انما يتصف بالوجود تارة وبالعدم اخرى، لا بالصحة والفساد. وقد اورد على القول بانه لا مجال للنزاع على القول بالوضع للمسببات بايراد. وعلى القول بانها موضوعة للصحيحة بايرادين. اما الاول: فاورد المحقق العراقى على ما افيد بان المسبب ان كان امرا واقعيا متحققا عند تحقق بعض اسبابه ويكون نهى الشارع

[ 105 ]

عنه تخطئة للعرف فيما يراه سببا كان ما ذكر تاما، واما ان كان امرا واقعيا متحققا بنحوين من الاسباب والشارع اشترط في ثبوت احكامه ان يتحقق بسبب خاص، أو كان هو بنظر العرف والشرع اعتباريا وشيئا واحدا الا ان مصاديقه تختلف باختلاف الاعتبار، فللنزاع في ان اسام المعاملات مع وضعها للمسببات موضوعة للصحيحة أو الاعم مجال: إذ الصحيحى يدعى وضعها للمعاملات التى يترتب عليها اثارها واحكامها اما للاشتراط أو للاختلاف في الاعتبار، والاعمى يدعى وضعها للمسببات ترتب عليها الاثار ام لا ؟ واما اورد على القول بوضعها للصحيحة فامران: احدهما: ان لازم ذلك الالتزام بالحقيقة الشرعية في المعاملات مع انه بالبداهة ليس كذلك، كيف وقد كان الشارع الاقدس يستعمل اساميها فيما كان يستعملها فيه اهل العرف ولم يصرح في مورد يكون مراده غير ما يفهمه العرف. الثاني: ان لاز ذلك عدم جواز التمسك باطلاقات ادلة العقود لنفى ما يشك في اعتباره فيها لاجمال المعاني حيئنذ مع ان سيرة علماء الاسلام على التمسك بها في هذه المقامات. واجاب الشيخ الاعظم عن الايراد الاول على وضعها للصحيحة: بان البيع مثلا إذا استعمل في المسبب لا يستعمل الا فيما هو مؤثر وصحيح ولو في نظرهم، ثم إذا كان مؤثرا عند الشارع كان بيعا عنده والا كان صورة بيع، فالموضوع له هو الصحيح المفيد للاثر، ولا اختلاف في هذا المفهوم بين العرف والشرع، وانما الاختلاف في المصداق: فان اهل العرفب يرون بعض البيوع مفيدا مؤثرا والشارع لا يراه كذلك، وان شئت قلت ان اهل العرف ربما يعتقدون وجود المصلحة فيعتبرون الملكية عند البيع الخاص، والشارع اهل العرف ربما يعتقدون وجود المصلحة فيعتبرون الملكية عند البيع الخاص، والشارع المقدس يخطئهم في ذلك فالتخطئة انما تكون في المنشأ للاعتبار. واجاب عن الايراد الثاني بان البيع مثلا وان كان موضوعا للصحيح المؤثر، الا ان المخاطب بالخاطبات الشرعية بما انه اهل العرف فيحمل دليل امضاء البيع على ما هو الصحيح المؤثر عند العرف، ولو كان مراده خلاف ما عليه العرف، لزم عليه نصب القرينة فمع عدمه يكون الموضوع هو البيع الصحيح عند العرف. وتنقيح القول في المقام بالبحث أو لا في انه إذا كان اسامى المعاملات اسام

[ 106 ]

للمسببات هل يصح النزاع في انها اسام للصحيحة أو الاعم ام لا ؟ وثانيا: في انها اسام الا الموجود الخارجي: لان الاتصاف بهما انما يكون بلحاظ انطباقه على ما اخذ طرفا للحكم أو الاعتبار الشرعي وعدمه، وعليه فالمسببات ايضا تنصف بهما: وذلك لانه في باب المعاملات - كالبيع - المور اربعة: 1 - اعتبار المتعاملين الملكية 2 - اعتبار العقلاء وامضائهم لذلك، فانهم ربما يعتبرون الملكية لمن اعتبرها المتعاملان، وربما لا يعتبرون كمعاملة السفيه 3 - اعتبار الشارع اياها، فانه ايضا قد يمضى ما امضاه العقلاء وقد لا يمضى 4 - اظهار ذلك الامر النفساني بمظهر خارجي. اما الاعتبار القائم بالعقلاء والاعتبار الشرعي - فالبيع مثلا - لم يوضع لهما لانه وساير اسامى المعاملات اسماء لا فعال المتعاملين، ولا يطلق على العقلاء ولا الشارع الاقدس عنوان البايع، فعلى فرض كونه اسما للمسبب لا محيص عن كونه موضوعا للاعتبار القائم بالبايع، وحيث ان الشارع لا قدس لم يعتبر الملكية في كل مورد اعتبر الملكية المتعاملان، بل في بعض مواردها كما إذا كان مظهرا بمظهر خارجي، من لفظ أو غيره، وكان المعتبر غير محجور عليه، وغير ذلك من الخصوصيات، فكل اعتبار شخصي خارجي، ان كان منطبقا على ما هو موضوع للاعتبار الشرعي وطرف له، فهو صحيح والا فهو فاسد، فالمعاملات وان كانت اساميها اسامى للمسببات فهى تنصف بالصحة والفساد، وان كانت اسامى للاسباب فالامر اوضح. وقد حقق في محله انها اسامى للمسببات. واما الجهة الثانية: فالظاهر انها موضوعة للاعم لا لخصوص الصحيحة بالمعنى المتقدم: لما عرفت من ان الصحة انما تنتزع من مطابقة الماتى به لما هو طرف الاعتبار، فهى متاخره عن الامضاء فكيف يمكن اخذها في المرتبة السابقة عليه فتدبر، فانه يمكن ان يقال بوضعها للحصص الخاصة الملازمة للامضاء الشرعي. مع ان المعاملات امور عرفية امضاها الشارع المقدس، وضرورى انه لم يتصرف

[ 107 ]

في وضعها، ولم يستعملها في غير ما وضعت تلك الالفاظ لها في العرف، بل استعملها في معانيها، غاية الامر اعتبر في امضائها قيودا، وبما ذكرناه يظهر ما في كلمات القوم في المقام. نعم دعوى وضعها لخصوص الصحيحة عند العرف أي الممضاة عند العرف والعقلاء ممكنة، لكنها خلاف الظاهر ايضا. جواز التمسك بالاطلاق في المعاملات واما الموضوع الثاني: فالمشهور جواز التمسك بالاطلاق في المعاملات على كلا القولين، ولا يختص الجواز التمسك بالاطلاق في المعاملات على كلا القولين، ولا يختص الجواز باختيار القول بالاعم، وربما يقال انه بناءا على كون سام المعاملات اسامى للمسببات، لا يجوز التمسك على القولين أي كانت موضوعة للصحيحة أم للاعم، اما على الاول فواضح، واما على الثاني: فلان دليل الامضاء انما يدل على امضاء المسببات، ولا يدل على امضاء الاسباب العرفية إذ السبب والمسبب موجود ان متغاير ان لا ربط لامضاء احدهما بامضاء الاخر. واجاب عن ذلك الاستاذ الاعظم، بان هذا لو تم فانما هو على مسلك القوم من كون نسبة صيغ العقود الى المعاملات نسبة الاسباب الى المسببات، واما بناءا على ما هو الحق من كون الصيغ مظهرة للامور الاعتبارية فلا يتم ذلك: فان متقضى اطلاق دليل الامضاء امضاء تلك الاعتبارات باى نحو اظهرت. وفيه: ان هذا الاشكال على هذا المسلك اولى بالورد: إذ بعد ما لا ريب في ان الاعتبار القائم بالمتعاقدين ما لم يظهر بمظهر لا يترتب عليه الاثر عند العرف والشارع فإذا شك في ترتب الاثار شرعا إذا ابرز بمظهر خاص كالعقد الفارسى لا يمكن التمسك بالالطلاق الافرادى لدليل امضاء ذلك الامر النفساني لرفع هذا الشك والالتزام بترتبها. فالصحيح ان يقال، بناءا على مسلك المشهور مقتضى اطلاق دليل المسبب الافرادى امضاء كل فرد من افراد المسبب في نظر المتعاقدين، ولازمه امضاء كل سبب يتسبب به إليه، والا كان اطلاق دليل المسبب مقيدا بغير ما حصل من ذلك السبب الذى

[ 108 ]

يشك في امضائه. واما بناءا على المسلك الحق فلا يصح التمسك بالاطلاق الافرادى لما تقدم لكنه يمكن التمسك بالاطلاق الاحوالي. توضيح ذلك: ان ادلة امضاء المعاملات - مثل احل الله البيع، كما ان لكل واحد منها اطلاقا افراد يا فيدل على امضاء كل فرد من افراد البيع مثلا، كذلك له اطلاق احولى. فمقتضى احل الله البيع. امضاء كل فرد من افراد البيع في جميع حالاته أي سواء ابرز بالفارسي أو بالعرى أو بغيرهما، ولازم ذلك امضاء كل مظهر. وقد اجاب المحقق النائيني (ره) عن الاشكال بان نسبة صيغ العقود الى المعاملات ليست نسبة الاسباب الى المسببات حتى يكونا موجودين خارجيين فيرد المحذور المذكور بل نسبتها إليها نسبة الالة الى ذيها والارادة متعلقة بنفس المعاملة ابتداءا، فليس هناك موجودان حتى لا يكون امضاء احدهما امضاءا للاخر، بل الموجود واحد غاية الامر انه باختلاف الالة ينقسم الى اقسام عديدة فإذا كان المتكلم في مقام البيان ولم يقيده بنوع خاص يستكشف عمومه لجيمع الانواع. وفيه: مضافا ضعف المبنى كما حققناه. في مبحث الانشاء و الاخبار، ان وجود الالة مغاير مع وجود ذى الالة كما يشهد له الوجدان والضرورة، و الارادة وان تعلقت حين البيع بذى الالة ابتداءا وبالالة تتعلق تبعا الا انه في مقام الجعل لابد من لحاظ الالة مستقلا كى يرى صلاحية كل آلة أو آلة خاصة، وعليه فإذا كان الاطلاق مسوقا لبيان ذى الالة لا الالة لا يصح الاستدلال بالاطلاق لصلاحية كل الة لذلك الا بالنحو الذى قربناه، وعليه: فلا فرق بين كونها من قبيل الاسباب و المسببات، أم من قبيل الالة وذى الالة. هذا كله بناءا على وضعها للمسببات. واما بناءا على وضعها للاسباب أي المظهر لتلك الاعتبارات النفسانية فالتمسك بالاطلاق لامضاء كل مظهر أو سبب أو آلة على اختلاف المسالك اوضح من ان يبين. ثم لو اغمضنا عن ما ذكرناه وبنينا على دخل شئ آخر غير الاعتبار القائم بالمتعاقدين في المعاملات وانه لا تصدق اسمائها بمجرد تلك الاعتبارات، فلا يخلوا الامر

[ 109 ]

من امور: 1 - اعتبار امضاء العقلاء والعرف، بمعنى ان كل معاملة واقعة بين المتعاملين ممضاة عند العقلاء فهى بيع أو معاملة اخرى، والا فلا 2 - اعتبار امضاء الشارع فيها 3 - اعتبار وجود المصلحة والمناسبة الواقعية، فالتمليك بعوض ان كان عن المصلحة والمناسبة الواقعية فهو بيع وهكذا ساير المعاملات، والا فلا 4 - ان يكون البيع مثلا موضوعا لامر واقعى، ويكون نظر العرف والشرع طريقا إليه، وعليه فيكون النهى تخطئة للعرف في المصداق. فلو كان المعتبر هو الامر الاول، لو شك في دخالة شئ في امضاء العرف العقلاء لا يصح التمسك بالاطلاق، واما لو ذلك وشك في دخالته في الامضاء الشرعي يتمسك بالاطلاق لنفيه. ولو كان هو الثاني لا يصح التمسك بالاطلاق اللفظى إذ كل ما شك في دخالته في الامضاء الشرعي يحتمل دخالته في المسمى فمع عدمه لا يحرز صدق المسمى ومعه لا يصح التمسك بالاطلاق. نعم، يمكن التمسك بالاطلاق المقامى بتقريب ان الدليل إذا كان في مقام البيان، ولم يبين فيه اختلاف الشارع، والعقلاء في البيع، فلا محالة يستكشف، ان كل بيع عرفى بيع شعرى، والالزم الاجمال ونقض الغرض. فتأمل فان ذلك يتم إذا لم يكن هناك قدر متيقن، ودار الامر بين امور متباينة، واما إذا كان فرد متيقن، كما هو متحقق في المعاملات الرائجة، فلا يتم ذلك، فانه يمكن ان بعتمد الشارع المقدس عليه. وبما ذكرناه ظهر ان مراد صاحب الكفاية (قده) حيث افاد تبعا للمشهور من صحة التمسك بالاطلاق في المعاملات وان كانت موضوعة للصحيح، لابد وان يكون احد امرين، اما انه يصح التمسك بالاطلاق الكلامي إذا كانت موضوعة للصحيح بنظر العرف، أو انه يتمسك بالاطلاق المقامى إذا كانت موضوعة للصحيح بنظر الشرع. ولو كانت المعاملات اسماء اللامورات الواقعية، ونظر العرف والشرع طريق إليها، أو كانت اسماء للاعتبارات ولكن مقيدة بما إذا كانت عن المصالح والمناسبات الواقعية، يمكن التمسك بالاطلاق لنفى ما شك في اعتباره شرعا بتقريب: انه بما ان للشارع المقدس

[ 110 ]

جهتين: الاولى كونه مشرعا وجاعلا للاحكام. الثاني: كونه من العرف والعقلاء، بل هو رئيسهم، فإذا، قال احل الله البيع، ولم يعين البيع الشرعي لا محالة يحمل على ارادة امضاء البيع العرف، كما هو الشأن في جميع الفماهيم الواقعة في الادلة الشرعية، وعليه فيتمسك بالاطلاق لنفى ما شك في اعتباره شرعا. فتحصل مما ذركناه انه يصح التمسك بالاطلاق جميع الوجوه والاقول، الانباءا على كونها موضوعة للصحيح عند الشارع. ومع عدم الاطلاق لابد من الرجوع الى اصالة الفساد أي عدم تحقق ذلك الامر الاعتباري، لو شك في دخالة شئ في تحققه، من غير فرق بين الوضع للصحيح، أو الاعم. اقسام دخل الشئ في المأمور به بقى امر وهو انه قسم جماعة، ما يكون دخيلا في المأمور به وجودا أو عدما، الى قسمين، ما يعتبر في حقيقة المأمور به وماهيته، وما يعتبر في تشخصه وتحققه، وقالوا، انه كما يكون لما يعتبر في المركب الحقيقي قسمان، ما يعتبر في الماهية، وما يعتبر في الفرد، كذلك لما يعتبر في المركب الاعتباري قسمان. وتنقيح القول في المقام يتوقف على بيان مقدمة، وهى، ان الجزء، ولشرط، والمانع المصطلحة في باب العلل والمعلومات التكونية، غير ما هو مصطلح في الاحكام: فان الجزء في باب العلل، عبارة عن بعض ما يترشح منه المعلول، والشرطإ عبارة من ما يوجب تأثير المقتضى فعلا ولا يترشح منه الاثر، بل هو اما متمم لفاعلية الفاعل، أو متمم لقابلية القابل، والمانع عبارة عما يزاحم المقتضى في التأثير، واما الجزء في متعلقات الاحكام فهو عبارة عما يكون دخيلا فيه قيدا وتقيدا، والشرط هو ما يعتبر التقيد به في المأمور به دون القيد، والمانع عبارة عما اخذ عدمه في المأمور به، والشرط على قسمين، الاول ما يعتبر في جميع الاجزاء والاكوان الثاني ما يعتبر في الاجزاء خاصة. ودعوى انه يمكن ان يقال بان المراد بها في البابين واحد بناء على مسلك العدلية

[ 111 ]

من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد، فان الجزء هو بعض ما يؤثر في ما لمصلحة، والشرط ما يوجب تأثير الاجزاء فيها والمانع ما يزاحم تأثيرها فيها. مندفعة بان المصالح غير معلومة عندنا كما ان كيفية ترتبها مجهولة، والذى هو معلوم عندنا ترتبها على مجموع الاجزاء والشرائط وعدم المانع، فلا سبيل الى الدعوى المذكورة. ومما يؤيد ذلك عدم تسمية ما سمى عند الفقهاء بالجزء والشرط في النصوص بهما. وبعد بيان هذه المقدمة يقع الكلام فيما انعقد له هذا الامر، وهو بيان الفرق بين ما هو دخيل في الماهية، وما يكون دخليلا في الرف، والكلام فيه في موردين. 1 - في المركب الحقيقي 2 - في المركب الاعتباري. اما المقام الاول: فالموجود الخارجي، كزيد له طبيعة موجودة بوجوده، وهى في المثال طبيعة الانسان، المؤلفة من الجنس والفصل ومشخصات لتلك الطبيعة التى هي من لوازم وجودها في الخارج، وعليه فما كان من الامور يأتلف منه الطبيعة، كالحيوان والناطق، يسمى بجزء الطبيعة، وما كان من لوازم وجود الطبيعة في الخارج، يمسمى بجزء الفرد. واما المقام الثاني: فالمراد من الجزء للطبيعة، والجزء للفرد، ليس هو جزء الطبيعة والفرد بهذا المعنى، فان المركب الاعتباري كالصلاة المركبة من مقولات متعددة، وان كان لكل جزء منها كالتكبيرة مثلا لوازم الوجود، الا ان محل الكلام ثبوت الجزء لفرد هذا المركب الاعتباري بما هو مركب وعليه فجزء الفرد بهذا المعنى مما لا معنى معقول له، بل المراد بهما، جزء اصل الطبيعة، وجزء الطبيعة الفاضلة. توضيح ذلك ان بعض الامور يكون دخيلا في حصول الغرض الملزم كالتكبيرة بالنسبة الى مصلحة الصلاة، فهو جزء الطبيعة، وبعض آخر لا يكون دخيلا في ذلك بل انما يكون دخيلا في حصول الغرض الاكمل، وبعبارة اخرى ما يكون دخيلا في حصول المزية غير لازمة التحصيل فهو جزء للفرد كالقنوت وكما ان القسم الاول قد يكون دخيلا في حصول الغرض قيدا وتقيدا، وقد يكون دخيلا قد تقيدا لا قيدا، وقد يكون عدمه دخيلا كذلك، وبهذا الاعتبار بتقسم الى الجزء والشرط والمانع، كذلك القسم

[ 112 ]

الثاني، فالاول كالقنوت، والثانى كايقاع الصلاة في المسجد، والثالث كالصلاة في الحمام ثم ان دخالة القسم الاول باقسامه في المسمى على الصحيح أو الاعم تقدم الكلام فيها، واما الثاني فهو لا يكون دخيلا فيه على كلا القولين لفرض عدم دخالته في صحة العبادة. ومقتضى القاعدة هو عدم فساد الصلاة يفساد الجزء بالمعنى الثاني: فان غاية ما يلزم منه عدم تحقق الطبيعة الفاضلة. فما عن بعض من الاستدلال لفساد: بان انتفاء جزء الفرد موجب لعدم تحقق الطبيعي إذ لا يعقلب وجوده من دون الفرد، وهم غريب: فانه خلط بين جزء الفرد في المركب الاعتباري وجزء الفرد في المركب الحقيقي. نعم، ما ذكرناه انما هو مقتضى القاعدة الاولية، واما مقتضى القاعدة الثانوية - المستفادة من قوله (ع) من زاد في صلاته الخ - فالكلام فيه موكول الى محله. واوضح من هذا القسم في عدم الدخل في المسمى وعدم موجبية فساده لفساده المركب - ما يكون المركب ظرفا المطلوبيته بلا دخل له في العبادة اصلا - كما لو نذران يدعو لزيد في صلاته. الاشتراك الخامس عشر في الاشتراك، وتنقيح القول فيه، بالبحث في مقامات: الاول: في ان الاشتراك محال أو واجب أو ممكن. الثاني: في ان الاشتراك واقع ام لا. الثالث: في استعماله في الكتاب المجيد. اما المقام الاول: فقبل شروع الكلام فيه لابد من التنبيه على امر وهو ان المراد من الوجوب والاستحالة، ليس هو الذاتي منهما: إذ بديهى ان ملاحظة الاشتراك لا تقتضي ضرورة الوجود حتى يكون واجب الوجود، وليس تصور مفهومه متقتضيا ضرورة العدم، بل المراد انه هل يلزم من فرض وقوعه محال حتى يكون ممتنعا، ام يلزم المحال من فرض عدمه فيكون واجبا، ام لا يلزم شئ منهما فهو ممكن، فالمراد هو الوقوعى منهما. فقد استدل للاستحالة بوجوه.

[ 113 ]

الاول: منافاته لحكمة الوضع وهى التفهيم والتفهيم إذ الاشتراك موجب لعدم حصول تفيهم المعنى الاول - ولا الثاني الذين هما الموضوع لهما -. واجاب عن ذلك المحقق الخراساني بجوابين: الاول: امكان الاتكال في تفهيم المعنى على القرائن الواضحة، وفيه: ان هذا الجواب غير مربوط بالاستدلال: فان تقريب الاستدلال ان الغرض من الوضع ليس هو عدم تفهيم المعنى لانه محقق قبله ولا امور اخر كايقاظ النائم لعدم ترتبها على الوضع، بل الغرض منه هو تفهيم المعنى، والاشتراك يوجب عدم ترتبه كما عرفت، وما ذكره المحقق الخراساني غير مرتبط بذلك، بل هو جواب عما ادرجه هو (قده) في الاستدلال، وهو ان تفهيم المعنى بواسطة القرائن غير صحيح: فانه كثيرا ما يختفى القرائن. الثاني: انه قد يتعلق الغرض بالاجمال، وفيه: ما تقدم من ان الاجمال وعدم التفهيم ليس غرضا من الوضع. فالصحيح في الجواب عنه ان يقال: ان الانتقال في الجملة بمعنى الصرف عن بقية المعاني ثابت مع الاشتراك، فهو ليس مناقيا لحكمة الوضع رأسا، مع ان الوضع انما يكون مقتضيا للانتقال الى المعنى لاعلة تامة له وذا عند نصب القرينة لا ينتقل إليه، فكما ان القرينة تمنع من ذلك، كذلك الوضع الثاني، فلو علمنا من الخارج أو من قرينة انه لم يرد احد المعنيين لا محالة ينتقل الى الاخر وبهذا يمتاز عن الحقيقة والمجاز: فان عدم ارادة حقيقة لا يكفى في الانتقال الى المعنى المجازى فيتوقف الانتقال إليه له ما يدل على ارادته، وهذا بخلاف المشترك، وهذا هو المراد مما اشتهر من ان ارادة احد المعنيين في المشترك تتوقف على القرينة الصارفة، واما المجاز فارادته تتوقف على القرينة المعينة. الوجه الثاني: ان لازم الاشتراك الانتقال الى معنيين في آن واحد وهو غير ممكن. وفيه: ان المراد بالانتقال ان كان هو الانتقال التصورى فهو مما لا محذور فيه لان اجتماع شيئين في آن واحد في النفس التى هو من المجردات لا مانع عنه، بل هو واقع كثيرا، ولذا يحكم على الوجود والعدم بانهما نقيضان ولو انهما يتصورا في آن واحد لما صح الحمل للزوم تصور الموضوع حين الحمل، ومنه يظهران ذلك جار في جميع القضايا فان صحة الحمل تتوقف على تصور الموضوع والمحمول في آن واحد، وان

[ 114 ]

اريد الانتقال التصديقي بمعنى انه يحكم بان المتكلم ارادهما معا، فان بنينا على جواز استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد كما هو الحق وستعرفه فلا محذور فيه، والا فلازمه الاجمال كما هو واضح. الوجه الثالث: وهو يختص بما بنينا عليه من ان حقيقة الوضع هو التعهد، بذكر اللفظ عند ارادة المعنى، وحاصله ان التعهد الثاني ينافى التعهد الاول ومناقض له ولا يمكن بقائه معه، الا ترى انه لو تعهد زيد بانه لو لبس الثوب الابيض فهو مريد للكوفة، ثم تعهد ثانيا: بانه لو لبسه فهو مريد المشى الى مكة، يكون التعهد الثاني منافيا للاول. وفيه: اولا: سيأتي انه يجوز استعمال اللفظ في اكثر من معنى، وعليه فلازم هذين التعهدين انه عند ذكر اللفظ مريد لتفهيم معنيين ولازم ذلك انه عند عدم نصب القرنية يحمل على ارادتهما معا. وثانيا: ان الواضع انما يتعهد ذكر اللفظ عند ارادة تفهيم المعنى، لا انه يتعهد ارادة المعنى عند ذكر اللفظ والفرق بين التهدين واضح لا يخفى، فتحصل انه لا دليل على الاستحالة. وقد استدل لوجوبه بان الالفاظ متناه لتالفها من حروف الهجاء التى هي متناعية والمركب من المتناهى متناه والمعاني غير متناهية فلابد من الاشتراك فيها. واجاب عنه صاحب الكفاية باجوبة: اربعة. الاول: ان الوضع لجميع المعاني غير المتناهية يستدعى الاوضاع غير المتناهية. وفيه: ان الوضع بنحو الوضع العام والموضوع له الخاص امر ممكن كما تقدم فكون المعاني غير متناهية لا يوجب عدم تناهى الاوضاع لامكان ان يكون بهذا النحو. الثاني انه لو سلم ذلك لا يجدى الا في مقدار متناه لاستدعاء استعمال الالفاظ في جميعها الاستعمالات غير المتناهية. وفيه: ان المراد من عدم التناهى في هذا المقام عدم التناهى العرفي، والا فالعلم باجمعها يكون متناهيا، وعليه فالاستعمالات غير المتناهية بالنسبة الى شخص واحد، وان امتنع الا انه بالنسبة الى جميع افراد البشر لا امتناع فيه كما لا يخفى. الثالث: ان المجاز باب واسع. وفيه: ان الاستعمال المجازى يتوقف على ذكر القرينة اللفظية غالبا لتعذر القرائن الحالية بحسب الغالب، وبذلك يظهر الجواب عن جوابه الرابع، وهو عدم لزوم الوضع للجزئيات بل يوضع

[ 115 ]

الالفاظ للكليات وهى متناهية. فالصحيح في الجواب عنه عدم تناهى الالفاظ كالمعاني. وذلك: فانا إذا لا حظنا ان المركب الثنائي من حروف الهجاء يحصل منه الفاظ كثيرة جدا، حيث ان كل واحد منها يمكن تركبه مع نفسه ومع احد حروف اخر فيتولد من ذلك سبعمائة كلمة مثلا، ثم ان هذه الكلمة الثنائية، تارة يكون اولها مفتوحا، واخرى مضموما، وثالثة مكسورا، وثانيها ايضا قد يكون مكسورا، واخرى مفتوحا، وثالثة مضوما، ورابعة ساكنا، فلازم ذلك امكان تحقق ما يقرب ثمان مائة الف كلمة ثنائية. نقطع بعدم تناهى الالفاظ يضا، فتحصل ان الاشتراك ممكن لا واجب ولا ممتنع. واما المقام الثاني: فالاظهر وقوعه كما نشاهدإ ذلك في الاعلام الشخصية وفي غيرها كالقرأ الموضوع للحيض، والطهر - وماشا كل - وما ذكره بعض الاعلام من انكار وقوع الاشتراك في غير الاعلام الشخصية، وارجاع كل مورد مما ظاهره الاشتراك الى وجود جامع بين المعاني المتشتتة، وانه الموضوع له، تكليف بارد كما صرح به المحقق العراقى (ره). واما المقام الثالث: فقد يتوهم انه يمتنع استعمال المشترك في القرآن المجيد، لان الله تعالى، اما ان لا يعتمد في بيان المراد منه على القرائن الدالة على ذلك فيلزم التطويل بلا طائل، واما ان يعتمد على شئ فيلزم الاهمال والاجمال وكلاهما غير لائقين بكلامه تعالى. ويرد الاول: انه إذا كالن الاتكال على القرينة الحالية قلا يلزم التطويل، وإذا كان الاتكال على القرينة المقالية اتى بها لغرض آخر زايدا على بيان المراد لا يكون بلا طائل. ويرد الثاني: منع كون الاجمال غير لائق بكلامه، إذا الغرض ربما يتعلق بالاجمال وقد اخبر الله تعالى بوقوعه في كلامه وقال عز وجل " فيه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات " والمتشابه هو الجمل. ثم انه لا يهمنا الحبث في ان منشأ الاشتراك هل هو الوضع تعيينيا أو تعيينا ام ما نقله المحقق النائيني عن بعض مؤرخي متأخري المتأخرين، من ان حصول الاشتراك في

[ 116 ]

اللغات حصل من خلط اللغات بعضها ببعض، فان العرب مثلا كانوا على طوائف فكل طائفة قد وضعت لفظا خاصا لمعنى مخصوص غير اللفظ الذى وضعه طائفة اخرى له، ولما جمعت اللغات من جميع هذه الطوائف وجعلت لغة واحدة حدث الاشتراك: فانه لا يترتب على تحقيق ذلك ثمرة. استعمال اللفظ في اكثر من معنى بل المهم هو البحث في انه يصح استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد، ام لا ؟ ملخص القول فيه: انه بعد ما ثبت امكان الاشتراك ووقوعه، لا اشكال في جواز استعماله في كل من واحد المعنيين أو المعاني لوضعه له، كما لا ينبغى التوقف في جواز استعماله في الجامع، غاية الامر كونه مجازا، كما لا اشكال في جواز استعماله في المجموع. انما الكلام والاشكال في جواز استعماله في اكثر من معنى واحد على سبيل الاستقلال، بان يراد كل واحد كما إذا لم يستعمل الا فيه، ففى الحقيقة يكون الاستعمال متعددا بلفظ واحد. وبذلك يظهر ان ما ذكره صاحب المعالم (ره) في عنوان المسألة من قوله، بان يستعمل في معنيين يكون كل واحد مناطا للاثبات والنفى ومتعلقا لحكم واحد، غير جيد: إذ تعلق الحكم انما يكون في مرتبة لا حقة للاستعمال، والنسبة بين ما ذكره وما ذكرنا. عموم من وجه. وقد اختلف كلماتهم فيه على اقوال، منها ما ذهب إليه اكثر المحققين وهو عدم الجواز عقلا. وقد استدل له بوجوده.، الاول: ما عن المحقق النائيني (قده) من ان لازم الاستعمال في معنيين تعلق اللحاظ الاستعمالى في آن واحد بمعنيين، ولازمه الجمع بين اللخاطبين وهو ممتنع عقلا. وفيه: ان الجمع بين اللحاظين في آن واحد مع كون الملحوظ متعددا لا استحالة

[ 117 ]

فيه: فان معنى لحاظ الشئ احاطة النفس به وحيث انها من المجردات فلا مانع من احاطتها بشيئين في آن واحد، وان شئت قلت ان الذهن يكون كالخارج كما انه في الخارج يمكن ان يجتمع شيئان في الوجود كذلك في الذهن، بل هو واقع كثيرا. الا ترى انه كثيرا ما يصدر عن الانسان فعلان اختياريان كان يمشى ويتكلم، مع ان كلا منهما يتوقف تحققه على تصوره ولحاظه. الوجه الثاني: ما في الكفاية وحاصله: ان اجتماع اللحاظنين في آن واحد وان كان لا محذور فيه إذا كان الملحوظ متعددا، الا انه ممتنع إذا كان الملحوظ واحدا، وعليه فالاستعمال في اكثر من معنى وان كان لا محذور فيه من حيث لحاظ المعنيين في آن واحدا، الا انه ممتنع من ناحية المستعمل، إذ حقيقة الاستعمال جعل اللفظ وجها وعنوانا للمعنى بل بوجه نفسه كانه الملقى، وعلى ذلك فاستعمال اللفظ في معنى يستلزم لحاظ اللفظ فانيا فيه أي لحاظه الة للحاطة. ولا يعقل ان يكون في هذه الحالة ملحوظا بلحاظ آخر آليا ام استقلاليا، فاستعماله في معنى آخر لا يجوز، لاستلزامه اجتماع اللحاظين الاليين في شئ واحد. وفيه: انه قد تقدم منافى الوضع انه عبارة عن التعهد والالتزام بالتلفظ بلفظ خاص عند ارادة تفهيم معنى مخصوص، فحقيقة الاستعمال عبارة عن جعل اللفظ علامة لا ارادة المعنى، وعليه فلا مانع من جعل اللفظ علامة لمعنيين لعدم استلزامه تعدد اللحاظين، كما نشاهد ذلك بالوجدان في التعهدات الخارجية. وعلى ذلك، فالاستعمال في معنيين كالاستعمال في معنى واحد لا يلاحظ اللفظ فيه الا بلحاظ واحد استقلالي، غاية الامر تارة يكون الداعي له هو تفهيم معنى واحد، واخرى يكون تفهيم معنيين. الوجه الثالث: ما ذكره المحقق الاصفهانى (ره) في حاشيته على الكفاية - وحاصله - ان وجود اللفظ في الخارج وجود لطبيعي اللفظ بالذات، ووجود لطبيعي المعنى بالتنزيل والمواضعة. وحيث ان المجود بالذات واحد فلا محالة يكون ذلك الوجود وجودا تنزيليا واحداآو لا يعقل ان يكون وجودين تنزيليين لمعنيين إذ كما ان الوجود الواحد لا يمكن ان يكون وجود الماهيتين بالذات كذلك لا يعقل ان يكون وجودين تنزيليين

[ 118 ]

لمعنيين، وليس الاستعمال الا ايجاد المعنى بنحو وجوده اللفظى خارجا، وقد مر ان الايجاد والوجود متحدان بالذات، وحيث ان الوجود واحد فكذا الايجاد، ثم قال (قده) ان الاستعمال لو فرض محالا تحققه بلا لحاظ لكان محالا. وفيه اولا: ما مر من ان حقيقة الوضع ليست الا التعهد بذكر اللفظ عند ارادة تفهيم المعنى وليس الاستعمال الا فعلية ذلك فحدث الوجود التنزيلى مما لا يرجع الى محصل. وثانيا: لازم ما ذكره قده الالتزام باستحالة الاشتراك إذ بعد ما صار وجود طبيعي اللفظ الذى هو الموضوع له وجود اتنزيليا لمعنى خاص كيف يمكن صيرورته وجود اتنزيليا لاخر، وبعبارة اخرى يحث الاستعمال ليس الا فعلية الوضع ويكون هو بنحو الذى وضع، فان التزم هو (قده) في الوضع بالوجود التنزيلى فليس له الالتزام بامكالن الاشتراك والا فليس له الالترام بذلك في مقام الاستعمال. وثالثا: انه لا محذور في صيرورة الوجود الحقيقي الواحد وجودين تنزيليين لشيئين إذا لوجود التنزيلى انما يتحقق بالوضع والاعتبار وهو خفيف المؤنة، الا ترى في عكس المسألة قد يكون المنزل عليه واحدا كالاسد والمنزل متعددا كزيد، وعمر، وغيرهما من افراد الانسان. والحل في ذلك ما ذكرناه من ان الوجود التنزيلى امر اعتباري يحصل بالوضع وهو خفيف المؤنة، فتحصل انه لا دليل على الاستحالة. القول الثاني: امكانه ثم ان القائلين بهذا القول اختلفوا على اقوال: الاول: انه مجاز مطلقا: واستدل له صاحب تشريح الاصول، بان كل وضعت مستقل ولا يكون ناظرا الى الاخر ومتمما له فالواضع حين وضع اللفظ لكل من المعنيين أو المعاني لم يتصور الا المعنى الواحد، فيجب ان يكون الاستعمال على وفق الوضع بان يتصور احد المعنيين أو المعاني والالزم الخروج عن طريقة الواضع. وفيه: ان متابعة الواضع لازمة، في الخصوصيات الراجعة الى الموضوع، والموضوع له، والوضع، واما في غير ذلك فلا يعتبر مثلا من وضع لفظا لمعنى أو علما لشخص، وكان في تلك الحالة متعمما فهل يتوهم احد لزوم كون المستعمل حين الاستعمال كذلك، مع انه لا قطع بذلك ويحتمل ان يكون وضع المشترك لجميع ما هو

[ 119 ]

موضوع له في آن واحد. الثاني: انه مجاز في المفرد وحقيقة في التثنية والجمع، وهذه الدعوى مركبة من امرين: الاول: كونه مجازا في المفرد، واستدل له: لان قيد الوحدة مأخوذ في الموضوع له فلو استعمل اللفظ في معنيين لزم استعمال اللفظ الموضوع للكل في الجزء وهو ذات المعنى بلا قيد الوحدة: واجاب عنه المحقق الخراساني بان لازم ذلك عدم جواز الاستعمال فان الاكثر ليس جزء المقيد بالوحدة بل يباينه مباينة الشئ بشرط شئ والشئ بشرط لا. وفيه: ان المستعمل فيه ان كان هو الاكثر بقيد الانضمام كان ما ذكره تاما، ولكنه خلاف الفرض وهو الاستعمال في كل واحد مستقلا فالمستعمل فيه هو ذات المعنى بلا قيد ولا ريب في كونه جزء الموضوع له على هذا القول. فالصحيح في الجواب منع اخذ قيد الوحدة في الموضوع له. الثاني: كونه حقيقة في التثنية والجمع، والمراد بذلك ليس استعمال التثنية مثلا في اربعة افراد فردين من طبيعة وفردين من طبيعة اخرى. ولا استعمال التثنية في فردين من طبيعة واحدة فان ذلك هو ا لموضوع له، بل المراد استعمالها في فردين من طبيعتين. واستدل لجوازه بنحو الحقيقة بان التثنية في قوة التكرار فكما انه لو كرر اللفظ المفرد مرتين واريد منه في كل مرة فردا من طبيعة يكون كلا الاستعمالين من الاستعمال في المعنى الحقيقي كذلك لوثنى واطلق واريد منه فردان من طبيعتين. والحق في الجواب يقتضى تقديم مقدمه - وهى - انه في المركبات قد تقدم ان المادة موضوعة بوضع خاص والهيئة موضوعة ايضا كذلك ولم يوضع كل مركب بوضع خاص - مثلا - رجلان وضع الماده للطبيعة الخاصة، والهيئة لافادة فردين من مدخوله، وقد تقدم تفصيل القول في ذلك - وعليه - فإذا استعمل التثنية في فردين من طبيعتين لا يخلوا لامر من امرين، اما بارادتهما من المادة ويكون الهئية أي الالف و النون، قرينة على ارادة ذلك فهذا مجاز على هذا القول فان الماده استعملت في معنيين فهو

[ 120 ]

كاستعمال المفرد بل هو هو. مع انه خلاف وضع الاداة، واما بان يراد من المدخول فردا ومن الهيئة فردا آخر وهو ايضا بين الفساد وحينئذ، فلا محيص عن استعمال المادة في الطبيعة الموضوع لها والالف والنون في ارادة فردين منها، وعليه فلا يمكن ارادة فردين من طبيعتين بنحو الحقيقة. واما ما في الكفاية من ان التثنية والجمع، انما هما بتأويل المفرد الى المسمى به. ففيه ان مفهوم المسمى به ليس موضوعا له، ومصداقه هو الموجود الخارجي. فالصحيح ان يقال ان اللفظ فيهما انما يستعمل في اللفظ الفاني في المعنى وهو الذى يثنى أو يجمع. وبما ذكرناه ظهر مدرك القول بامتناع الاستعمال في المفرد وجوازه في التثنية والجمع، والجواب عنه. الثالث: انه ممكن وحقيقة في المفرد وغيره وستعرف ما في هذا القول عند بيان المختار. وهو ان استعمال المفرد في اكثر من معنى ممكن وحقيقة. اما الاول: فلما مر من بطلان ما استدل به على عدم الامكان، وان شئت نظر المقام بالمسببات التوليدية حيث انه لا محذور في تولد مسببين من سبب كاكرام زيد واهانة عمرو الناشئين من قيام واحد أو حركة خاصة مع القصد اليهما فيكون استعمال اللفظ في اكثر من معنى كذلك. واما الثاني: فلان الاستعمال في كل منهما استعمال فيما وضع له فيكون حقيقة. واما التثنية والجمع فاستعمالهما في فردين - أو افراد - من طبيعتين أو طبايع قد مر انه لا يصح، واما استعمالهما في فردين أو افراد من طبيعتين أو طبايع، بان يراد من كل طبيعة فرادن - أو افراد - وان كان ممكنا عقلا باستعمال الهيئة فيما وضعت له والمادة في معنيين أو اكثر، الا انه لا يبعد دعوى وضع الهيئة فيهما للدلالة على ارادة المتعدد من افراد طبيعة واحدة. فتدبر فان هذه الدعوى قابلة للمنع. بقى الكلام في ثمرة هذا البحث، وهى انه لو قلنا بجواز استعمال اللفظ في اكثر من معنى على نحو الحقيقة، فان تردد الامر بينه وبين استعماله في معنى خاص، فقد يدعى

[ 121 ]

الظهور العرفي في ارادة الواحد، وقيل هذا العرف والعقلاء ببابك، فاختير ذلك منهم فيما لو امر المولى العرفي عبده باتيان ماله معان متعددة كالعين: فانهم لا يحكمون بلزوم اتيان جميع معانيه. فلو تمت هذه الدعوى، والا فمقتضى الاطلاق الحكم بارادة الجميع. ولو دار الامر بين ارادة مجموع المعنيين، أو جميعهما بنحو التعدد في الاستعمال، فلابد من الحمل على ارادة المعنيين بالنحو الثاني: إذ الاستعمال على الاول: مجاز دون الثاني، واصالة الحقيقة تثبت الثاني. واما لو قلنا بعدم جواز الاستعمال في اكثر من معنى، فسواء تردد الامر بينه وبين ارادة احد المعنيين، أو مجموعهما لاسبيل الى الالتزام به كما هو واضح، واما ان قلنا بانه ممكن ولكنه مجاز فان دار الامر بين ارادتهما ذلك، أو احدهما يحمل على الثاني لاصالة الحقيقة، وان دار بين ارادتهما كذلك، أو ارادة مجموع المعنيين فحيث ان كلا منهما مجاز فلا اصل يعين احدهما فلابد من الانتهاء الى الاصول العملية. ثم انه قال المحقق الخراساني بعد ما منع عن جواز استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد: وهم ودفع لعلك تتوهم ان الاخبار الدالة على ان للقرآن بطونا سبتعة أو سبعين تدل على وقوع استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد فضلا عن جوازه، ولكنك غفلت عن انه لا دلالة لها اصلا على ان ارداتها كانت من باب ارادة المعنى من اللفظ فلعلها كانت بارادتها في انفسها حال الاستعمال في المعنى لا من اللفظ كما إذا استعمل فيها، أو كان المراد من البطون لوازم معناه المستعمل فيه اللفظ وان كان افهامنا قاصرة عن ادراكها انتهى. ويرد على ما افاده اولا: ان ارادة المعنى، بمعنى تصوره حين استعمال اللفظ في غيره، لا توجب كون ذلك المتصور بطنا للقرآن ومعنا له بل كانت شيئا اجنبيا عنه اريدت حال التكلم بالفاظه، مع ان ذلك لا يوجب عظمة القرن على غيره وفضيلته على ساير المحاورات لا مكان ان يراد المعاني بانفسها حال التكلم بالالفاظ غير القرآن بل بالمهملات، نعم ما افاده ثانيا من كون المراد بالبطون لوازم معناه وملزوماته التى لم تصل الى ادراكها افهامنا القاصرة تام.

[ 122 ]

ومن المحتمل ان يكون المراد من هذه الاخبار انه لالفاظ القرآن معان جامعة بين ما نفهمه ونراه ظاهرا، وبين غيره ونظيره فيما نفهمه لفظ الميزان، حيث ان معناه الظاهر عندنا احد مصاديق معناه الجامع، والمصداق الاخر، امام المتقين عليه السلام. المشتق السادس عشر في المشتق، لا اشكال ولا كلام في انه يصح اطلاق المشتق على المتلبس بالمبدأ فعلا، وعلى من انقضى عنه المبدأ، وعلى من سيتلبس به في المستقبل. ولا خلاف في ان اطلاقه على المتلبس بالمبدأ فعلا اطلاق حقيقي ويكون المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ به في الحال، كما لا خلاف في ان اطلاقه على من سيتلبس بالمبدأ في المستقبل اطلاق مجازى، ويكون مجازا فيه. وانما الخلاف في ان اطلاقه على من انقضى عنه المبدأ هل هو مجاز أو حقيقة ؟ فان قلنا بوضع المشتق لخصوص المتلبس فيكون مجازا فيه، وان قلنا بوضعه للاعم فيكون اطلاقه عليه حقيقة، وذهب الى كل من القولين جماعة، وقبل تحقيق الحال في المقام ينبغى تقديم امور. احدها: ان المعاني على اقسام - منها - ما هو متاصل في الوجود ويوجد في الخارج لا في الموضوع وهى الذى يعبر عنه بالجوهر كالانسان - ومنها - ماله ما بازاء في عالم العين الا انه لابد وان يتحقق في الموضوع، وهو الذى يعبر عنه بالعرض كالبياض - ومنها - ما يتحقق في عالم الاعتبار، وهو الامر الاعتباري كالملكية والزوجية - ومنها - ما ليس ما ما بازاء في الخارج، لا في عالم العين، ولا في عالم الاعتبار، وانما يكون منتزعا من الذات أو بلحاظ ذاته كالامكان أو من جهة مقايسته بشئ آخر كالفوفية، وهو الامر الانتزاعي - ومنها - النسب المتحققة بين احد الاقسام الاخيرة والقسم الاول، وهى المعاني الحرفية على التفصيل المتقدم، وبازاء هذه الطوائف الخمس من الالفاظ

[ 123 ]

موضوعة لها وكل هذه الاقسام خارجة عن محل الكلام كما لا يخفى وجهه. وهناك طائفتان اخريان من الالفاظ موضوعتان للمركب من الذات والصفة والنسبة. الاولى: ما وضعت للذات المتصفة باحدى تلك الصفات الذاتية والحقيقة والاعتبارية والانتزاعية بقسميها. والثانية: ما وضعت للاحداث المنتسبة الى الذات ما لمصادر والافعال، ومحل الكلام هي الطائفة الاوليب، ومحصل البحث ان الذات إذا اتصفت باحدى تلك الصفات وعرت عنها بعد ذلك هل يصح حمل المشتق عليها ام لا ؟ وهذه الطائفة على اقسام: الاول: ما يحمنل على جزء الذات المتصف بالجزء الاخر كالناطق. الثاني: ما يحمل على الذات باعتبار اتصافها بالمبدأ المنتزع من مقام الذات ولا يحاذيه شئ في الخارج كعنوان العلية. الثالث: ما يحمل على الشئ ويكون المبدأ فيه من الاعراض التسعة. الرابع: ما يحمل عليه باعتبار اتصافه بامر انتزاعي كالسابقية والاشدية. الخامس: ما يحمل على الذات باعتبار اتصافها بامر اعتبار كالمالكية، لا اشكال ولا كلام في دخول الاقسام الثلاثة الاخيرة في محل النزاع. واما القسم الاول والثانى: فقد ذهب جمع منهم المحقق النائيني (ره) الى خروجهما من محل النزاع. واستدل له في الاول: بان شيئة الشئ انما تكون بصورته النوعية، فإذا تبدل الانسان بالتراب فما هو ملاك الانسانية وهى الصورة النوعية قد زالت، واما المادة المشتركة الباقية التى هي القوة الصرفة فهى غير متصفة بالانسانية، فالمتصف زال والباقى غير متصف. واستدل له في الثاني: بان المحمولات فيه تتبع نفس العناوين الذاتية وقد عرفت خروجها عن محل الكلام. ولكن يرد عليهما ان الهيئة في مثل الناطق والممكن ونحوهما توضعت بوضع خاص بل لها وضع واحد، في جميع الموارد، ومع جميع المواد. ومحل الكلام انها، هل وضعت للمتلبس، أو الاعم منه ومما انقضى عنه المبدأ ؟ وعدم معقولية الانقضاء في بعض الموارد لخصوصية في المادة لا يوجب خروجه عن محل البحث، فان شئت فاختبر

[ 124 ]

ذلك من لفط (سيال) فان له له فردين، احدهما ما يمكن فرض عدم سيلانه كالماء، ثانيهما ما لا يمكن فيه ذلك كالزمان، فهل يتوهم اختصاص النزاع بالاول ولا يشمل الثاني، فتحصل ان الاظهر دخول جميع الاقسام في محل النزاع. ومما ذكرناه ظهر ان تعميم المحقق الخراساني محل الكلام للعرض والعرضي، في محله إذ مراده بالعرضى على ما صرح به في الاستصحاب هي الامور الاعبتارية لا المبادى، التى لا يحاذيها شئ في الخارج كى يرد عليه ما اورده المحقق النائنين (ره) من عمد انطباقه على الامثلة المذكورة في الكفاية من الزوجية وماشا بها. واما ما ذكره هو (قده) من كونه الزوجية مقولة الاضافة المعدودة من الاعراض التسعة، فغير تام: إذ هي من الامور الاعتبارية ذات الاضافة لا من مقولة الاضافة التى هي من جملة المقولات التسع. ثمرة هذا البحث قال المحقق الخراساني (ره) بعد اختياره جريان النزاع في هذا القسم من الجوامد كما يشهد به ما عن الايضاح في باب الرضاع في مسألة من كانت له زوجتان كبيرتان ارضعتا زوجته الصغيرة ما هذا لفظه، تحرم المرضعة الاولى و الصغيرة مع الدخول بالكبيرتين واما المرضعة الاخرة ففى تحريمها خلاف فاختار والدى المصنف (ره) وابن ادريس تحريمها لان هذه يصدق عليها ام زوجته لانه لا يشترط في المشتق بقاء المشتق منه. انتهى. وحيث ان هذه ثمرة متفرعة على هذا المبحث فلا باس ببيانها اجمالا. ومحصله انه تارة يفرض عدم الدخول بالكبيرتين، واخرى يفرض الدخول بالمرضعة الاولى، وثالثة يفرض الدخول بالثانية، واما حكم صورة الدخول بهما فهو يظهر من بيان حكم هذه الفروض. اما في الفرض الاول، فقد يقال يبطل عقد المرضعة الاولى، وعقد الرضيعة: إذ الجمع بين الام والنبت كما لا يجوز حدوثا لا يجوز بقاءا والمفروض تحقق الامومة

[ 125 ]

للمرضعة، والبنتية للمرتضعة فلا يمكن بقاء زوجيتهما وحيث لا يمكن الالتزام ببقاء زوجية احديهما دون الاخرى - والالزم الترجيح بلا مرجح - فلا مناص عن البناء على بطلان زوجيتهما معا. ولكن الحق انه بعد عدم امكان بقاء زوجيتهما معا، يتعين البناء على التخيير: فان الضرورات تتقدر بقدرها، فبالرضاع لا يمكن بقاء زوجيتهما، ولا مانع من بقاء زوجية احداهما بنحو التخيير لامكانه ثبوتا، وتعينه في مقام الاثبات على ما حققناه في الجزء الحادى والعشرين من كتابنا فقه الصادق في مسألة الجمع بين الاختين. واما ما افاده في الكفاية من احتمال الرجوع الى القرعة، فغير تام لانه انما يرجع إليها فيما إذا كان هناك واقع معين عند الله مشتبه عندنا لا مثل المقام. واما المرضعة الثانية فبطلان زوجيتها مبنى على مسألة المشتق. فلو بنييا على ان المشتق حقيقة في المتلبس لا تبطل زوجيتها، ولو بنينا على كونه حقيقة في الاعم بطلت لانه يصدق عليها انها ام الزوجة هذا في بطلان الزوجية. واما الحرمة الابدية فلا اشكال في عدم حرمة الرضعية إذا كان اللبن من الغير لاشتراط حرمة الربية حييئذ بالدخول بامها، وان كان اللبن من الزوج تحرم البنت مؤيدا وان لم يدخل بامها كما دلت عليه النصوص، وتصويره انما يكون بان وطئها بشبهة فحملت منه وولدت ثم تزوجها ولم يدخل بها حتى ارضعت الصغيرة. واما حرمة المرضعة الاولى فهى تتوقف على كون المشتق حقيقة في الاعم ليصدق عليها ام الزوجة والا فلا تحرم: فانه في آن تحقق البنتية والامية اما تبطل كلتا الزوجيين كما هو المشهور أو احداهما كما هو المختار، وعلى أي تقدير ليس زمان يكون البنت زوجة، والمرضعة امها، ودعوى انه مرتبة سقوط الزوجية متاخرة عن مرتبة سقوط الامامية والبنتية، ففى المرتبة الاولى تصدق ام الزوجة على الام فتحرم، مندفعة بان الاحكام الشرعية مترتبة على الموجودات الزمانية دون الرتبة. وقد استدل فخر المحققين (ره) لحرمتها بوجهين: احدهما: ان ام الزوجة كبنت الزوجة تحرم ان اتصف بالامية بعد خروج البنت

[ 126 ]

عن الزوجية، وظاهر المحقق النائيني ارتضائه. وفيه: ان ظاهر الاية الكريمة " وامهات نسائكم " والنصوص ان المحرم هي ام الزوجة - وفي النسب لا يتصور تحقق الامية بعد الخروج عن الزوجية بخلاف بنت الزوجة، فدليل محرمية الرضاع لا يصلح لاثبات حرمة من اتصف بالامية بعد خروج البنت عن الزوجية. ثانيهما: انه يكفى في الحرمة صدق المشتق، وتحقق الزوجية في زمان فتدخل في عموم قوله تعالى " وامهات نسائكم ". وفيه: انه ان اريد به كون المشتق حقيقة في الاعم فهذا الذى اشرنا إليه وسيأتى الكلام في المبنى، وان اريد به ان صدق الزوجة على البنت في زمان ما كاف في حرمة امها ابدا: إذ لم تقيد حرمة ام الزوجة في الاية بكونها ام الزوجة الفعلية فيكفى في الحرمة كونها ام الزوجة السابقة، فيرد عليه ان ذلك خلاف ظاهر الدليل فان ظاهر كل عنوان ماخوذ في الموضوع دخله في فعلية الحكم ودوران الحكم بقاءا وارتفاعا مدار بقائه وارتفاعه. واما خبر على بن مهزيار ابى جعفر (ع) الوارد في المسألة، " تحريم عليه الجارية وامرأته التى ارضعتها اولا فاما الاخيرة فلم تحريم عليه كأنها ارضعت ابنته " [ المذكور في الوسائل باب 14 من ابواب ما يحرم بالرضا حديث 1 كتاب النكاح ] فمع الاغماض عن سنده، يكون مختصا بصورة الدخول وتمام الكلام في كتاب النكاح. واما المرضعة الثانية فقد استدل الشهيد الثاني لحرمتها بعد ما نسبها الى الحلى والمحقق في النافع واكثر المتأخرين، بصدق ام الزوجة عليها لعدم اشتراط بقاء المعنى في صدق المشتق. وبمساواة الرضاع للنسب وهو يحرم سابقا ولا حقا. والاول سيأتي الكلام في مبناه. والثانى يندفع بان ظاهر الاية الكريمة كون الموضوع ام الزوجة الفعلية ولا تشمل ام من كانت زوجته، اضعف إليه انه لا نظير لها في النسب كى يحرم مثلها في الرضاع، وام الزوجة، اضعف إليه انه لا نظير لها في النسب كى يحرم مثلها في الرضاع، وام الزوجة المطلقة انما تحرم لصدق ام الزوجة الفعلية قبل الطلاق عليها فتحرم ابدا، فان قيل ان المراد بالنساء في الاية الشريفة بقرينة السياق ما يعم من كانت

[ 127 ]

زوجة ولو في زمان سابق بقرينة قوله تعالى " وبائيكم اللاتى في حجركم من نسائكم " حيث ان المراد من النساء في هذه الجملة اعم من الزوجة الفعلية فكذلك النساء في قوله تعالى " و امهات نسائكم " توجه عليه ان ارادة الاعم من النساء في الاية الاولى انما استفيدت من الخارج لا من نفس الاية. واما في الفرض الثاني فعن المحقق النائيني انه لا اشكال في تحريم الرضيعة وامها وبطلان زوجيتهما لكون الرضيعة بنت الزوجة المدخول بها، وكون الام ام الزوجة، وتحريم المرضعة الثانية مبتن على النزاع في المشتق. اقول اما بطلان زوجية الرضيعة وحرمتها ابدا فلا ريب فيهما: لان بنت الزوجة المدخول بها محرمة ابدا حتى البنت التى توجد بعد خروجها عن حبالته، فان قيل لا دليل على حرمة بنت الزوجة الرضاعية، اجنبا عنه بورود النص بها [ راجع الوسائل باب 10 من ابواب ما يحرم الرضاع ] اصف إليه ما حققناه في محله من ان العنوان المتولد من النسب والمصاهرة بوجب التحريم إذا كان الحاصل بالرضاع العنوان النسبى كما في المقام، مع انه في صورة كون اللبن له تكونه الرضيعة بنتار ضاعية له فتحرم. واما المرضعة الاولى فلا ارى وجها لبطلان نكاحها (غير خبر على بن مهزيار المتقدم) فانه عند تحقق الرضاع تخرج الصغيرة عن حبالته وفي ذلك الان تتحقق الامومة فليس هناك زمان خارجي تنصف فيه الكبيرة بانها ام الزوجة، فقول المحقق النائيني (ره) كون الام ام الزوجة، غير تام. وغاية ما قيل في وجه خروجها عن زوجيته وبطلان نكاحها 1 - ان ام الزوجة كبنت الزوجة كما ان الثانية تحرم وان وجدت بعد خروج الام عن الزوجية كذلك الاولى فالكبيرة ام من كانت زوجته 2 - ان المشتق اعم من المتلبس ومن النقضى عنه المبدأ فيصدق عليها ام الزوجة بهذا الاعتبار 3 - انه لمكان اتصال آخر زمان زوجية الصغيرة باول زمان امية الكبيرة، تكون كالمجتمع معها زمانا فيصدق على المرضعة بعد هذه المسامحة العرفية انها صارت ام الزوجة حقيقة 4 - ان بطلان زوجية النبت في طول حصول الامية والبنتية، ففى تلك المرتبة يصدق عليها ام الزوجة فتحرم.

[ 128 ]

والكل كما ترى اما الاول: فلما من ان ظاهر الاية الكريمة والنصوص ان المحرم ام الزوجة وفي النسب لا يتصور تحقق الامية بعد الخروج عن الزوجية بخلاف بنت الزوجة، فدليل محرمية الرضاع لا يصلح لاثبات حرمة من اتصفت بالامية بعد خروج البنت عن الزوجية، واما الثاني: فسياتى الكلام في المبنى، واما الثالث: فلان المسامحات العرفية في تطبيق المفاهيم على المصاديق تضرت على الجدار، واما الرابع: فلان الاحكام الشرعية مترتبة على الموجودات الزمانية دون الرتبية فالاظهر ان مقتضى القاعدة عدم خروجها عن الزوجية ولا يبطل نكاحها، ولا يلزم منه الترجيح بلامر حج. وقد استدل لحرمتها بالوجهين المتقدمين في الفرض الاول الذين استدل بهما لحرمتها وقد عرفت الجواب عنهما، واما الاجماع، فلا يكون تعبديا كاشفا عن حجة. نعم خبر على بن مهزيار دال على حرمتها، والخدشة في سنده لو تمت ينجبر بالعمل. واما المرضعة الثانية: فحكمها حكم المرضعة الثانية في المسألة المتقدمة وعرفت عدم حرمتها و يدل على عدم حرمتها خبر على بن مهزيار. واما في الفرض الثالث: فحكم الرضيعة، والمرضعة الاولى، حكمهما في الفرض الاول. واما المرضعة الثانية ففى فرض خروج الرضيعة عن الزوجية لا تحرم ولا تبطل نكاحها، وقد استدل لبطلان نكاحها بوجوه ولحرمتها بوجهين تقدم الجميع في الفرضين السابقين مع اجوبتها، ومع بقائها على زوجيتها، تكون حكم المرضعة الثانية، حكم المرضعة الاولى المتقدم في الفرض السابق. ثم ان هذه احدى ثمرات هذا البحث فمن راجع الى الفقة يقف على كثير من المسائل تكون على هذه المسألة كما لا يخفى على المتتبع في الفقه. النزاع عام لاسم الزمان الثاني: ربما يتوهم خروج اسم الزمان عن حريم النزاع، واستدل له: بان الذات فيه وهى الزمان بنفسه ينقضى وينصرم فكيف يصح النزاع في انه إذا بقى الذات المتصفة

[ 129 ]

وزال الوصف هل يصح استعمال المشتق واطلاقه عليه، واجيب عنه باحوبة. الاول: ما في الكفاية: قال ان انحصار مفهوم عام بفرد كما في المقام لا يوجب ان يكون وضع اللفظ بازاء الفرد، والا لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة، مع ان الواجب موضوع للمفهوم العام مع انحصار فرده فيه تبارك وتعالى. وفيه اولا: ان الاولى كان تبديل التنظير بالواجب بالاله: فانه، لا خلاف في وضعه للمعبود بالحق المنحصر هذا المفهوم فيه تبارك وتعالى، واما الواجب، فهو عام له تعالى ولغيره مما وجب بالشرع أو بغيره. نعم، واجب الوجود بالذات منحصر فيه تعالى ولكن ليس له وضع خاص، وثانيا: ان ما ذكر من امكان وضع لفظ لمفهوم ينحصر فرده و مصداقه في فرد واحد، حق وواقع كما عرفت، بل يمكن وضع اللفظ لمفهوم يمتنع وجود جميع افراده ومصاديقه كشريك الباري لو كان له وضع خاص، الا ان ذلك انما يتم فيما إذا فرض للوضع فائدة بان يوجد مورد يستعمل فيه، كلفظ الاله: حيث انه يستعمل فيه، في " لا اله الا الله " واما اسم الزمان فوضعه لمفهوم عام شامل للمتلبس و المنقضى عنه المبدأ لا يترتب عليه فائدة لعدم الحاجة الى استعماله فيه في مورد، وان شئت قلت: ان ثمرة هذا النزاع، يظهر فيما انقضى عنه المبدأ، واما في المتلبس فلا فارق بين الطرفين فحيث لا مصداق لما انقضى عنه المبدء في اسم الزمان ولا حاجة الى استعمال اللفظ فيه أو اطلاقه عليه، فيلغو هذا البحث. الثاني: ما ذكره المحقق النائيني (ره) وهو انه كما في لفظ السبت واول الشهر وغيرهما من اسماء الازمنة يكون الموضوع لها معان كلية، لها افراد تدريجية كذلك اسماء الازمنة المصطلحة تكون موضوعة لزمان كلى له افراد تدريجية متصف بالوصف مثلا، المقتل موضع لزمان كلى كيوم العاشر من المحرم الذى وقع فيه القتل، وعليه فيكون الذات باقية مع انقضاء الوصف. وفيه اولا: ان المتصف بالوصف فرد من ذلك الزمان الكلى المفروض، والمفروض انه انعدم وحدث فرد آخر وهو غير متصف فلا موقع لهذا النزاع، فهل يتوهم احد جريان هذا النزاع فيما لو كان زيد متصفا بالعلم فزال عنه هذا الوصف وويات

[ 130 ]

وتحقق فرد آخر من الانسان كعمرو، فيقال ان طبيعي الانسان كان متصفا بالعلم فقد زال عنه الوصف، وهو بذاته كلا، وثانيا: ان الزمان الكلى المدعى دخوله في الموضوع له يتصور على وجوه مثلا في المقتل يتصور مفاهيم كلية من الازمنة بحسب افراد القتل الخارجي، ففرد منه واقع في يوم السبت، وآخر في يوم الاحد، وهكذا فايها يؤخذ في الموضوع له فتدبر حتى لا تبادر بالاشكال. الثالث: ما ذكره المحقق العراقى (ره) في مقالاته بما حاصله: ان مهية الزمان كغيره من التدريجات كالتكلم مهية خاصة في قبال الماهيات القارة، وقد اخذ فيها التصرم والتدرج، فإذا انبسط عليها الوجود يظهرها بما هي عليه من التدرج فما دام ذلك الامر التدريجي في سير وجوده يكون ذلك شخصا خاصا من افراد طبيعة، وعليه فإذا وقع في اول هذا الوجود الخاص حدث وانعدم، صح ان يقال ان هذا الوجود الخاص كان مصفا بهذا الوصف وانقضى عنه ذلك. وفيه: ان ما ذكر من ان للزمان وحدة اتصالية وبهذه الجهة يصح ان يقال، ان هذا الزمان هو الذى وقع فيه هذا الامر مع انه وقع في جزء منه متين الا ان الوصف لا يكون منقضيا بهذا الاعتبار، الا ترى انه يصح ان يقال ان قتل سيد الشهداء عليه السلام وقع في هذا الدهر: فانه في مثل ذلك لما لا يكون الظرف منقضيا، لا يكون المظروف منقضيا، ومحل الكلام انما هو اسناد ذلك العنوان الى الزمان المتأخر الذى انقضى المبدأ بالقياس إليه، الملازم ذلك لفرض كل جزء من الزمان بحياله، ولا ريب في انه إذا لو حظ هكذا يكون كل جزء من الزمان مباينا مع الجزء الاخر، ولذا ترى انه لا يصح ان يقال وقع قتل ابن بنت رسوله الله (ص) في ليلة العشرين من المحرم، مع انه يصح ان يقال وقع قتله (ع) في المحرم - ونظيره - انه لو ضرب زيد بيده يصح اسناد الضرب الى زيد باعتبار صدوره من يده، ولا يصح اسناده الى رجله، ويقال ضرب برجله. الرابع: ما ذكره الاسناد الاعظم، وحاصله ان هذا الاشكال يبتنى على ان تكون هيئات اسماء الازمنة مستقلة في قبال هيئات اسماء الامكنة، ولكن بما ان الوضع فيها واحد، مثلا هئية مفعل وضعت لوعاء الفعل اعم من كونه زمانا أو مكانا

[ 131 ]

فلا يتم ذلك: فانه قد تقدم منا ان المفهوم إذا كان بالقياس الى بعض اصنافه أو افراده يتصور فيه الانقضاء، وبالقياس الى بعضها الاخر لا يتصور كالعالم: فانه بالنسبة الى الباري تعالى لا يتصور فيه الانقضاء، وبالقياس الى غيره يتصور، يجرى النزاع في ذلك المفهوم، وعليه ففى المقام بما ان بعض اصناف هذه الهئية يتصور فيه الانقضاء وبعضها يتصور فيه ذلك يجرى النزاع فيه. وهذا هو القول في المقام. عدم دلالة الافعال على الزمان الثالث: قد مر ان المصادر والافعال خارجة عن محل النزاع: لانها غير جارية على الذوات، لان المصادر وضعت للدلالة على المبادى التى تغاير الذات ولا يقبل الحمل عليها، والافعال وضعت للدلالة على نسبة المادة الى الذات على اتحائها المختلفة ومعلوم ان معانيها هذه تابى عن الحمل عل الذوات. ثم ان المشهور بين النحويين دلالة الافعال على الزمان ولذا زادوا في حد الفعل الاقتران باحدا الازمنة الثلاثة، ولكن الظاهر ان مراد النحويين من دلالة الفعل على الزمان، ليس ما هو ظاهره من ان، فعل الماضي ما دل على وقوع الحديث في الزمان الماضي، وفعل المضارع مادل على وقوع الفعل في الحال أو المستقبل، كى يرد عليهم: بان الفعل قد يسند الى الزمان، مثل مضى شهر رمضان، وقد يسند الى المحيط بالزمان كما يقال ان الله تعالى تكلم مع موسى (ع)، أو خلق الله الارواح وماما كل، فيلزم منه حينئذ القول بالمجاز أو التجريد عند الاسناد في هذه الموارد. بل المراد ان فعل الماضي موضوع الافادة النسبة التحقيقة السبقة، والمضارع وضع لافادة النسبة التحقيقة المعية، أو الاتية، وهو حق لا ريب فيه. توضيح ذلك انه لكل فعل مادة وهيئة ولكل منهما وضع خاص، فالمادة موضوعة للطبيعة في ضمن أي هيئة كانت، والهيئة موضوعة لمعنى خاص مع أي مادة كانت، اما المادة فهى موضوعة لنفس الطبيعة الخاصة المهملة، ولم يؤخذ فيها التحقق ولا عدمه،

[ 132 ]

ولا كونها متعلقة لاعتبار من الاعتبارات وعدمه، واما الهيئة فقد وضعت لافاده فعلية ما للمادة من القابلية لعروض التحقق أو عدمه عليها، ولعل هذا هو المراد مما في الخبر الشريف، الفعل ما انبأ عن حركة المسمى، أي ما يكون مظهر الحركة المادة من القوة الى الفعلية، فان قيل ان هذا امر يشترك فيه الافعال والجمل لاسمية فهذا التعريف للفعل لا يكون مانعا، اجبنا عنه ان المقسم هي الكلمة، والجمل خارجة عنه. ثم ان هيئة فعل الماضي تدل على تحقق المادة في الخارج قبل التكلمخ، والقبلة في كل شئ بحسبه ولازم ذلك فيما نسب الى الزمانى وقوعه في الزمان الماضي، وهيئة فعل المضارع موضوعة لافادة ان الحدث يتحرك من القوة الى الفعلية حين التكلم أو بعده، وبعبارة اخرى تدل على ان الحدث لم يتحقق سابقا بل يخرج من القوة الى الفعلية بعده، ولازم ذلك انه إذا سند الى الزمانى وقوعه في الزمان الحال أو المستقبل. لا يقال ان لازم ما ذكرت عدم صحة ان يقال، جائنى زيد في العالم الماضي، وكان ياكل وبجيئ زيد بعد عام، وقد حج قبله بشهر، فانه يقال: ان هذين لا ستعمالين صحيحان، ويعبر عن الاول بالحكاية عن حال الماضي، وعن الثاني بالحكاية عن حال المستقبل، بمعنى ان المتكلم في المثال الاول يفرض نفسه في الزمان الماضي فكأنه يتكلم في ذلك الزمان، وفي المثال الاول يفرض نفسه في الزمان المستقبل. واما ما افاده المحقق النائيني (ره) من ان فعل المضارع، وضع للدلالة على مبدئية الذات للحدث فعلا فلابد من دلالته على الاستقبال من الحاق كلمة سين أو سوف، ففيه: مضافا الى ما نرى من كثرة استعمال المضارع في المستقبل في القرآن والاخبار وغيرهما بلا قرينة: ان لازم ذلك الالتزام بالاشتراك اللفظى بمعنى ان فعل المضارع وضع مرة مع كلمة سين أو سوف، واخرى وحده، والا فيقع التهافت بين مفاد سين أو سوف وبين مفاد الفعل، واما فعل الامر والنهى فسأتى الكلام فيهما في الاوامر فانتظر. اختلاف المشتقات في المبادى الرابع: قال في الكفاية ان اختلاف المشتقات في المبادى وكون المبدأ في بعضها حرفة

[ 133 ]

وصناعة وفي بعضها قوة وملكة وفي بعضها فعليا لا يوجب تفاوتا في دلالتها بحسب الهيئة ولا فيب الجهة المحبوث عنها النتهى. والظاهر ان غرضه (قده) من بيان اختلاف المبادى، هو رد ما توهم من انه من التسالم على كون بعض المشتقات حقيقة في الاعم، كما في التاجر، والصائغ، والمجتهد فانها تصدق بعد انقضاء المبدأ بلا كلام، يستكشف الوضع للاعم. ومحصل جوابه ان المبدأ في هذه الموارد لم يؤخذ فيه التلبس، بل في بعض الموارد يكون حرفة وصناعة كما في التاجر والصائغ وفي بعضها قوة وملكة كالمجتهد، وذلك سبب الاختلاف في المتلبس والانقضاء فما دام لم تزل ملكة الاستنباط يكون التلبس فعليا كما ان الصائغ ما لم يعرض عن شغله يكون متلبسا به، ولو لم يكن متلبسا بالصياغة أو الاستنباط. ويرد عليه انه لو كان ذلك من ناحية المبدأ لزم الالتزام به في الافعال المشتقة من تلك المبادى مع انه لا يصح ان يقال اجتهد، أو اتجر، أو صاغ مثلا، بمعنى صار ذا ملكة في الاستنباط أو ذا حرفة في التجارة أو الصياغة، فيعلم من ذلك انه ليس ذلك من باب التفاوت في نفس المعنى. والحق ان يقال انه قد شاع استعمال هذه العناوين في من صار الاستنباط ملكة له، واتخذ التجارة أو الصياغة حرفة، ولعله في بعض الموارد من جهة ان العرف لا يرون الفترات المتخللة بين تلك الاعمال موجبا لانقطاعها لينتفي التلبس، وفي بعض الموارد يكون الهيئة موضوعة لافادة صلاحية الموضوع لقيام المبدأ به، كما في اسم الالة كالمفتاح، وفي بعض الموارد شاع استعمال المادة المتهيئة بهيئة خاصة في من له القوة والملكة، كما في المجتهد، وعلى كل، الانقضاء في هذه الموارد انما يكون بانتفاء الصلاحية، وزوال المكلة، والاعراض عن الحرفة. وبما ذكرناه يظهر عدم تمامية ما افاده من خروج اسم الالة عن محل النزاع معمللا بان الهيئة فيه موضوعة لاسناد المبدأ الى ما يقوم به بالتهيأ والاستعداد بمعنى انها موضوعة لافادة صلاحية الموضوع لقيام المبدأ به فلا يشترط فيه التلبس بالمبدأ اصلا، بداهة صدق

[ 134 ]

المفتاح مع عدم التلبس بالفتح به في زم. ان من الزمنة. فان الانقضاء في مثل ذلك انما يكون بخروجه عن الصلاحية والقابلية. واوضح من ذلك ايرادا ما افاده من خروج اسم لمفعول عن حريم النزاع، بدعوى انه موضوع لمن وقع عليه الفعل وهذا المعنى مما لا يعقل فيه الانقضاء ابدا بداهة ان الشئ بعد وقوعه لا ينقلب عما هو عليه فصدق المشتق حال تلبسه وانقضائه على نحو واحد. إذ يرد عليه اولا: النقض باسم الفاعل، فانه موضوع لمن صدر عنه الفعل، ولازم البرهان المذكور عدم انقضاء المبدأ فيه، وثانيا: بالحل وهو انه لم يوضع اسم المفعول لعنوان من وقع عليه الفعل، بل هو موضوع لمن يكون نسبة المبدأ إليه نسبة الوقوع وهذا المعنى يتصور فيه التلبس، وعدم التلبس، والانقضاء كما لا يخفى. بيان المراد من الحال في العنوان الخامس: قد ذكروا في عنوان البحث، ان المشتق هل هو حقيقة في خصوص المتلبس به في الحال أو الاعم منه ومن المنقضى عنه، وبما ان الحال صار قيدا لمحل النزاع لزم بيان معناه ليتضح محل البحث، ولذلك وقع الكلام فيه، فعن جماعة ان المراد به حال النطق، وعن آخرين ان المراد به حال التلبس وستعرف انه الاظهر، وقد استدل للاول بوجهين: الاول: ما ادعاه العضدي من الانفاق، على ان مثل زيد ضارب غدا، مجاز. واجاب عنه في الكفاية بان الظاهر انه فيما إذا كان الجرى في الحال كما هو قضية الاطلاق والغد انما يكون لبيان زمان التلبس فيكون الجرى والاتصاف في الحال والتلبس في الاستقبال انتهى. وفيه: ان الظاهر من القيد رجوعه الى ثبوت المحمول للموضوع، وعليه فيتحد مفاد هذه الجملة مع مفاد - زيد سيكون ضاربا عذا - التى لا شبهة في كونها حقيقة، وعلى

[ 135 ]

فرض القرينة على عدم رجوعه الى ذلك يتعين رجوعه الى الموضوع، فيكون الموضوع زيد المقيد بكونه في الغد، أي قطعة من قطعات استمرار وجوده الملازم لتقيد المحمول والنسبة، أو الى المحمول، فيكون المفاد حينئذ ان زيدا هو الضارب المقيد بكونه في الغد الملازم ذلك لتقيد النسبة، وعلى التقديرين ايضا يكون هذا المثال حقيقة، واما رجوع القيد الى جزء المحمول - أي المبدأ فيكون المفاد، زيد ضارب فعلا بالضرب المقيد بكونه في الغد الذى ذكره المحقق الخراساني فالظاهر عدم صحته. فالصحيح في الجواب عنه ان هذا اشتباه من العضدي. الثاني: انه إذا حمل المشتق على شئ لا ريب في ظهوره في كونه متلبسا بمبدئه حال النطق، فيعلم من ذلك اخذه فيه. وفيه: ان هذا انما يكون من جهة ظهور الحمل الشايع الصناعي الذى ملاكه الاتحاد في التحقق، في اتحاد زماني التلبس والجرى اللفظى ولا ربط له بما هو محل الكلام من تعيين مفهوم المشتق في نفسه، ولعل هذا هو مراد المحقق الخراساني من قوله، انهم في هذا العنوان بصدد تعيين ما وضع له المشتق لا تعيين ما يراد منه بالقرينة. ثم ان المراد من الحال ليس هو زمان التلبس لعدم اخذ الزمان، في مفهومه، لوجوه: الاول: اتفاق اهل العربية على عدم دلالة الاسم على الزمان، الثاني: انه قد يستد المشتقات بما لها من المعاني بلا تجريد الى من لا يعقل احاطة الزمان به - مثلا - يقال انه تعالى عالم، خالق الى غير ذلك من الاوصاف، الثالث: ان المشتق مركب من مادة وهيئة، والاولى موضوعة لذلك المعنى الحدثى، والثانية موضوعة لانتساب ذلك الحدث الى الذات ولم يؤخذ في شئ من ذلك الزمان، بل المراد من الحال في العنوان ليس الافعلية التلبس الملازمة ذلك لزمان التلبس في الزمانيات. وقد يقال كما عن بعض اكابر المحققين - بان عنوان البحث بهذا الذى في الكلمات، وهو الوضع للمتلبس أو الاعم، غلط واشتباه: إذ اللفظ لم يوضع لشئ منهما وانما وضع للماهية: إذ النزاع على الوجه المزبور مستلزم لفرض اخذ التحقق الخارجي في الموضوع له كى ينازع في ان الموضوع له هو خصوص التلبس أو الاعم ولم

[ 136 ]

يؤخذ التحقق الخارجي فيه، وانما الموضوع له هي الطبيعة من حيث هي القابلة لحمل الوجود والعدم عليها، ولذا يصح استعمال القائم في معناه ولو لم يكن له مصداق خارجي، فالموضوع له في القائم مثلا انما هو الذات المنتسب إليها القيام، بل النزاع لابد وان يكون في مصداق هذا المفهوم، وانه، هل يصدق من انتسب إليه القيام سابقا أو ينتسب إليه فيما بعد، ام يختص بمن نسب إليه فعلا، ثم اختار هو (قده) صدقه على الجميع، ثم اورد على نفسه بان ذلك ينافى اتفاق الاصوليين على ان المشتق لا يصدق حقيقة على من لم يلتبس بالمبدأ وان كان يتلبس به فيما بعد، واجاب عنه: بانه بعد مساعدة الدليل المؤيد بما نرى استعمال المشتق في المتلبس به في المستقبل، كاستعمال - محيى السنن ومميت البدع - في ولى العصر روحي له الفداء، والمعذب بالنار في الله تعالى، لا يعتنى بمخالفة القوم، ثم قال: ان هذا الاشتباه لا يختص بالاصوليين بل الفلاسفة ايضا وقعوا في الاشتباه من هذه الجهة، إذ لو كان الموضوع له هي الطبيعة، لا معنى للنزاع المعروف بين المعلم الثاني والشيخ الرئيس في الاوصاف حيث ان الاول اكتفى بامكان التلبس والثانى زاد قيد الفعلية، ولذا قد يحتمل عليه الممتنع، فإذا كان الامكان أو الفعلية ماخوذا في الموضوع له لما امكن حمل الممتنع عليه. اقول ما ذكره (قده) من ان الموضوع له هي الطبيعة والماهية مما لا كلام فيه ومتين غايته، ولكن اشكاله على الفلاسفة كاشكاله على الاصوليين مبتنيا على ذلك غير تام. اما الاول: فلان النزاع المعروف، ليس في تعيين الموضوع له، بل صرح الجميع بالوضع للماهية، وانما يكون كلامهم في القضايا الحقيقة التى رتب الاحكام والمحمولات على المصاديق، وعلم من الخارج عدم ارادة الماهيات من حيث هي من الاوصاف المجعولة موضوعات في تلك القضايا مثل، النار محرقة، فوقع النزاع في ان المحمولات في هذه القضايا مترتبه على الافراد الفعلية أم ثابتة للافراد الممكنة ايضا. واما الثاني: فلان محل النزاع بينهم بعد تسليم الوضع للماهية، ان الموضوع له هي الطبيعة الصادقة على خصوص المتلبس، أم ما تكون اوسع من ذلك ولها مصداق آخر وهو المقتضى عنه المبدأ، وما ذكره من ان النزاع انما يكون في المصداق لا المفهوم،

[ 137 ]

اشتباه: إذ النزاع في المصداق يتصور على وجهين، الاول فيما كان حدود المفهوم معلوما وكان الشك في المصداق من جهة الامور الخارجية، ومثل ذلك لا يليق بالاصولى ان يبحث عنه، الثاني: ان يكون الشك في المصداق لاجل اجمال المفهوم كما في الغناء، وفي مثل ذلك لو انعقد البحث للتعيين، لابد وان يكون في المفهوم وتعيين حدوده وبه يرفع الشك في المصداق، ثم لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا تعين المفهوم في المقام وهو الذات التى بينها وبين المبدأ نسبة، وفرض الشك والنزاع في المصداق لا نسلم صدق هذا المفهوم على من لم يتلبس بالمبدأ وانما يتلبس به فيما بعد، والاستعمال في الامثلة المذكورة في كلامه انما يكون بلحاظ حال التلبس والا لما صح. في تعيين ما يقتضيه الاصل السادس: قال صاحب الكفاية لا اصل في نفس هذه المسألة يعول عليه عند الشك. اقول ما افاده متين إذ لا اصل يتوهم كونه مرجعا عند الشك، الا اصالتي عدم لحاظ الخصوصية وعدم الوضع للخاص، وهما معارضتان مع اصالة عدم لحاظ العموم، وعدم الوضع للعام، ودعوى عدم جريان اصالة عدم الوضع للخاص للوضع له على أي تقدير، كما انه لا تجرى اصالة عدم لحاظ العموم للحاظه اما مستقلا أو في ضمن لحاظ الخاص، مندفعة: فان العموم والخصوص انما هما في الصدق على الخارج، واما في المفهوم والمدرك العقلاني، فكل مفهوم يباين مفهوما آخر وان كان بينهما عموم مطلق في المصاديق، فعند دوران الامر بين لحاظ العام، أو الخاص، لا متيقن في البين، كما انه لا متيقن عند الدوران بين الوضع للعام أو الخاص، وان شئت فقل ان لحاظ العام في ضمن الخاص لا يفيد في الوضع للعام، بل المفيد انما هو لحاظه مستقلا، اضف الى ذلك ان الاصلين المزبورين عبد عدم كونهما من الاصول العقلائية، لا يجريان في انفسهما، إذ لا يثبت بهما الوضع للخاص كما هو واضح فلابد من الرجوع الى الاصل في المسألة الفقهية.

[ 138 ]

والكلام فيه في مقامين: الاول: فيما يقتضيه الاصل اللفظى الثاني: في مقتضى الاصول العملية. اما المقام الاول: فإذا ورد عام مثل قوله تعالى " ولا يغتب بعضكم بعضا " وخصص ذلك بما اخذ في موضوعه عنوان اشتقاقي مثل ما دل على جواز غيبة المعلن بالفسق، فبالطبع بعد الشك في كون المشتق حقيقة في الاعم يشك في ان من كان متلبسا سابقا بهذا الوصف وانقضى عنه المبدأ هل يكون باقيا تحت العام أو هو مشمول لدليل الخاص والفرض كون الشبهة مفهومية - فحينئذ ان كان المخصص متصلا بصير العام مجملا - ففى مورد الشك لا يمكن التمسك بالعام ولا بالخاص، وان كان منفصلا كما في المثال، ففى المقدار المتيقن دخوله تحت عنوان الخاص يؤخذ بالخاص، وفي الزايد منه يرجع الى العام كما حقق في محله. واما المقام الثاني: فعن جماعة منهم المحقق الخراساني، انه يرجع الى الاستصحاب إذا كان الانقضاء بعد فعلية الجواز، والى البرائة إذا كان قبله. ولكن الاظهر عدم جواز الرجوع الى الاستصحاب في الفرض الاول ايضا، وذلك لوجهين: احدهما: عدم جريان الاستصحاب في الاحكام، لكونه محكوما لاستصحاب عدم الجعل، كما حققناه في الجزء الرابع من هذا الكتاب في مبحث الاستصحاب. الثاني: ما ذكرناه في ذلك المبحث تبعا للشيخ الاعظم، من انه إذا تردد الموضوع بين الزايل والباقى، كما لو انقلب الكلب واستحال ملحا، وشك في نجاسته، من جهة الشك في ان معروض النجاسة، المادة المشتركة الباقية، أو الصورة النوعية الزايلة، لا يجرى استصحاب بقاء الحكم، حتى على القول بجريانه في الاحكام الكلية الشرعية، ولا استصحاب بقاء الموضوع. اما عدم جريان استصحاب الحكم فللشك في بقاء موضوعه. واما عدم جريان الاستصحاب الموضوعي فلعدم الشك في الموجود الخارجي. وتمام الكلام في محله، وعلى ذلك فلا يجرى الاستصحاب في المقام حتى فيما كان الايجاب قبل الانقضاء، لا الاستصحاب الحكمى ولا الموضوعي. ولا يخفى انه على فرض جريان الاستصحاب الموضوعي لا فرق بين الصورتين

[ 139 ]

فيجرى فيما ذا كان الايجاب بعد الانقضاء ايضا بناءا على ما هو الحق من انه لا يعتبر في جريان الاستصحاب سوى ترتب الاثر حين الشك، ولا يعتبر كون المستصحب ذا اثر شرعى حين ما كان متيقنا. وبذلك يظهر ان مراد المحقق الخراساني من الاستصحاب هو الاستصحاب الحكمى، وعليه فيرد عليه الايرادان فالمتحصل المتعين هو الرجوع الى المبرائة في الموردين. ما يدل على المختار، في وضع المشتق ثم انه يقع الكلام بعد تمهيد هذه الامور في اصل المسألة وفيها اقوال، الا انه كما افاده المحقق الخراساني انها حدثت بين المتأخرين، والا فالمسألة في الاصل ذات قولين بين المتقدمين، الوضع مطلقا لخصوص المتلبس، أو للاعم منه ومن المنقضى عنه المبدأ. والا ظهر تبعا للمحققينم من المتأخرين، انه موضوع لخصوص المتلبس. وذلك بناءا على كون مفهوم المشتق بسيطا، وانه نفس المبدأ المأخوذ لا بشرط، فواضح، إذ عليه لا يتصور الجامع بين المتلبس، والمنقضى عنه، فان المشتق حينئذ ملازم لصدق نفس المبدأ ومع انتفائه ينتفى العنوان الاشتقاقى، فاى جامع يتصور بين وجود الشئ وعدمه، كى يقال انه الموضوع له، فان قيل على هذا لابد من الالتزام بعدم جواز استعمال المشتق في المنقضى عنه المبدأ مجازا، إذ أي علاقة تتصور بين وجود الشئ وعدمه، مع انه يجوز بلا كلام، فيستكشف من ذلك عدم تمامية هذا البرهان، اجبنا عنه، بان وجه صحة الاستعمال حينئذ بقاء الذات المتصفة بالعنوان الاشتقاقى حين الاتصاف، وهذا هو الفارق بين المشتق، والعنوان الذاتي كالانسان، حيث انه يصح استعمال المشتق في المنقضى عنه المبدأ مجازا، ولا يصح استعمال العنوان الذاتي بعد زوال الصورة النوعية. واما على القول بالتركب وان المشتق موضوع للذات مع المبدأ، فقد يقال كما عن المحقق النائيني بلزوم الالتزام بالوضع للاعم، لان الركن الوطيد في المفهوم الموضوع له

[ 140 ]

هو الذات، وانتساب المبدأ إليها كانة جهة تعليلة لصدق المشتق عليها، وعليه فحيث انه من المعلوم انه لم يؤخذ الزمان قيدا في المفهوم الموضوع له، والذات تكون باقية بعد الانقضاء. فلا محالة يصدق المشتق عليها بحسب اقتضاء طبع المعنى وهذا بخلاف من لم يتلبس به بعد، فانه لاجل عدم تحقق الانتساب لا يصدق المشتق على الذات. ولكنه (قده) رجع عن ذلك وبنى على ان الموضوع له خصوص المتلبس على هذا القول ايضا ولنعم ما افاد، وحاصله انه لابد من القول بالوضع لخصوص المتلبس حتى على هذا القول لانه لا يتصور الجامع حتى بناءا على التركب: فان مفهوم المشتق على هذا القول ليس هي الذات المطلقة مع المبدأ بل هي الذات المتقيدة به والمتصفة بوصف ما، وبعبارة اخرى الذات مع المبدأ، وبما انه لا جامع بين الذات الواجدة لصفة، والذات الفاقدة له الا من ناحية الزمان والمفروض انه لم يؤخذ في مفهوم المشتق وليس شئ آخر جامع بين المتلبس والمنقضى عنه ماخوذا فيه، فيتعين كونه موضوعا لخصوص المتلبس، بعد عدم كونه موضوعا لخصوص المنقضى عنه، ولالهما بالاشتراك اللفظى. واورد على هذا، المحقق العراقى (قده)، بانه على القول بوضع المشتق للذات المنتسب إليها المبدأ نسبة ما، ولا ريب في انه قدر جامع بين الفردين، وينطبق على كل منهما بلا عناية. وفيه: ان المفهوم المركب من شيئين أو ازيد ينعدم بانعدام احد جزئية أو اجزائه. وعليه فان كان المراد من نسبة ما، اعم من النسبة الفعلية والسابقة فيرجع ذلك الى اخذ الزمان في مفهوم المشتق والمفروض عدمه، وان كان المراد ذلك مع عدم اخذ الزمان فهو لا يرجع الى محصل، وان كان المراد هي النسبة الفعلية، فهو لا يصدق على المنقضى عنه، وبالجملة المفهوم المركب من الذات والمبدأ والنسبة بلا اعتبار شئ آخر لا يصدق الا في صورة فعلية المبدأ. فالاظهر انه لا جامع المتلبس والمنقضى عنه، فالوضع للاعم مما لا معنى له، وحيث ان الوضع لخصوص المتلبس مما لا معنى له، وحيث ان الوضع لخصوص المتلبس مما لا ريب فيه، ووضع آخر لخصوص المنقضى

[ 141 ]

عنه مفروض العدم، محالة يكون الموضوع له خصوص المتلبس، فالاستعمال في المنقضى عنه يكون مجازا. وقد استدل للوضع لخصوص المتلبس بوجوده اخر غير ما قدمناه. الاول: ما في الكفاية قال ويدل عليه تبادر خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال. ويرده انه لو اريد اثبات الوضع للمتلبس فهو ليس محل الخلاف، وان اريد به انه لا يتبادر منه المنقضى عنه المبدأ فيكون ذلك آية عدم كونه الموضوع له فهو يتوقف على كون عدم التبادر علامة المجاز، وقد مر انه ليس كذلك. الثاني: صحة السلب عما انقضى عنه كالمتلبس به في الاستقبال، لوضوح ان مثل القائم والعالم والضارب وما يرادفها من ساير اللغات لا يصدق على من تلبس بها قبل الجرى والانتساب ولم يكن متلبسا بها حينه ويصح سلبها عنه، ولا يخفى ان هذا الوجه يتم لو اريد من صحة السلب باعتبار الحمل الشايع، بان يقال انه يصح سلب عنوان المشتق مثل العالم بما له من المعنى المرتكز عما انقضى عنه المبدأ وذلك علامة عدم الوضع للاعم إذ لو كان للاعم لما صح سلبه عما هو بعض مصاديقه، وصحة السلب بهذا المعنى علامة للمجازية سواء كان القيد أي زمان الحال قيد اللسلب، أو المسلوب، أو المسلوب عنه، اما الاول فلانه حينئذ علامة عدم الوضع للجامع والا لما صح سلبه عن مصداقه في حين من الاحيان، واما الثاني فلانه إذا لو حظ المسلوب في حال الانقضاء وسلب عن الذات مطلقا يكون ذلك منافيا للوضع للاعم فان المادة المقيدة كعدم كون زيد ضاربا بضرب اليوم وان لم تكن منافية للوضع للاعم، لعدم منافاته لكونهه ضاربا فعلا بضرب الامس، الا ان الهيئة المقيدة تكون منافية له كما هو واضح، واما الثالث فلانه إذا قيد الذات بحال الانقضاء وسلب عنها مطلقا مطلق الوصف كان ذلك امارة عدم الوضع للجامع. وبما ذكرناه اندفع الايراد على هذا الوجه: بانه ان اريد بصحة السلب صحته مطلقا فغير سديد، وان اريد مقيدا فغير مفيد، لان علامة المجاز هي صحة السلب المطلق. فانه يرده ان غير المقيد هو تقيد المادة لا الهيئة، كما ظهر ان ما اجاب به المحقق الخراساني (ره) من انه لو اريد بالتقييد المسلوب الذى يكون سلبه اعم من سلب المطلق، فصحة سلبه

[ 142 ]

وان لم تكن علامة على كونه المطلق مجازا فيه، الا ان تقييده ممنوع، فانه قد عرفت انه وان اريد تقييد المسلوب، بمعنى تقييد الهيئة، لا المادة، يكون ذلك علامة على المجاز. ويمكن تقريب علامية صحة السلب بنحو الحمل الذاتي للمجازية بان صحة سلب المشتق بما له من المعنى المرتكز في الاذهان عن المفهوم الاعم لا عن خصوص المنقضى عنه المبدأ، يكشف عن عدم الوضع للجامع. ولكن يرد عليه ما تقدم من عدم الجامع بين خصوص المتلبس وما انقضى عنه المبدأ فتأمل جيدا. الثالث: انه لا ريب في انه كما يكون التضاد بين المبادى المتضادة، كالسواد والبياض، والقيام والقعود، والحركة والسكون، وماشا كل، كذلك يكون بين مشتقاتها ايضا مضادة. القائم يضاد القاعد، والاسود يضاد الابيض، والمتحرك يضاد الساكن، وعليه فلو كان الذات متصفة باحدها وانقضى عنه المبدأ - كمن كان قائما فقعد - يصدق عليه ما يضاد العنوان الاول أي يصدق عليه القاعد، فحيث يكون هذا العنوان مضادا للقائم فلا يصدق عليه القائم حينئذ فلو كان المشتق حقيقة في الاعم لما كان بينهما مضادة بل مخالفة لتصادق العنوانين على من كان قائما فقعد. واورد عليه بلان التضاد بين المبادى وان كان لا ينكر، الا انه يمكن ان يكون وضع الهيئة بنحو يوجب ارتفاعإ التضاد. بمعنى ان التضاد انما يكون المبادى وهذا لا يلازم التضاد بين المشتقات، والمدعى للوضع للاعم يدعى ذلك. واجاب عنه المحقق الخراساني (ره) بثبوته بين المشتقات ايضا ما ارتكز لها من المعاني في الاذهان كما في مباديها. وايده بعض المحققين (ره) بانا نرى بالوجدان انه لو اخبر شخص، بان زيدا قائم، واخبر آخر بانه قاعد، يرى العرف بحسب ما ارتكز لهما من المعنى في اذهانهم التنافى والتضاد بينهما. اقلو ان هذا التضاد ايضا لا ينكر، الا انه يمكن ان يكون من جهة ان ظاهر الحمل الشايع اتحاد زماني الجرى والنسبة مع زمان التلبس، لامن جهة ظهور المشتق في نفسه

[ 143 ]

في ذلك. ادلة القول بالوضع للاعم وقد استدل للقول بالضوع للاعم بوجوده: احدها: التبادر: وقد مر الكلام فيه. ثانيها: عدم صحة السلب في مضروب ومقتول عمن انقضى عنه المبدأ. واورد عليه المحقق الخراساني بان عدم صحته مثلهما انما هو لاجل انه اريد من المبدأ معنى يكون التبلس به باقيا في الحال ولو مجازا. وفيه: مضافا الى انا لا نتعقل ارادة معنى من الضرب أو القتل يكون باقيا بعد انقضاء المعنى الحدثى: انه بالوجدان لا يتصرف في مادتي الضرب والقتل إذا هيئتا بهيئة المفعول بل الظاهر انه اريد بهما في ضمنهما، ما يراد منهما إذا كانتا بهيئة الفاعل، فاختصاص اسم المفعول بعدم صحة السلب، دون اسم الفاعل، مع انهما متضائفان، غير سديد. فالصحيح في الجواب ان يقال ان كثرة استعمال اسم المفعول فيما انقضى عنه المبدأ ولو بلحاظ حال التلبس، اوجب عدم ظهوره في اتحاد زمان النسبة والتلبس عند لاطلاق والحمل واوجب ذلك توهم عدم صحة السلب، وذلك لا ينافى وضعه لخصوص المتلبس. الثالث: استدلالهم عليهم السلام بقوله تعالى " لا ينال عهدي الظالمين " على عدم لياقة من عبد صنما أو وثنا للخلافة تعريضا بمن تصدى لها ممن عبد الصنم. ومن الواضح توقف ذلك على كون المشتق موضوعا للاعم، والا لما صح التعريض لا نقضاء تلبسهم بالظلم وعبادتهم للصنم حين التصدى للخلافة. تنقيح القول في المقام ان الظاهر كون استدلال الامام بظاظهر الاية، فلا يصح ان يقال انه استدلال بباطنها، وايضا المفروض في الاستدلال ان المراد بالعهد هو الامامة والخلافة لا النبوة كما عن جماعة من المفسرين، وايضا المفروض في الاية شمول الظلم للظلم بالنفس وان من لبس بمعصوم فهو ظالم اما لنفسه أو لغيره وهو كذلك، ثم ان القوم

[ 144 ]

اجابوا عن الاستدلال بها على الوضع للاعم بوجوده: 1 - ما في الكفاية وهو انه يمكن ان يكون استعمال المشتق بلحاظ حال التلبس فيكون معنى الاية: ان من كان ظالما ولو آنا ما في الزمان السابق لا ينال عهدي ابدا. وفيه: ان الظاهر من اطلاق المشتق ان التلبس حاصل حال النسبة لا قبلها، وبعبارة اخرى ان الظاهر اتحاد زماني التلبس والنسبة الحملية أو اسناد الحكم إليه فالظاهر من الاية عدم نيل الخلافة في حال الظلم. 2 - ما فيها ايضا، قال: ان الاية الشريفة في بيان جلالة قد الامامة والخلافة وعظم خطرها ورفعة محلها وان لها خصوصية من بين المناصب الالهية، ومن المعلوم ان المناسب لذلك هوان لا يكون المتقمص بها متلبسا بالظلم اصلا انتهى. ويرده انه مجرد استحسان لا يصلح ان يكون صارفا عما هو المستفاد من ظاهر الاية. 3 - ما افاده المحقق النائيني (ره) ان استدلال الامام (ع) بالاية مبتن على ان يكون حدوث الظلم ولو آنا ما علة لعدم نيل الخلافة حدوثا وبقاءا، وحيث ان هذه القضية قضية حقيقية ففعلية موضوعه فم اتصف بالظلم في زمان ما يشمله الحكم قطعا وهو ان عهد الله لا يناله ابدا. وفيه: ان كون القضية حقيقية يقتضى خلاف ما افاده الظاهر من القضية الحقيقية بضميمة ظهور العنوان المأخوذ في الموضوع في كون فعليته مدار فعلية، الحكم حدوثا بقاءا، ان عدم النيل بالخلافة انما يكون مادام كون المتقمص بها متلبسا بالظلم، وكفاية التلبس بالظلم آنا ما في عدم النيل بالخلافة خلاف الظاهر. 4 - ما افاده المحقق العراقى (ره)، وحاصلهإ انه لا ريب في عدم اختصاص الحكم في الاية الكريمة بخصوص الكافر، بل تشمل كل ظالم، وحيث ان بعض افراد الظلم آنى الوجود ولا دوام له كضرب اليتيم، فيدور الامر بين ان يكون الموضوع عنوان الظالم، وبين ان يكون هو نفس فاعل الظلم ويكون الظلم علة لطرو الحكم عليه ولكن جعل العنوان هو الموضوع متوقف على وضعه للاعم من المتلبس وحيث لا ترجيح لاحد

[ 145 ]

الاحتمالين على الاخر فلا يصح الاستدلال. وفيه: ان ظهالر القضية كون العنوان المأخوذ في الموضوع مما يدور الحكم مداره ولا يتوقف ذلك على وضع المشتق للاعم، بل هذا الظهور قرينة على اختصاص الاية ببعض افراد الظلم ولا تشمل جميعها، لان ظهور القرينة مقدم على ظهور ذى القرينة. 5 - ما افاده شيخ الطائفة من ان من تلبس بالظلم تناولته الاية في حال كونه ظالما فإذا نفى ان يناله فقد حكم عليه بانه لا ينالها ولم يقيدانه لا ينالها في هذه الحال دون غيرها فيجب ان تحمل الاية على عموم الاوقات في ذلك ولا ينالها وان تاب فيما بعد. والى ذلك نظر الفخر الرازي فانه لما تعرض لتفسير هذه الايه الشريفة وذكر استدلال الشعية بها على عدم لياقة الخلفاء الثلاثة للخلافة الالهية لانهم كانوا عابدين للصنم مدة مديدة، اجاب عنه بان استدلالهم انما يتم بناءا على كون المشتق حقيقة في الاعم من المنقضى عنه والمتلبس به وهو ممنوع. قال - ايرادا على نفسه - انهم فيما كانوا متلبسين بالظلم شملهم قوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين فدلت الاية الكريمة على عدم لياقتهم للخلافة ابدا، فان تم ذلك والا فيتعين الالتزام بان الامام (ع) فسرها بما هو عالم بالمراد منها واقعا وان لم تكن الاية ظاهرة فيه، وليس في الروايات على كثرتها حتى ما روى عن النبي (ص) ما يشهد بكون الاستدلال بظاهر الاية الشريفة. ثم ان تمام الكلام في تفسير هذه الاية الكريمة واستفادة اعتبار العصمة في الامام (ع) منها سيما بقرينة ما قبلها من الاية ودلالتهما على انفصال الامامة عن النبوة، وان النبي ربما يكون اماما وقد لا يكونه اماما، وان منزلة الامامة ارفع من رتبة النبوه، وغيره ذلك من الدقائق والمعارف الحقة موكول الى محله. الرابع: ان اية حد السارق والسارقة، وآية حد الزانى والزانية تدلان على ان المشتق حقيقة في الاعم فان ظاهر الاتين كون الجرى متحدا زمانا مع وجوب القطع والحد، وضروى ان الحكمين انما يكونان ثابتين لمن انقضى عنه المبدأ، وقد استدل بهما للتفصيل بين المحكوم عليه والمحكوم به باختيار عدم الاشتراط في الاول كما في الكفاية. ويرده ان ارادة المنقضى عنه المبدأ مع القرينة، لا محذور فيها، وليست هي محل

[ 146 ]

الكلام والخلاف، والتمسك باصالة الحقيقة لاثبات كون المستعمل فيه هو المعنى الموضوع له قد عرفت مرارا انه، غير تام: لانه انما يرجع إليها لتشخيص المراد بعد معلومية الموضوع له، لا لتشخيص الموضوع له بعد معلومية المراد، اضف إليه انه يمكن ان يكون الجرى بلحاظ حال التلبس وان كان ذلك ايضا خلاف الظاهر، مع ان الاستدلال بهما للتفصيل بين المحكوم عليه والمحكوم به، واضح البطلان كما افاده المحقق الخراساني لوضوع بطلان تعدد الوضع حسب وقوعه محكوما عليه أو به. وبما ذكرناه ظهر مدارك ساير الاقوال وما يرد عليها. كما ظهر ان الحق المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ. في بساطة مفهوم المشتق وتركبه ويبتغى التنبيه على امور، الاول: ان مفهوم المشتق هل هو بسيط، أو مركب. وملحض القول فيه ان، عمدة الاقوال في المسألة التى تصلح ان تقع مورد اللنقض والابرام ثلاثة: الاول: ان مفهوم المشتق مركب من الذات والمبدأ والنسبة، اختاره جمع من الاساطين منهم الاستاذ الاعظم، ولعله الاقوى الثاني: ان مفاده الحدث المنتسب الى الذات، فيكون مفهومة مركبا من المبدأ والنسبة. اختاره المحقق الشريف، وتبعه المحقق العراقى، لا يقال ان المحقق الشريف يصرح بالبساطة فكيف ينسب إليه هذا القول، فانه يقال ان مراده بالبساطة على ما ظهر من استدلاله عدم اخذ الذات في مفهومه. الثالث: ان مفاد المشتق هو المبدأ الملحوظ اتحاده مع الذات ويكون الذات والنسبة خارجتين عن مدلوله، اختاره المحقق الدوانى، وتبعه المحقق النائيني (ره). وقبل الشروع في بيان ادلة الاقوال ينبغى التنبيه على امرين: الاول: ان محل الكلام ومورد النقض والابرام ليس هو التركب والبساطة بحسب اللحاظ والتصور: فان بساطته بهذا النحو مورد اتفاق الجميع: إذ لم يدع احد ان تصور القائم - مثلا - عبارة عن تصور مفاهيم الشئ والقيام والنسبة، ولا ريب في انه إذا سمع

[ 147 ]

العاقل لفظ القائم لا يتصور ولا ينتقل ذهنه الا الى معنى واحد بل محل الكلام ان مفهوم المشتق بحسب التحليل العقلي، هل هو شئ واحد، ام مركب من شيئين أو ثلاثة اشياء. الثاني: ان من يدعى اخذ الذات في مفهوم المشتق انما يدعى اخذ المفهوم فيه، والمراد به على ما ستعرف، هو المعنى المبهم من جميع الجهات غير جهة قيام المبدأ به، لا اخذ الذوات الخاصة حسب اختلاف الموارد كى يلزم كون المشتق من قبيل متكثر المعنى، إذ لا ريب في ان المشتق الذى يستعمل في موارد مختلفة كالقائم، انما يكون له معنى واحد، مع ان لازم الوجه الاخر عدم انتقال الذهن الى معنى مع عدم استناده الى ذات خاصة، وذكره منفردا، وهو خلاف الوجدان، وبما ذكرناه من الامرين تقدر على دفع جملة مما اورد على القول بالتركب. وكيف كان فقد استدل المحقق الشريف لعدم اخذ الذات في مفهوم المشتق، في هامش شرح المطالع، في مقام الاعتراض على الشارح، حيث اجاب عما توهم من عدم تمامية ما ذكره الشمهور في تعريف الفكر، بانه ترتيب امور معلومة لتحصيل المجهول لانه ربما يقع المعرف مفردا كالتعريف بالفصل القريب، أو العرض العام. بان ما وقع في التعريف من قبيل المشتق وهو مركب، لانهما ينحلان الى شئ ثابت له المبدأ المأخوذ فيه فيكون في الحقيقة ترتيب امور معلومة. بما حاصله ان الشئ لا يمكن اخذه في مفهوم الناطق مثلا، إذ لو كان المراد اخذ مصداق الشئ فيه لزم انقلاب مادة الا مكان الخاص ضرورة، بداهة ان ما صدق عليه الشئ هو الانسان، وثبوت الشئ لنفسه ضروري، ولو كان المراد اخذ مفهومه فيه لزم دخول العرض العام في الفصل. واورد المحقق النائيني (ره) بان لازم مفهوم الشئ في المشتق، دخول الجنس في الفصل، لا العرض العام، لان الشئ ليس من العرض العام بل هو جنس الاجناس. وتنقيح القول بالبحث في مقامين 1 - فيما افاده المحقق النائيني من كون الشئ جنسا عاليا لجميع الماهيات 2 - في بيان اصل المطلب وانه هل يلزم محذور من اخذ

[ 148 ]

الشئ في مفهوم المشتق ام لا ؟ اما المقام الاول: فقد استدل المحقق النائيني (ره) بان العرض العام هو ما كان خاصة للجنس والشيئية تعرض لكل ماهية من الماهيات، وليس ورائها امر آخر يكون هي الجهة المشتركة بين جميع الماهيات وجنس الاجناس حتى تكون الشيئية عارضة وخاصة له بل هي جهة مشتركه بين جميعها، فتكون جنس الاجناس، وعليه تفرع امرين، الاول: ان شئية الشئ انما تكون بماهيته لا بوجوده، والمراد من كون الشيئية مساوقة للوجود اتحاد هما بحسب الصدق لا بحسب المفهوم. الثاني: ان ما اشتهر من ان المقولات العشر اجناس عالية لتمام الممكنات ولا جنس فوقها، مما لا اصل له. واورد عليه الاستاذ الاعظم: بان الشئ يصدق على الوجود الواجبى والا مكاني، وعلى الماهيات، وعلى المتسحيلات، وعليه فكيف يمكن ان يقال انه جنس عال لتمام الماهيات. اقول عند التحليل يرجع هذا الايراد الى ايرادين: الاول: ان الشئ بما انه يصدق على الوجود، والمستحيلات، والماهيات، فلازم القول المزبور كونه جهة مشتركة بين الوجود، والعدم. والماهية، وجنسالها، مع انه مضافا الى عدم الجامع بينها، الجنس انما يتصور في الماهية ولا جنس للوجود: الثاني: انه يصدق على الوجود الواجبى فلو كان جنسا لزم تركبه تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وفيها نظر، اما الاول: فلانه (قده) اجاب عن ما توهم من صدقه على الوجود: بانه لا يصدق عليه، بل المراد من انه المهية مساوقة للوجود، اتحادهما خارجا بمعنى ان، الشئ يوجد، واللاشئ لا يعقل وجوده، واما صدقه على المستحيلات فانما هو من جهة المهية المستحيل وجودها ففى الحقيقة يطلق على المهية لا العدم، واما الثاني: فلان قوله (ع) في خطبته المعروفة انه شئ لا كالاشياء، جواب عن هذا الايراد. فالصحيح في الجواب عنه ان يقال، انه انما يصدق الشئ على الفصل كصدقه على الجنس فلو كان جنسا عاليا، وجهة مشتركة، لاحتاج الفصل الى فصل آخر، وهو خلف، مضافا الى لزوم التسلسل: فانه ينتقل الكلام الى الفصل الثاني ويقال انه يصدق عليه

[ 149 ]

الشئ فيحثاج الى فصل آخر وهكذا، فلا يمكن الالتزام بكونه جنس الاجناس. واما ما استدل به لعدم كونه عرضا عاما، وهو ان العرض العام ما كان خاصة للجنس البعيد أو التقريب، فهو مما لا ملزم له - لا اقول شعر بلا ضرورة، فلو لزم محذور من اخذه فهو ما ذكره المحقق الشريف لا ما ذكره المحقق النائيني (ره). واما المقام الثاني: فقد اجيب عن استدلال المحقق الشريف بوجهين: الاول: ما افاده صاحب الفصول وهو ان الناطق مثلا جعل فصلا مبنيا على عرف المنطقيين حيث اعبتروه مجردا عن مفهوم الذات وذلك لا يوجب وضعه لغة لذلك. وفيه ان المقطوع عدم التصرف في معنى اللفظ، بل انما يجعل فصلا بما له من المعنى اللغوى. الثاني: ما في الكفاية قال ان مثل الناطق ليس بفصل حقيقي، بل لازم ما هو الفصل واظهر خواصه وانما يكون فصلا مشهوريا منطقيا يوضع مكانه إذا لم يعلم نفسه بل لا يكاد يعلم كما حقق في محله انتهى. فلا يلزم من اخذ مفهوم الشئ فيه الا اخذ العرض العام في الخاصة لا في الفصل. واورد عليه المحقق النائيني بان الناطق بمعنى التكلم أو ادراك الكليات وان كان من عوارض الانسان، الا انه بمعنى صاحب النفس الناطقة يكون فصلا حقيقيا فيعود المحذور. واجاب عنه الاستاذ الاعظم بان صاحب النفس الناطقة هو الانسان وهو نوع لا فصل فلا مناص عن كون الناطق فصلا مشهوريا لا حقيقيا. وحق القول في المقام بنحو يظهر ما هو الصحيح، وفساد جميع ما قيل في المقام. ان مادة الناطق، أي النطق باى معنى كانت ليست فصلا بل هو من اظهر آثاره وخواصه، ولكن الناطق وهو الشئ الذى له النطق ويكون ذلك اثره وخاصته، يكون فصلا حقيقيا لا نوعا، فما افاده الاستاد بين الاشكال. واما ما افاده المحقق النائيني فيرده ان الشئ المأخوذ في الناطق، انما هو المفهوم المبهم من جميع الجهات الاجهة انتساب النطق إليه فيكون فصلا حقيقيا من دون ان يلزم

[ 150 ]

اخذ العرض العام في الفصل. واما ما افاده المحقق الخراساني، فلان النطق وان كان فصلا مشهوريا، الا ان الناطق قصل حقيقي، فان قلت ان لازم البيان المذكور كون الضاحك فصلا فان الضحك من اثار الفصل الحقيقي وخواصه كالناطق، مع انه بين الفساد اجبنا عنه، بانه في امثال هذا المثال حيث يكون النظر الى المادة نفسها وانما تتهيأ بهذه الهيئة، تصحيحا للحمل ولا يكون النظر الى ماله الاثر بخلاف الناطق حين ما يجعل فصلا، فلا يكون الضاحك فصلا، وبذلك يظهر ان الماشي ايضا لا يكون جنسا فتدبر حتى لا تبادر بالاشكال. وقد استدل المحقق النائيني، لعدم اخذ الذات في مفهوم المشتق بوجوه اخر. منها: ان مادة المشتق موضوعة للمعنى الحدثى، وهيئته موضوعة لقلب المادة من البشرط لائية الى اللابشرطية، واتحاد المبدأ مع موضوعه كى يصح الحمل، فلم يبق هناك ما يدل على الذات. وفيه: ان ملاك الحمل هو الاتحاد في الوجود والمبدأ الذى هو من الاعراض، أو من الامور الاعتبارية، لا يعقل اتحاده مع موضوعه الذى هو من الجواهر، واعتبار اللابشرطية لا يوجب اتحاد المتغايرين، فلا محيص عن الالتزام بوضعها للنسبة وحدها أو مع الذات تصحيحا للمحل، وستعرف ان الثاني اقوى. ومنها: ان اخذ الذات في مفهوم المشتق مستلزم لاخذ المحمول بشرط شئ وهو ينافى المحمولية الصرفة، وفيه: ان الذات بمعنى المعنى المبهم من جميع الجهات غير جهة قيام المبدأ بها، لا يلزم من اخذها في مفهومه اخذ المحمول بشرط شئ. ومنها: انه يلزم منه اخذ المعروض في العرض وكل من الجنس والفصل في الاخر وهو خلف. بل يلزم انقلاب كل منهما الى النوع، وفيه: ان هذا لو لزم فانما هو لو اخذ مصداق الذات في المفهوم لا مفهومها بالمعنى المتقدم. وفيها: ان الواضع الحكيم لابد وان يلاحظ في اوضاعه فائدة مترتبة عليها، ولا يترتب على اخذ الذات فائدة اصلا، وفيه: ان فائدته امكان جعل المشتق موضوعا في القضية، ولا يصلح ذلك بدونه كما ستعرف، وبما ذكرناه ظهر اندفاع ساير ما ذكره

[ 151 ]

فلا وجه للاطالة. وقد استدل لعدم اخذ النسبة في مفهومة بوجهين. الاول: ان النسبة بما انها معنى حرفي لزم من اخذها في مفهومه كونه مبنيا لتضمنه المعنى الحرفى، وحيث انه معرب فيستكشف عدم اخذها فيه، ويرد عليه ان ما صرح به ائمة الادبيات، من ان المتضمن للمعنى الحرفى مبنى، ليس مرادهم ذلك، بل يكون نظرهم الى اسماء الاشارة ونحوها مما يكون معانيها غى مستقلة في انفسها ويتوقف فهم المراد منها الى ضم شيئ آخر إليها، والا فلو كان مجرد الاشتمال على المعنى الحرفى، موجبا لكون المتضمن مبنيا لزم كون المصادر لا سيما المزيد منها مبنية كما لا يخفى. الثاني: ان اخذ النسبة في المفهوم مستلزم لاخذ الذات فيه: إذ النسبة قائمة بالطرفين فما دل على عدم اخذ الذات فيه، يدل على عدم اخذ النسبة ايصا، وفيه مضافا الى ما تقدم من عدم اخذ الذات فيه: انه على فرض وجوده لا يلزم من اخذ النسبة فيه اخذ الذات كى يدل على عدمه: إذ النسبة في مقام تحققها وان احتاجت الى الطرفين، الا انه في مقام دلالة اللفظ عليها لا تتوقف على الطرفين، الا ترى ان المعنى الحرفى غير مستقل بذاته بل هو متقوم بالمعنى الاسمى كما تقدم، ولا يلزم اخذ المعنى الاسمى في مدلول الحرف. فتحصل ان شيئا مما ذكر في وجه عدم اخذ الذات أو النسبة في مفهوم المشتق لا يدل عليه. دليل تركب المشتق بل الظاهر اخذهما في مفهومه، اما اخذ النسبة فيه: فلانه لو لا ذلك لما صح الحمل المتوقف صحته على الاتحاد في الوجود بعد كون المبدأ من الاعراض التسعة، أو الامور الاعتبارية والموضوع من الجواهر: فانه لا يعقل اتحادهما ولو بعد الف اعتبار. فما ذكره المحقق النائيني (ره) من ان الهيئة وضعت لقلب المادة من البشرط لائية العاصية عن الحمل الى اللابشرطية، غير تام: إذا المبدأ لا يقبل الحمل على الموضوع

[ 152 ]

بمجرد ذلك، فلابد من اخذ الذات والنسبة، أو النسبة وحدها في مفهومه كى يصح الحمل. ودعوى ان العرض يكون وجوده مندكا في وجود المحل ويعد من اطواره وكيفياته فحينئذ تارة يلاحظ على نحو يحكى عن الوجود النعتى المندك في المحل، وهو المراد من قوله يلاحظ على نحو اللابشرط فيصح حمله عليه، واخرى يلاحظ على نحو الاستقلال وهو المراد من ملاحظته بشرط لا ولا يصح حمله حينئذ، مندفعة، بانه مضافا الى ان هذا التوجيه خلاف الاصطلاح انه ايضا لا يفيد في صحة الحمل: إذ الوجود التبعى المندك في الغير، وان لو حظ كذلك يغاير مع ذلك الغير، ولا يكون متحدا معه كما لا يخفى. واما اخذ الذات فيه: فلان المشتق بنفسه يجعل موضوعا في القضية الحملية ومسندا إليه في غيرها مثلا يقال اكرم العالم والسارق والسارق فاقطعوا ايديهما، وهذه آية اخذ الذات في مفهومه كما لا يخفى على من تدبر، مضافا الى انه يدل على اخذهما فيه: التبادر والوجدان، الا ترى انه عند سماع لفظ القائم ينتقل الذهن الى ذات ثبت له القيام، لا خصوص القيام، وعند سماع المضروب ينتقل الى من رفع عليه الضرب وهكذا ساير الشتقات. فتحصل ان الاقوى كون المشتق مركبا من الذات والنسبة والمبدأ. الفرق بين المشتق ومبدأه الثاني: المشهور بين جماعة من المحققين ان الفرق بين المبدأ والمشتق انما هو باعتبار اللابشرط لا، فحدث الضرب ان اعتبر بشرط لا كان مدلولا للفظ الضرب وامتنع حمله على الذات وان اعتبر لا بشرط كان مدلولا للفظ الضارب وصح حمله عليها. فاخذ صاحب الفصول بعد نقل ذلك في نقده و الاعتراض عليه: بما حاصله ان صحة الحمل وعدمها لا تخلف من حيث اعتبار شئ لا بشرط أو بشرط لا: لان العلم

[ 153 ]

والحركة والشرب وماشا كلها يمتنع حملها على الذوات وان اعتبرت لا بشرط الف مرة. واجاب عنه المحقق الخراساني، بان مراد الفلاسفة مما ذكروه ليس ما توهمه صاحب الفصول من كون الفرق بينهما بالاعتبار، بل مرادهم ان المشتق يغاير مبدثه مفهوما وان المشتق بمفهومه لا يابى عن الحمل على ما تلبس بالمبدأ ولا يعصى عن الجرى عليه لما هما عليه من نحو من الاتحاد، بخلاف المبدأ: فانه بمعناه يابى عن ذلك بل إذا قيس ونسب إليه كان غيره لا هو هو وملاك الحمل والجرى انما هو نحو من الاتحاد والهو هوية، ثم انه (قده) نظر المقام بما ذكروه في مقام الفرق بين الصورة والماده، والفصل والجنس، حيث قالوا: ان الجنس كالحيوان ماخوذ لا بشرط فصح حمله، والمادة ماخوذة بشرطب لا فلا يصح حملها، وكذلك الفصل والصورة، بدعوى ان مرادهم هو التفرقة بحسب المفهوم لا بالاعتبار. اقول يقع الكلام في موارد ثلاثة: الاول: في ان الفرق بين الجنس والفصل، والمادة والصورة، هل هو بالاعتبار، ام بالفرق في المفهوم ؟ الثاني: في ان مراد القوم في المقام هو ما فهمه صاحب الفصول، ام ما فهمه المحقق الخراساني. الثالث: في بيان ما هو الحق في الفرق بين المشتق ومبدئه. اما المورد الاول: فالحق هو ان مرادهم التفرقة بالاعتبار: فانهم صرحوا بان الاجزاء في المركبات الحقيقية التى يكون التركيب فيها اتحاديا لا انضماميا ان لو حظت بما هي اجزاء متغايرة وبشرط لا، فهى المادة والصورة، وان لو حظت بما هي موجودة بوجود واحد ولا بشرط، فهى الجنس والفصل، وقال الحكيم السبزواري: وفيه اشاره الى ان كلامن هاتين (أي المادة والصورة) مع كل من هذين (أي الجنس والفصل) متحد ذاتا مختلف اعتبارا، وقريب منه كلام غيره، ولا اظن ان من تدبر كلماتهم يشك في ان مرادهم ما ذكرناه. واما الثاني: فالاظهر هو ما فهمه صاحب الفصول: لانه الظاهر من كلماتهم - كيف وقد نسب الى المحقق الدوانى، انه صرح بان الاعراض كالبياض والعلم وامثالهما من مبادى المشتقات، تارة تلاحظ بما انها موجودات مستقلة في الخارج في قبال وجود

[ 154 ]

الجواهر، فلا يصح حمل شئ منها على الجواهر، وهذه مبدأ المشتقات، واخرى تلاحظ بما انها من كيفيات الوجود الجوهرى ومن اطواره، فيصح الحمل، وهذه هي المشتقات، وقريب منه كلام غيره وعليه، فايراد صاحب الفصول وارد عليهم كما مر توضيحه. واما الثالث: فالحق ان الفرق بينهما انما يكون في المفهوم، ومفهوم المشتق مفهوم عند التحليل ينحل الى ذات له المبدأ ولهذا يصح حمله، واما مفهوم المبدأ فهو، ينطبق على نفس ذلك الوجود العرضى المغاير مع وجود الجوهر ولذا لا يصح حمله. ملاك الحمل الثالث: قال في الكفاية ملاك الحمل هو الهوهوية والاتحاد من وجه والمغايرة من وجه آخر، اقول لا ريب في انه يعتبر في صحة الحمل امران احدهما الاتحاد من وجه حتى يصير هذا ذاك، والاخر المغايرة من وجه كى يصير هذا وذاك، ولا يلزم حمل الشئ على نفسه، وحينئذ، ربما يكون الاتحاد ذاتيا والمعايرة تكن بالاعتبار، نظير حمل الجنس والفصل على النوع - مثل - الانسان حيوان ناطق، حيث انهما واحد ذاتا والمغايرة انما تكون بالاجمال والتفصيل، واخرى يكون المغايرة داتية - أي التغاير بينهما انما يكون بحسب المفهوم - فحينئذ، ان كانا متحدا بحسب الوجود الخارجي كما في الحمل الشايع صح الحمل لما ذكرناه وان كانا مغايرين في الوجود، فلا مصحح للحمل اصلا، وصاحب الفصول (ره) حيث توهم، ان التركيب بين الجنس والفصل، يكون نضماميا ورأى انه يصح حمل احدهما على الاخر، التزم بانه يكفى في صحة الحمل إذا كان الموضوع والمحمول متغايرين مفهوما ووجودا، الاتحاد الاعتباري وانه يصح الحمل بشروط ثلاثة: 1 - اخذ المجموع من حيث المجموع موضوعا 2 - اخذ الاجزاء لا بشرط 3 - اعتبار الحمل بالنسبة الى المجموع من حيث المجموع. وعليه فلا يرد عليه ما في الكفاية من انه لا يعتبر معه ملاحظة التركيب بين

[ 155 ]

المتغايرين: لانه غير مربوط بما ذكره في الفصول: فانه يدعى اعتبار الشروط الثلاثة في حمل احذ المتغايرين على الاخر، لا فيما كانا متحدين في الوجود. واما الايراد عليه كما في الكفاية ايضا بانه يكون لحاظ ذلك مخلا لاستلزامه المغايرة بالجزئية والكلية فيمكن الجواب عنه، بانه إذا فرض اتحاد المجموع واخذ في الموضوع، وحمل عليه الجزء المأخوذ لا بشرط صح الحمل، ولا يرد عليه المحذور المذكور: لمكان الاتحاد في الوجود، في الوجود الاعتباري، وانما لا يصح الحمل بلحاظ الوجود الخارجي الذى يكون جزء مغاير اللاخر. ومما ذكرناه ظهر عدم ورود ايراده الثالث الذى ذكره بقوله مع وضوح عدم لحاظ ذلك في التحديدات الخ فانه انما لا يلاحظه ذلك في التحديدات من جهة ثبوت الاتحاد المعتبر في صحة الحمل بوجه آخر. فالصحيح ان يورد عليه، مضافا الى ما هو المحقق في محله من ان التركيب بين الجنس والفصل اتحادى، بل صدر المحققين جعل من ادلة كون التركيب اتحاديا صحة حمل احدهما على الاخر: ان الوحدة الاعتبارية انما تصحح الحمل في الوجود الاعتباري لا في الوجود الخارجي. ما هي النسبة بين المبدأ والذات الرابع: صاحب الفصول (ره) التزم بالتجوز أو النقل في الصفات الجارية على الله تعاليب وذلك لوجهين: احدهما: انه يعتبر التغاير بين المبدأ والذات التى يجرى عليها المشتق ولا يتم هذا في الصفات الجارية على الله تعالى لان المبدأ فيها متحد مع الذات بل هو عينها خارجا كما هو واضح. واورد عليه المحقق الخراساني (ره) بانه يكفى في التغاير المعتبر في الحمل التغاير المفهومى بين مبدأ المشتق مع ما يجرى عليه المشتق، وان اتحدا عينا وخارجا.

[ 156 ]

وفيه: انه لا يعتبر التغاير والاتحاد الا بين الموضوع والمحمول، لا بين مبدأ المحمونل مع ما يجرى عليه، وحينئذ فتاره يكون المبدأ مغايرا مع ما يجرى المشتق عليه مفهوما وخارجا ولكن لا تغاير بين المشتق والموضوع خارجا، كزيد عالم: فان العلم غير زيد وجودا ومفهوما، بخلاف العالم، واخرى يكونان، أي المبدأ وما يجرى عليه، متغايرين مفهوما متحدين وجودا، كما في الصفات الجارية على الله تعالى، مثل الله عالم، وثالثة يكونان متحدين وجودا ومفهوما، الا ان المشتق يغاير ما يجرى عليه مفهوما، مثل الوجود موجود، وفي جميع هذه الصور يصح الحمل لثبوت التغاير بين الموضوع والمحمول من وجه، واما التغاير بين مبدأ المحمول والموضوع، فهو قد يكون وقد لا يكنون، وعلى التقديرين يصح الحمل. وما ذكره بعض المحققين في وجه صحة حمل الموجود على الوجود، من ان الحمل عبارة عن ثبوت شئ لشئ وجد ان الشئ لنفسه واضح. غير تام والالزام صحة حمل النائم على النوم مثلا، والضارب على الضرب وهكذا مع انه باطل بالضرورة، بل الوجه في صحة الحمل كون الوجود بنفسه من مصاديق الموجود، إذ الماهيات توجد بالوجود وهو موجود بنفس ذاته، وهذا بخلاف الامثلة المشار إليها. ثانيهما عدم قيام مبادى الاسماء الحسنى والصفات الجارية على الله تعالى بذاته المقدسة لعينيتها له تعالى، وبعبارة اخرى لا نسبة هناك لعدم تعقل النسبة بين الشئ ونفسه فالعالم بما له من المعنى، وهو الذات الثابت لها العلم لا يعقل حمله على الله تعالى لعينيته معه. واجاب عنه المحقق الخراساني بان قيام المبدأ بالذات لا يستدعى التغاير بل يجتمع مع العينية، فالعل وماشا كل من مبادى الصفات العليا قائمة بذاته المقدسة بنحو العينية والاتحاد، ثم اورد على صاحب الفصول بقوله كيف ولو كانت بغير معانيها العامة الجارية عليه تعالى كانت صرف لقلقة اللسان والفاظ بلا معنى فان غير تلك المفاهيم العامة الجارية على غيره تعالى غير مفهوم ولا معلوم لا بما يقابلها ففى ما إذا قلنا انه تعالى

[ 157 ]

عالم اما ان نعنى انه من ينكشف لديه الشئ فهو ذاك المعنى العام، أو انه مصداق لما يقابل ذاك المعنى فتعالى عن ذلك علوا كبيرا واما ان لا نعنى شيئا فتكون كما قلناه من كونها صرف اللقلقة و كونها بلا معنى انتهى. اقول يرد على جوابه ان لازم ما افاده صحة حمل المشتقات على مباديها ومن البديهى ان مفهوم عالم وضارب وقادر وقاتل لا ينطبق على نفس المبادى ليكون العلم عالما والقتل قاتلا والضرب ضاربا وهكذا. ويرد على ما اورده عليه ان صاحب الفصول يدعى النقل أو التجوز من مفهوم المشتق الى المبدأ، فالمراد من العالم نفس العلم والحضور، ومن القادر نفس القدرة والاحاطة ولا يلزم من ذلك شئ من المحاذير المذكورة. ويمكن الجواب عن صاحب الفصول بان النسبة المأخوذة في المشتق ليست نسبة خارجية، بل المراد بها تضييق المفهوم بلا نظر الى الوجود والعدم فلا محذور في حمل المشتق بما له من المفهوم على الله تعالى، ومع ذلك كله الالتزام بنفى الصفات عنه تعالى الذى هو كمال الاخلاص وان هذه الصفات العليا عبارات عن كمال وجوده حسب ما للكمال عندنا من التعبيرات اولى ولعله إليه يرجع ما في الفصول. ما هو المتنازع فيه في المشتق الخامس: ان محل الكلام في المشتق هو معرفة مفهومه ومعناه سعة وضيقا، واما تطبيق هذا المفهوم على موارده واسناده إليها هل هو بنحو الحقيقة أو المجاز فهو خارج عن محل الكلام ونسب الى صاحب الفصول اعتبار الاسناد الحقيقي في صدق المشتق حقيقة. واورد عليه في الكفاية بانه لا يعتبر في صدق المشتق حقيقة التلبس بالمبدأ حقيقة وبلا واسطة في العروض، بل يكفى التلبس به ولو مجازا كما في الميزاب الجارى، فاسناد الجريان الى الميزاب وان كان اسناد الى غير ما هو له وبالمجاز الا انه في الاسناد لا في

[ 158 ]

الكلمة. اقول: الكلام يقع في مقامين: الاول: في انه هل يعتبر في صدق المشتق على الذات وجريه عليها، التلبس الحقيقي بالمبدأ ام لا. الثاني: انه هل يعتبر في استعمال المشتق في مفهومه كون الاسناد حقيقيا ام لا. اما المقام الاول: فالاظهر اعتباره، الا ترى لو قيل زيد عالم مع عدم اتصافه بالعلم لا يكون هذا الاسناد حقيقيا، واما الثاني: فالظاهر عدم اعتباره فان الاستعمال الحقيقي هو استعمال اللفظ في ما وضع له، ولا يعتبر في ذلك كون اسناده اسنادا الى من هو له، بل لو كان غيره ايضا كان هذا الاستعمال حقيقيا، والظاهر ان نظر صاحب الفصول الى المقام الاول فايراد المحقق الخراساني عليه في غير محله. والحمد لله اولا وآخرا

[ 159 ]

في الاوامر فيما يتعلق بمادة الامر المقصد الاول في الاوامر، وفيه فصول، الاول فيما يتعلق بمادة الامر " ا - م - ر " والكلام فيه في جهات: الاولى: ذكر جماعة ان مادة الامر موضوعة بحسب اللغة لعدة معان، الطلب الشان، الشئ، الحادثة، الغرض، الفعل، القدرة، الصفة وغير ذلك وقد انها هابعضهم الى خمسة عشر. اختار صاحب الفصول انها موضوعة لمعنيين وهما الطلب والشان. وافاد المحقق الخراساني بعد ذكر جملة من المعاني، ولا يخفى ان عد بعض هذه المعاني من معاني الامر من اشتباه المصداق بالمفهوم إذ الامر لم يستعمل في نفس هذه المعاني وانما استعمل في معناه ولكنه قد يكون مصداقه، ثم قال ولا يبعد دعوى كونه حقيقة في الطلب في الجملة والشئ. وذهب المحقق النائيني (ره) الى ان لفظ الامر موضوع لمعنى واحد، وهو الواقعة التى لها اهمية في الجملة، وجميع ما ذكر له من المعاني، يرجع الى هذا المعنى الواحد حتى الطلب المنشأ باحديب الصيغ الموضوعة له: فانه ايضا من الامور التى لها اهمية فلا يكون للفظ الامر الا معنى واحد تندرج فيه كل المعاني المذكورة، وتصور الجامع

[ 160 ]

القريب بين الجميع وان كان صعبا، الا انا نرى بالوجدان الاستعمال في جميع الموارد بمعنى واحد ومعه ينتفى الاشتراك اللفظى، نعم لابد وان يكون المستعمل فيه من قبيل الافعال والصفات فلا يطلق على الجوامد. وتنقيح القول بالبحث في موارد: 1 - ان جملة من المعاني التى ذكروها للامر الظاهر انها اشتباه، ففى الكفاية، ومنها الفعل كما في قوله تعالى وما امر فرعون برشيد ويرده ان لفظ الامر في الاية لم يستعمل في الفعل، بل استعمل في معناه الذى يستعمل فيه في مقام الطلب. قال ومنها الفعل العجب كما في قوله تعالى فلما جاء امرنا، ويرده ان لفظ الامر في هذه الايه استعمل في الارادة التكوينية لا في الفعل العجيب. قال ومنها الغرض كما تقول جاء زيد لامر كذا ويرده ان لفظ الامر لم يستعمل في مفهوم الغرض ولا مصداقه لان لفظ لام يفيد ذلك والامر انما هو متعلق ذلك. واما ما افاده المحقق الخراساني من ان عد بعضها من معانية من اشتباه المصداق بالمفهوم، فيرده مضافا الى ما مر من عدم كون جملة منها من معاني لفظ امر ولا مصاديقه: ان اشتباه المفهوم بالمصداق انما يكون فيما إذا كان اللفظ موضوعا للمصداق بما هو مصداق لذلك المعنى وضع اللفظ له، واما إذا كان مصداقا ولكن لم يلاحظ مصداقية له في مقام وضع اللفظ والاستعمال، فليس من باب خلط المفهوم بالمصداق وهذه الموارد من قبيل الثاني كما لا يخفى. 2 - ان المعاني المتعددة التى ذكروها للفظ الامر هل ترجح الى معنى واحد، ام لا ؟ وقد مر اختيار المحقق النائيني (ره) للاول، واستدلاله بانا نرى بالوجدان ان الاستعمال في جميع الموارد بمعنى واحد. ولكن ما افاده مخدوش، اولا: ان الامر ربما يستعمل فيما لا اهمية له ويسلب عنه الاهمية، ويقال ان هذا امر لا اهمية فيه والاستعمال في هذا المورد، انما يكون في معناه الموضوع له حسب ما ارتكز في الاذهان، ومنه يعلم عدم اخذ اإلاهمية في مفهومة، وثانيا: انا نرى ان الامر الذى، يستعمل في مقام الطلب يجمع على اوامر، وما يستعمل في

[ 161 ]

غيره يجمع على امور، واستعمال احد الجمعين في مورد الاخر يعد من الاغلاط، ولو كان للفظ الامر معنى واحد وكان الجمع بذاك اللحاظ لما كان وجه لعدم صحة استعمال احدهما في مورد الاخر، فذلك كاشف عن تعدد المعنى، وثانيا: ان الامر المستعمل في مقام الطلب قابل لان تطرأ عليه الهيئات، مثل امر، يامر، آمر، مامور، وغير ذلك وبالمعنى الاخر غير قابل لذلك، ولو كان موضوعا للجامعإ بينهما لما صح طرو الهيثات عليه: إذ الجامع بين ما يقبل طروها، وما لا يقبل، غير قابل لذلك، فمن قابلية ما يستعمل في مقام الطلب، وعدم قابلية غيره، يستكشف تعدد المعنى، وكون لفظ الامر من المشترك اللفظى. 3 - ان الظاهر كون الامر المستعمل في مقام الطلب مفهومه هو الذى يكون مفاد صيغة الامر الذى سيجئ الكلام فيه، واما المستعمل في غيره فالظاهر ان مفاده شئ واحد الافعال، وليس له في الفارسى مرادف، ولا في العربي، ولا يكون هو الشئ كما افاده في الكفاية لعدم صدقه على الجواهر، والشئ يصدق عليها، وذلك المعنى الجامع هو المستعمل فيه في جميع تلك الموارد: لانه كل ما اطلق لفظ الامر في غير مقام الطلب يرى الانسان عند المراجعة الى نفسه، انه ينتقل ذهنه الى معنى قابل للانطباق على معان متعددة ويصح ترجمته بساير اللغات ولو بالالفاظ المركبة، بنحو يصلح ان ينطبق على كل واحد من تلك، المعاني، مثلا: إذا قال القائل رأيت اليوم امرا عيجيبا، ينتقل ذهن السامع الى انه رأى شيئا، يكون من قبيل الاعراض، لا الجواهر، وحينئذ قد يفسره، بما يكون من قبيل الافعال، كان يقول رأيت صبيا يخطب خطبة بليغة، وقد يفسره بما يكون من قبيل الصفات، كان يقول رأيت فرسا طويلا. 4 - ان الامر المستعمل في مقام الطلب حقيقة في ذلك المعنى الذى ستقف عليه، واما المستعمل في غيره، فهل يكون حقيقة فيما يستعمل فيه ام يكون مجازا، وجهان ؟ اقواهما: الاول، لانا نرى بالوجدان انه يستعمل فيه بلا عناية وهو آية الحقيقة، اضعف إليه انه لا علاقة مصححة للاستعمال بين الطلب وبعض ما يراد من لفظ الامر، إذا استعمل

[ 162 ]

في المعنى الاخر، مثلا إذا قال القائل رأيت اليوم امرا لم اكن رأيته قبل ذلك، ثم فسره بنزول المطر الشديد، فاى علاقة بين ذلك والمعنى الذى يستعمل فيه الامر في مقام الطلب ؟ وحيث لا ريب في اعتبار العلاقة المصححة للاستعمال بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازى، فيستكشف من ذلك ان استعماله فيه ليس مجازا. واما ما ذكره بعض الاكابرر، في وجه كونه حقيقة فيه، من ان لفظ الامر لو كان حقيقة في الطلب مجازا في غيره لما اختلف جمع الامر باحد المعنيين مع الجمع بالمعنى الاخر كما هو المشاهد في ساير المعاني الحقيقة والمجازية، مع ان جمع لامر بمعنى الطلب على " اوامر " وجمعه بالمعنى الاخر، على " امور ". ففيه: ان اختلاف الجمع وتعدده كاشف عن عدم وضعه للجامع بين المعنيين، حيث: ان المفهوم الواحد المنطبق على مصداقين، لا يعقل ان يكون جمع ما يدل عليه و وضع له، بنحوين بلحاظ اختلاف المصداقين بعد كون المستعمل فيه واحدا، كما عرفت، واما بعد تسليم تعدد المعنى، فلا يصح تعيين كونه حقيقة فيهما، بذلك: لامكان ان يكون احد الجمعين بلحاظ معناه الحقيقي، والاخر بلحاظ معناه المجازى، وقد صرح بذلك بعض ائمة الادب ومثل له باليد، حيث ان جمعه بلحاظ معناها الحقيقي على (ايدى) وبلحاظ معناها المجازى وهى النعمة على ايادي. ومما ذكرناه ظهر عدم تمامية ما افاده المحقق الاصفهانى (ره) من ان لفظ الامر وضع لمعنى واحد وهو الجامع بين ما يصح ان يتعلق به الطلب تكوينا وما يتعلق به تشريعا، وان الاصل فيه ان يجمع على اوامر. وجه الظهور ما مر من عدم الجامع الذاتي بين المعنى الحدثى والمعنى الجامد ليكون الامر موضوعا باذائه. المعنى الاصطلاحي للفظ الامر قال المحقق الخراساني، واما بحسب الاصطلاح فقد نقل الاتفاق على انه حقيقة

[ 163 ]

في القول المخصوص ومجاز في غيره ولا يخفى انه عليه لا يمكن منه الاشتقاق فان معناه حينئذ لا يكون معنا حدثيا مع ان الاشتقاقات منه ظاهرا تكون بذلك المعنى المصطلح عليه بينهم لا بالمعنى الاخر، ويمكن ان يكون مرادهم به هو الطلب بالقول لا نفسه تعبيرا عنه بما يدل عليه انتهى. وقد اورد عليه المحقق الاصفهانى (ره) بعد بيان مقدمة، وهى: ان الاشتقاق المعنوي عبارة عن قبول المبدأ للنسبة، وهذا انما يكون فيما له نحو من انحاء القيام بشئ قيام العرض بموضوعة والفرق بين المعنى الجامد والمعنى الاشتقاقى، ان الاول لا يكون قابلا للحاظ نسبته الى شئ بذاته، بخلاف الثاني، وحاصل ما ذكره مبتنيا على ذلك ان وجه الاشكال ان كان توهم ان الموضوع حينئذ لفظ لا معنى فضلا عن كونه حدثيا، فيرد عليه: ان طبيعة الكيف المسموع كساير الطبايع قابلة للحكاية عنها بلفظ، واللفظ، وان كان وجود الفظيا لطبيعة الكيف المسموع الا انه يمكن ان يكون وجودها اللفظى حاكيا عن لفظ آخر، ووجودا تنزيليا له ايضا، وان كان الوجه: توهم عدم كونه حدثيا، ففيه ان لفظ اضرب مثلا صنف من اصناف طبيعة الكيف المسموع، وهو من الاعراض، وعليه فتارة يلاحظ نفسه فهو المبدأ الحقيقي، واخرى يلاحظ قيامه فقط فهو المعنى المصدرى، وثالثة يلاحظ قيامه وصدوره في الزمان الماضي فهو المعنى الماضوى، وهكذا، فليس هذا القول كالاعيان الخارجية غير القائمة بشئ حتى لا يكون لحاظ قيامه فقط أو في احدا لأزمنة. وفيه: انا نختار الشق الثاني، ويمكن دفع ما ذكره: بان ملاك امكان الاشتقاق من شئ ليس كونه عرضا قائما بالغير بل الملاك فيه وفي عروض النسب عليه، كون المعنى لوحظ فيه النسبة: والدليل عليه اولا، ملاحظة - البياض - والاسم - والفعل - والجملة - وغير ذلك مما يكون من الاعراض ولا يصح الاشتقاق منها: وثانيا: ان اللفظ الموضوع لمعنى عرضى، ان لو حظ في الوضع نفس المعنى من حيث هو ولم يلاحظ حيث انتسابه لا يعقل عروض النسب عليه إذ المقيد بعدم النسبة كيف يعقل عروض النسبة عليه، فلا يصح الاشتقاق منه، ومن هذا القبيل الامثله المتقدمة، وان لو حظ بما هو منتسب واخذ

[ 164 ]

وفيه النسبة فيصحج عروضها عليه، كالضرب ونحوه، وفي المقام حيث ان المنقول إليه ان ثبت، انما هو ذلك القول المخصوص من غير اخذ النسبة فيه فلا يصح الاشتقاق منه. والذى يسهل الخطب انه من المستبعد جدا ان يكون للاصوليين في لفظ الامر اصطلاح خاص، ووضعه للقول المخصوص: لعدم ترتب ثمرة على الوضع أو النقل، إذ المباحث الاتية كاجتماع الامر والنهى وغيره لا تختص بالقول المخصوص بل هي احكام للبعث والطلب أي ذلك الامر النفساني الذى ستعرف حقيقته، المبرز باللفظ أو بغيره، وتفسيرهم الامر بالقول المخصوص انما يكون لاجل ان المبرز له غالبا يكون هو القول المخصوص. ثم انه بناءا على ما ذكرناه في معنى الامر وانه مشترك لفظي بين معنيين، لا يكون مورد يشك في كونه مستعملا في ايهما: لان هذه المادة المستعملة في مقام الطلب في القرآن والسنة انما تكون بالالفاظ المشتقة، وقد عرفت ان الامر إذا استعمل في معناه الاخر لا يصح الاشتقاق منه مع: ان الامر المستعمل في مقام الطلب يحتاج الى المتعلق لكون معناه من الامور التعلقية بخلاف المستعمل في المعنى الاخر، مع، ان جمعه بالمعنى الاول - اوامر - وبالمعنى الثاني على امور، وعلى ذلك فلا اظن وجود مورد يشك في معناه، وعلى فرض وجوده لا محاله يصير مجملا إذ لا وجه لانصرافه الى الطلب كما افاده المحقق الخراساني. اعتبار العلو في معنى الامر الجهة الثانية: في انه هل يعتبر العلو في معنى الامر ام لا، وملخص القول في ذلك، انه لا اشكال في ان طلب السافل مع عدم الاستعلاء لا يكون امرا، انما الكلام في موردين: الاول: في طلب السافل من العالي المستعلى عليه. فقد يقال بانه يصدق عليه الامر: والشاهد عليه تقبيح الطالب السافل من العالي المستعلى عليه وتوبيخه بمثل لم تأمره.

[ 165 ]

وفيه: مضافا الى ان الاستعمال اعم من الحقيقة، ان اطلاق الامر على طلبه، انما يكون مبنيا على الادعاء والعناية، حيث ان فرض نفسه عاليا فلا محالة يكون طلبه امرا، فيكون نظير اطلاق الفتوى على الحكم من غير استناد الى الادلة - في النصوص المتضمنة حكم من افتى بغير علم - مع ان الفعوى عبارة عن الحكم المستنبط من الادلة وليس ذلك الا من جهة فرض نفسه مجتهدا: والشاهد على كونه ادعائيا لا حقيقيا، عدم صحة اطلاق الامر عليه في مقام النقل، ويقال ان السافل امر العالي بكذا، ولو كان حقيقة في المورد صح نقله. واما ذكره المحقق الخراساني في مقام الجواب من ان التقبيح انما يكون على استعلائه لا على امره حقيقة بعد استعلائه، فغير مربوط بالمقام لان الاستدلال لم يكن بالتقبيح بل، باطلاق الامر على طلبه. الثاني: انه إذا كان الطالب عاليا، فهل يعتبر استعلائه ايضا ام لا، اقول - الاستعلاء بالمعنى المقابل لخفض الجناح الذى هو من الاخلاق الحميدة لا يكون معتبرا قطعا ولا يصح نسبة اعتباره الى احد، وبمعنى صدور الامر من العالي بما هو عال لا بما هو شافع أو طبيب أو مصلح، لا ينبغى التأمل في اعتباره ولذا لا يكون الاوامر الارشادية اوامر حقيقة، ويشهد له، مضافا الى وضوحه قضية بريرة حيث قال (ص) في مقام الجواب عن، اتامرنى يا رسول الله (ص)، لابل انا شافع، وعدم تصريح القوم باعتبار ذلك، انما هو للاكتفاء عن اعتبار العلو عن ذلك بنحو من اللطافة، وهو ان مرادهم من اعتبار العلو اعتبار صدور الامر من العالي بما هو عال لامن ذات العالي أو للاكتفاء عنه باعتبار هم ان يكون بداعي البعث. فتدبر جيدا. وبما ذكرناه يمكن الجمع بين كلمات القوم، ويظهر انه لا خلاف بينهم في هذا المقام. الامر محمول على الوجوب الجهة الثالثة: لا اشكال في ان الامر محمول على الوجوب، انما الكلام في انه، هل

[ 166 ]

يكون منشأ ذلك وضعه للدلالة عليه، أو الاطلاق ومقدمات الحكمة، أو حكم العقل، المعروف والمشهور بين الاصحاب هو الاول، واختار جماعة القول الثاني، وذهب جمع من المحققين منهم المحقق النائيني (ره) الى الثالث، وهو الاظهر. والوجه في ذلك سيأتي في مقام بيان وجه دلالة الصيغة على الوجوب فانه يجرى في المقام لان معنى لفظ الامر المستعمل في مقام الطلب هو معنى صيغة الامر، فالكلام فيهما واحد. وقد استدل المحقق الخراساني للقول الاول بانسباق الوجوب عنه عند اطلاقه، ويرده انه ممنوع بعد استعماله في الكتاب والسنة في موارد الاستحباب كثيرا، وكذا في العرف، وصحة تقسيمة اليهما ولو باعتبار الامور الخارجية، وصحة السؤال عن كونه وجوبيا ام استجبابيا بعد الامر بشئ، مع انه نرى بالوجدان انه لا يصح ان يقال: ان زيارة الحسين - عليه السلام - أو صلاة الليل، لم يؤمر بها في الاسلام فلو كان حقيقة في الوجوب لصح هذه الدعوى، ثم انه (قده) ايد ما افاده بامور اربعة: الاول: قوله تعالى " فليحذر الذين يخالفون عن امره " وتقريب كونه مؤيدا: ان التحذير في الاية الشريفة رتب على الامر غير المقيد بشئ، فمقتضى اطلاقها ان الامر ملازم للتحذر، ومعلوم ان هذا لازم الامر الوجوبى لا الاستحبابى. وفيه: ان اصالة العموم أو الاطلاق انما يرجع إليها لتسرية الحكم الى ما علم كونه فردا للعام أو المطلق، وشك في ثبوت الحكم له، لا فيما علم ثبوت الحكم أو عدمه، وشك في كونه فردا له فلا يصح التمسك بها لا ثبات فردية المشكوك فيه أو عدمها. الثاني: قوله (ص) " لو لا ان اشق على امتى لامرتهم بالسواك "، وتقريب الاستدلال به أو جملة مؤيدا - امران - الاول: ما مر والجواب عنه ما عرفت، الثاني: ان مفهومه انه بما ان الامر يوجب المشقة فما امرت بالسواك، مع ان الطلب الندبى متعلق بالسواك قطعا، فيستكشف من ذلك عدم صدق الامر على الطلب الندبى. وفيه: ان التمسك باصالة الظهور انما يكون فيما كان اللفظ ظاهرا في شئ ولم يعلم كونه مرادا كما لو احرز وضع لفظ الاسد للحيوان المفترس، وقال المولى جئني

[ 167 ]

باسد، ولم يحرز ان المطلوب هو ذلك، أو الرجل الشجاع، فيرجع الى اصالة الظهور لا ثبات ان المطلوب هو ما يكون اللفظ ظاهرا فيه، واما لو كان المراد معلوما، فلا يصح التمسك بها لاثبات انه المعنى الحقيقي إذ مدركها بناء العقلاء وهو انما يكون على التمسك بها لكشف المراد، لا لكيفية الاستعمال بعد معلومية المراد، وفي المقام حيث انه علم ان المراد من عدم الامر به عدم الامر الوجوبى لا يصح التمسك باصالة الظهور لا ثبات ان الامر الوجوبى يكون موضوعا له بخصوصه. وبذلك: طهر تقريب دلالة قوله (ص) لبريزه بعد قوله اتامرنى يا رسول الله، لابل انا شافع، والجواب عنه، مع انك قد عرفت في مبحث اعتبار العلو عدم كون مثل ذلك امرا حقيقة ولو كان ندبيا فراجع، فهو اجنبي عن المقام بالمرة. الرابع: صحة الاحتجاج على العبد ومؤاخذته بمجرد مخالفة امره وتوبيخه على مجرد مخالفته كما في قوله تعالى (ما منعك ان لا تسجد إذ امرتك). وفيه: انا نسلم ذلك ولكن نقول انه من جهة حكم العقل بوجوب اطاعة المولى ما لم يرخص في ترك ما امر به وليس في ذلك دلالة على كون الوجوب هو الموضوع، له وسياتى لذلك زيادة توضيح فانتظر. الجهة الرابعة في اتحاد الطلب والارادة ولا يخفى انى كتبت سابقا رسالة مستقلة في الجبر والتفويض ثم كررت النظر فيها فغيرت بعض مطالبها واضفت إليها بعض المطالب فها انا إذ كرها في المقام بتمامها مع هذه التغييرات ليعم الانتفاع بها.

[ 169 ]

الجبر والاختيار من المسائل المهمة مسألة " الجبر والاختيار "، وهى من أقدم الابحاث العلمية، اشتغل بها المتفكرون والفلاسفة، والاراء فيها كثيرة سنذكر عمدتها. وقد عرفت أن أشهر المتفكرين السابقين المتعرضين للمسألة هو " أرسطو " وقد تعرض للمسألة في كتاب " الاخلاق الى نيقو ماخوس ". وأساس الاراء والعقائد " الجبر " و " التفويض " و " الامر بين الامرين "، لا أفعال الانسان دائرة بحسب الاحتمال العقلي بين أمور ثلاثة: الاول أن لا يكون لقدرته وارادته دخل فيها، الثاني أن لا يكون المؤثر فيها سوى قدرته وارادته، الثالث أن يكون حصول الفعل مستندا إليه نفسه والى الله تعالى. فالاول هو " الجبر " والثانى " التفويض " والثالث " الامر بين الامرين ". اقول الجبريين أما الجبريون فلهم مسالك شتى عمدتها مسلكان: أحدهما - ما عن الجبريين على الاطلاق، منهم جهم بن صفوان واتباعه، وهو أن أفعال العباد غير اختيارية لهم وهم مقهورون في أفعالهم وليس لارادتهم دخل فيها ولا كسب. ولا فرق عندهم بين مشى زيد وحركة يد المرتعش، ولا بين الصاعد الى السطح

[ 170 ]

والساقط منه. الثاني - ما ذهب إليه جماعة منهم أبو الحسن الاشعري وأتباعه وهم كثيرون، فانهم لما رأوا شناعة المذهب الاول فروا منه بما لا ينفعهم، وقالوا: ان أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله وحده وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأنه يوجد في العبد قدرة واختيارا، فإذا لم يكن هناك صانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون فعل العبد مخلوقا لله تعالى ابداعا واحداثا ومكسوبا للعبد. وقد ذكروا في المراد من الكسب وجوها، أحسنها ما قاله القاضى أبو بكر الباقلانى، وهو أن الانسان، وان كان فعله صادرا عنه بغير تأثير منه في صدوره، الا أن تلونه بلون حسن أو قبيح انما يكون بقدرته واختياره. مثلا: ضرب اليتيم إذا صدر منه يكون المؤثر في أصل تحققه هو الله تعالى، الا أن قصد كونه للتربية فيكون حسنا أو الظلم فيكون قبيحا انما فوض الى العبد، وهذا هو المعيار للثواب والعقاب. ولكن الظاهر أنه لا ينفعهم ذلك أيضا، إذا القصد بنفسه فعل من الافعال، فعلى القول بالكسب لابد وأن يكون ذلك أيضا صادرا عن ارادة الله تعالى وقدرته، فلا اختيار أصلا. ولعله لذلك قال العلامة المجلسي (ره): والمراد بكسبه اياه مقارنته لقدرته واراداته، من غير أن يكون هناك تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاله، وقالوا نسبة الفعل الى العبد باعتبار قيامه به لا باعتبار ايجاده له. والالتزام بأحد هذين المذهبين مستلزم لانكار التحسين والتقبيح العقليين بالاضافة الى أفعال العباد، لانهما انما يكونان على الافعال الاختيارية. ألا ترى أن السيف إذا وقع آلة لقتل من يحسن قتله لا يحسنه العقلاء. وعلى القول بالجبر السياف والسيف متساويان في القتل وكل منهما آلة لوقوعه، فالسياف أيضا لا يستحق التحسين. كما ان القائلين بأحد هذين القولين - أي الجبر - وقعوا في اشكال تكليف العصاة، لانه ان لم تكن ارادته تعالى متعلقة بالفعل فلا يكون التكليف جديا، وان كانت ارادته متعلقة به فكيف تتخلف عن المراد.

[ 171 ]

وفي مقام الجواب عن هذه العويصة التزموا بأن التكليف انما يكون طلبا، وهو غير الارادة، وتخلف ارادته تعالى عن المراد غير ممكن وأما طلبه فلا محذور في تخلفه عن المطلوب. فمع فرض عدم تعلق ارادته تعالى بالصلاة مثلا يأمر بها، وبه يوجد الطلب، وتخلفه عن المطلوب لا محذور فيه. ولذلك التزموا بأن التكليف بما لا يطاق جائز ولا بأس به. وبما ذكرناه ظهر أن توجيه المحقق الخراساني (ره) كلام الاشاعرة القائلين بالمغايرة بين الطلب والارادة، بأن المراد من المغايرة مغايرة الانشائى من الطلب كما هو المنصرف إليه اطلاقه، والحقيقي من الاردة كما هو المراد منه غالبا حين اطلاقها، فيكون النزاع لفظيا، توجيه في غير محله. وحيث لا ريب ان الله تعالى يعاقب طائفة لاجل ترك الواجبات وفعل المحرمات، فلا مناص لهم من انكار التحسين والتقبيح العقليين بالاضافة إليه تعالى أيضا، والا فبناءا على القول بهما لاوجه لعقابه على الفعل غير الاختياري. ويترتب على الالتزام بأنه يعاقب على الامور غير الاختيارية سلب العدالة عنه، ولذا التزاموا بأن له أن يعاقب أشرف الانبياء ويثبت أشقى الاشقياء، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. القول بالتفويض وأما المفوضة فحفظا لعدالة الله تعالى التزموا بأن أفعال العباد غير مربوطة به تعالى وتمام المؤثر فيها هو العبد. ولكن لازم هذا القول نفى السلطنة عنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. والمثال العرفي الذي يوضح هذا المذهب: انه إذا فرضنا أن المولى أعطى لعبده كأسأ من الخمر مع علمه بأنه يشربه وبعد ذلك خرج أمر الشرب عن اختياره بحيث لو شاء أن لا يقع في الخارج لما تمكن منه، فالشرب إذا صدر منه باختياره لا يكون مستندا

[ 172 ]

الى المولى بوجه، فانه حين صدوره عنه يكون أجنبيا عنه بالمرة. وأكثر القائلين بالتفويض - وهم المعتزلة - قائلون بوجوب الفعل بعد ارادة العبد. وبعضهم قال بعدم وجوب الفعل بل يصير أولى. قال المحقق الطوسى (ره): ذهب مشائخ المعتزلة وأبو الحسن البصري وامام الحرمين من أهل السنة الى أن العبد له قدرة قبل الفعل وارادة بها تتم مؤثريته فيصدر منه الفعل، فيكون العبد مختارا إذا كان فعله بقدرته الصالحة للفعل والترك تبعا لداعية الذى هو ارادته. والفعل يكون بالقياس الى القدرة وحدها ممكنا، وبالقياس إليها مع الارادة يصير واجبا. وقال محمود الملاحمى وغيره من المعتزلة: ان الفعل عند وجوب القدرة والارادة يصير أولى بالوجود، حذرا من أن يلزمهم القول بالجبر لو قالوا بالوجوب - انتهى. ولا يخفى ان للتفويض معنيين آخرين: أحدهما - رفع الخطر والمنع عن أفعال العباد وان جميع أفعالهم مباحة. قال الشيخ المفيد (ره) في شرح الاعتقادات: والتفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الافعال والاباحة لهم ما شاؤا من الاعمال، وهذا قول الزنادقة وأصحاب الاباحات - انتهى. ثانيهما - ايكال أمر الخلق والرزق وتدبير العالم الى بعض العباد، قال الامام على ابن موسى الرضا عليه السلام - على ما في خبر رواه الصدوق باسناده عن يزيد بن عمير -: ومن زعم أن الله عز وجل فوض أمر الخلق والرزق الى حججه (ع) فقد قال بالتفويض 1. معنى الامر بين الامرين وأما " الامر بين الامرين " فهو أمر دقيق لا يعلمه الا العلم أو من علمه اياه العالم * (هامش) 1 - عيون أخبار الرضا ص 87. (*)

[ 173 ]

كما في خبر صالح بن سهل 1، وسر الله كما في النبوى 2 وبمعناهما أخبار أخر. وقد قال الفخر الرازي: حال هذه المسألة عجيبة، فان الناس كانوا فيها مختلفين أبدا بسبب أن ما يمكن الرجوع فيها إليه متعارض متدافع. ثم ذكر جملة من أدلة الطرفين ثم قال: وأما الدلائل السمعية فالقرآن مملو مما يوهم الامرين وكذا الاثار، وان من أمة من الامم لم تكن خالية من الفرقتين، وكذا الاوضاع والحكايات متدافعة من الجانبين، حتى قيل ان وضع النرد على الجبر ووضع الشطرنج على القدر - انتهى. ومثله في الاعتراف بالشك والحيرة محيى الدين بن العربي في محكى الفتوحات. ولعلمائنا في تحقيقة مسالك: الاول ما ذهب إليه الشيخ المفيد (ره) في شرحه على الاعتقادات وهو أن الله أقدر الخلق على أفعالهم ومكنهم من أعمالهم وحد لهم الحدود في ذلك ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف والوعد والوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الاعمال مجبرا لهم عليها، ولم يفوض الاعمال إليهم لمنعهم من أكثرها ووضع الحدود لهم فيها وأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبيحها. ثم قال: فهذا هو الفضل بين الجبر والتفويض - انتهى. وهو حسن، ولكن لا يصح تنزيل الاخبار الكثيرة الواردة في بيان الامر بين الامرين التى ستمر عليك جملة منها على ذلك. الثاني أن المراد به أن الله تعالى جعل عباده مختارين في الفعل والترك مع قدرته على صرفهم عما يختارون وعلى جبرهم على فعل ما لا يفعلون. وهذا أيضا حسن، الا أن الظاهر كون الامر بين الامرين أدق من ذلك كما سيمر عليك. الثالث أن المراد به بأن الاسباب القربية للفعل بقدرة العبد والاسباب البعيدة كالالات والادوات والجوارح والاعضاء والقوى بقدرة الله سبحانه، فقد حصل الفعل * (هامش) 1 - اصول الكافي 1 / 159 باب الجبر والقدر، حديث 10. 2 - الوافى 1 / 118 باب الجبر والقدر. (*)

[ 174 ]

بمجموع القدرتين. إليه يؤل ما نسب الى المحقق العراقى في تقريرات بحثه، قال بعد كلام له: ومعه يصح أن يقال ال جبر في البين، لكون أحد مبادئ الفعل هو اختيار الانسان المنتهى الى ذاته، ولا تفويض بملاحظة كون بقية مبادئة الاخرى مستنده إليه تعالى، ولا مانع من أن يكون ما ذكرناه هو المقصود بقوله عليه السلام " لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ". ويرده أن التفويض بهذا المعنى لم يقل به أحد يحتاج الى نفيه. الرابع أن التفويض المنفى هو تفويض الخلق والرزق وتدبير العالم الى بعض العباد. وهذا أيضا غير مربوط بما تعرضت له النصوص الكثيرة المروية عنهم عليهم السلام. الخامس أن المراد به أن فعل العبد واقع بمجموع القدرتين والارادتين والتأثيرين من العبد ومن الرب سبحانه، والعبد لا يستقل في ايجاد فعله وليس قدرة العبد بحيث لا تأثير لها في فعله أصلا، ك وستعرف ما فيه. السادس ما ذكره المحدث الكاشانى (ره) في الوافى، قال بعد كلام له: ولنذكر في بيانه ما ذكره بعض المحققين موافقا لما حققه المحقق الطوسى نصير الملة والدين في بعض رسائله المعمولة في ذلك، قالگقد ثبت أن ما يوجد في هذا العالم فقد قر بهيئته وزمانه في عالم آخر فوق هذا العالم قبل وجوده، وقد ثبت أن الله تعالى قادر على جمعى الممكنات ولم يخرج شئ من الاشياء عن مصلحته وعمله وقدرته وايجاده والا لم يصلح لمبدأية الكل. الى أن قال: فأعمالنا وأفعالنا كسائر الموجودات وأفاعيلها بقضائه وقدره، وهى واجبة الصدور ومنا بذلك ولكن بتوسط أسباب وعلل من ادراكاتنا وارادتنا وحركاتنا وسكناتنا وغير ذلك من الاسباب العالية الغائبة عن علمنا وتدبيرنا الحارجة عن قدرتنا وتأثيرنا. الى أن قال: ولما كان من جملة الاسبالب ارادتنا وتفكرنا وتخيلنا فالفعل اختياري لنا، فان الله تعالى أعطانا القوة والاستطاعة ليبلونا أينا أحسن عملا مع احاطة علمه، فوجوبه لا ينافى امكانه واضطراريته لا تدافع كونه اختياريا، كيف وانه

[ 175 ]

ما وجب الا بالاختيار. ثم أخذ في بيان عدم الختيارية الا ارادة الى أن قال: فنحن في عن الاختيار مجبورون، فنحن إذا مجبورون على الاختيار. وهو كما سيمر عليك ليس أمرا بين الامرين بل هو عين الجبر. وللاصحاب تقاريب أخر له، ولكن بعضها يرجع الى ما تقدم وبعضها يؤل الى الجبر. والحق في تصويره أن يقال: ان الجبر المنفى هو قول الاشاعرة والجبرية المتقدم، والتفويض المنفى هو قول المعتزلة أنه تعالى أوجد العباد واقدرهم على أعمالهم وفوض إليهم الاختيار، فهم مستقلون بايجادها على وفق مشيتهم وقدرتهم، وليس لله تعالى في أعمالهم صنع. وأما الامر بين الامرين فهو أن الفعل انما يصدر عن اختيار العبد وقدرته، وله أو يفعل وأن لا يفعل، ومع ذلك حياته وقدرته واختياره كلها متحققة بافاضة الباري تعالى، بحيث لو لم يفض إليه واحدا منها لزم منه عدم صدور الفعل وعدم تحققه. والمثال العرفي - الذى يوضح ذلك - انه: إذا فرضنا أن العبد لا يتمكن من تحريك اليد الا مع ايصال القوة الكهربائية، فأوصل المولى القوة إليها آنا فآنا، فذهب العبد باختياره الى قتل نفس والمولى يعلم بذلك، فالفعل بما أنه صادر من العبد باختياره فهو اختياري له، وبما أن المولى يعطى القوة للعبد آنا فآنا فافعل مستند إليه، وكل من الاسنادين حقيقي بلا تكلف وعناية. وهذا واقع: " الامر بين المرين "، الذى تطابقت عليه الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام. وقد صرح بذلك المحقق النائيني (ره)، واليه يرجع ما أفاده المحقق الاصفهانى (ره) قال: ان العلة الفاعلية ذات المباشر بارادته وهى العلة القريبة ووجوده وقدرته علمه وارادته لها دخل في فاعلية الفاعل، ومعطى هذه الامور هو الواجب تعالى، فهو الفاعل البعيد. فمن قصر النظر على الاول حكم بالتفويض، ومن قصر النظر على الثاني حكم بالجبر، والناقد البصير ينبغى أن يكون ذاعينين - انتهى. كما أنه يمكن توجيه ما أفاده العلامة المجلسي (ره) في جملة من كتبه بنحو يرجع الى ذلك.

[ 176 ]

أدلة الجبريين لما ذهبوا إليه الوجه الاول: وقد استدل للقول بالجبر بقسمين من الوجوه: أحدهما من ناحية العوامل الطبيعية، الثاني من ناحية ما وراء الطبيعة. أما الاول، فقد استدل له بأن الفعل يصدر عن الارادة ومعلول لها، والارادة اما أن تكون ارادية صادرة عن ارادة أخرى أو تكون غير ارادية، فان كانت ارادية كانت معلولة لارادة أخرى، وينتقل الكلام الى تلك الارادة التى تكون علة لهذه الارادة، فلابد وأن تنتهى الى أمر غير ارادي والالزم التسلسل. فان انتهت الى أمر غير اختياري، أو التزمنا بأنها غير ارادية فلا محالة يكون الفعل غير اختياري، وذلك لان الجبر على العلة جبر على المعلول. وبعبارة أخرى: المعلول الامر غير اختياري خارج عن تحت الاختيار، كما هو واضح. جواب الحكماء ونقده وقد أجيب عن ذلك بأجوبة: أحدها - ما عن الحكماء، وهو أن وجوب الفعل وكونه ضروريا من ناحية ارادته لا ينافى الاختيار. وبعبارة أخرى: ضرورية الفعل ووجوبه وعدم امكان تركه لا تنافى الاختيار، بل الفعل الاختياري هو الفعل الذى ان شاء فعل وان شاء لم يفعل، ولا يلزم في صدق القضية الشرطية أن يكون طرفاه ممكنين، بل يمكن أن يكونا واجبين ويمكن أن يكونا ممتنعين. فضرورية الفعل أو الترك لا تنافى الاختيار، والا فلو كان وجوب الفعل موجبا لخروج الفعل عن الاختيار لزم أن لا يكون الله سبحانه فاعلا مختارا، إذ الصادر الاول

[ 177 ]

منه تعالى لابد أن يكون ذاته تعالى علة تامة لوجوده، إذ المفروض أنه ليس هناك شئ آخر غير ذاتهت، فصدور الصادر الاول يكون واجبا ضروريا والالزم تخلف المعلول عن علته التامة. وفيه: ان وجوب الفعل من ناحية علته لا ينافى امكانه لكنه ينافى مع اخيتاريته، وأما وجوب الصادر الاول فسيأتي الكلام فيه. جواب المحقق العراقى ونقده الجواب الثاني - ما عن المحقق العراقى (ره) وحاصله: ان الارادة والاختيار من قبيل العوارض اللازمة لوجود الانسان غير المتحاجة الى جعل آخر وراء جعل المعروض، وهو الشأن في كل ما هو عارض لازم للماهية أو الوجود، كالحرارة للنار. فالانسان، ولو في بعض مراتب وجوده، مقهور بالاتصاف بصفة الاختيار، ويكفى في تحقق صفة الاختيار للانسان تعلق الاردة بوجود الانسان. ولا ريب في أن كل فعل صادر من الانسان بارادة له مباد، كعلم بفائدته، وكشوق إليه وقدرة عليه. وعليه فيكون الفعل الصادر عن الانسان له نسبتان: احداهما إليه باعتبار تعلق اخيتاره به الذى هو من لوازم وجود الانسان المجعولة بجعله لا بحمل مستقل، و الاخرى الى الله تعالى باعتبار ايجاد سائر المبادى، وحينئذ فليس الفعل مفوضا إليه بقول مطلق ولا مستندا إليه سبحانه كذلك ليكون العبد مقهورا عليه. وفيه: أولا: ان ما هو ؟ مجعول بجعل الانسان على فرض تسليم كونه من لوازم وجود الانسانه هو قوة الاختيار، وصيرروة تلك فعلية انما تكون تدريجية وتتجدد على النفس وتنعدم، فيبقى السؤال عن أن فعلية تلك القوة تحتاج الى علة تامة، فيعود المحذور. وثانيا: ان لازم هذا التقريب هو كون الاختيار نفسه غير اختياري، فيبقى اشكال أن الجبر على العلة جبر على المعلول.

[ 178 ]

ما هو الحق نقد هذا الوجه وهناك أجوبة أخر لا يهمنا التعرض لها، والحق في الجواب عن هذا الوجه يبتنى على بيان مقدمات: تجرد النفس عن المادة الاولى ان كل انسان يجد في نفسه مشاهدة أن له وراء الاعضاء وأجزاء بدنه التى يشعر بها بالحسن أو بنحو من الاستدلال - كالاعضاء الظاهرة المحسوسة بالحواس الظاهرة والاعضاء الباطنة التى عرفها بالحسن والتجربة، معنى يحكى عنه ب‍ " أنا "، وتارة يعبر عنه ب‍ " الروح "، وأخرى ب‍ " الذات "، وثالثة ب‍ " النفس ". والدليل على كون تلك غافلة عن أنفسها، مثلا: أعصاب اليد لا تتوجه الى أيها أعصاب اليد وهكذا. وهذه الحقيقة لا تغفل عن نفسها، بل تشعر بها وبسائر الاعضاء. 2 - ان هذه تحدد الغرائز وتبارز معها، ولا يعقل مبارزة الشئ مع نفسه. 3 - انه لو كانت هي، هو البدن أو شيئا من أعصائه أو أجزائه أو خاصة من خواصه الموجودة فيه، وهى جميعا مادية، ومن أحكام الماده الانفسام، والمجزى، والتغير التدريجي - لكانت مادية قابلة للانفسام ومتغيرة، وليست كذلك، فانا نجد من أنفسنا بعد المراجعة الى هذه المشاهدة النفسانية اللازمة لانفسنا، ونذكر ما كنا نجده من هذه المشاهدة منذ أول شعورنا بأنفسنا، معنى مشهودا واحدا باقيا على حاله من غير أدنى تغير وتعدد، كما نجد أبداننا وأجزاءها والخواص الموجودة معها متغيرة متبدلة من كل جهة في موادها وأشكالها وسائر أحوالها وصورها، وكذا نجده معنى بسطا غير قابل

[ 179 ]

للانفسام والتجزي كما نجد البدن وأجزاءه وخواصه. فليست تلك الحقيقة هو البدن ولا شيئا من أجزائه، ولا خاصة من خواصة. وأنكر الماديون وجود هذه الحقيقة، وقالوا: ان الانية التى تشاهد ليست الا سلسلة الاعصاب التى تؤدى الا دراكات الى العضو المركزي، وهو الجزء الدماغى على التوالى وفي نهالية السرعة، غاية الامر على صفة الوحدة. ففى ذلك الجزء الدماغى مجموعة متحدة ذات وضع واحد لا يتميز أجزاؤها ولا يدرك بطلان بعضها وقيام الاخر مقامه، وهذا الواحد المتحصل هو نفسنا التى نشاهدها ونحكي عنها ب‍ " أنا "، فالذي نرى أنه ثابت فهو في الحقيقة مشتبه على المشاهدة من جهة توالى الواردات الا دراكية وسرعة ورودها. وذكر بعضهم في تنظيره بقوله: كالحوض الذى يرد عليه الماء من جانب ويخرج من جانب بما يساويه وهو مملوء دائما، فما فيه من الماء يجده الحس واحدا ثابتا وهو بحسب الواقع لا واحد ولا ثابت، وكذا يجد صورة الانسان أو الشجر أو غير هما فيه واحدا ثابتا وليس بواحد ثابت بل هو كثير متغير تدريجا بالجريان التدريجي الذى لاجزاء الماء فيه. وعلى هذا النحو وجود الثبات والواحدة والشخصية التى نرى في النفس، والذى نرى أنه غير جميع أجزائنا صحيح لكنه لا يثبت أنه غير البدن وغير خواصه، بل هو مجموعة متحدة من جهة التوالى والتوارد لا تغفل عنه، فان لازم الغفلة وقوف الاعصاب عن أفعالها، وهو الموت. وأيضا قالوا: ان كل خاصة من الخواص البدنية وجدنا علتها المادية ولم نجد أثرا روحيا لا يقبل الانطباق على قوانين المادة حتى نحكم بوجود حقيقة الانية. وقال المتأخرون منهم: ان المتحصل من التشريح والفزيو لوجيا ان الخواص الروحية الحيوية تستند الى جرائيم الحياة والسلولات التى هي الاصول في حياة الانسان، فالنفس أثر مخصوص لكل واحد منها أرواح متعددة، فالانية المشهودة للانسان على صفة الوحدة مجموعة متكونة من أرواح غير محصورة على صفة الاجتماع، ولذا هذه الخواص الروحية تبطل بموت السلولات وتفسد بفسادها، فلا معنى للروح المجردة الباقية بعد فناء التركيب البدني.

[ 180 ]

هذه هي عمدة ما استدل بها الماديون على نفى أمر آخر وراء أعضاء البدن، وهناك وجوه أخر يظهر ما فيها مما نورده على هذه الوجوده. ويرد على الوجه الاول: انه إذا كان المفروض أمورا كثيرة بحسب الواقع لا وحدة لها، وليس وراء تلك الامور شئ آخر، وكون ما نرى من الامر المشهود الذى هو النفس الواحدة هو عين هذه الادراكات الكثيرة. فما الموجب لحصول هذا الواحد الذى لا يشاهد غيره، ومن أين حصلت الوحدة. وما ذكروه من الوحدة الاجتماعية غير مربوطة بالمقام، فان الواحد الاجتماعي هو الكثير في الواقع الواحد في الحس أو الخيال. لا في نفسه، والمدعى في المقام كون الادراكات الكثيرة في أنفسها هي شعور واحد عند أنفسها. وان قيل: ان المدرك في المقام هو الجزء الدماغى. توجه عليه: ان المفروض أن ليس للجزء الدماغى ادراك آخر وراء هذه الادراكات متعلقا بها كتعلق القوى الحسية بمعلوماتها الخارجية وانتزاعها منها صورا حسية. وان قيل: انه لا وحدة لها وانما يشتبه الامر على الحس أو القوة المدركة فتدرك الكثير واحدا. أجبنا عنه بأن الاشتباه من الامور النسبية التى تحصل بمقايسة ما عند الحس بما في الخارج من واقع هذه المشهودات، وأما ما عند الحس في نفسه فهو أمر واقعى. مثلا: نشاهد الجرم العظيم من بعيد صغيرا كنقطة سوداء، فما عند الحسن - وهى النقطة السوداء - لا اشتباه فيها، وانما الاشتباه يكون لو قايسنا ما عنده بما في في الخارج من واقع ذلك المشهود. والمفروض في المقام أن لا مقام آخر وراء الادراكات الكثيرة كى يحكم بالاشتباه والغلط من مقايسة ما فيه بتلك الادراكات. ويرد على الوجه الثاني: ان المثبتين لا يسندون بعض الافاعيل البدنية الى البدن وبعضها الى النفس، والاول فيما علله ظاهرة، والثانى فيما علله مجهولة كى يرد عليهم ما ذكر. بل يسندون الا فاعيل الا البدن بلا واسطة والى تلك الحقيقة مع

[ 181 ]

الواسطة، وانما أسندوا الى النفس ما لا يمكن اسناده الى البدن، وهو علم الانسان بنفسه ومشاهدته ذاته كما تقدم. ويرد على الوجه الثالث مضافا أوردناه على الوجه الاول: ان غاية ما يمكن أن يثبت بما ذكر من الاصول المادية المكتشفة بالبحث العلمي: ان العلل الطبيعة لا تقى بوجود الروح، ولا تصلح أن يستنتج منها وجوده. وقديما قالوا " عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود "، فالمتحصل: ان وجود ذلك الحقيقة المعبر عنها ب‍ " أنا " غير قبال للانكار. وتلك الحقيقة لها حكومة على سائر الاعضاء والغرائز ولها أن تفشل ما يميل إليه سائر الاعضاء، وهى العاملة القوبة الموجبة لحصول الاعتدال بين ما هو أساس الغرائز، وهو حس جلب النفع ودفع الضرر، مع التكاليف الاجتماعية والدينية، وبالنتيجة تصير الافعال موافقة للقوانين الخارجية. الشوق ليس علة للفعل الاختياري الثانية ان الموجب لصدور الفعل الاختياري هو اعمال هذهإ الحقيقة قدرتها في العمل لا الشوق، إذ نرى بالوجدان أنه يعد تحقق الشوق الاكيد المتعلق بالهدف وبنفس الفعل، يمكن لتلك الحقيقة المشار إليها آنفا أن تمنع عن الفعل وتمنع عن تحققه وتوجب أن لا يوجد. قال ارسطو: ان ما هو سبب صدور الفعل هو ذلك لا الشوق المشترك بين الانسان وسائر الحيوانات، وأيضا ربما يعارض ذلك مع الشوق والرغبة ولا يعقل المبارزة الا مع التعدد، وأيضا ان الشوق يتعلق بالمجال والممتنع ولا يقعل تعلق الاختيار به. نعم، لا ننكر أن العوال الخارجية والداخلية ربما تبلغ من الشدة الى حد تغفل الحقيقة الانية عن نفسها. مثلا لو استمعت صوتا حسنا وغفلت عن نفسها، وفي مثل ذلك لا محالة يصدر الفعل لكنه فعل غير اختياري وخارج عن تحت القدرة.

[ 182 ]

وبالجملة لا ريب في أن مجرد الثوق لا يوجب تحرك العضلات لما يرى بالوجدان أنه ربما يشتاق الانسان الى شئ ولا يتحقق المشتاق إليه الا بعد اعمال القدرة وحمله النفس. مثلا: لو وقف الانسان على قنطرة وكان في أحد طرفيها بساتين فيها رباحين واشتاق الى الدهاب إليها كمال الاشتياق وكان في الطرف الاخر النار مشتعلة لودنا منها لاحترق وكرهإ الذهاب إليها كمال الكراهة، ومع ذلك لا يتحقق ما تعلق شوقه به، بل يرى نفسه بعد ذلك قادرا على الذهاب الى كلا الطرفين. فمن هذا يستكشف أن الشوق لا يكون علة للفعل، بل بينهما واسطة، وهو اعمال القدرة، حيث أن زمام البدن بيد النفس تقلبه حيث ما شاءت، فبعد تحقق الشوق لها أن تعمل قدرتها في الفعل فيفعل، وهذا معنى ما يقال " شئت ففعلت "، ولها أن لا تعمل فلا يتحقق الفعل. وهذا الاعمال الذى يكون فعل النفس، يعبر عنه بالمشيئة والاختيار، وحملة النفس والارادة والفعل يصدر عنه لا عن الشوق. قانون العلية العامة الثالثة ان قانون العلية والمعلولية، بمعنى أن الموجود يحتاج الى علة لاجل وجوده ووجوب تحقق المعلول عند تحقق العلة بتمام أجزائها وامتناع تحققه مع عدم جزء منها، وان تم في الموجودات غير الافعال الاختيارية الا أنه لا يتم في الاختيار، بحيث يكون الاختيار لازم التحقق عند تمامية علتة وان لا يعقل وجوده مع عدم العلة. وبعبارة أخرى: احتياج كل ممكن حادث الى علة لا ينفك عنها، ممنوع، لعدم البرهان عليه، بل البرهان على خلافه، فان الاختيار فعل النفس، والنفس توجده ولا تكون الامور الخارجية ولا الغرائز الداخلية التى أساسها حب البقاء المنشعب منه حس جلب النفع ودفع الضرر، إذ ربما يكون جميع ذلك موجودة والنفس متوجهة إليها ومع ذلك لا يختار الفعل.

[ 183 ]

وما ذكره المحقق الاصفهانى (ره) من أن دعوى عدم احتياج بعض الممكنات الى العلة من الغرائب، إذ الممكن مساوق للمفتقر. مندفع: بأنا لاندعى وجود الممكن بذاته وتلتزم بافتقاره الى الموجد، الا أنا نقول: ان احتياج كل ممكن ولو كان فعلا اختيارا الى العلة التامة - أي ما لانيفك الى الموجد والخالق والصانع. إذا عرفت هذه المقدمات، يظهر لك أن السبب لوجود الفعل الاختياري ليس هو الشوق، حتى تكون شبهة الجبر شبهة لا يمكن دفعها، بل السبب هو اعمال النفس قدرتها في الفعل وأنها تامة في الافعال الاختيارية بلا محرك آخر، فالجواب عنها واضح. ايرادات هذا الجواب ونقدها وربما يورد على هذا الجواب بايرادات: أحدها أن الاختيار بهذا المعنى حادث أم واجب، فان كان واجبا لزم أن يصحبه من أول وجوده، وان كان حادثا ولكل حادث محدث فوجود الاختيار يكون بايجاد الموجد. والموجد اما أن يكون هو أو غيره، فان كان هو بنفسه فان كان باختيار آخر لزم التسلسل، فلابد وأن يكون وجود الاختيار بغير الاختيار، فيكون مجبورا على الاختيار من غيره. وبما أن الجبر على العلة جبر على المعلول فالفعل يصدر حبرا. وبعبارة أخرى: الاختيار لا يكون واجبا بالبداهة بل هو ممكن وبما أن كل ممكن يحتاج في وجوده الى العلة التامة فهو معلول لعلة وتلك العلة اختيارية أم غير اختيارية، فان كانت اختيارية وصادرة عن اختيار آخر ينقل الكلام الى ذلك الاختيار، فلابد وأن ينتهى الى علة غير اختيارية والالزم التسلسل، فان انتهى الى علة غير اختيارية أو من الاول

[ 184 ]

التزمنا بذلك فيعود المحذور ويثبت الجبر، إذ القسر على العلة قسر على المعلول. وفيه: ان الجواب عن هذه الشبهة يتوقف على بيان مقدمتين: " الاولى " - انه لا يعتبر في انصاف الفعل بكونه اختياريا سوى القدرة عليه واستناد الفعل إليها، ولا يعتبر سبق الاختيار وان كان اختيارية الفعل الخارجي مساوقة لذلك. ولا يكفى مجرد القدرة، فلو كان الشخص قادرا على الذهاب الى محل خاص ولكن لم يعمل قدرته في ذلك بل أجبر عليه وكان بتحريك الغير، لا يكون هذا الفعل اخيتاريا. " الثانية " - ان كل ممكن بما أن الوجود والعدم بالاضافة إليه على حد سواء لا يعقل وجوده بنفسه، فلا محالة يحتاج الى الموجد ليخرج به عن حد الاستواء. وغير الافعال الاختيارية من الموجودات يحتاج الى العلة التامة، وأما الافعال الاختيارية فلا يتوقف صدورها عليها، بحيث يكون الموجد لها لا يكاد ينفك عنها كما عرفت. وبعبارة أخرى: دعوى احتياج الافعال الاختيارية الى شئ يستحيل انفكاكها عنه، من الاشتباهات الناشئة عن التعبير باحتياج الممكن في وجوده الى العلة. وبهذا البيان يندفع ما يقال: كيف يلتزم بوجود الصانع القديم وحدوث الممكنات، ولو كان الله تعالى علة لما أمكن التخلف ولزم القدم في جميع الممكنات. إذا عرفت هاتين المقدمتين فاعلم: ان اعمال القدرة والاختيار انما يكون فعلا قائما بالنفس، وهى موجدة له بنفسها ويكون هو اختياريا بلا احتياج الى العلة التامة. والنفس ليست علة تامة له حتى يستحيل انفكاكه عنها فيعود المحذور، بل النفس موجدة له، فقد يوجد الداعي لها فتوجده وأخرى لا ينقدح لها الداعي فلا توجده، فالفغل الخارجي اختياري للنفس بوساطة اختيارية فعل النفس لا بنفسه، لانه ليس من أفعالها مزاحم في سلطانها يكون الفعل الخارجي اختياريا للنفس. ومعنى كونه اختياريا لها صدوره مسبوقا بالاختيار، وأما فعل النفس، وهو اعمال القدرة، فهو اختياري لها بنفسه بلا وساطة شئ آخر وبلا احتياج الى سبق اختيار آخر. وهذا نظير العلم، حيث أن المعلوم ينكشف بوساطته وهو منكشف بنفسه. ولعل

[ 185 ]

هذا هو المراد من الرواية الشريفة المتضمنة انه " خلق الله المشيئة بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشيئة " 1، فلا وجه لتوجيهها بتوجيهات بعيدة كما عن بعض المحقين. وما ذكره المحقق الاصفهانى من أن ارادته تعالى التى هي أيضا من أفعاله، يستحيل أن تكون عين ذاته، لاستحالة كون الفعل عين فاعله، فلا محالة تكون قائمة بذاته. فان كانت قديمة بقدمه كان حال هذا القائل حال الاشعري الملتزم بقدم الصفات الزائدة على الذات وهو باطل بالضرورة. وان كانت حادثة كان محلها الواجب، إذ لا شئ آخر تقوم به، فيلزم كون الواجب محلا للحوادث، فيكون حال هذا القائل حال الكرامية القائلين بحدوث الصفات. مندفع بما ستعرف من أن ارادته تعالى من صفات الفعل لامن صفات الذات، وليست أفعاله تعالى نظير أفعالنا، بل ارادته ليست الا خلقه وارزاقه وغيرهما من أفعاله. وعليه فدعوى عدم كون ارادته من سنخ الافعال الصادرة عن الاختيار، حتى يكون موجودا قائما بنفسه أو بموجود آخر، فاسدة. وعلى الجملة ليس قيامها به الا كقيام سائر الافعال به، بل هي هي. الثاني ما في مقالات المحقق العراقى (ره) من أن انعزال الارادة (أي الشوق) عن التأثير وكون تمام المؤثر هو الاختيار (أي اعمال القدرة) خلاف الوجدان. كيف ويعتبر في العبادات أن تكون اراده قربية، ولو انعزلت الارادة عن التأثير فلا معنى لارادية العبادة ولا لنشؤها عن قصد القربة، وهو كما ترى. أقول: ينبغى أن يعد صدور هذا الكلام من هذا المحقق النحرير من الغرائب، وذلك لان المراد من ارادية الفعل صدوره عإن الاختيار الذى يكون واسطة بين الشوق والفعل، ومعنى اعتبار الارادة القربية في العبادة أنه حيث يكون الاختيار بدواعى مختلفة فيعتبر في العبادات أن يكون بداع القربة ويكون المحرك أمر المولى، وهذا لا ينافى ثبوت الواسطة بين الشوق والعمل.


1 - اصول الكافي 1 / 110 من طبعة طهران. (*)

[ 186 ]

الثالث ما في تقريرات بحثه، وحاصله: انا لا نتعقل شيئا في النفس يحدث بعد الارادة، إذ للنفس قسمان من الفعل الجانحى والجارحى، والاول ينحصر في التصور و التصديق ونحوهما مما يكون من مبادئ الارادة ولا يعقل تأخره عنها، والثانى نفس الافعال الخارجية. وفيه: ان المدعى ثبوت فعل من ما يكون من قبيل القسم الاول أي الفعل الجانحى، ولكن دعوى عدم معقولية تأخره عن الشوق فاسدة، إذ لو أريد تأخر ما يكون متقدما عليه، فهو واضح البطلان وأما لو أريد به وجود فعل آخر - وهو حملة النفس الذى عرفت أن الوجدان يساعد على وجوده - فهو لا يكون متقدما كى يلزم منه تأخر ما هو متقدم. عدم استحالة الترجيح بلا مرجح تذنيب لا يحفى أنه بعدما عرفت من عدم كون الشوق علة للفعل، فاعلم أنه الداعي والمرجح لوجود الاختيار غالبا، لان الاختيار في وجوده يحتاج الى موجد وهو النفس ومرجح وهو الشوق غالبا، والاحتياج الى المرجح انما يكون لاجل الخروج عن اللغوية، والا فيمكن ايجاد الفعل الاختياري بلا مرجح، لعدم استحالة الترجيح بلا مرجح. توضيح ذلك: انه لا اشكال ولا كلام في استحالة الترجح بلا مرحج، بمعنى وجود الشئ بلا موجود، لان الممكن في وجوده محتاج الى المؤثر وهو المرحج للوجود. وهذا من البداهة بمكان. وأما الترجيح بلا مرجح فقد وقع الخلاف في امكانه، فالتزم اكثر الفلاسفة والحكماء مامتناعة، وذهب جماعة من المحققين الى امكانه، وهو الاقوى عندي. إذ محصل البرهان الذى ذكر للامتناع أن الترجيح بلا مرجح يرجع الى الوجود بلا موجد، وحيث أنه محال فهذا أيضا محال. توضيحه: أنه لو فرضنا تساوى الفعلين من

[ 187 ]

جميع الجهات وكانت نسبة الارادة اليهما متساوية فتعلق الارادة الذى هو موجود من الموجودات بأحدهما دون الاخر يكون بلا مرجح وبلا موجد، فيلزم الوجود بلا موجد، ومن البديهى امتناعه. وفيه: انه بعد ما عرفت من أن الموجد للاختيار هو النفس لا يلزم الوجود بلا موجد من الترجيح بلا مرجح، إذ ليس لتعلق الارادة بالفعل وجود آخر غير وجود الارادة والاختيار، بل للاختيار وتعلقه بالفعل وجود واحد، لكونه من الصفات التعلقية، وموجد هذا الوجود هو النفس. فلا يلزم المحذور المذكور، اذلها الخيار في ايجاد كل منهما، فلا يترتب على ايجاد أحدهما دون الاخر محذور عقلي، فالاقوى بحسب البرهان امكان الترجيح بلا مرجح. ويضاف الى ذلك الوجدان، فراجعة في موارده ترى أن ما ادعيناه واضح لاسترة عليه. بداهة أن الهارب يختار أحد الطرفين مع عدم مرجح له بالخصوص. ودعوى وجود المرجحات الخفية في أمثال هذا المورد. لا يمكن المساعدة عليها، فعهدة اثباتها على مدعيها. هذا كله في امكان الترجيح بلا مرجح. وأما الكلام في قبحه، فالحق هو التفصيل. توضيح ذلك: أن ترجيح المرجوح على الراجح قبيح، ومنه ترجيح الفعل على الترك إذا كان مرجوحا، وأما إذا تساويا فان لم يكن ترجيح في نوع الفعل: بأن لم لم تترتب فائدة على الفعلين أصلا، يكون قبيحا أيضا، إذ مرجع ذلك الى ايجاد الفعل بلا فائدة، وهو قبيح لكونه عبثا. وأما إذا كان المرجح في النوع ولم يكن في واحد بالخصوص فلابد من التفصيل بين التكوينيات والتشريعيات، والالتزام بالقبح في الثانية دون الاولى، وذلك لانه في التشريعات إذا فرضنا قيام المصلحة بالجامع بين الفعلين أو بكل منهما ولم يكن لاحدهما ترجيح على الاخر، فحيث أن الامر بالجامع أو أحدهما ممكن لا محذور فيه، كما هو المفروض. فالامر بأحدهما لا وجه له، لان المصلحة لا تختص به، فالتخصيص قبيح. وأما في التكوينيات أن اختيار الجامع وايجاده بلا خصوصية محال وما يوجد لا محالة يكون مع احدى الخصوصيتين فلا يكون ترجيح أحدهما قبيحا، بداهة

[ 188 ]

أن الجائع يختار أحد القرصين مع عدم مرجح لاحدهما، ولا يعد فعله قبيحا، بل قد يعد عدم الترجيح قبيحا، كما لو لم يختر أحدهما حتى مات من الجوع. قانون الوراثة وقد يستدل للجبروت بقانون الوراثة والعادة: وتقريب الاول: انه لا اشكال ولا ريب في أن الاوصاف الجسمية والروحية للابوين لها تأثير تام في صفات الولد، وهى تكون سببا للفعل ومؤثرة فيه بلا كلام. ولكنه يندفع: بأن قانون الوراثة لا ينكر وقد أشير إليه في كثير من الروايات، ولذلك حدد الشارع الاقدس للتزويج حدودا من الطرفين معللة بتأثير روحيات الابوين في الولد، الا أنه ليس تأثير ذلك قطعيا لا يتخلف، وذلك لما نرى بالوجدان أنه ربما يتولد من الابوين الخبيثين أولاد طيبون وبالعكس. وأيضا لو كان تأثير ذلك قطعيا لا يتخلف لكانت التربية لغوا. أضف اليهما أنا نرى بالوجدان أنه قد يغير الاداب والرسوم في زمان واحد في مجتمع، وهذا أقوى شاهد على أن الوراثة لا تقدر على اجبار الانسان، مع أن القوانين المجعولة للاقوام والملل تصلح شاهدة على ذلك. الاعتياد وتقريب الثاني: ان العادة من الغرائز الداخلية الارتكازية الموجبة بعد طى مراحلها الثلاث، لصيرورة الفعل غير اختياري، وقالوا: ان العادة طبيعة ثانوية، وان العادة توجب كون الفعل غير ارادي. أقول: ان العادة لا تصلح مانعة عن تسلط الحقيقة الانية ونظارتها على الغرائز الداخلية والاعضاء الظاهرية. وصيرورة الفعل غير اختياري فانها وان كانت توجب عدم

[ 189 ]

التوجه حين الاتيان بالفعل بخصوصياته وعدم تعلق الارادة التفصيلية المستقلة بكل جزء من أجزائه ولكنها لا تصير سببا لعدم التمكن من ترك الفعل، وليس معنى اختيارية الفعل الا ذلك. الندامة واحساس المسؤولية وبعدما عرفت من عدم تمامية ما استدل به على الجبر به حيث العوامل الطبيعية يمكن أن يستدل للاختيار من تلك الناحية بوجوده: منها انه لا اشكال في أن لكل فرد من أفراد الانسان يجد في نفسه حالة الندامة وفي غيره آثارها مع التفصير في بعض الافعال الموجب لتوجه ضرر إليه أو الى غيره أو سلب نفع عنه، ولا يجدها مع عدم التقصير كما لو وجد ذلك الفعل من غير اختيار، وليس ذلك الا من جهة كون الاول اختياريا دون الثاني. مثلا: إذا لم يقم لمن يلزم احترامه وانطبق عليه عنوان الهتك والاهانة، فان كان ذلك عن تقصير تحصل الندامة، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، كما إذا لم يتوجه الى وروده، وهكذا في سائر الافعال. وهذه آية قطعية على اختيارية بعض الافعال. ومنها ان الانسان يحس بالمسؤولية أمام القانون أعم من الالهى أو الحكومي، ولو لم يكن هناك اختيار لما كان لذلك وجه، لان العمل غير الاختياري لا يصح المؤاخذة عليه عقلا. فان قيل: ان احساس المسؤولية انما هو من جهة جعل الجزاء على العمل، وهو انما يكون من جهة تأثيره في تبديل العمل. وبعبارة أوضح: ان جعل ذلك انما هو اضافة عامل داخلي آخر الى العوامل الداخلية المؤثرة في الارادة والاختيار جبرا، فلا يكون ذلك آية كون الاختيار اختياريا.

[ 190 ]

قلنا: ان فرض تأثير هذا الجعل في تغيير مصير الارادة فرض اخيتارية الارادة، إذ لو لا كونها اختيارية لم يكن يؤثر هذا الجعل في تغييرها. الاستدلال للجبر بمبدئية الله سبحانه القسم الثاني ما استدل به للجبر من ناحية ما وراء الطبيعة، وهو أمور: أحدها أنه قد ثبت في محله أن الله تعالى خالق لجميع الموجودات وانه مبدأ الكل ولا مؤثر في الوجود الا هو، ومن جملة الاشياء أفعالنا الاختيارية، فهى مخلوقة لله سبحانه ابداعا واحداثا، قال الله عز وجل " ذلك الله ربكم خالق كل شئ لا اله الا هو " 1، وقال سبحانه، " وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم " 2 وقال " ألا له الخلق والامر " 3 فكل ما يصدق عليه اسم شئ - ومن ذلك الافعال الاختيارية - فهو مخلوق لله تعالى منسوب إليه. أقول: انه كما لا تنافى بين تأثير العلل والاسباب الطبيعية في المعلولات والمسببات نظير تأثير النار في الحرارة وماشا كل، وبين مبدئيته تعالى بعد كون زمام أمر العلل والاسباب بيده سبحانه، ولذلك قد يسند القرآن الافعال الطبيعية الى فواعلها، وقد يسند الجميع الى الله سبحانه. كذلك لا تنافى بين كون الفعل الاختياري منسوبا الى الانسان وبين استناده الى الله تعالى بعد كون أصل وجوده وحياته وقدرته حدوثا وبقاءا بافاضة من الله. ولذلك نرى أنه قد جمع في كثير من الايات بين الاثباتين جميعا، فنسب الفعل الى فاعله والى الله سبحانه، كقوله تعالى " والله خلقكم وما تعلمون " 4، فنسب أعمال الناس


1 - سورة المؤمن: 26. 2 - سورة الانعام: 10. 3 - سورة الاعراف: 53. 4 - سورة الصافات: 95. (*)

[ 191 ]

إليهم ونسب خلق أنفسهم وأعمالهم إليه تعالى، وقوله عز وجل " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " 1 فنسب الرمى الى رسول الله ونفاه عنه ونسبه إليه تعالى. مع أن الايات المشار إليها انما هي في غير الافعال الاختيارية، بل فيما يجعل شريكا لله تعالى من الجن والشمس والقمر وماشا كل ذلك وتدل على أنها بأجمعها مخلوقة له. أضعف الى ذلك أن غاية ما هناك دلالة الايات على كون جميع الاشياء مخلوقة لله تعالى، ومنها الافعال الاختيارية، فيخصص عمومها بالايات الكثيرة المتضمنة لنسبة الافعال الاختيارية الى العباد البالغة مائة آية، كقوله تعالى " كل نفس بما كسبت رهينة " 2 وقوله سبحانه " فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دسيها " 3 الى غير ذلك من الايات الكريمة. بل لو تدبرنا في القرآن الكريم نجد أنه تعالى نسب في ما يقرب من ثلاثمائة آية العمل والفعل الى الانسان، وعليه فلا شك في تخصيص الاية الشريفة بها. الاستدلال للجبر بانتهاء الافعال الى ارادة الله تعالى ثانيهما ان أفعال العباد اما أن تكون متعلقة لمشيئة الله وارادته الازلية، واما أن لا تكون كذلك. وعلى الاول يجب وجودها والالزم تخلف المراد عن ارادته، وعلى الثاني يمتنع وجودها، إذ بما أن أفعال العباد من الممكنات وكل ممكن لابد وأن يوجد بارادته والالزم التصرف في سلطان المولى، فيمتنع وجودها ان لم تكن ارادته تعالى متعلقة بها، فجميع أفعال العباد انما توجد بارادة الله فيجب وجودها وليس للعبد اختيار في الفعل.


1 - سورة الانفال: 18. 2 - سورة المدثر: 38. 3 - سورة الشمس: 7 و 8 و 9. (*)

[ 192 ]

توضيح كلام المحقق الخراساني وأجاب عنه المحقق الخراسان (ره) في الكفاية - بعد ما وجه تكليف العصاة بأن ارادته تعالى هو العلم بالصلاح، فان كان المعلوم ما هو صلاح بحسب النظام الكلى فنفس هذا العلم من دون حالة منتظرة علة للتكوين، وان المعلوم ما هو صلاح بحسب بعض الاشخاص لا بحسب النظام التام فهو علة لا علام ذلك الشخص بما هو صلاحه وفيه المصلحة والمفسدة، وما لا محيص عنه في الافعال الاخيتارية المتعلقة للتكاليف هو الثاني دون الاول. نعم إذا توافقا لابد من الاطاعة والايمان، وان تخالفا لا محيص عن اختيار الكفر والعصيان. وأورد على نفسه: بأنه إذا كان الكفر والعصيان والاطاعة والايمان بارادة الله تعالى التكوينية التى لا تتخلف عن المراد، فلا يصح أن يتعلق بها التكليف لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلا. بما حاصله بتوضيح منا: ان ارادة الله تعالى لو كانت متعلقة بفعل العبد وان لم يرد لكان ذلك مستلزما للجبر وعدم قدرة العبد وارادته في الفعل لفرض وجوب صدوره، ففيما اراده العبد من باب الاتفاق يكونان، أي الفعل والارادة معلولين لعلة واحدة وهى الارادة الالهية. واما ان كانت متعلقة بفعله بما له من المبادئ المصححة لاختياريته في حد ذاته من القدرة والارادة والشعور، فلا يستلزم ذلك الجبر، لفرض عدم تعلق الارادة بالفعل وان لم يرده العبد بل بماله من المبادئ الاختيارية أيضا، فلا مجال لدعوى الاختيارية لوجوب الصدور. ثم أورد على نفسه أيضا: بأن ما ذكر يكفى في صحة التكليف ويخرج بذلك عن اللغوية. لا أنه يبقى السؤال عن وجه المؤاخذة والعقاب، لان اشكال وجوب الفعل بارادة الباري - الذى توهمه الاشعري - يندفع بما ذكر، كما أن اشكال وجوب الفعل بارادة الفاعل مندفع بأن ذلك يؤكد اراديته، الا أن اشكال وجوب الارادة نفسها التى هي من الممكنات المستندة الى ارادة الباري الواجبة بالذات الموجبة لعدم اختيارية الفعل

[ 193 ]

المعلول لها لان الجبر على العلة جبر على المعلول، يبقى بحاله. ومعه لا يصح العقاب، لانه لا يصح المؤاخذة على ما يكون بالاخرة بلا اختيار. وأجاب عنه: بأن العقاب تابع للكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن الشقاوة الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما. وليس مراده بذلك ما حتمله بعص من أن المثوبة والعقوبة من تبعات الافعال ولوازم الاعمال ونتائج الملكات الفاضلة وآثار الملكات الرذيلة، ومثله هذه القعوبة على النفس لخطيئتها كالمرض على البدن، المؤيد ذلك بقوله تعالى " هل يجزون الا بما كانوا يعلمون " 1. وقوله عليه السلام " انما هي أعمالكم ترد اليكم ". لامن جهة منافاة ذلك لظاهر الكتاب والسنة، فانه يمكن أن يقال: ان المادة حيث كانت مستعدة فهى مستحقة لافاضة الصورة المنافرة من الله تعالى، ونسبة التعذيب والادخال في النار إليه تعالى بملاحظة أن افاضة تلك الصورة المؤلمة منه تعالى بتوسط ملائكة العذاب. بل من جهة أن الجواب لا يناسب مع مبنى الاشكال، وهو أنه كيف يؤاخذ على مالا ينتهى بالاخرة الى الاختيار، ولا مع قوله بأنه عقاب على الكفر والعصيان الناشئين عن الاختيار. بل الظاهر أن مراده أن العقاب انما هو من معاقب خارجي، غاية الامر يكفى في صحة المؤاخذة التى يكون استحقاقها بحكم العقل والعقلاء، هذا المقدار من الاختيار المصحح للتكليف، كما نشاهد ذلك بالنسبة الى الموالى العرفية ومؤاخذة العبد إذا أمروه بشئ وخالفه، إذ لو كان الفعل بمجرد استناده الى الله تعالى غير اختياري وغير صالح المؤاخذة لما صحت مؤاخذة الموالى العرفية أيضا، وإذا كان الفعل في حد ذاته قابلا للمؤاخذة عليه لم يكن هناك فرق بن كون المؤاخذة ممن انتهت إليه سلسلة الارادة أو غيره. غاية الامر يبقى سؤال، وهو أنه تعالى لم أوجد من سيوجد منه المهلكات، أو لم


1 - سورة الاعراف: 146، وسورة سبا: 32. (*)

[ 194 ]

أوجد نفس مقدمات الاختيار الموجبة لانواع العقوبات، وهل لا يكون ذلك منافيا لرحمة رب الارباب ؟ و الظاهر أن قوله " اللازمة لخصوص ذاتهما " الخ، اشارة الى الجواب عن ذلك. وجه ايجاد من سيوجد منه المهلكات وحاصله كما أفاده بعض المحققين يظهر بعد بيان مقدمات: الاولى ان لكل ماهية من الماهيات في حد ذاتها حدا معنيا بحيث لو زيد عليه أو نقص عنه خرجت عن كونها تلك الماهية. مثلا: ماهية الشجر جوهر ممتد نام، ولو زيد عليه الحاسبة صار حيوانا، ولو نقص عنه النمو صار جمادا. الثانية ان لماهية الاشياء نحو وجود في العلم الازلي الربوبى بتبع العلم بالوجودات. الثالثة: ان المجعول باللاصالة هو الوجود والماهية ومجعولة بالتبع والعرض، و وجدانها لذاتها وذاتياتها ولوازمها غير محتاج الى جعل وتأثير، ولا يعقل الجعل بين الشئ ونفسه ولا بينه وبين لوازمه. الرابعة ان كل ممكن غير متوقف على ممتنع بالذات يجب وجوده، إذ لا نقص في طرف مبدأ المبادئ ولا في المعلول لفرض امكانه ولا في الوسائط والاسباب لفرض عدم التوقف على الممتنع بالذات، وغيره يجرى فيه هذا البيان. إذا عرفت هذه المقدمات يظهر لك أن تفاوت الماهيات في أنفسها ولوازمها بنفس ذواتها لا يجعل جاعل وتأثير مؤثر، فمنهم شقى ومنهم سعيد بنفس ذاته وما هويته، حيث أن الماهيات كانت موجودة في العلم الازلي وطلبت بلسان حال استعدادها الدخول في دار الوجود، وكان معطى الوجود فياضا بذاته غنيا بنفسه فيجب عليه افاضة الوجود ويمتنع عليه الامساك عنه، وحيث ان الجود بمقدار قبول القابل وعلى طبق حال السائل كانت الافاضة عدلا وصوابا.

[ 195 ]

فالاعتراض ان كان بالقياس الى الماهية فهو باطل بأن الشقى شقى فيه حد ذاته والسعيد سعيد في حد ذاته، وان كان بالاضافة الى الوجود فيدفعه أو افاضة الوجود على وفق قبول القابل عدل وصواب. ويمكن أن يقال: ان ما في النبوى الشريف مع قطع النظر عما ورد في تفسيره " الشقى من شقى في بطن أإمه والسعيد من سعد في بطن أمع " 1 يكون اشارة الى ذلك، والاختصاص ببطن الام اما لانه أول النشأت الوجودية عند الجمهور، أو أن المراد بالبطن مكنون الماهية، واطلاق الام على الماهية بلحاظ جهة قبولها كما أطلق الاب على الله تعالى في بعض الكتب السماوية بلحاظ جهة فاعليته. الموجب لاختيار الله تعالى العقاب ويبقى السؤال عن أنه: ما الموجب لاختيار الله تعالى العقاب بعد استحالة التشقى في حقه ؟ ويمكن الجواب عنه بوجهين: احدهما ما عن جماعة من الاساطين منهم الشيخ الرئيس والمحقق الاصفهانى (ره) وهو أن التعذيب من باب تصديق التخويف والايفاء بالوعيد الواجبين في الحكمة الالهية، فان اخلاف الميعاد مناف للحكمة وموجب لعدم ارتداع النفوس من التوعيد. قلنا: ان وجهه حفظ النظام، والحكيم يراعى المصلحة العامة الكلية، فكما لو لا تخويف من يرتدع حقيقة بالردع لما ارتدع فلم يبق نظام الكل محفوظا كذلك لو احتمل المجرم بما هو مجرم أنه يا يعذب، فعموم التخويف له دخل في حفظ النظام الذى لا أتم


1 - التوحيد للصدوق ص 356 من طبعة طهران باب السعادة والشقاوة، والبحار الجزء الخامس ص 9 طبعة طهران رواه عن تفسير على بن ابراهيم. (*)

[ 196 ]

منه نظام. ثانيهما ان استحقاق العقاب انما هو بحكم العقل، من جهة أن العصيان والمخالفة خروج عن زى الرقية ورسم العبودية، وهو ظلم والظالم يستحق العقاب. هذا كله فيما يرجع الى شرح مطالب الكفاية، وانما أطلنا الكلام في ذلك دفعا للشبهة المغروسة في أذهان الاكثر من أن المحقق الخراساني يصرح بالجبر. ومع ذلك ففى كلامه مواقع للنظر يظهر عند بيان المختار في الجواب عن هذا الوجه. ارادة الله تعالى على فسمين وحاصله يبتنى على بيان أمور: الاول ان ارادة الله تعالى على قسمين التكوينية والتشريعية، والمراد بالاولى هو فعله تعالى واحداثه وخلقه كما نطقت بذلك النصوص الكثيرة. لا حظ صحيح صفوان بن يحيى قلت لابي الحسن عليه السلام: أخبرني عن الارادة من الله ومن الخلق ؟ فقال (ع): الارادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأما من الله تعالى فارادته احداثه لا غير ذلك، لانه لا يروى ولايهم ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه وهى صفات الخلق، فارادة الله لا غير ذلك، يقوله له كن فيكون بلالفظ ولا نطق بلسان ولاهمة ولا تفكر ولا كيف لذلك كما أنه لا كيف له 1 ونحوه غيره. والمراد بالارادة التشريعية جعل الاحكام، وبما ذكرناه يظهر أن ما أفاده المحقق الخراساني (قده) تبعا للحكماء والفلاسفة من تفسير ارادة الله تعالى بالعلم في غير محله، فان العلم عين ذاته تعالى والارادة فعله واحداثه، وبينهما بون بعيد.


1 - اصول الكافي 1 / 109 باب ان الارادة من صفات الفعل، من طبعة طهران. (*)

[ 197 ]

وأضعف من ذلك ما عن جماعة منهم، من ارحاع الارادة في الله تعالى الى العلم مفهوما، مع أنه لو أغمض عما ذكرناه وسلم كونها عين ذاتهت، ما استدلوا به على تغاير العلم و القدرة والحياة في الله سبحانه، يجرى في الارادة أيضا. والوجدان أقوى شاهد على التغاير، فان قولنا " الله عالم " و " الله مريد " ليسا من قبيل المترادفين نظير " زيد انسان " و " زيد بشر " بل الضرورة قاضية بأنه بفهم من كملة " الله عالم " شئ " ومن كلمة " الله مريد " شئ آخر. وأيضا قاضية بأن الاعتقاد بان الله تعالى عالم ليس اعتقادا بأنه مريد، والبرهان على كونه عالما لا يكون برهانا على أنه مريد. نعم لو التزمنا بثبوت ارادة ذاتية فيه سبحانه وراء لارادة في مرتبة فعله، لا مصداق له فيه سوى علمه تعالى، ولكن لا دليل على ثبوتها. ارادة الله من صفات الفعل الامر الثاني ان ارادة الله تعالى من صفات الفعل لامن الصفات الذاتية، وذلك لوجوه: الاول انطباق ما ذكرناه ضابطا لصفات الفعل من اتصافه بما يقابلها أيضا على ارادته، ويقال: ان الله تعالى مريد لو لوجود الانسان وغير مريد لوجود العنقاء. الثاني ان وجود الموجودات ليس كمالا له تعالى حتى تكون ارادة وجودها من الصفات الكمالية الذاتية. الثالث تطابق الروايات الوارادة عن المعصومين عليهم السلام على ذلك. لا حظ صحيح عاصم بن حميد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت قال لم يزل الله مريدا. قال (ع): ان المريد لا يكون الا المراد معهت، لم يزل الله عالما قادرا ثم أراد 1. وهذا الخبر صريح في أن ارادته ليست من الصفات الذاتية.


1 - اصول الكافي 1 / 109. (*)

[ 198 ]

وصحيح محمد بن مسلم عنه عليه السلام: المشيئة محدثة 1. ونحوهما غيرهما. افعال العباد غير متعلقة لارادة الله تعالى الثالث ان ارادته تعالى لو كانت من الصفات الذاتية كالعلم والقدرة لكانت متعلقة بجميع الممكنات، ومنها أفعالنا لان الصفات الذاتية المتحدة مع الذات متعلقة بالجميع، والا فلو لم تكن متعلقة ببعض الممكنات لصح سلبها عنه تعالى بالاضافة إليه. وقد تقدم أن الصفات الذاتية لا يمكن سلبها عنه. ولكن بعد ما عرفت من أنها من صفات الفعل، فاعلم أن متعلقها الاعيان الخارجية وأفعاله، وأما افعال العباد فلا تكون متعلقة لارادته تعالى وان كان فيض الوجود والقدرة وساير المبادئ من قبل الله تبارك وتعالى، بل موحد فعل العبد هو النفس بوساطة اعمال القدره بلا دخل لارادته فيه، فلا تكون أفعال العباد متعلقة لارادته حتى يلزم الجبر. ولائمتنا الاطهار عليهم الصلاة والسلام كلمات في هذا الموضوع تشير الى ما ذكرناه: منها ما رواه المحقق المجلسي عن امامنا الهادى عليه السلام أنه سئل عن أفعال العباد أهى مخلوقة الله ؟ فقال: لو كان خالقا لها لما تبرأ منها 2. ومنها خبر صالح النيلى عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث: ولكن حين كفر كان في ارادة الله تعالى أن يكفر، وهم في ارادة الله وفي عمله أن لا يصيروا الى شئ من الخير. قلت: أراد منهم ان يكفروا ؟ قال عليه السلام: ليس هكذا أقول، ولكني اقول علم أنهم سيكفرون 3. ونحوهما غيرهما. وعلى الجملة كون ارادة الله تعالى من الصفات الفعلية وعدم تعلقها بأفعال العباد الاختيارية، ينبغى أن يعد من الامور المسلمة.


1 - اصول الكافي 1 / 110 من طبعة طهران. 2 - البحار، الجزء الخامس ص 20، من طبعة طهران. 3 - اصول الكافي 1 / 162 من طبعة طهران، باب الاستطاعة. (*)

[ 199 ]

وما عن المتكلمين من النزاع والجدال في أن ارادته تعالى حادثة أم قديمة، يبتنى على أن يكون المراد من الارادة هو الشوق. ولكن بعد ما عرفت من أن الارادة عبارة عن اعمال القدرة، فكل ما قيل في هذا المقام في غير محله، إذ على ذلك لا ريب في أنها حادثة مخلوقة له. فان قلت: ان ارادته تعالى وان لم تكن متعلقة بفعل العبد الا أن ارادة العبد بما أنها خارجة عن تحت قدرته فهى معلولة لارادته تعالى وموجودة بايحاده، فتكون ارادته علة لعلة الفعل، فتكون العلة واجبة الصدور والالزم تخلف مراده عن ارادته، فالفعل ايضا يكون واجب الصدور، لان الجبر على العلة جبر على المعلول. توجه عليك ما تقدم مفصلا من أن الاختيار فعل النفس. وهى موجدة له واختياري بنفس ذاته، فلا تكون ارادة العبد متعلقة لالرادة الله. إذا تبينت لك هذه الامور انكشف جليا دفع هذا الوجه، فان ارادة الله تعالى لا تكون متعلقة بأفعال العباد ليلزم وجودها ولا يلزم من وجودها من دون تعلق ارادته به التصرف في سلطان المولى، بعد كون المبادئ بأجمعها تحت اختياره وقدرته كما مر، فلا جبر. الايات التى استدل بها على تعلق ارادة الله تعالى بالافعال وقد يقال: ان في القرآن الكريم قد انتسب الارادة ومشقاتها في ثلاث وأربعين آية الى الله تعالى، وعلى ذلك فهى متعلقة بأفعال العباد وارادته لا تتخلف عن المراد، فيعود محذور الجبر. ولكن يرد عليه أن تلك الايات على طوائف: الاولى الايات الدالة على عدم تخلف المراد عن ارادته، نظير قوله تعالى " انما امره

[ 200 ]

إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون " 1، وقوله عز وجل " قل فمن يملك من الله شيئا ان ارد بكم ضرا أو أرد بكم نفعا " 2. وهذه الطائفة لا تعين ما تتعلق به الارادة، بل تدل على أنه ان تعلقت ارادته بشئ يتحقق ذلك الشئ. وهذا مما لا كلام فيه ولا نزاع حوله. الثانية الايات المتصمنة لجعل ارادة الانسان موردا لارادة الله تعالى، كقوله سبحان " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا * ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا 3. وهذه الطائفة لا تدل على تعلق ارادة الله بالفعل الاختياري، بل تدل على أن الانسان مختار في كل ما يريد ولا يكون مجبورا فيه، غاية الامران الله تعالى يمد الفاعل المختار أيا ما أراد باعطاء الوجود والقدرة وسائر مبادئ الفعل، فهذه الطائفة تدل على الاختيار دون الجبر. الثالثة ما يدل على أن الله تعالى لا يريد الظلم، نظير قوله سبحانه " وما ما الله يريد ظلما العالمين " 4. وعدم دلالة هذه على المدعى واضح. نعم ان كان للوصف واللقب مفهوم لكانت دالة على ارادة غير الظلم. الرابعة ما دل على تعلق ارادته باليسر، كقوله تعالى " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " 5. وهذه الطائفة دالة التشريعية باليسر دون العسر، وقد مر أنها


1 - سورة يس: 82. 2 - سورة الفتح: 11. 3 - سورة الاسراء: 18 و 19 و 20. 4 - سورة آل عمران: 108. 5 - سورة البقرة: 185. (*)

[ 201 ]

تتخلف عن المراد. وأما الاية الكريمة " ولا ينفعكم نصحي ان أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم واليه ترجعون " 1 التى توهم دلالتها على ذلك، بتقريب انها تدل على أن عدم ايمان قوم نوح عليه السلام انما كان من جهة ارادة الله مالى المتعلقة بأفعالهم. فيرد على الاستدلال بها: الغى ليس بمعنى الضلالة، بل من المحتل ارادة اليأس أو العقاب منه. وعلى الاول تدل الاية على أن اليأس الذى هو نتيجة أفعالهم الاختيارية مورد لارادة الله تعالى، وارادة النتيجة غير ارادة الفعل وبه يظهر ما فيه على الثاني، مع أنه لو كان بمعنى الضلالة يرد على الاستدلال بها ما سيأتي في الايات التى نسب فيها الضلال الى الله. وأما الاية الشريفة " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا مؤمنون " 2. فذيلها قرينة على أن جعل الله تعالى صدذره ضيقا انما هو من جهة أن الكافر لم يؤمن باختياره، فيكون سبيل الاية الكريمة سبيل النصوص الكثيرة الدالة على ان العبد ربما يكون مخذولا ومحروما من عناية الله تعالى بسبب ارتكابه بعض المعاصي، كما أنه ربما يكون موفقا بالحسنات والخيرات بواسطة التزامه ببعض الخيرات والحسنات فبعضها يكون معدا للاخر ويعطى القابلية لان يوفقه الله تعالى لمرضاته، وإذا ثبت ذلك في الضلالة ثبت في الهداية أيضا. المشيئة الالهية وافعال العباد ولا يخفى أن كثير من الايات الكريمة تضمنت للمشيئة الالهية، واستدل بها تارة


1 - سورة هود: 34. 2 - سورة الانعام: 152. (*)

[ 202 ]

لكون أفعال العباد الاختيارية متعلقة لها، فلابد من وجودها لاتحاد الاردة والمشيئة، وأخرى للحبر، كقوله تعالى " وما نشاؤن الا أن يشاء الله " 1، وقوله سبحانه " قل الله يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب " وقوله عز وجل " لله ما في السماوات وما في الارض وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " 3، وقوله تعالى " لتدخلن المسجد الحرام انشاء الله آمنين محلقين رؤسكم " 4، وقوله سبحانه " ستجدني انشاء الله صابرا " 5، وقوله تعالى " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا الا ما شاء الله " 6، وقوله عز وجل " لو يشاء الله لهدى الناس جميعا " 7، وقوله تعالى " ولا تقوللن لشئ انى فاعل ذلك عذا الا أن يشاء الله " 8 الى غير ذلك من الايات المتضمنة للمشيئة البالغة مائتي آية. ولكن لادلة في شئ منها على ما استدل بها له. أما الاية الاولى وما بضممونها، فلان صدرها متضمن لبيان أن القرآن يكون هاديا وان الانسان يكون متمكنا من الهداية الى الحق بواسطته، ولكن الضالين لا يشاؤن هذه الهداية بسوء اختيارهم. فهى بقرينته تدل على أن الله تعالى لو شاء أن يجبرهم على أن يتخذوا الى ربهم سبيلا كان له ذلك، ولكنه لم يشأ لان دار الدنيا دار الاسباب والاختيار، بل جعل ذلك تحت اختيارهم ومشيئتهم. ويمكن أن يقال: ان المراد بها " ما تشاؤن الاسلام الا أن يشاء الله أن يلطف لكم في الاستقامة "، لما في الكلام من معنى النعمة.


1 - سورة الانسان: 30، وسورة التكوير: 28. 2 - سورة الرعد: 27. 3 - سورة البقرة: 284. 4 - سورة الفتح: 27. 5 - سورة الكهف: 96. 6 - سورة يونس: 49. 7 - سورة الرعد: 31. 8 - سورة الكهف: 24. (*)

[ 203 ]

وأما الاية الثانية وما بمضمونها نظير قوله تعالى " والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم " 1، وقوله سبحانه " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء " 2، وقوله " انك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء " 3 الى غير ذلك من الايات، فهى تدل على أن الهداية الخاصة وكذا ما يقابلها مختصة بطائفة خاصة. توضيحة: ان الهداية هي الارشاد والدلالة، والهدى ضد الضلال، والهداية من الله تعالى على قسمين عامة وخاصة، والاولى قد تكون تكوينية وقد تكون تشريعية. والهداية العامة التكوينية ما أعدها الله تعالى في طبيعة كل موجود، فهى تسرى بطبعها أو باختيارها نحو كمالها، الفارة تفر من الهرة ولا تفر من الشاة، والنمل يهتدى الى تشكيل جمعية وحكومة، والطفل يهتدى الى ثدى امه. وهكذا، قال " ربنا الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى " 4. والهداية التشريعية العامة هي افاضة العقل على الانسان العقل على الانسان ثم ارسال الرسل وانزال الكتب. وأما الهداية الخاصة فهى عناية ربانية خص الله بها بعض عباده حسب ما تقتضيه حكمته، فيهئ له ما به يهتدى الى كماله ويصل الى المقصودة، ولو لا تسديده لوقع في الغى والضلالة، ومع ذلك لا يكون مجبورا في ذلك. وفي امثال هذه الاية أشير نكته لطيفة، وهى الرد على القائلين باله الخير واله الشر، أي المجوس الملتزمين بأن وسائل الشر انما تكون متحققة بايجاد اله الشر وان الله تعالى لا يهئ تلك الوسائل، وتدل على ان الأسباب كلها من الله تعالى. وأما الاية الثالثة وما بمضمونها فانما تدل على أن جميع الافعال واقعة تحت المحاسبة، سواء أكانت ظاهرة أم لا، غاية الامر الله تعالى أن يغفر لمن يشاء.


1 - سورة البقرة: 212. 2 - سورة الانعام: 144. 3 - سورة العنكبوت: 69. 4 - سورة طه: 50. (*)

[ 204 ]

وأما الرابعة والخامسة وما بمضمونهما من الايات فغاية ما تدل عليه أنه حيث يحتمل من يريد أن يعمل عملا أن يحدث ما يمنع عنه، فعليه أن يتوجه الى الله تعالى ويسأله أن تكون الحوادث بنحو لا تمنعه عما يريد. وأما السادسة وما بمضمونها فملخص القول فيها ان المراد بالنفع والضرر ان كان هو الطبيعي منهما فعدم ارتباطها بالمقام ظاهر، وان كان ما ينشأ عن عدم العمل بالوظائف فكونه منوطا بمشيئة الله تعالى انما هو من جهة كون جعل الوظيفة وبيانها على الله تعالى. وبما ذكرناه في الايات السابقة يظهر ما في السابعة والثامنة. الاستدلال للجبر بعلم الله تعالى ثالثها ان الثابت في محله أن علمه تعالى متعلق بجميع الموجودات ولم يخرج شئ عن تحت علمه، ومنها أفعالنا، فكل ما يصدر منا متعلق لعلمه فيجب وجوده والالزم كون عمله تعالى جهلا. وان شئت قلت: انه لتعلق علمه بالفعل لابد وأن يوجد الفعل جبرا، أو يتبدل علمه بالجهل، وحيث أن الثاني محال فيتعين الاول. ويتضح الجواب عن ذلك ببيان أمور: الاول ان علمه تعالى لا يكون متعلقا بأفعالنا فقط، بل هو متعلق بها وبمقدماتها، والالزم كون علمه محدودا واتصافه بمقابل العلم وهذا ينافى كون العلم من الصفات الذاتية. وحيث ان من مقدمات الفعل الاخيتارى الاختيار والارادة، فيكون عالما بصدور الفعل عن الاختيار. ولو التزاما بالجبر ولزوم صدور الفعل لزم انقلاب علمه جهلا، إذ المعلوم كون الفعل صادرا عن الاختيار، والواقع صدوره جبرا. الثاني أن علمه تعالى ليس علة للفعل، كما أن علمنا بأنا سنفعل كذ لا يكون هذا العلم علة لذلك الفعل، فان حقيقة العلم هو انكشاف الواقع على ما هو عليه ولا ربط لذلك بصدور ذلك الفعل ليكون علة له. وأيضا فلو كان علمه علة لم يكن هناك حاجة الى الارادة، وقد قال الله تعالى

[ 205 ]

" وانما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " 1 وفي غير ذلك من الايات والروايات جعلت الارادة غير العلم، وقد تقدمت. وقد عرفت أن تفسير جماعة ارادته تعالى بعلمه غلط واشتباه مناف للاخبار والايات. فان قيل: ما معنى تصريح كثير من الفلاسفة بأن علمه تعالى فعلى لا انفعالي، بعد كون طاهره أن علمه ليس تابعا للمعلوم بل المعلوم تعابع له ؟ قلنا: ان مرادهم بذلك أن العلم تارة يطلق ويراد منه نفس الاضافة المتأخرة عن وجود الطرفين التى هي المضاف الحقيقي، وأخرى يطلق ويراد منه مبدأ تلك الاضافة. والعلم بالمعنى الاول ليس من الصفات الذاتية له تعالى والا يلزم أن يكون لغير ذاته مدخلية في كمال ذاته، وهو مستلزم لمدخلية غيره في ذاته، وهو ضروري البطلان، بل العلم بالمعنى الثاني، أي مبدأ تلك الاضافة الخاصة كمال له وعين ذاته، فعلمه بمعنى ما هو مبدأ العالمية. أو المراد أن علمه بما أنه من الصفات الذاتية متحد مع ذاته، وحيث أن ذاته مبدأ لجميع الموجودات حتى أفعال العباد لان مبادئها من قبل الله تعالى، فكذلك علمه المتحد مع ذاته، فليس معنى فعلية علمه كونه علة لجميع الموجودات. وحيث أن ذاته لا تكون علة لافعال العباد بل الموجد لها هو العبد، فكذلك علمه المتحد مع ذاته. الثالث أن علمه تعالى كما يكون متعلقا بأفعال العباد كذلك يكون متعلقا بأفعاله، فلو كان علة لزم الالتزام بالجبر حتى في أفعاله سبحانه. الاستدلال للجبر بسلطنة الله تعالى رابعها أن اثبات القدرة للعبد واسناد الفعل إليه استقلالا أو مع الله والالتزام بأنه


1 - سورة يس: 82. (*)

[ 206 ]

الموجد يستلزم ثبوت الشريك له، فلابد من الالتزام بالجبر حفظا لسلطنة الله وأنه المتصرف الوحيد. وفيه: ان ذلك انما يلزم لو كان للعبد استقلال ووجود وقدره بنفسه، وأما مع الالتزامه بأنه محتاج في وجوده وقدرته وسائر مبادئ الفعل بل بالنظر الدقيق هو كسائر الموجودات عين الحاجة لا شئ محتاج، فلا يلزم من اسناد الفعل الى العبد حقيقة عزل الله تعالى عن ملكه أو تصرف الغير في سلطانه، كيف هو وقدرته وجميع شؤونه موجودة بايجاده. ولنمثل لتقريب ذلك مثالا وان كان دون ما نحن فيه بكثير، وهو: أن الغنى القادر القوى لو أعطى الضعيف وأغنى الفقير، وهو قادر في كل حين على سلبه وابقائه، هل يتوهم أحد أن يعد الضعيف شريكا للقوى ؟ كلا. وبهذا الذى ذكرناه أخبر المؤمنين عليه السلام عباية الاسدي حين سأله عن الاستطاعة التى يقوم بها يقعد ويفعل ويترك. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: اسألك عن الاستطاعة تملكها من دإون الله أو مع الله ؟ فسكت عباية، له أمير المؤمنين (ع): قل يا عباية. وما أقول ؟ قال: ان قلت انك تملكها من دون الله قتلتك، وان قلت تملكها مع الله قلتك. قال: فما أقول ؟ قال: تقول انك تملكها بالله الذى يملكها من دونك - الحديث 1. فانظر الى هذا الحديث كيف كشف الغطاء ولم يدع على هذه الحقيقة من ستار. الاستدلال للجبر باسناد الاضلال الى الله تعالى خامسها انه قد نسب الاضلال الى الله تعال في كثير من الايات، قال الله تعالى


1 - نقله الامام أبو الحسن الثالث عليه السلام في رسالته الى اهل الاهواز على ما رواها في البحار 5 / 75 من طبعة طهران. (*)

[ 207 ]

" فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء " 1، وقال عز وجل " قل الله يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب " 2 وقال سبحانه " ومن يردب فتدل هذه الايات على أنه تعالى خالق الضلال والكفر في العبيد، فيصدهم عن الايمان ويحول بينهم وبينه. وربما قالوا: ان هذا هو حقيقة اللفظ بحسب اللغة، لان الاضلال عبارة عن جعل الشئ ضالا، كما أن الاخراج والادخال عبارتان عن جعل الشئ خارجا وداخلا. وأورد العدلية على ذلك بوجوه: الاول انه لا يقال لمن صد الطريق أنه أضله بل يقال منعه، وانما يقال اضله إذا أغواه. الثاني ان الله تعالى وصف الشيطان وفرعون وأمثالهما بالاضلال، ومعلوم أنهم ليسوا خالقين للضلال في قلب أحد، قال الله تعالى " انه عدو مضل مبين " 4، وقال " وأضل فرعون قومه وما هدى " 5. الثالث ان ذلك يضاد كثيرا من الايات، كقوله تعالى " وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جائهم الهدى " 6 وقوله سبحانه " فمالهم عن التذكرة معرضين " 7، وقوله عز وجل " أنى يصرفون " 8، الى غير ذلك من الايات. الرابع ان الله تعالى ذم ابليس ومن سلك سبيله في الاضلال والاغواء وأمر


1 - سورة ابراهيم: 4. 2 - سورة الرعد: 27. 3 - سورة الانعام: 125. 4 - سورة القصص: 5. 5 - سورة طه: 79. 6 - سورة الاسراء: 94. 7 - سورة المدثر: 49. 8 - سورة غافر: 69. (*)

[ 208 ]

بالاستعاذة منهم، قال سبحانه " قل أعوذ برب الناس * من شر الوسواس الخناس " 1، وقال " وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين " 2، وقال " ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب أليم " 3، وقال سبحانه " وأضل فرعون قومه وماهدى " 4، فلو كان الله تعالى هو المضل الحقيقي فيكف ذمهم عليه. وأيضا لو جبت الاستعاذة منه كما وجبت منهم، ولاستحق المذمة كما استحقوا، ولوجب أن يتخذوه عدوا كما وجب اتخاذ ابليس عدوا. الخامس انه عز وجل في كثير من الايات نسب الضلال الى العصاة، كما في قوله تعالى " وما يضل به الا الفاسقين " 5، وقوله سبحانه " يضل الله من هو مسرف مرتاب " 6، فلو كان المراد بالضلال هو ماهم فيه لزم منه تحصيل الحاصل وهو محال: وأيضا فأمثال هذه الايات صريحة في أنه يفعل بهلم الاضلال بعد فسقهم، فيكون مغايرا له. السادس انه تعالى يذكر هذا الضلال جزاءا لهم على سوء فعلهم وعقوبة عليه، فلو كان المراد ما هم عليه لكان ذلك تهديدا لهم بشئ هم عليه مقبلون وبه متلذ ذون. ولذلك كله ذهب العدلية الى أنه يجب المصير الى وجوه أخرى من التأويل: الاول - أن يحمل الاضلال على الاضلال عن الجنة. الثاني - أن يحمل الاضلال على الهلاك والابطال، كقوله تعالى " الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم " 7، وقوله تعالى " وقالوا أاذا ضللنا في الارض أانا لفى خلق جديد " 8.


1 - سورة الناس: 1 و 4. 2 - سورة المؤمنون: 97. 3 - سورة ص: 26. 4 - سورة طه: 72. 5 - سورة البقرة: 26. 6 - سورة غافر: 34. 7 - سورة محمد (ص): 1. 8 - سورة السجدة: 10. (*)

[ 209 ]

الثالث - أن الضلال والاضلال هو العقاب والتعذيب، كما في قوله تعالى " ان المجرمين في ضلال وسعر " 1. الربع - أن يكنون الاضلال هو التخلية وترك المنع، فيقال أضل فلان ابنه إذا لم يتعاهده بالتأديب. ويؤيده ما عن العيون عن الامام الرضا عليه السلام في قوله تعالى " وتركهم في ظلمات لا يبصرون "، قال: ان الله تعالى لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، لكنه متى علم أنهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاوية واللطف وخلى بينهم وبين اختيارهم. وقريب منه غيره. الخامس - وهو أحسن الوجوه، انه إذا ضل الانسان باحتياره عند حضور شئ من دون أن يكنون ذلك علة لضلاله بل غايته كونه من مقدماته البعيدة وعلله المعدة، يقال انه أضله، قال الله تعالى في حق الاصنام " رب انهن أضللن كثيرا من الناس " 2، أي ضلوا بهن، وقال " ولا يغوث ونسرا وقد أضلوا كثيرا " 3، أي ضل بهم كثير من الناس. والاضلال بهذا المعنى منسوب الى الله تعالى نظرا الى أن الافعال الاختيارية الصادرة عن الإنسان لها مبادئ خارجة عن دائرة اختياره، كوجود الانسان وحياته و اداركه للفعل وشوقه إليه، وملائمة ذالك الفعل لقوة من قواه وقدرته على ايجاده، وتلك المبادئ موجدها هو موجد الانسان نفسه، وقد ثبت في محله أن بقاء الاشياء واستمرارها في الوجود محتاج الى المؤثر في كل آن. وعلى هذا فالكفر والفسق إذا صدرا عن العبد باختياره بما أن مبادئهما من قبل الله تعالى فلذلك. يصح أن ينسبا إليه تعالى. وبذلك يظهر الجواب عما أورد على القرآن المجيد بأنه: قد يسند الفعل الى العبد واختياره، وقد يسند الافعال الى الله تعالى، وهذا تناقض واضح.


1 - سورة القمر: 84. 2 - سورة ابراهيم: 40. 3 - سورة نوح: 23. (*)

[ 210 ]

كلام العارف الشيرازي في معنى الاضلال وللعارف الصدر الشيرازي كلام في توجيه نسبة الاضلال الى الله تعالى لا بأس بنقله ملحضا، لاشتماله على مطالب دقيقة: قال: ان الله تعالى متجل للخلق بجيمع صفات كماله وأسمائه ومفيض على عباده وعوالمه بكل نعوت جماله وجلاله، فالاول ما تجلى في ذاته لذاته، فظهر من تجليه عالم أسمائه وصفاته، فهى أول حجب الاحدية، ثم تجلى بها على عالم الجبروت، فحصلت من تجليه أنوار عقلية وملائكة مهيمنة قدسية، وهى سرادقات جبروتية ثم تجلى من خلق تلك الانوار على العالم الملكوت الاعلى والاسفل ثم على أشباحها الغيبية والمثالية، ثم على عالم الطبيعة السماوية والارضية. ولكل من هذه العوالم والحضرات منازل وطبقات متفاوتة، وكلما وقع النزول أكثر قلت هذه الانوار الاحدية بكثرة هذه الحجب الامكانية، وتراكمت النقائص والشرور بمصادمات الاعدام. أو لا ترى أن كلا من الصفات السبعة الالهية التى هي أئمة سائر الصفات برية من النقصان و الامكان والكثرة والحدثان. ثم إذا وقعت ظلالها في هذا العالم الادنى حجبتها الافات والشرور ولزمتها الاعدام والنقائص، فإذا ارتفعت عن عالم الاجسام زالت عنها تلك النقائص والشرور ورجعت الى اقليم الوحدة. ثم زعم أن هذا هو معنى الامر بين الامرين من الجبر والقدر، وهو أن النقائص والقصورات اللازمة في هذا العالم لبعض الصفات المنسوبة الى الحق تارة والى الخلق، اخرى انما نشأت ولزمت من خصوصية هذا الموطن فعادت الينا لا الى الصفة الالهية، وهو معنى قوله تعالى في الحديث القدسي " أنت أولى بسيئاتك منى "، ومعنى قوله " لا أسأل عما أفعل " أن الافعال الصادرة منه بلا واسطة وكذا الصفات الالهية الثابتة له في مقام التوحيد قبل عالم الكثرة ليس فيها شائبة النقص والقبح حتى يرد فيها السؤال، لان

[ 211 ]

عالم الالوهية كله نور وكمال. ثم نقل عن بعض أصحاب القلوب، والظاهر أنه ابن العربي، أنه ذكر تقريبا للطبائع والافهام وتسهيلا لفهم التوحيد الافعالى على العقول فيما يضاف الى الجمادات والاعجام، فان الحجاب عن ادراك هذا التحقيق أمران: احدهما اختيار الانسان والحيوان، وثانيهما ما ينسب الى الجمادات وسائر الاجرام. اما الاول - فان نسبة ارادة الانسان الى مشيئة الله تعالى كنسبة ادراك الحواس الى ادراك العقل، كما في قوله تعالى " وما تشاؤن الا أن يشاء الله " 1، ونسبة مصادير أفعالها من الابدان والاعضاء كنسبة الجوارح الى القلب الذى هو أمير الجوارح، كما دل عليه قوله تعالى " يد الله فوق ايديهم " 2 " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم " 3، وقوله تعالى " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " 4. وأما الثاني فقد انكشف لدى البصائر المستنيرة أن الشمس والقمر والغيم والمطر والارض وكل حيوان وجماد مسخرات بأمره تعالى ومقبوضات بقبض قدرته، كالقلم الذى هو مسخر للكاتب وعلمه وارادته وقدرته وقوته التى في عصبه واصبعه، كما أن علمه ومشيئته واردتان من خزائن غيب الملكوت، وكتابة قلم اللاهوت على ترتيب ونظام وتقدم وتأخر من الاعلى فالاعلى الى الادنى حتى انتهى أثر القدرة من احدى حاشيتي الوجود الى الاخرى من القلم الاعلى الى القصب الادنى. وهذا مما يشاهده من انشرح صدره بنور الله ويسمع بسمعه المنور من يدرك ويقهم تسبيح الجمادات وتقديسها وشهادتها على أنفسها بالعجز والسخرية بلسان ذلق أنطقها الله به الذى أنطق كل شئ بلا حرف وصوت مالا يسمعه، الذين هم عن السمع لمعزولون. فقال بعض الناظرين من هذا المشكاة للكاغذ وقد رآه اسود وجهه: لم تسود


1 - سورة الدهر: 30. 2 - سورة الفتح: 11. 3 - سورة التوبة: 14. 4 - سورة الانفال: 18. (*)

[ 212 ]

وجهك وتشويق بياضك بهذا السواد ؟ فقال بلسان الحال: سلوا هذا المداد الذى ورد على وغير هيئتي وجلبتى. فقال للمداد: لم فعلت ذلك ؟ فقال: كنت مستقرا في قعر الدواة لا صعود لى بنفسى عن ذلك القعر فوردت على قضبة تسمى القلم فرقانى من مقعرى، ولو لا نزوله ما كان لى صعود. فقال للقلم: لم فعت ذلك ؟ فقال: كنت قصبا ثابتا في بعض البقاع لا حركة منى ولا سعى فورد على قهرمان سكين بيد قاطع فقطعني عن أصلى ومزق على ثبابى وشق رأسي ثم غمسني في سواد الحبر ومرارته. فقال للسكين: لم فعلت ؟ فأشارت الى اليد، فاعترض عليها فقالت: ما أنا الالحم ودم وعظم حركني فارس يقال له القدرة فاسألها. فلما سألها عن ظلمها وتعديها على اليد أشارت الى الارادة، فقال لها: ما الذى قواك على هذه القدرة الساكنة المطمئنة ؟ فقالت: لا تعجل لعل لنا عذرا وأنت تلوم، فانى ما انبعثت بنفسى ولكن بعثنى حكم حاكم وأمر جازم من حضرة القلب وهو رسول العلم على لسان العقل بالاشخاص للقدرة والالتزام لها في الفعل، فانى مسكين مسخر تحت قهر العلم والعقل فلا أدرى بأى جرم سخرت لهما وألزمت لهما الطاعة، ولكني أدرى أن تسخيري اياها بأمر هذا الحاكم العادل أو الظالم، فأقبل على العلم والعقل والقلب طالبا ومعاتبا اياهم على سبب استنهاض الارادة وانهاضها للقدرة. فقال العقل: أما انا فسراج ما اشتعلت بنفسى ولكن اشعلت وقال القلب: اما أنا فلوح ما انسبطإت ولكن بسطت وما انتشرت ولكن نشرني من بيده نشر الصحائف، اما العلم فقال: انما انا نقش في منقوش وصورة في بياض لوح القلب لما أشرق العقل وما انحططت بنفسى فكم كان هذا اللوح قبلى خاليا فاسأل القلم عنى واسأله عن هذا. فرجع الى القلم تارة أخرى بعد قطع هذه المنازل والبوادى وسير هذه المراحل والمقامات، فوقع في الحيرة حيث لم يعلم قلما الا من القصب ولا لوحا الا من العظم والخشب ولا خطا الا بالحبر ولا سراحا الا من النار، وكان يسمع في هذا المنزل هذه الاسامي ولا يشاهد شيئا من مسماها، فقال له العلم: زادك قليل وبضاعتك مزجاة ومركبك ضعيف، فالصواب لك أن تؤمن بهذه المسميات ايمانا بالعغيب وتنصرف وتدع ما انت فيه. فلما سمع السالك ذلك استشعر قصور نفسه فاشتغل قلبه نارا من حدة غضبه على

[ 213 ]

نفسه لما رآه بعين النقص، ولقد كان زيته في مشكاة قلبه يكاد يضئ ولو لم تسسمه نار لقوة استعداد كبريائيته في مادته، فلما نفخ فيه العلم بحدته اشتغل زيته فأصبح نورا على نور فقال له العلم: اغتنم الفرصة وافتح بصرك قلعلك تجد على هذه النار هدى. ففتح بصره فرأى القلم الالهى كما سمع نعته من العلم أنه ليس من قصب ولا خشب ولاله رأس وذنب، وهو يكتب على الدوام في صحائف قلوب الانام أصناف العلوم والحقائق، وكان له في كل قلب رأس ولا رأس له، فقضى منه العجب فودع عند هذا العلم وشكره وقال: لقد طال مقامي عندك وأنا عازم على السفر الى حضرة القلم. فلما جاءه وقص عليه القصص وسأله ما بالك تخط على الدوام في القلوب من العلوم ما تبعث به الارادات الى أشخاص القدرة وصرفها الى المقدورات ؟ فقال: لقد نسيت ما رأيت في عالم الملكم وسمعته من جواب القلم عن سؤالك. قال: لم أنس. فقال: جوابي مثل جوابه لتطابق عالمى الملك والملكوت، أما سمعت أن الله تعال خلق آدم على صورته، فاسأل عن شأني المقلب ب‍ " يمين الملك " فان مقهور في قبضته مسخر، فلا فرق بين قلم الادمى والخلق الالهى في معنى التسخير انما الفرق في ظاهر الصورة والتصوير. قال: ومن يمين الملك ؟ قال: أما سمعت قوله تعالى " والسماوات مطويات بيمينه "، هو الذى يرددها. فسأل اليمين عن شأنه وتحريكه للقلم، فقال: جوابي ما سمعت من اليمين الذى في عالم الشهادة وهو الحوالة الى القدرة، فلما سار الى عالم القدرة فرأى فيه من العجائب ما استحقر غيرها، فأقيل عند ذلك عليها فسألها عن تحريك اليمين فقالت: أنا صفة فاسأل القادر إذا العهدة على الموصوفات لا على الاصفات. وعند هذا كاد أن يزيغ وينطق بالجرأة على السؤال، فثبت بالقول الثابت ونودى من سرادقات الحضرة: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فعشية الحضرة فخر صعقا، فلما أفاق قال: سبحانك ما أعظم شأنك تبت اليك وتوكلت عليك وآمنت بأنك الملك الجبار الواحد القهار، فلا أخاف غيرك ولا أرجو سواك ولا أعوذ الا بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك وبك منك ؟ فأقول: اشرح لى صدري لا عرفك، واحلل عقدة

[ 214 ]

الصمت من لساني لاثنى عليك. فعند هذا رجع السالك واعتذر عن سؤاله ومعاتبته، فقال لليمين والقلم والعلم والارادة والقدرة وما بعدها: اقبلوا عذرى فانى غريبا كنت في بلادكم ولكل داخل دهشة فما كان انكاري عليكم الا عن قصوري وجهلي والان قد صح عندي عذركم وانكشف لى ان المتفرد بالملك والملكوت والعزة والجبروت هو الواحد القهار والكل تحت تسخيرة وهو الاول والاخر والظاهر والباطن. فهذا هو الكلام في تفسير الاضلال - انتهى. الايات التى استدل بها اللجبر سادسها جملة من الايات الشريفة، وهى طوائف: منها - ما تقدم من الايات المتضمنة لاسناد الاضلال الى الله تعالى وقد مر الجواب عنها. ومنها - الايات المتضمنة لنسبة الهداية الى الله سبحانه، وقد مر عند الاستدلال بها لتعلق ارادته تعالى ومشيئته بأفعال العباد الجواب عنها، وملخصه أن للهداية أنواعا: أولها الهداية العامح التكوينية، وهى الهداية الى جلب المنافع ودفع المضار، باضافة المشاعر الظاهرة والمدارك الباطنة والقوة العاقلة، قال الله سبحانه " ربنا الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى " 1. وثانيها نصب الدلائل العقلية الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد، واليه يشير قوله تعالى " وهديناه النجدين " 2. ثالثها الهداية العامة التشريعية بارسال الرسل وانزال الكتب واليه يشير قوله سبحانه " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " 3، وقوله عز وجل " انا هديناه السبيل


1 - سورة طه: 53. 2 - سورة البلد: 11. 3 - سورة فصلت: 71. (*)

[ 215 ]

اما شاكرا واما كفورا " 1. رابعها الهداية الخاصة التكوينية، وهى الهداية الى طريق السير الى حصار القدس والسلوك الى مقامات الانس بانطماس آثار التعلقات البدنية واندراس أكدار الجلابيب الجمسمية والاستغراق في ملاحظة أسرار الكمال ومطالعة أنوار الجمال، وهذا النوع عناية ربانية خص الله بها بعض عباده حسب ما يقتضيه حكمته. والى هذا النوع يشير كثير من الايات، قال عز من قائل " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء " 2، " ان الله تعالى لا يهدى القوم الظالمين " 3، " والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم " 4، " انك لا تهدى من احبب ولكن الله يهدى من يشاء " 5، الى غير ذلك من الايات الكريمة. ومنها الايات المتضمنة لنسبة أفعال العباد الى الله تعالى، وقد تقدمت جملة منها. والجواب عنها: ما مر من أن فعل العبد وسط بين الجبر والتفويض وله حظ من كل منهما، لان القدرة وسائر المبادئ حين الفعل تفاض من الله تعالى واعمال القدرة في أخرى، وكل من الاسنادين حقيقي، والايات الكريمة ناظرة الى هذا المعنى. ومنها قوله عز من قائل " ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجنه والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون " 6. وفيه: ان اللام في قوله " لجهنم " ليست للعلة، بل للعاقبة و المآل والصيرورة، كما


1 - سورة الإنسان: 3. 2 - سورة البقرة: 274. 3 - سورة الانعام: 146. 4 - سورة البقرة: 210. 5 - سورة القصص: 56. 6 - سورة الاعراف: 179.

[ 216 ]

في قول الشاعر " لدوا للموت وانبوا للخراب ". فالاية الشريفة لا تدل على أن كثيرا من الانس والجن خلقوا اليد خلوا السعير، بل تدل على أن عاقبة كثير من الطائفتين هو دخول جهنم وذيلها يدل على أن هذه العاقبة التى في انتظارهم ليست بجبر من الله تعالى، بل من ناحية أنهم افشلوا وسائل اداركاتهم بالمعاصى عن اختيار. وبذلك يظهر الجواب عن استدلال له بقوله تعالى " ان الذين كفروا سواء عليهم ءانذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم " 1 فان هذه الاية واردة في الذين كفروا باختيارهم. ولا يبعد أن يكون المراد بهم الكفار من كبراء مكة الذين عاندوا في أمر الدين ولم يألوا جهدا في ذلك، تدل خصوصا بقرينة تغيير السياق (حيث نسب الختم الى نفسه تعالى والغشاوة إليهم أنفسهم) على أن فيهم حجا بين حجابا في أنفسهم وحجابا من الله تعالى عقيب كفرهم، فأعمالهم متوسطة بين حجا بين من ذاتهم ومن الله تعالى. القول بالجبر مخالف للوجدان فالمتحصل مما ذكرناه أن شيئا من البراهين التى أقيمت على الجبر لا يتم. وأضف الى ذلك أن القول به مخالف للحس والوجدان، وذلك لان كل انسان يجد ويدرك بفطرته أنه قادر على جملة من الافعال ويتمكن من أن يفعلها أو يتركها، ولا يفعلها الا ويرى قادر على تركها. وهذا الحكم فطرى لا يشك فيه أحد ما لم يعتريه شبهة من الخارج. وقد أطبق العقلاء كافة على استحقاق فاعل القبيح للذم وفاعل الحسن للمدح، مع اطباقهم على أن الذم والمدح انما يتوجهان الى المختار دون المضطر، فكون جملة من الافعال اختيارية مما بنى عليه بناء العقلاء.


1 - سورة البقرة: 6 و 7.

[ 217 ]

مع أنه يترتب على القول بالجبر عدة توال فاسدة، قد أشرنا إليها سابقا، وهى: انكار التحسين والتقبيح العقليين، وسلب العدالة عن الله تعالى، وان التكليف بما لا يطاق لا محذور فيه. وكل واحد من هذه التوالى كاف في الرد على الجبرية. التحسين والتقبيح العقليان ولا بأس بالاشارة الاجمالية الى وجه فساد كل واحد منها وان كان واضحا غير محتاء الى بيان، فأقول: أما الحسن والقبح العقليان فذهبت الاشاعرة - خلاقا للمعتزلة والامامية - الى انكار الحسن والقبح العقلين، وأنه مع قطع النظر عن كون الافعال ملائمة للطبع أو منافرة له تكون الافعال متساوية لا تفاوت بينها في الحسن والقبح، سوى أن افعال العباد قد تتصف بالحسن والقبح بعد تعلق الاحكام الشرعية بها باعتبار موافقتها للشرع ومخالفتها، بخلاف أفعاله تعالى فانها لا تتصف بهما من هذه الجهة أيضا، ولا مجال للعقل أن يحكم فيها بتحسين أو تقبيح. وقد استندوا في ذلك الى أمرين: الاول: ان الفعل عرض والحسن والقبح العقليان من قسم العرض أيضا، والعرض لا يعرض عليه عرض ولا يتصف به، فالفعل لا يمكن اتصافه بالحسن والقبح العقليين. وفيه: أولا النقض، بأن الالوان كالبياض والحمرة والسواد أعراض، والشدة والضعف والحسن والقبح أيضا من الاعراض، وغير خفى أن الشدة والضعف والحسن والقبح تعرض على الالوان وتتصف الالوان بها، هذا اللون شديد وذاك ضعيف، هذا حسن وذلك قبيح، فكيف جاز هنا اتصاف العرض بالعرض. وثانيا بالحل، وهو أنه فرق بين العرض الوجودى والعرض الانتزاعي، والذين وقع محل الكلام في عروضه على العرض انما هو القسم الاول كالالوان، وأما القسم الثاني كالحسن والقبح والشدة والضعف فليس لاحد دعوى عدم عروضها على

[ 218 ]

الاعراض. الثاني: وهو يختص بانكارهما بالاضافة أفعاله تعالى، وهو أنه لو سلم الحسن والقبح العقليان في أفعال العباد أنا لا نسلمهما في أفعاله تعالى. ضرورة أنه ليس للعقل التحكم على الله تعالى، فيقول: هذا الفعل منه قبيح فيجب تركه، أو حسن فيجب فعله. كيف وهو الفعال لما يشاء، وكل ما يفعل يكون تصرفا في ملكه، لا يسأل عما يفعل. وفيه: ان هذا اشتباه نشأ من التعبير بأن العقل يحكم بالحسن والقبح، وقد حققنا في محله أن شأن القوة العاقلة حتى بالنسبة الى أفعال العباد ليس هو التشريع وجعل الاحكام، بل هذا المقام من مختصات الله تعالى وسفرائه، بل شأنها الدرك، فالقوة العاقلة دراكة لا مشرعة. وعليه فنقول في المقام: ان الحسن والقبح لا يكونان يتحكم من العقل، بل هما صفتان واقعيتان يدركهما العقل. توضيح ذلك: أنه كما يكونن لكل واحدة من الحواس الخمس ملائمات ومنافرات - مثلا: السمع تلذه الاصوات الحسنة وتزعجه الاصوات القبيحة - كذلك تكون للعقل الذى به انسانية الانسان والا فهو كغيره من الحيوانات ملائمات ومنافرات. ضرورة أن القوة العاقلة قوة دراكة، فإذا لا حظت الافعال فقد تراها ملائمة لها وترى استحقاق فاعلها للمدح كالعدل فيقال انها حسنة، وقد تراها منافرة لها ترى استحقاق فاعلها للذم كالظلم فيقال انها قبيحة، وقد تراها خالية عإن الجهتين فتخلف بالوجوه والاعتبارات. وان شئت توضيح ذلك بالمثال العرفي: فانظر الى رجل قد أحسن اليك غاية الاحسان ثم احتاج اليك بأهون شئ، فلا شبهة في أن العقل مع قطع النظر عن الشرع يدرك حسن قضاء حاجته وقبح مقابلته بالرد والهوان، مع أن قضاء حاجته لا يلائم الشهوات ورده لا ينافرها، فليس ذلك الا لان للعقل ملائمات ومنافرات مع قطع النظر عن كل شئ. وبالجملة بما أن للعقل نورانية تنكشف لها الحقائق على ما هي عليه، يحكم (أي يدرك) بقبح بعض الافعال وحسن بعضها، فانكار الحسن والقبح العقليين مكابرة.

[ 219 ]

عدالة الله تعالى وأما عدله تعالى: فانا نشهد أنه العدل الذى لا يجوز والحكيم الذى لا يظلم، وانه لا يكلف عباده مالا يطيقون ولا يتعبدهم بما ليس لهم إليه سبيل، ولا يكلف نفسا الا وسعها، ولا يعذب أحدا على ما ليس من فعله، ولا يلومه على ما خلقه فيه. وهو المنزه عن القبائح والمبرأ من الفواحش، والمتعالي عن فعل الظلم والعدوان، ولا يريد ظلما للعباد، ولا يظلم مثقال ذرة. وأما من يخالفنا - وهم الاشاعرة - فقالوا: ان من الله جور الجائرين وفساد المعتدين، وانه صرف أكثر خلقه عن الايمان والخير وأوقعهم في الكفر والشرك، وان من أنفذ وفعل ما شاء عذبه ومن رد قضاءه وأنكر قدره وخالف مشيئة أثابه ونعمه، وأنه خلق أكثر خلقه للنار ولم يمكنهم من طاعته ثم أمر هم بها وهو عالم بأنهم لا يقدرون عليها ولا يجدون السبيل إليها، ثم استبطأهم لم لم يفعلوا ما لم يقدروا عليه لم لم يوجدوا ما لم يمكنهم منه، وان الحسن ما فعله ولو كان ذلك عقاب أشرف الانبياء، والقبيح ما تركه ولو كان ذلك ثواب أشقى الاشقياء. واستدلوا لما قالوا بأنه ليس للعقل التحكم على الله تعالى، بل هو ساقط في هذا المقام. ولكنك بعد ما عرفت من ثبوت الحسن والقبح العقليين فثبوت عدالته تعالى لا يحتاج الى مزيد بيان، إذ العقل يدرك حسن العدل وان تركه للقادر عليه قبيح. وان فعل القبيح ينافر الحكمة والكمال فلا يكاد يصدر منه تعالى. وبالجملة العقل يدرك أنه سبحانه لكماله وحكمته وقدرته وغناه صدور القبيح منه بحال، ولا يفعل القبيح. لانه لو فعل القبيح والظلم لكان اما جاهلا بالقبيح، أو عالما به عاجزا عن تركه، أو محتاجا الى فعله، أو قادرا غير محتاج بل يفعله عبثا. وعلى الاول يلزم كونه جاهلا، وعلى الثاني كونه عاجزا، وعلى الثالث كونه محتاجا، وعلى الرابع

[ 220 ]

كونه سفيها، والكل عليه محال. التكليف بما لا يطاق وأما التكليف بما لا يطاق، فالتزمت الاشاعرة بعدم قبحه وعدم قبح العقاب على مخالفته، خلافا للعدلية. أقول: أما قبح العقاب على مخالفة التكليف بما لا يطاق فمما لا يمكن انكاره بعد الالتزام بالتحسين والتقبيح العقليين، لان العقاب حينئذ مصداق للظلم، وهو قبيح بلا ريب. وأما التكليف بما لا يطاق، ففيه قولان للعدلية، وقد استدل على استحالية بوجوه ليس المقام موردا لذكر كلها وانما نشير الى الوجوه المهمة منها: الاول ما عن المحقق النائيني قد سره، وهو أن الطلب التشريعي انما هو تحريك لعضلات العبد نحو المطلوب بارادته واختياره وجعل الداعي له لن يفعل، ومن البدهى أنه لا يمكن جعل الداعي للفعل غير الارادي. وفيه: ان الوضع ليس الا التعهد بذكر اللفظ عند تعلق قصد المتكلم بتفهيم المعنى وابرازه، وفي الامر - على ما حقق في محله - يكون المبرز باللفظ كون صدور المادة من المخاطب متعلقا لشوق المتكلم. وعلى ذلك أقول: انه لا ريب في امكان تعلق شوق المولى بفعل غير اختياري للعبد، بل بفعل غير اختياري لنفسه إذا كان المولى من الموالى العرفية، وانه يمكن ابراز هذا الشوق باللفظ الذى هو واقع الامر. نعم، العقل بلزوم اطاعة المولى يتوقف على كونه مقدورا له. الثاني ما عن المحقق النائنين (ره) أيضا، وهو أن المطلوب على المذهب الحق لابد وأن يكون حسنا بالحسن الفاعلى، وهو لا يتحقق في الفعل غير الارادي. وفيه: ان اعتبار الحسن الفاعلى في اتصاف الفعل بالوجوب، مما لم يقم عليه دليل، إذ الوجوب تابع للملاك، فان كان الملاك في الفعل وان لم يكن متصفا بالحسن الفاعلى كان الوجوب متعلقا به كذلك. بل يمكن دعوى اتفاقهم على عدم اعتباره، لانهم

[ 221 ]

التزاموا في التوصليات بأن الفعل يقع مصداقا للواجب وان لم يؤت به بقصد التقرب الى الله بل بالدواعى النفسانية. وغير خفى أن الفعل الصادر عن غير الداع القربى لا يكون متصفا بالحسن الفاعلى. الثالث ما ذكره بعض المحققين من أن البعث والانبعاث متضائفان، والمتضائفان متكافئان في القوة والفعلية، فإذا لم يمكن الانبعاث ولم يقدر العبد عليه لا يمكن البعث أيضا. وفيه: ما حقق في محله في بيان حقيقة الامر من أنه ليس الامر الا ابراز كون المادة متعلقة لشوق المولى. الرابع ان ابراز المولى شوقه الى الفعل لابد وأن يكون بداع من الدواعى، والا يكون لغوا وصدوره من الحكيم محالا، وفائدة ذلك ليست الا اتيان العبد به وتحصل ملاكه ومصلحته، فإذا لم يكن مقدورا فلا يترتب على الابراز ثمرة فيكون لغوا. أقول: هذا وجه قوى، الا أنه يختص بالتكليف بغير المقدور مستقلا، ولا يجرى في التكليف بالجامع بين المقدور وغير المقدور، فانه يمكن فرض فائدة في ذلك المورد، وهو أنه لو صدر منه ذلك الفعل غير المقدور بغير اختياره لكان مجزيا عن الاتيان بالفرد المقدور ويسقط التكليف بذلك، كما انه يختص بالقدرة العقلية ولا يجرى في موارد عدم القدرة الشرعية، كعدم القدرة على الامر المهم في موارد التزاجم. ولصاحب بن عباد كلام في هذا المقام لا بأس بنقله، قال في فصل له في هذا الباب: كيف بأمره بالايمان وقد منعه منه، وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه، وكيف يصرفهم عن الايمان ثم يقول " أنى يصرفون " ويخلق فيهم الكفر ثم يقول " فأنى يؤفكون "، وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول " لم تكفرون "، وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول " ولا تلبسوا الحق بالباطل "، وصدهم عن السبيل ثم يقول " لم تصدوق عن سبيل الله "، وحال بينهم وبين الايمان ثم قال " وماذا عليهم لو آمنوا "، وذهب بهم عن الرشد ثم قال " فأين تذهبون "، وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال " فمالهم عن التذكرة معرضين ". وغيرها من الايات الدالة على أن التكليف بما لا يطاق لم يقع، قال سبحانه

[ 222 ]

" لا يكلف الله نفسا الا وسعها " 1، وقال " وما جعل عليكم في الدين من حرج " 2، وقال " ونضع عنهم اصرهم والاغلال التى كانت عليهم " 3 وأى حرج ومشقة فوق التكليف بالمحال. فالمتحصل من مجموع ما ذكرناه: ان القول بالجبر لا يساعده البرهان بل يخالفه والوجدان يرده وينافيه، والايات القرآنية المباركة والنصوص الواردة عن المعصومين عليهم السلام ترده، وتيرتب عليه عدة توال فاسدة. الاستدلال للقوم بالتفويض ونقده الطائفة الثانية من المسلمين - وهم المعتزلة - حفظا لعدالة الله تعالى التزموا بأن أفعال العباد الاختيارية غير مربوط به تعالى، بل تمام المؤثر هو الانسان. وقد مر عند نقل الأقوال في المسألة، ان اكثر القائلين بالتفويض قالوا بوجوب الفعل بعد ارادة الانسان، وذهب جماعة منهم الى عدم الوجوب. واستدلوا له بعد الرد على الجبرية والبناء على أن الافعال الاختيارية تصدر عن الانسان باختياره، بأن مبادئ الافعال من نفس وجود الانسان وحياتهن، وادراكه للفعل، وشوقه إليه، وملائمة ذلك الفعل لقوة من قواه وقدرته على ايجاده، وان كان حدوثها من قبل الله عز وجل، الا أن بقاءها واستمرارها في الوجود لا يحتاج الى المؤثر في كل آن. ويكون مثل خالق الاشياء معها، مثل الكاتب يحتاج إليه الكتاب في حدوثه وتبقى الكتابة نفسها، أو مثل البناء يقيم الجدار بصنعه ثم يستغنى الجدار عن بانيإه ويستمر وجوده وان فنى صانعه. وعليه فلا يحتاج العبد في صدور الفعل منه - بعد افاضة الوجود وسائر المبادئ - الى شئ، وهو المؤثر التام فيه.


1 - سورة البقرة: 287. 2 - سورة الحج: 78. 3 - سورة الاعراف: 157.

[ 223 ]

وفيه: ان الممكن كما يحتاج في حدوثه الى المؤثر كذلك يحتاج في بقائه إليه، لانه لا يخرج عن امكانه بالوجود، ففى كل آن من الانات بما أنه ممكن الافتقار من لوازم ذاته محتاج الى المؤثر ليفيض إليه الوجود، ومفتقر الى مدد مبدعه الاول في كل حين والا لانعمد، بل بالنظر الدقى الحقيقي انه عين الحاجة لا شئ محتاج. فالانسان في كل حين - حتى حين الفعل - مفتقر الى موجده ليفيض إليه الوجود وسائر المبادئ، والا لما تمكن من ايجاد الفعل، ويكون مثله تعالى (ولله المثل الاعلى) كتأثير القوة الكهربائية في الضوء، فان الضوء لا يوجد الا حين تمده القوة بتيارها ويفتقر في بقاء وجوده الى مدد هذه القوة في كل حين. مع أن الله تعالى نفسه في مقام التشريع، والتشريع لا يلائم التفويض، إذ لا معنى للتكليف المولوي فيما لا يملك المولى منه شيئا. مع أن التفويض لا يتم الا مع سلب اطلاق الملك منه تعالى عن بعض ما في ملكه، وقد قال سبحانه " له ملك السموات والارض " 1، وقال " له الملك وله الحمد " 2، وقال " لله ما في السماوات وما في الارض " 3. الامر بين الامرين إذا عرفت فساد قول هاتين الطائفتين - أي قول الجبرية والمفوضة - وشناعة تينك المقالتين، فاعلم أن الحق هو القول بالامر بين الامرين الذى هو الخير كله. وقد مرتقريبه وتوضيحه بالمثال، ففعل العبد الاختياري وسط بين الجبر والتفويض، لانه بعد ما عرفت من نفى الجبر والتفويض بالبرهان العقلي، فالافعال الاختيارية الصادرة عن العباد بما أنها تصدر منهم بالاختيار وليس في صدورها منهم قهر واجبار، فهم مختارون فيها، والافعال


1 - سورة الحديد: 5. 2 - سورة التغابن: 1. 3 - سورة البقرة: 284. (*)

[ 224 ]

تستند إليهم وهم الموجدون لها. وبما أن فيض الوجود والقدرة وسائر المبادئ يكون بافاضة الله تعالى آنأ فآنا بحيث لو انقطع الفيض لما تمكن العبد من ايجاد الفعل، فالفعل مستند إليه تعالى وكل من الاسنادين حقيقي، فالعلم ينادى بأعلى صوته موافقا لمذهب الحق انه: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الامرين. والايات القرآنية كما مر ناظرة الى هذا المعنى، وان اختيار العبد في فعله لا يمنع من نفوذ قدرة الله وسلطانه. وما حققناه وأوضحناه وأوضحنا المنزلة بين المنزلتين ووفينا دليلها، دقيقة غامضة تكون من أسرار العلوم الالهية وخلاصه الفلسفة الحقة، مأخوذة عن ارشادات أهل البيت عليهم السلام وعلومهم، وهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطيهرا. بحث روائي واليك بعض ما ورد عنهم عليهم السلام: روى الصدوق بسند صحيح عن الامام الرضا عليه السلام قال: ذكر عنده الجبر والتفويض، فقال (ع): ألا أعلمكم في هذا أصلا لا تختلفون فيه ولا يخاصمكم عليه أحد الا كسر تموه ؟ قلنا: ان رأيت ذلك. فقال عليه السلام: ان الله عز وجل لم يطع باكراه ولم يعص بغلبة ولم يهمل العباد في ملكه، هو ملكه، هو المالك لما ملكهم والقادر على ما أقدرهم فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل وان لم يحل فعلوه، فليس هو الذى أدخلهم فيه. ثم قال عليه السلام: من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه 1.


1 - التوحيد ص 361 الحديث 7 من طبعة طهران، باب نفى الجبر والتفويض.

[ 225 ]

فانظر الى هذا الحديث كيف أثبت الامر بين الامرين ونفى الطرفين بكلمتين موجزتين، حيث أنه نفى التفويض بقوله " وهو المالك، هو القادر "، ونفى الجبر بقوله " لما ملكهم وأقدرهم ". توضيحه: انه قد عرفت أن المفوضة انما ذهبوا الى ما قالوا من جهة توهم استغناء الممكن في بقائه عن المؤثر وان حدوثه كاف في بقائه، فلزمهم من ذلك نفى سلطنة الله تعالى وقدرته وخروج الاشياء بالوجود عن ملكه، فقد نفى عليه السلام ذلك بقوله " هخو المالك " كما صرح بذلك في الايات القرآنية على ما تقدم. وحاصل كلامه عليه السلام: ان الله جل شأنه قادر على كل شئ ومالك كل شئ حتى اختيار الانسان، فلا معنى لقول المفوضة. والجبرية انما التزموا بما قالوا من جهة توهم عدم مالكية العبد وعدم قدرته، لتخيل احتياج كل ممكن الى علة موجبة، أو تخيل كون علمه تعالى أو ارادته علة لصدور الفعل، أو منافاة القدرة لسلطنة الله تعالى، فقد نفى جميع ذلك بقوله عليه السلام " لما ملكهم " و " على ما أقدرهم ". وحاصل كلامه: ان علمه تعالى وارادته متعلقان بقدرة العبد ومالكيته، فالفعل يصدر عن القدرة، وحيث أنه هو المالك والقادر فلا تنافى قدرة العبد مع قدرته وسلطنته. وروى الكليني (قده) في الطريق 1 عن أمير المؤمنين عليه السلام بسند فيه رفع، و رواه الصدوق (ره) في العيون بعده طرق، والعلامة (ره) في شرح التجريد، وغيرهم في سائر الكتب الحديثية والكلامية: انه لما انصرف أمير المؤمنين عليه السلام من صفين إذ أقبل شيخ فجثى بين يديه ثم قال له: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا الى أهل الشام بقضاء من الله وقدر ؟ فقال أمير المؤمنين (ع): أجل يا شيخ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد الايقضاء من الله وقدر. فقال له الشيخ: عند الله احتسب عنائي يا أمير المؤمنين. فقال له:


1 - اصول الكافي 1 / 155 من طبعة طهران حديث 1، والبحار الجزء الخامس ص 75 من طبعة طهران. (*)

[ 226 ]

مه يا شيخ فوالله لكم الاجر في مسير كم وأنتم سائرون وفي مقامكم وأنتم مقيمون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شئ من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين. فقال له الشيخ: كيف لم نكن في شئ من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ؟ فقال عليه السلام له: وتظن أنه كان قضاءا وقدرا لازما، انه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والامر والنهى والزجر من الله، وسقط معنى الوعد والوعيد، فلم تكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن، ولكان المذنب أولى بالاحسان من المحسن ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، تلك مقالة اخوان عبدة الاوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان وقدرية هذه الامة ومجوسها، ان الله تبارك وتعالى كلف تخييرا ونهى تحذيرا وأعطى على القليل كثيرا ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يملك مفوضا ولم يخلق السماوات والارض وما بينهما باطلا ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثا، ذلك ظن الذين كفرو فويل للذين كفروا من النار - الحديث. فانظر الى هذه الرواية أيها الطالب للحقيقة كيف جمع فيها تحقيقات دقيقة ونفى الجبر والتفويض بالبرهان وذكر التوالى الفاسدة المترتبة على الجبر، وذلك أنه لما سأله الشيخ عن مسيرهم الى الشام أبقضاء من الله وقدر، قال عليه السلام: أجل كل ما فعلتم كان بقضائه وقدره، فتوهم الشيخ من هذه الجملة الجبر، من جهة أنه صور القضاء والقدر واستنتج نتيجته، وهى: ان ارادة الله تعالى الازلية التى لا تتخلف عن المراد متعلقة بأفعال الانسان، وكان لازم ارتفاع والحسن والقبح، ولذلك لما سمع الشيخ منه (ع) كون المسير بقضاء وقدر قال وهو في حال اليأس: عند الله احتسب عنائي، أي فعلى هذا كان مسيرى من حيث تعلق ارادة الله تعالى غير اختياري لى فلم يبق لى الا الغناء والتعب. فأوضح عليه السلام مراده وقال: وتظن انه كان قضاءا حتما وقدرا لازما لا دخل لاختيار العبد وارادته، ليس كذلك بل العبد مختار في فعله. فالقضاء والقدر عبارة عن الامر والحكم، والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية كما صرح بذلك في رواية

[ 227 ]

اخرى 1 في ذيل هذا الحديث. ثم أخذ عليه السلام بالاصول العقلائية التى أساس التشريع مبنى عليها، الى أن قال: ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها، والظاهر أن المراد به أنه لم يعص والحال أن عاصيه مغلوب بالجبر ولم يطع والحال ان طوعه مكروه للمطيع. وأما قوله " ولكان المذنب أولى بالاحسان " الخ، فالظاهر أنه عليه السلام أشار بذلك الى مطلب دقيق، وهو: أنه على مسلك الجبرية بما أن ذات المذنب اقتضت الاحسان في الدنيا باللذات فينبغي أن تكون في الاخرة أيضا كذلك لعدم تغير الذات في النشأتين وبما ان ذات المطيع اقتضت المشقة في الدنيا وايلام المطيع، بالتكاليف الشاقة فينبغي أن تكون في الاخرة أيضا كذلك. ثم اشار عليه السلام الى بعض المطالب الدقيقة لا تساعدنا الظروف لشرحه، ثم أبطل التفويض بقوله " لم يملك مفوضا ". وفي التوحيد عن الامامين الصادقين عليهما السلام: ان الله عز وجل أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم عليها، والله أعز من أن يريد أمرا فلا يكون. قال: فسئلا عليهما السلام هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا: نعم أوسع ما بين السماء والارض 2. وفيه أيضا عن محمد بن عجلان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: فوض الله الامر الى العباد ؟ قال (ع): أكرم من أن يفوض إليهم. قلت: فأجبر الله العباد على أفعالهم ؟ فقال (ع): لله أعدل من يجبر عبدا على فعل ثم يعذبه عليه 3. وفيه أيضا عن الامام الصادق عليه السلام قال رسول الله (ص): من زعم أن الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله تعالى، ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه، ومن زعم أن المعاصي بغيره قوة الله فقد كذب على الله 4.


1 - البحار الجزء الخامس ص 96 من طبعة طهران. 2 - 3 - التوحيد باب 59 حديث 3 و 6. 4 - التوحيد باب 59 حديث 2. (*)

[ 228 ]

وفيه أيضا عن مهزم قال أبو عبد الله عليه السلام: أخبرني عما اختلف فيه من خلقك من موالينا. قال: قلت في الجبر والتفويض. قال: فاسألني. قلت: الله أقدر عليهم من ذلك. قال: قلت فأى شئ هذا أصلحك الله ؟ قال: فقلب يده مرتين أو ثلاثا ثم قال: لو أجبتك فيه لكفرت 1. قوله عليه السلام " الله أقهر لهم من ذلك " معناه: ان الله أقوى من أن يقهر عباده ينحو يبطل به مقاومة القوة الفاعلة، بل هو يريد وقوع الفعل الاختياري من فاعله من مجرى اختياره، فيأتى به من غير أن يبطل ارادته. وعن تحف العقول 2 كتب على بن محمد الى شيعته من أهل الاهواز كتابا مفصلا وهو مشحون بالتحقيقات مشتمل على لبرهان لاثبات الامر بين الامرين ولغيره من المطالب الدقيقة، ولا يساعد وضع الكتاب لنقه بتمامه، وانما نذكر بعض ما رواه عن آبائه عليه السلام: قال عليه السلام: فانا نبدأ بقول الصادق عليه السلام " لا جبر ولا تفويض ولكن منزلة بين المنزلين " وهى صحة الخلقة وتخلية السرب والمهلة في الوقت والزاد مثل الراحلة والسبب المهيج للفاعل على الفعل، فهذه خمسة أشياء جمع بها الصادق جوامع الفضل. ثم في آخر الرسالة فسر كلام الامام الصادق عليه السلام، ففسر صحة الخلقة بكمال الخلق للانسان بكمال الحواس وثبات العقل والتمييز واطلاق اللسان بالنطق، وفسر تخلية السرب بأنه الذى ليس عليه رقيب بمنتعه العمل مما أمر الله تعالى به، وفسر المهلة في الوقت بالعمل الذى يمتنع به الانسان من حد ما يجب عليه المعرفة الى أجل الوقت وذلك من وقت تمييزه وبلوغ الحلم الى أن يأتيه أجله، وفسر الزاد بالجدة والبلغة


1 - التوحيد باب 59 حديث 11. 2 - البحار الجزء الخامس ص 68 من طبعة طهران. (*)

[ 229 ]

التى يستعين بها العبد على ما أمر الله تعالى به مثل الراحلة للحج، وفسر السبب المهيج بالنية التى هي داعية الانسان الى جميع الافعال وحاستها القلب. وروى عن الامام الصادق عليه السلام أيضا انه سئل: هل أجبر الله العباد على الامر مفوض إليه فقد وهن الله تعالى في سلطانه فهو هالك، ورجل يزعم أن الله جل وعز اجبر العباد على المعاصي وكلفهم ما لا يطيقون فقد ظلم الله تعالى في حكمه فهو هالك، ورجل يزعم أن الله كلف العباد ما يطيقون و لم يكلفهم مالا يطيقون فإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ. وروى عليه السلام في أخريات الرسالة ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام عباية الاسدي حين سأله عن الاستطاعة التى يقوم بها ويقعد ويفعل ويترك، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أسألك عن الاستطاعة تملكها من دون الله تعالى أو مع الله ؟ فسكت عباية، فقال أمير المؤمنين (ع): قل يا عباية. قال: وما أقول ؟ قال (ع): ان قلت انك تملكها بالله الذى يملكها من دونك ؟ فان يملكها اياك كان ذلك من عطائه وان يسلبكها كان ذلك من بلائه، وهو المالك لما ملك والقادر على ما أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول و القوة حين يقولون " لا حول ولا قوة الا بالله ". قال عباية: وما بأويلها يا أمير المؤمنين ؟ قال عليه السلام: لا حول عن معاصي الله الا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله الا بعون الله. ثم روى عليه السلام روايات أخرى عن آبائه عليهم السلام، ثم أخذ في بيان حقيقة المنزلة بين المنزلين واثباتها، والاحتياج عليها حتى صيرها أظهر من الشمس. على أن لكل واحد من الائمة الاثنى عشر عليهم السلام الذين هم خزان علم الله ومعادن حكمته كلمات وافيه في هذا الموضوع ومقالات موضحة للمنزلة بين المنزلتين،

[ 230 ]

ولم يدعوا على هذه الحقيقة من ستار. دفع الشبهة عن الحديث القدسي خاتمه في بيان أمور: الاول ان في جملة من نصوص 1 المقام تمسك المعصومون عليهم السلام بما ورد في الحديث القدسي من قول الله عز وجل " انى أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك منى "، والمقصود من هذا الامر دفع الشبهة التى ربما تورد على هذه الجملة، وحاصلها ان نسبة الفعل في الطاعة والمعصية الى الله تعالى والى العبد نسبة واحدة، وفي الموردين منتسب الى الله عز وجل من جهة والى العبد من جهة أخرى، فما الوجه في الاولوية من الطرفين ؟ وقد ذكر في دفعها وجوه: الاول - ان الله تعالى جعل في قبال القوى النفسانية التى هي جنود الجهل، من الغضب والطمع وغيرهما، قوى رحمانية، وعبرتها في النصوص بجنود العقل والرحمن، لئلا يكنون العبد مجبولا على اطاعة النفس ويكون مختارا في الطاعة والمعصية، ويكون متمكنا من المجاهدة وتقديم المرجحات الالهية. فحينئذ إذا تعارضت القوى النفسانية مع القوى الرحمانية وقدم المرجح الالهى فالله عز وجل أولى بالفعل، وان قدم المرجح النفساني وغلبت جنود الجهل فهو أولى بالفعل لمغلوبية الجهة الالهية، فالامر بين الامرين لا ينافى الاولوية. الثاني - انه قد ورد في النصوص الكثيرة أن بعض الحسنات يكون معدا للاخر ويعطى القابلية لان يوفقه الله تعالى لمرضاته، كما أن بعض المعاصي موجب للخذلان،


1 - راجع اصول الكافي ج 1 باب الجبر والقدر حديث 12، وباب المشيئة والارادة حديث 6، والتوحيد باب 59 حديث 10، وباب 55 حديث 13، وغير هما من كتب الاحاديث. (*)

[ 231 ]

وهذه الجملة تكون ناظرة الى ذلك، ومحصل مفادها حينئذ: انه أطاع فالله أولى به لانه الموفق، وان عصى فالعبد أولى به لانه اتبع فيه هو نفسه وشهواته. الثالث - ان منشاء لاولوية هو أن الله تعالى انما أعطى نعمة الوجود والقدرة والشعور وغيرها وأمر بصرفها في محلها، فان فعل ذلك فقد عمل بوظيفته ومع ذلك فالله هو ولى الاحسان الذى مكنه من ذلك، وان لم يفعل ذلك وصرف النعمة في غير محلها فقد فعل بسوء اختياره، وهذا حسن. ويؤيده تذييل هذه الجملة في بعض تلك النصوص بقوله تعالى " عملت المعاصي بقوتى التى جعلتها فيك ". حقيقة السعادة والشقاوة الثاني انه قد مر أن المحقق الخراساني (ره) التزم بأن الكفر العصيان تابعان للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتههما الذاتية الالزمة لخصوص ذاتهما، واستشهد لذلك بخبرين: احدهما " السعيد سعيد في بطن أمه، والشقى شقى في بطن أمه " 1، والثانى " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " 2، قال والذاتى لا يعلل. أقول: السعادة والشقاوة ليستاذاتيتين، وذلك لان السعادة عبارة عما يوجب دخول الجنة والراحة الابدية واللذات الدائمة، والشقاوة عبارة عما يوجب دخول النار والعقوبات والا لام. ويتضح ذلك بعد بيان الحقيقة السعادة والشقاوة، وهى: أن سعادة كل شئ هي بلوغه منتهى كماله وغاية فعليته بحسب نوعه، وهى الفعلية التامة من جميع ما لنوعه من الاستعداد. وهذه هي المرتبة العليا من السعادة، ويقابلها الشقاوة المطلقة، وهى عدم كمال


1 - تفسير على بن ابراهيم ص 214. 2 - الوافى 1 / 116. (*)

[ 232 ]

عن موصوع قابل له، وما بين أقصى الطرفين مراتب لا تحصى. وحيث أن المرتبة العليا من السعادة قليلة جدا وهى في الانسان أقل، بل من أول الدهر الى آخره الانسان الكامل بتمام معنى الكلمة البالغ غاية فعلية هذا النوع منحصر في فرد واحد، وهو أشرف الانبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله، فلا محالة سعادة كل اسنان ممزوجة بالشقاوة، بمقدار نقص حظ الانسان من السعادة له حظ من الشقاوة. إذا عرفت ذلك فاعلم: انهما تنتزعان عن الاطاعة التى توجب القرب الى الله تعالى وصيرورة الانسان كاملا، والعصيان الموجب للعبد، لنقص حظ الانسان من الكمال فلا معنى لكون الاطاعة ناشئة عن السعادة والعصيان ناشئا عن الشقاوة، فهما ليستاذاتيتين. لا يقال: ان منشأهما من الصفات النفسانية المعبر عنها في الاخبار بجنود العقل وجنود الجهل، من الذاتيات. فانه يقال: ان الله سبحانه أعطى بحكمته الكاملة كل مكلف قوتين داعتين الى الخير والشر، احداهما العقل، والاخرى الجهل. وخلق صفات حسنة تقوى العقل في دعوته الى الخير، وخلق ضدها من الرذائل تقوى الجهل في دعوته الى الشر، فلا تخص الصفات الحسنة بطائفة والرذيلة بطائفة أخرى حتى يقال: ان بعض الناس سعيد ذاتا والاخر شقى كذلك باعتبار منشأهما. وأما الرواية الاولى التى استدل بها على مخناره، فهى بظاهرها، وان كانت دالة على ما اختاره - الا أنه لابد من صرفها عن ظاهرها لوجهين: الاول - ان الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام يفسر بعضها بعضا، كما ورد عنهم عليهم السلام، وهذه الرواية قد فسرت في الروايات الاخرى بأن المراد منها ان الله يعلم وهو في بطن أمه أنه يعمل أعمال الاشقياء أو السعداء. لا حظ خبر ان ابى عمير 1 قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله " الشقى من شقى في بطن والسعيد من سعد في


1 - التوحيد باب 58 باب السعادة والشقاوة حديث 3. (*)

[ 233 ]

بطن أمه ". فقال: الشقى من علم الله وهو في بطن أمه أنه سيعمل أعمال الاشقياء، والسعيد من علم الله وهو في بطن أمه أنه سيعمل أعمال السعداء - الحديث. الثاني - أنه مع قطع النظر عن الروايات المفسرة لا محيص عن صرفها عن ظاهرها، لان من كان مطيعا فصار عاصيا أو كان عاصيا فصار مطيعا، هل يكون في بطن أمه شقيا أم سعيدا، فان كان سعيدا يلزم أن لا يكون الشقى في بطن أمه شقيا لانه حين عصيانه شقى، أولا يكون عصيانه ناشئا عن الشقاوة، وان كان شقيا لزم أن لا يكون السعيد في بطن أمه سعيدا لانه حين اطاعته سعيد، أولا تكون اطاعته ناشئة عن السعادة الداتية. وأما الرواية الثانية فهى أجنبية عما اختاره بالمرة، وذلك لان مفادها أنه كما أن معادن الذهب والفضة مختلفة تنقسم الى الجيد والردئ كذلك الناس مختلفون باختلاف الغزائز والاستعدادات والصفات النفسانية، وذلك لا يلزم سلب الاختيار، بل الاختيار في الجميع يكون موجودا ولا يكون أحد مجبورا على الاطاعة أو العصيان كما مر تحقيق ذلك. وأين هذا من الالتزام بأن الاطاعة والعصيان ناشئتان عن السعادة والشقاوة الذاتيتين. اختلاف الناس في الصفات النفسانية. الثالث لا يخفى أنا لا ندعى تساوى جميع الافراد في المرجحات الداعية الى اختيار الطاعة أو العصيان وعدم مدخلية الصفات النفسانية، التى هي جنود العقل وجنود الجهل فيه، لان هذا مخالف للعيان ويرده الايات الشريفة والروايات المستفيضة. بل ندعى وجود الاختيار في الجميع وان المطيع يطيع باختياره والعاصي يخالف التكليف باختياره، والا فلو كان مجبورا على الفعل لا يكون بالنسبة الى ذلك الفعل مطيعا ولا عاصيا ولا يستحق الثواب ولا العقاب عليه. وبعبارة أخرى: لابد من اشتراك جميع المكلفين في قدرتهم على الفعل والترك حتى يصح التكليف والثواب والعقاب، وأما زائدا على ذلك بحيث يلزم تساوى الجميع

[ 234 ]

في الاستعدادات والصفات النفسانية الداعية الى اختيار الطاعة أو العصيان فغير لازم، ولا محذور في اختلاف الناس فيها كاختلافهم في الجمال وأشباهه. وتلك الاستعدادات والصفات النفسانية قسمان: قسم يكون كسبيا اراديا يحصل من الاطاعة والعصيان. كما ورد في الروايات الكثيرة ان بعض الحسنات يكون معدا للاخر ويعطى القابلية لان يوفقه الله تعالى لمرضاته، كما أن بعض المعاصي موجب للخذلان. وقسم يحصل من أمور غير أختيارية، وعلى أي حال لا يوجب سلب القدرة. البداء في التكوين ولمناسبات غير خفية ينبغى لنا البحث في مسألتين: الاولى مسألة البداء في التكوين: لا خلاف بين علمائنا في القول بالبداء، وما عن المحقق الطوسى (قده) في نقد المحصل في الرد على الفخر الرازي، من أن الامامية لا يقولون بالبداء، يتعين أن يكون مراده هو البداء الذى نسبه الفخر الى الامامية، وهو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الامر بخلاف ما اعتقده. وبه يندفع استغراب جماعة من المحققين منهم السيد الداماد والعلامة المجلسي هذا الجواب. وكيف كان فيشهد له: من الكتاب قوله تعالى " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب " 1، وسيمر عليك معنى الاية الكريمة. والنصوص الكثيرة، لا حظ خبر زرارة عن أحدهما عليهما السلام: ما عبد الله بشئ مثل البداء 2، وخبر هشام بن سالم وحفض بن البخترى وغيرهما عن أبى عبد الله


1 - سورة الرعد: 39. 2 - اصول الكافي ج 1 باب البداء حديث 1 (*)

[ 235 ]

عليه السلام قال في هذه الاية " يمحو الله ما يشاءج ويثبت " قلا: فقال وهل يمحى الا ما كان ثابتا وهل يثبت الا ما لم يكن 1، وخبر عبد الله بن سنان عنه عليه السلام: ما بد الله في شئ الا كان في علمه قبل أن يبدو له 2. وخبر ابن ابى عمير عن هشام بن سالم عنه عليه السلام: ما عظم الله عز وجل بمثل البداء 3. وخبر الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: ما يعت الله نبيا قط الا بتحريم الخمر وان يقر له بالبداء. وخبر الجهنى قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقولون: لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الاجر ما فتروا عن الكلام فيه 4. الى غير ذلك من النصوص المتواترة الواردة في ذلك. انما الكلام في المراد من البداء، فان المخالفين نسبوا الى الشيعة ما هم برآه منه، قال الفخر الرازمى عند تفسيره قوله تعالى " يمحو الله ما يشاء ويثبت ": قالت الرافضة البداء جائز على الله تعالى، وهو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الامر بخلاف ما اعتقده - انتهى. كلمات علمائنا في معنى البداء ولعلمائنا الابرار في تحقيق البداء معان: احدها ما عن السيد المرتضى في جواب مسائل أهل الرى، وهو أن المراد بالبداء النسخ نفسه، وادعى أنه ليس بخارج عن معناه اللغوى. وقريب منه ما ذكره الشيخ في محكى العدة، الا أنه صرح بأن اطلاقه على النسخ على ضرب من التوسع والتجوز. ووافقهما في ذلك الفيلسوف النحرير السيد السند محمد باقر الداماد في نبراس


1 - نفس المصدر 2 - اصول الكافي ج 1 باب البداء حديث 9 3 - 4 - 5 - التوحيد باب البداء حديث 2 و 6 و 7. (*).

[ 236 ]

الضياء. ثانيهما ما ذكره الصدوق في كتاب التوحيد قال: ليس البداء كما يظنه جهال الناس بأنه بداء ندامه، ولكن يجب علينا أن نقر لله عز وجل بأن له البداء، ومعناه أن له ان يبدأ بشئ من خلقه فيخلقه قبل كل شئ ثم يعدم ذلك الشئ، ويبد أبخلق غيره ويأمره بأمره ثم ينهى عن مثله، أو ينهى عن شئ ثم يأمر بمثل ما نهى عنه ثالثها ما ذكره بعض المحققين في شرحه على الكافي وتبعه المحدث الكاشانى (ره) في الوافى، وهو أن القوى المنطبقة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الامور دفعة واحدة لعدم تناهى تلك الامور، بل انما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا وجملة فجملة مع أسبابها وعللها على نهج مستمر ونظام مستقر، فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم، وربما تأخر بعض الاسباب الا موجب لوقوع الحوادث على خلاف ما يوجبه بقية الاسباب لو لا ذلك السبب ولم يحصل لها العلم بذلك بعد لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب، لو لا ذلك السبب ولم يحصل لها العلم بذلك بعد لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب، ثم لما جاء أو انه واطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الاول، فينمحي عنها نقش الحكم السابق ويثبت الحكم الاخر. وهذا هو السبب في البداء في امور العالم، فإذا اتصلت بتلك القوى نفس النبي (ص) أو الامام (ع) فرأى فيها بعض تلك الامور فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه أو شاهده بنور بصره أو سمعه بأذن قلبه، وأما نسبة ذلك كله الى الله تعالى فلان كل ما يجرى في العالم الملكوتى انما يجرى بارادة الله تعالى بل فعلهمخ بعينه فعل الله، فكل كتابه تكون في هذه الالواح فهو أيضا مكتوب لله تعالى بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الاول، فيصح أن يصف الله نفسه يأمثال ذلك الاعتبار. رابعها ما عن الفاضل المدقق الميرزا رفعيا، و حاصله: أن الامور كلها منتفشة في اللوح، والفائض منه على الملائكة والنفوس العلوية والنفوس السفلية قد يكون الامر العام أو المطلق المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة، ويتأخر المبين الى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه، وهذه النفوس العلوية وما يشبهها يعبر عنها بكتاب المحو والاثبات، البداء عبارة عن هذا التغير في ذلك الكتاب.

[ 237 ]

خامسها ما اختاره المحقق المجلسي (ره) وحاصله: ان المعصومين عليهم السلام انما بالغوا في البداء ردا على اليهود الذين يقولون ان الله قد فرغ من الامر، وعلى النظام وبععض المعتزلة القائلين ان الله خلق الموجودات دفعة واحدة والتقدم انما يقع في ظهورها، وعلى بعض القلاسفة القائلين بأن الله تعالى لم يؤثر حقيقة الا في العقل الاول، وعلى آخرين منهم قالوا ان الله سبحانه أوجد جميع مخلوقاته دفعة واحدة وانما ترتبها في الازمان فقط. فنفوا عنه كل ذلك، واثبتوا أن الله تعالى كل يوم في شأن من اعدام شئ واحداث آخر وامانة شخص واحياء آخر الى غير ذلك. وهناك أقوال أخر لا يهمنا التعرض لها. ما هو الحق في معنى البداء وحق القول في المقام بتوقف على بيان أمور: الاول لا شك في أن ما يحدث في عالم الكون بأجمعه تحت قدرة الله وسلطانه، وان وجود أي ممكن منوط بمشيئة الله تعالى. وهذا من البداهة بمكان. الثاني ان للاشياء بأجمعها تعينا علميا في علم الله الازلي، ويعبر هذا التعين العلمي تارة بتقدير الله وأخرى بقضائه، ولكن ليس العلم الالهى متعلقا بالموجودات خاصة بل يكون متعلقا بها بما لها من المبادئ والخصوصيات. وعليه فحيث أن الممكنات بأجهمعها تحت قدرة الله ومنوطة بتعلق المشيئة والارداة بها، فيكون العلم بها منذ الاول غير مزاحم لقدرته عليها حين ايجادها، فمعنى قضاء الله وتقديره أن الاشياء بأجمعها متعينة في العلم الالهى الازلي على ما هو عليه من أن وجودها معلق على أن تتعلق الارادة والاختيار والمشيئة بها حسب ما تقتضيه. المصالح والمفاسد المختلفة باختلاف الظروف. الثالث ان وجود كل موجود له نسبتان: نسبة الى علته التامة التى يستحيل عمده معها، ونسبة الى مقتضيه الذى يحتاج الشئ في وجوده معه الى شرط وعدم مانع. فمع

[ 238 ]

وجود الشروط وعدم الموانع يوجد، ومع وجود المانع أو فقد الشرطب لا يكاد بتحقق. وعلى هذا فمع تحقق المقتضى كان الظاهر ذلك الشئ ما وجد المانع ظهر منه خلاف ما كان يظهر من المقتضى، والى هذا يشير جملة من الاخبار: روى العياشي عن الففضيل قال: موقوفة عنه الله يقدم ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت منها يشاء، لم يطلع ذلك أحدا يعنى الموقوفة، فأما ما جاءت به الرسل فيه كائنه لا يكذب نفسه ولا نبيه ولا ملائكته 1. ونحوه غيره. الرابع حيث عرفت أن العلم الاهلى يتعلق بالاشياء على واقعها، لان انكشاف الشئ لا يزيد على واقع ذلك الشئ، فإذا كان الواقع منوطا بمشيئة الله حسب ما تقتضيه المصالح والمفاسد كان العم متعلقا به على هذه الحالة، الا لم يكن العلم علما به على وجهه وانكشافا له على واقعه. فيكون لله علمان: علم بالاشياء من جهة عللها التامة وهو العلم الذى لابداء فيه أصلا، وله علم بالاشياء من جهة مقتضياتها التى موقوفة التأثير على وجود الشروط وفقد الموانع. وهذا العلمن يمكن أن يظهر خلاف ما كان ظاهرا منه يفقد شرط أو وجود مانع. والى هذا المعنى يشير كثير من الاخبار المروية عن المعصومين عليهم السلام، قال الامام الرضا عليه السلام لسليمان المروزى في حديث: ان عليا (ع ؟ كان يقول: العلم علمان: فعلم علمه الله ملائكته ورسله فما علمه ملائكته ورسله فان يكون ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ورسله، وعلم عنده مخزون لم يطلعإ عليه أحدا من خلقه يقدم منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ويثبت ما يشاء 2. وفي الكافي عن ابى بصير عبد الله عليه السلام: ان لله علمين: علم مكنون


1 - البحار 4 / 119 حديث 58 من طبعة طهران. 2 - التوحيد باب 66 حديث 1. (*)

[ 239 ]

مخزون لا يعلمه الا هو من ذلك يكون البداء، وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعمله 1. ونحوهما غيرهما. إذا تدبرت فيما ذكرناه يظهر لك أن البداء انما يكون في القضاء الموقوف المعبر عنه بلوح المحو والاثبات، وأما القضاء الحتمى اللمعبر عنه بأم الكتاب والعلم المخزون عند الله تعالى فيستحيل أن يقع فيه البداء. ففى خبر عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ما بدا لله في شئ الا كان في علمه قبل أن يبدو له 2. وفي خبر الجهنى عنه عليه السلام: ان الله لم يبدله من جهل 3. وفي خبر منصور بن حازم عنه عليه السلام قال: سألته هل يكون اليوم شئ لم يكن في علم الله بالامس ؟ قال عليه السلام: لا، من قال هذا فأخزاه الله. قلت: ارأيت ما كان ما هو كائن الى يوم القيامة أليس في علم الله ؟ قال: بلى قبل أن يخلق الخقل 4. الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة. والى ما ذكرناه نظر العلامة المجلسي (ره) قال: اعلم أن الايات والاخبار تدل على أن الله تعالى خلق لو حين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات: أحدهما اللوح المحفوظ الذى لا تغير فيه أصلا وهو مطابق لعلمه تعالى، والاخر لوح المحو والاثبات فيثبت فيه شيئا ثم يمحوه لحكم كثيرة لا تخفى على أولى الالباب. مثلا: يكتب فيه أن عمر زيد خمسون سنة، ومعناه أن مقتضى الحكمة أن يكون عمره كذا إذا لم يفعل ما يقتضى طوله أو قصره، فإذا وصل الرحم مثلا يمحى الخمسون ويكتب مكانه الستون وإذا قطعها يكتب مكانه أربعون، وفي اللوح المحفوظ أنه يصل وعمره ستون، كما أن الطلبيب الحاذق إذا اطلع على مزاج شخص يحكم بأن عمره بحسب هذا المزاح يكون ستين سنة


1 - اصول الكافي باب البداء حديث 8 2 - نفس المصدر 3 - نفس المصدر 4 - نفس المصدر (*)

[ 240 ]

فإذا شرب سما ومات أو قتله انسان فنقص من ذلك أو استعمل دواءا قوى مزاجه فزاد عليه لم يخالف قول الطبيب. والتغيير الواقع في هذا اللوح مسمى بالبداء اما لانه مشبه به كما في سائر ما يطلق عليه تعتالى من الابناء والاستهزاء والسخرية وأمثالها، أو لانه يظهر للملائكة أو للحق إذا أخبر بالاول ما اعلموا أولا - انتهى. تنبيهات وتمام الكام في المقام بالتنبيه على أمور: الاول أن ما ذكرهاه في معنى البداء المستفاد من الاخبار، هو الظاهر من الاية الكريمة المتقدمة " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب "، لان محو الشئ هو اذهاب رسمه وأثره، وقد قوبل في الاية الشريفة بالاثبات وهو اقرار الشئ في مستقره بحيث لا يضطرب، فالمحو هو ازالة الشئ بعد ثبوته برسمه. وحيث أنه ذكر الاية بعد قوله تعالى " لكل أجل كتاب " وذكر في ذيلها " وعنده أم الكتاب "، فالظاهر منها أن لكل وقت كتابا يخصه، فختلف الكتب باختلاف الاوقات. وان هذا الاختلاف ظهر من ناحية اختلاف التصرف الالهى بمشيئته حسب ما تقتضيه المصالح لامن جهة اختلافها في انفسها، ومع ذلك فعند الله أم الكتاب أي الاصل الذى ينشأ منه الشئ ويرجع إليه هذه الكتب التى تمحى وتثبت بحسب الاوقات. وبعبارة أوضح: ان الله سبحانه في كل وقت كتابا وقضاءا، وانه يمحو ما يشاء من تلك الاقضية ويثبت ما يشاء، ومع ذلك عنده بالنسبة الى كل وقت قضاء محتوم لا يتغير، وهو الاصل الذى يرجع إليه سائر الاقضية. وبهذا البيان يظهر أن ما قيل في تفسير الاية الشريفة من الوجوه و الاقوال كلها في غير محلها، ولتمام الكلام محل آخر. الثاني ان البداء بالمعنى الذى يقول به الامامية هو الابداء والاظهار حقيقة، واطلاق لفظ " البداء " عليه مبنى على التنزيل والمشاكلة.

[ 241 ]

الثالث ان القول بالبداء اعتراف بأن الله تعالى السلطنة التامة على الممكنات وأنها بأجمعها تحت سلطانه و قدرته حدوثا وبقاءا، وانه يوجب انقطاع العبد الى الله وطلبه منه اجابة دعائه وكفاية مهماته. والى هذا تشير الاخبار المتضمنة للاهتمام بشأن البداء، وعليه يحمل مادل على أن الصدقة تزيد في العمر وكذلك صلة الرحم وما شاكل. الرابع ان ما وقع في كلمات المعصومين عليهم السلام من الانباء بالحوادث الاتية، انما هو على نحوين: أحدهما ما أخبر بوقوع الامر المستقبل على سبيل الجزم، فهو كاشف عن أن ما أخبر به مما جرى به القضاء المحتوم. والاخر ما أخبر به معلقا على أن لا تتعلق بخلافه المشيئة الالهية ولو مع قرينة منفصلة، فهو كاشف عن كون المخبر به مما جرى به القضاء الموقوف الذى هو مورد للبداء. الكلام النفسي الثانية مسألة الكلام النفسي: قد اتفقت الاشاعرة على أن للكلام نوعا آخر غير النوع اللفظى المعروف المسمى عندهم بالكلام النفسي، ثم اختلفوا فذهب جماعة منهم الى أنه مدلول للكلام اللفظى ومعناه، وذهب آخرون الى أنه مغاير لمدلول اللفظ وان دلالة اللفظ عليه من قبيل دلالة الفعل الاختياري على ارادة الفاعل. وعلى ذلك بنوا القول بقدم القرآن، نظرا الى أنه كلام الله الذى هو من صفاته الذاتية القديمة بقدمه، والمعروف بينهم اختصاص القدم بالكلام، الا أن الفاضل القوشجى نسب الى بعضهم القول 1 بقدم جلد القرآن وغلافه أيضا. وفي مقابل هذه الطائفة، ذهب غيرها من طوائف المسليمن الى حدوث القرآن، وان كلامه اللفظى مخلوق له، وليس هناك نوع آخر من الكلام.


1 - شرح التجريد المقصد الثالث ص 354. (*)

[ 242 ]

أدلة الاشاعرة على الكلام النفسي وقد استدل القائلون بثبوت الكلام النفسي على مدعاهم بوجوده: الاول ان الكلام اللفظى المؤلف من الحروف الهجائية المتدرجة في الوجود أمر حادث يستحيل اتصاف الله تعالى به في الاول وغير الازل والالزم اتحاد القديم مع الحادث وهو محال، لان صفات الله عز وجل عين ذاته. وحيث ان الله تعالى وصف نفسه بهذه الصفة في كتابه فقال سبحانه " وكلم الله موسى تكليما " 1 وكذلك وصفه بها المعصومون عليهم السلام في الاخبار والادعية، فلا مناص من البناء على ثبوت الكلام النفسي وان الله تبارك وتعالى متصف به، وذلك الكلام مجتمعة اجزاؤه وجودا. و الجواب عن ذلك يبتنى على بيان مقدمة، وهى: ان صفاته تعالى على قسمين الصفات الذاتية والصفات الفعلية، والفارق بينهما أن صفات الله الذاتية هي التى، لا يمكن نفيها عنه، ويستحيل أن يتصف سبحانه نبقيضها أبدا كالعلم و القدرة، حيث أنه لا يمكن نفيها عنه، ولسنا نصفه بالعجز والجهل، والصفاته الفعلية هي التى يمكن أن يتصف بها في حال وبنقيضها في حال آخر كالخلق والرزق، فيقال: ان الله تعالى خلق كذا ولم يخلق كذا، ورزق فلانا ولدا ولم يرزقه مالا. وأيضا الصفات الذاتية لا تتعلق بها القدرة ولا الارادة، لانهما تتعلقان بالممكنات دون غيرها، والقسم الاول متحد مع ذاته سبحانه قديم بقدمه، وأما القسم الثاني فهو من مخلوقاته ومن آياته، ولا يكون متحدات مع ذاته ولا قديما بقدمه. إذا عرفت هذه المقدمة يظهر لك جليا أن التكلم انما هو من الصفات الفعلية، لانطباق ما ذكر ضابطا لها عليه، فانه يصح أن يتصف الله تعالى بمقابله ويصح سلبه عنه، ويقال كلم الله موسى ولم يكلم فرعون، وتتعلق قدرته به لانه سبحانه كان قادرا على


1 - سورة النساء: 163. (*)

[ 243 ]

التكلم مع موسى وبتبع ذلك تتعلق ارادته به. مع أنه يدل على كونه من صفات الفعل ما رواده الكليني (ره) باسناده عن ابى بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لم يزل الله عز وجل ربنا، والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموعإ، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلما أحدث الاشياء وكان معلوم وقع العلم منه على المعلوم والسمع على المسموع والبصر على المبصر والقدرة على المقدرو. قال: فقال تعالى الله عن ذلك، ان الحركة صفة محدثة بالفعل. قال: قلت فلم يزل الله متكلما ؟ قال: فقال ان الكلام صفة محدثة ليست بأزلية، كان الله عز وجل ولا متكلم 1. وعلى ذلك فلا يلزم من اتصاف الله تعالى بالكلام اللفظى اتحاد الحادث والقديم. الوجه الثاني ما عن المحقق الدوانى (ره)، وهو أن ترتيب الكلمات وجعلها جملا مترتبة في الذهن هو الكلام النفسي، لانه معنى قائم بالنفس وجدانا غير العلم. وفيه: ان هذا عين العلم التصورى، غاية الامر كون المتصور الكلمات. وبعبارة أخرى: هو الوجود الذهنى الذى يعم الافعال الاختيارية كافة. الثالث ان انكشاف ثبوت المبدأ والمحمول للموضوع للنفس علم، وأما قرار النفس وحكمها بذلك فهو غير العلم، فهو الكلام النفسي وصفة من الصفات النفسانية. وفيه: ان للعلم فردين، احدهما تصوري، والاخر تصديقي، وما ذكر ليس وراء العلم التصديقي شيئا. الرابع ان يطلق الكلام على الموجود منه في النفس، يقال: ان في نفسي كلاما لا أريد أن ابديه، قال الله تعالى " وأسروا قولكم أو اجهروا به انه عليم بذات الصدور " 2. وفيه: ان هذا لا يختص بالكلام، مثلا يقول المهندس ان في نفسي صورة بناء سأنقشها، ويقول الصائم ان في نفسي أن أصوم غدا، وهكذا، والحال ان ذلك ليس وراء


1 - اصول الكافي باب صفات الذات ص 107 من طبعة طهران. 2 - سورة الملك: 13. (*)

[ 244 ]

الوجود الذهنى والتصور شيئا. الخامس انه يطلق المتكلم على الله تعالى، وهذه الهيئة - أي هيئة اسم الفاعل - وضعت لافادة قيام المبدأ بالذات قياما وصفيا، ولذا النائم على من أوجد النوم في الغير بل على من اتصف به. وحيث أن من الواضح أنه لا يتصف الله تعالى بالكلام اللفظى، لاستحالة اتصاف القديم بالحادث، فلابد من الالتزام بالكلام القديم، وليس هو الا الكلام النفسي. وفيه: أولا - ان المبدأ في صيغة المتكلم ليس هو الكلام، فانه كيفية عارضة للصوت الحاصل من تموج الهواء، وهو قائم بالهواء لا بالمتكلم، بل المبدأ في صيغة المتكلم هو التكلم ومعناه ايجاد الكلام، فاطلاقه على الله تعالى وغيره بمعنى واحد. وثانيا - ان ما ذكر من أن هيئة اسم الفاعل وضعت لافادة قيام المبدأ بالذات قياما وصفيا، فهو غلط بل هي وضعت لافادة قيام المبدأ بالذات نحو قيام، وأما خصوصية كونه قياما حلوليا أو ايجاديا أو غيرهما فيه تختلف باختلاف الموارد ولا تدخل تحت ضابط كلى، فالنائم لا يطلق على الموجد للنوم، لكن الضار والنافع يطلقان على موجد هذين المبد أين. وعليه فلا مانع من صدق المتكلم على الموحد للكلام. السادس انه لا كلام في صحة الاوامر الامتحانية وتحققها عند عدم تعلق الارادة الحقيقية بمتعلقاتها، وتلك الاوامر تدل على معنى قائم في النفس ليس بارادة لانتقائها وجدانا ولا بغيرها من الصفات المعروفة من العلم والترجى وماشا كل، وليس هو الا الطلب الذى هو الكلام النفسي في الانشائيات ويكون قائما بالنفس. وفيه: ان الاوامر الامتحانية على قسمين: أحدهما - ما يكون مقصود الامر هو صدور العمل وتحققه خارجا لاستكشاف قدرة المأمور على ذلك العمل لا لمصلحة فيه، وفي ذلك لا محالة تتعلق ارادة الامر بنفس العمل لتوقف غرضه الباعث له على الامر على تحقق العمل. ثانيهما - ما يكون المقصود استكشاف استعداد المأمور لطاعة الامر وعدمه، وفي مثل ذلك نلتزم بأنه ليس الامر سوى ابراز الاعتبار النفساني، وهو جعل المادة على عهدة

[ 245 ]

المأمور، وليس هناك ارادة ولا طلب. فانقدح أنه لا برهان على وجود الكلام النفسي. الدليل على عدم ثبوت الكلام النفسي بل الوجدان يرده وينفيه، ويظهر ذلك بعد بيان مقدمة، وهى: انه لا ريب في أن للنفس صفات وكيفيات - كالشوق والحب والكراهة وماشا كل، كما أنه لا كلام في أن لها أفعالا كالتأمل والتفكر والبناء وغيرها، والعلم على مسلك المتقدمين من الفلاسفة من الصفات وعلى مسلك المتأخرين منهم من أفعال النفس. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن دعوى وجود صفة في النفس غير الصفاتإ المعلومة المعينة وتسمى بالكلام النفسي، مردودة. والنزاع ينقطع بالرجوعإ الى ما في النفس وجعل الوجدان قاضيا وحاكما، حيث يرى الناظر المنصف أنه ليس في النفس صفة غير تلك الصفات. وان اردت أن يطمئن قلبك فراجع نفسك ترى أن كل صفة وفعل توجد في النفس ويصدر منها عند ارادة التكلم تكون موجودة وصادرة منها عند ارادة الاكل مثل بلا فرق بينهما أصلا، فكما أنه إذا أراد المتكلم أن يتكلم يتصوره ويتصور دواعيه ثم يحصل له التصديق بالفائدة فيحصل الميل ثم الجزم والعزم عليه فيعمل قدرته فيتكلم، كذلك عند ارادة الاكل جميع هذه موجودة بلا نقيصة، فوجود صفة أخرى في النفس عند ارادة التكلم وتكون مدلولة للكلام اللفظى مما لا يساعده الوجدان. وان شئت توضيح ذلك فاعلم: ان الجمل اما خيرية أو انشائية: أما الجمل الخبرية فليس في مواردها، غير تسعة أمور: 1 - مفردات الجملة، 2 - معاني المفردات، 3 - الهيئة التركيبية لها، 4 - مدلول الهيئة التركيبية، 5 - تصور المخبر مادة الجملة وهيئتها، 6 - تصور مدلول الجملة، 7 - مطابقة النسبة لما في الخارج أو عدم مطابقتها له، 8 - علم المخبر بالمطابقة أو عدمها أو شكه فيها، 9 - ارادة المتكلم لايجاد الجملة في الخارج مسبوقة بمقدماتها. واعتراف المثبتون له بعدم كون شئ من هذه هو

[ 246 ]

الكلام النفسي. أما الجمل الانشائية فهى كالجمل الخبرية، والفارق بينهما أنه ليس في مواردها خارج تطابقه أو تطابقه، وعليه فالامور التى لابد منها في الجملة الانشائية سبعة، وهى غير السابع والثامن من الامور المذكورة، وقد علمت أن الكلام النفسي عند القائلين به ليس واحدا منها. فالمتحصل ما ذكرناه: ان الكلام النفسي أمر خيالي لا برهان على وجوده، بل البرهان والوجدان على خلافه، والرويات المروية عن المعصومين عليهم السلام ترده. وقد وقع الفراغ من هذه الرسالة في اليوم الثامن من شهر صفر سنة 1390 ه‍ والحمد لله أولا وآخرا.

[ 247 ]

الفصل الثاني فيما يتعلق بصيغة الامر وفيه مباحث، الاول: ربما يذكر الصيغة الامر معان، الطلب، التهديد، التراجيث، التمنى، الانذار، الاهانة، الاحتقار، االتعجيز، التسخير وغير ذلك وأن حاشية المعالم ذكر خمسة عشر معنى لها. ولكن الذى اختاره جماعة من المحققين كالخراساني والنائيني والاصفهاني وغير هم ان لها معنى واحدا. وتقيح القول بالحبث في موارد: الاول: في تعيين معنى صيغة الامر إذا استعملت في مقام الطلب الثاني: في ان الصيغة المستعملة في مقام التهديد والترجى وما شابه، هل استعملت فيما تستعمل فيه إذا كانت في مقام الطلب، ام غيره ؟ الثالث: هي انه، هل هي من قبيل المشترك اللفظى، أو الحقيقة والمجاز ؟ اما المورد الاول: فقد ذكر في تعيينه وجوه. منها: ما اختاره المحقق الخراساني من انها موضوعة للطلب الانشائى وتستعمل فيه دائما نعم يختلف الداعي الى انشائه، فقد يكون هو الطلب الحقيقي، وقد يكون التهديد، وقد يكون امر آخر، فتخيل ان لها معان متعددة منشأه اشتباه الداعي بالمعنى، نعم، يمكن

[ 248 ]

ان يدعى انها موضوعة لانشاء الطلب فيما إذا كان بداع البعث والتحريك لا بداع آخر منها، فاستعمالها في الطلب بسائر الدواعى خلاف الوضع لا الموضوع له. ولكنك عرفت في مبحث الطلب والارادة، ان الطلب عبارة عن التصدى نحو المطلوب، وان الامر بعد تحققه يكون مصداقا للطلب لا ان الانشاء يتعلق به، وعرفت ان الطلب الانشائى لا نتعقل له معنى معقولا. ومنها: ما اختاره المحقق النائيني وهو ان الصيغة انما وضعت للنسبة الانشائية الايقاعية. وفيه: ان المراد ان كان وقوع المادة على المكلف في عالم التشريع، وجعله في كلفتها، فهى توجد بالصيغة اذبها يقع المكلف في الكلفة والكلام انما هو في معنى الصيغة أي الذى تستعمل فيه، وان كان غير ذلك، فعليه زيادة التوضيح والبيان. ومنها: ما عن جماعة منهم المحقق العراقى، والمحقق الاصفهانى (ره)، من انه عبارة عن البعث الملحوظ نسبة بين المادة التى طرئت عليها الصيغة وبين المخاطب بها. وفيه: ان البعث كالطلب من المفاهيم التى تصدق على الامر بعد وجوده ويكون الامر بنفسه مصداقا له: لكونه يبعث المأمور نحو الفعل لا انه يكون الامر مستعملا فيه. فالصحيح ان يقال ان هيئة الامر بمقتضى التهد الوضعي مبرزة لقصد تفهيم كون صدور المادة من المخاطب متعلقا لشوق المتكلم، وبعبارة اخرى وضعت لافادة تلك النسبة، ولعل ما عن جماعة من كون الحكم عبارة عن الارادة، يرجع الى ذلك. واما ما افاده الاسناد الاعظم من انها موضوعة لابراز اعتبار الوجوب، وكون المادة على عهدة المخاطب، فهو لا يرد عليه شئ، ويؤيده النصوص المعبرة عن التكاليف بالديون، الا ان الاظهر بعد مراجعة موارد استعمالها عند العرف هو ما اخترناه. واما الموارد الثاني: فقد اختار المحقق الخراساني انها تستعمل في معنى واحد دائما وانما الاختلاف من ناحية الداعي. ولكن بعدما عرفت في مبحث الانشاء والاخبار، ومن ان ما هو المشهور، ان حقيقة الانشاء عبارة عن ايجاد المعنى باللفظ، باطل، وليس الانشاء الا ابراز امر نفساني وعرفت

[ 249 ]

ان الصيغة المستعملة في مقام الطلب تكون مبرزة لشوق المتكلم الى الفعل لا يبقى مورد لهذا الكلام. والحق ان يقال بتعدد المستعمل فيه، إذ في مورد الطلب يكون المستعمل فيه هو الشوق الى الفعل، وفي الموارد الاخر ليس كذلك كما هو واضح، ولذا تكون الصيغة في المورد الاول مصداقا للطلب، ويصدق على الامر الطالب وعلى المأمور به المطلوب منه، وهذا بخلاف الموارد الاخر. واما المورد الثالث: ففى الكفاية اختيار ان الصيغة موضوعة لانشاء الطلب إذا كان بداعي البعث والتحريك فتكن حقيقة فيه خاصة. ولكن بعد ما لا كلام في انه عند نصب القرنية تكون الصيغة محمولة على انها استعملت بداعي الجد، ولا يعتنى باحتمال ارادة التهديد مثلا منها، اما للانصراف، أو للاصل العقلائي: لان بناء العقلاء على حمل الاقوال والافعال على الجد حتى يظهر خلافه، أو لما افاده (قده)، الصفح عن هذا البحث اولى لعدم ترتب اثر عليه. دلالة صيغة الامر على الوجوب وعدمها المبحث الثاني: لا شك في، ان الاوامر الصادرة من الشارع الا قدس على نحوين احدهما - ما يكون المكلف ملزما بامتثاله، ويعاقب على مخالفته - ثانيهما - ما يكون مقرونا بالترخيص على نحو يجوز مخالفته ويسمى، الاول بالوجوب، والثانى بالندب. وعلى ما هذا وقع الكلام في انه إذا ورد امر من الشارع ولم تقم قرينة على تعيين احدهما فهل الصيغة تحمل على الوجوب أو الندب. وتنقيح القول بالبحث في موردين: احدهما: فيما يمتاز به الوجوب عن الندب: وفيه اقوال. 1 - ما ذهب إليه المتقدمون من الاصحاب من تركب الوجوب والاستجباب من جنس، وهو طلب الفعل، وفصل وهو المنع من الترك، أو الاذن فيه. 2 - ما اختاره المحققون من المتأخرين وهو انهما مترتبتان بسيطتان من الطلب،

[ 250 ]

والمنع من الترك وعدمه من لوازم شدة الطلب وضعفه لا انهما مقومان لحقيقة الوجوب والندب. 3 - ما اختاره جماعة منهم المحقق النائيني، والاستاذ، من ان الوجوب والاستحباب ليسا من كيفية المستعمل فيه وهما خارجان عن حريم الموضوع له والمستعمل فيه، بل المستعمل فيه كالموضوع له واحد فيهما حقيقة فلى كلا الموردين، والاختلاف بينهما انما هو من ناحية حكم العقل بلزوم العلم وعدمه، فألوجوب والاستحباب امر ان انتزاعيان ينتزعان من ترخيص المولى في ترك المأمور به وعدمه، ولعله الى ذلك نظر المحقق القمى حيث جعل الوجوب من الوازم صدور الصيغة من المولى، الا انه ارجعه بالاخرة الى المدلول اللفظى. اما القول الاول: فيرده انه لا يخطر المعنى المركب عند استعمال الصيغة في الوجوب أو الاستحباب، وبعبارة اخرى ان الصيغة انما تحكى عن الارادة والشوق، ولا تحكى عن المنع من الترك أو الاذن فيه كما يظهر ذلك بعد المراجعة الى المرتكزات العرفية والمتفاهم العرفي عند الامر بشئ. واما القول الثاني: الذى اختاره المتأخرون، فاورد عليه المحقق النائيني بان ما يستعمل فيه الصيغة في جميع الموارد هي النسبة الانشائية، وهى لا شدة فيها ولا ضعف، وما الارادة فيه وان كانت قابلة للشدة والضعف في حد نفسها، الا انها ما لم تشتد لا تكون ارادة سواء أكان المراد فعلا من الافعال الضرورية ام غيرها، واما الطلب الذى هو عين الاختيار فهو ايضا في جميع الافعال على حد سواء. وفيه، اولا: ما عرفت من ان ما يستعمل فيه الصيغة ليس هو النسبة الايقاعية بل ابراز الشوق بالمادة، ثانيا: انه لو سلم عدم ثبوت المراتب في الارادة التكوينية بكلا معنييها، لا نسلم ذلك في الارادة التشريعية الى الشوق المتعلق بفعل العبد: إذ لا ريب في ان له مراتب من جهة اختلاف المصالح الموجبة لتعلق الشوق بالفعل المأمور به، ودعوى: ان الارادة التشريعية، والارادة التكوينية توأمتان، مندفعة: بان ذلك غير تام كما مر. فالصحيح في الايراد عليه، ان يقال ان مراتب الشوق مختلفة في الواجبات ايضا،

[ 251 ]

ويكون الشوق المتعلق ببعضها آكد من الشوق المتعلق بالاخر، بل يمكن ان يدعى القطع بان الشوق والميل المتعلق ببعض المستحبات كزيارة ابى عبد الله (ع) آكد بمراتب من الشوق المتعلق ببعض الواجبات، وعليه فلا يمكن ان يكون الوجوب و الاستحباب، مرتبتين من الطلب، فان قيل انه يمكن ان يقال، ان الطلب الوجويى، هو مانشأ عن المصلحة اللزومية، والاستحبابي ما كان عن المصلحة غير اللزومية، اجبنا عنه، بان الوجوب والاستحباب، متحققان حتى مع عدم وجود المصحلة فكيف يصح جعل المصلحة ملاكا للوجوب والاستحباب، مع انه لا يمكن ان يكون المصلحة دخيلة في الموضوع له: لانها من دواعى الامر ومقدمه عليه، فكيف اخذها في المستعمل فيه، وهل هذا الا تأخر ما هو متقدم فتأمل. فالاظهر ان المستعمل فيه في الموردين واحد حقيقة، والاختلاف بينهما انما يكون من ناحية حكم العقل بلزوم الامتثال وعدمه، توضيح ذلك، انه إذا امر المولى عبده بشئ، فان رخص في مخالفته فلا سبيل للعقل الى الحكم بلزوم اتيان المأمور به، وان لم يرخص في الترك، فالعقل من باب لزوم دفع الضرر المحتمل يحكم بلزوم الاتيان بالمأمور به، بمعنى ان العقل يدرك استحقاق العقاب على مخالفته، وبعبارة اخرى، انه لو عاقبه المولى على ترك ما امر به، لا يعد المولى مذموما بل العقلاء يرون ان له ذلك، وان العبد مستحق له، جريان على قانون المولوية والعبودية، وهذا الحكم من العقل ثابت حتى مع علم العبد بعدم المصلحة في المأمور به، وبذلك يظهر امور. 1 - ان ما عن المحقق النائيني (ره)، من الاختلاف انما هو من حيث المبادى، حيث ان يقاع المادة على المخاطب، تارة ينشأ عن مصلحة لزومية، واخرى عن مصلحة غير لزومية، غير تام. (2) ان ما عبر به في كلمات القوم، من ان الامر حقيقة في الوجوب، مسامحة في التغيير: فان الوجوب انما يحكم به العقل لو امر المولى بشئ ولم يرخص في تركه، بل لو لم يصل الترخيص الى العبد، ولذا يحكم بالوجوب مع عدم وصول لترخيص وان احتمل وجوده.

[ 252 ]

3 - ان حمل الامر على الوجوب لى من الظهور اللفظى، ولذا يحكم به، ولو انشأ الحكم بغير اللفظ. 4 - انه إذا استعمل الصيغة في موارد الوجوب والاستحباب معا، كما في قوله (ع) اغتسل للجمعة والجنابة، ورخص في ترك احدهما دون الاخر، كما لو قال لا باس بترك غسل الجمعة، يحكم بوجوب ما لم يخص في تركه، واستحباب ما رخص فيه من دون ان يستلزم استعمال اللفظ في اكثر من معنى، أو استعماله في الطلب الجامع غير المتفصل بفصل، أو غير محدود بحد الشدة والضعف، أو يلزم خلاف ظاهر من الظهورات المتبعة وهذا بخلاف المسلكين الاخرين كما لا يخفى فهذه ثمرة مهمة مترتبة على ما حققناه. المورد الثاني: هل يحمل الامر على الوجوب مع عدم القرينة ام لا ؟ اقول على ما اخترناه حمل الامر على الوجوب واضح. واما على المسلكين الاخرين: فقد يقال كما عن جماعة منهم المحقق الخراساني انه حقيقة في الوجوب. واستدل لذلك بان المنساق الى الذهن والمتبادر هو الوجوب عند استعماله بلا قرينة. ويرده ان التبادر وان كان علامة الحقيقة الا انه فيما إذا كان ذلك من حاق اللفظ والا فلو احتمل ان يكون لغير ذلك كما في المقام إذ لعله يكون من جهة الاطلاق ومقدمات الحكمة كما ذهب إليه بعض، أو من جهة حكم العقل كما اخترناه فلا يكون هذا الانسباق علامة الحقيقة. واورد صاحب المعالم على القوم انه لو سلم كون الصيغة حقيقة في الوجوب الا ان كثرة استعمالها في الندب في الكتاب والسنة وغيرهما تكون سببا لصيرورة الندب مجازا مشهورا، والشهرة تارة تصل الى حد تحصل العقلة الوضعية فحينئذ لو هجر المعنى الحقيقي يصير هو معناه المنقول إليه، والا فيكون من قبيل المشترك اللفظى، وان لم تصل الى هذا الحد، فلا يحمل اللفظ المجرد عن القرينة على شئ منهما. واجاب عنه المحقق الخراساني باجوبة ثلاثة: الاول: ان كثرة الاستعمال في المعنى

[ 253 ]

المجازى توجب النقل، أو الحمل عليه، أو التوقف فيما إذا لم يكن اللفظ مستعملا في المعنى الحقيقي كثيرا، والا فلا توجب شيئا من ذلك، والمقام من هذا القبيل لكثرة استعمال الصيغة في الوجوب ايضا. وفيه: ان استعمال الصيغة في الاستحباب اكثر من استعمالها في الوجوب بمراتب، بل نسبة الثاني الى الاول نسبة الواحد الى المائة، كما يظهر لمن راجع الواجبات كالصلاة، فان مستحباتها ازيد من واجباتها كما لا يخفى، هذا مضافا الى المستحبات المستقلة كآداب الاكل ونحوها. الثاني: ان المجاز المشهور انما يكون فيما إذا كان استعمال اللفظ فيه بلا قرينة، والا فان كان مع القرينة المصحوبة لا تكون كثرة الاستعمال موجبا لصيرورته مجازا مشهورا. وفيه: ان المجاز الشمهور هو ما كثر استعمال اللفظ فيه مع القرينة، ثم وصل الى حد يحمل اللفظ المجرد عن القرينة أو يتوقف ولا يحمل لا عليه ولا على المعنى الحقيقي. الثالث: النقض بصيغة العموم حيث انه كثر استعماله في الخاص حتى قبل ما من عام الا وقد خص ولا ينثلم بذلك ظهوره بل تحمل على العموم ما لم تقم قرينة على ارادة الخصوص. وفيه: اولا ان مسلكه المنصور، ان التخصيص لا يوجب استعمال العام في الخاص، بل العام مستعمل فيما وضع له وان التخصيص يكون بتعدد الدال والمدلول وثانيا لو اغمضنا عن ذلك، فيما انه في موارد كون التخصيص بدال متصل بالعام لا بدليل منصل ليس شائبه المجازية كما لا يخفى، فلا يتم ما ذكره لعدم كون التخصيص بالمنفصل كثيرا كى يصح النقص المزبور. وثالثا ان الفاظ العموم ليس لها اوضاع خاصة في الشرعيات، وحيث ان التخصيص في غير الشرعيات من موارد استعمال العموم قليل جدا، فدعوى كثرة التخصيص واستعمال العام في الخاص بالنسبة الى استعماله فيما وضع له، ممنوعة.

[ 254 ]

وربما يورد على صاحب المعالم (ره) بوجه آخر، وهو ان كثرة الاستعمال الموجبة لكون المجاز مجازا مشهورا، انما تكون في الاعلام الشخصية واسماء الاجناس، لا في مثل الهيئات التى تختلف باختلاف المواد المتهيئة بها التى ينتزع منها على اختلافها جامع يعبر عنه بصيغة افعل مثلا واستعمال هيئات خاصة في الندب لا يوجب النس الذهن بالنسبة الى غر تلك الهيئات. وفيه: انه قدمر في اوائل الكتاب ان الهيئات موضوعة بالوضع النوعى فلكل هيئة وضع واحد في ضمن أي مادة تحققت فهى تستعمل دائما في الجامع. فالمتحصل ان ما افاده صاحب المعالم متين. وفي المقام نزاع آخ وهو انه على فرض عدم كونها حقيقة في الوجوب، هل لا تكون ظاهرة فيه ايضا. اقول بناءا على ما اخترناه من خروج الوجوب والاستحباب عن حريم الموضوع له والمستعمل فيه، لا يبقى مورد لعقد هذا البحث، كما هو واضح. واما على القول الاخر، فقد استدل لظهورها في الوجوب، بوجوده: الاول: غلبة استعمالها في الوجوب. الثاني: غلبة وجوده، والجواب عنهما ما ذكرناه انتصارا لصاحب المعالم (ره) من ان استعمالها في الندب اكثر من استعمالها في الوجوب لغلبة وجوده فراجع. الثالث: ما ذكره صاحب الحاشية، وهو اكملية الوجوب وهى توجب ظهور اللفظ فيه وانصرافه إليه، وهو بظاهره بين الفساد، ويرد عليه ما افاده المحقق الخراساني من ان الاكملية غير موجبة للظهور إذا ظهور لا يكاد الا لشدة انس اللفظ بالمعنى بحيث يصيرو جهاله ومجرد الاكملية لا يوجبه. ولكن الظاهر ولا اقل من المحتمل انه اراد بذلك ما اختاره المحقق الخراساني كما ستعرف. الرابع: ما افاده المحقق الخراساني انه لو كان الامر بصدد البيان فقضية مقدمات الحكمة هو الحمل على الوجوب، فان الندب كانه يحتاج الى مؤنة بيان التحديد والتقييد بعدم المنع من الترك بخلاف الوجوب فانه لا تحديد فيه.

[ 255 ]

وهذا الوجه لو قصر النظر على ما هو ظاهره بين الفساد: لان الوجوب يحتاج الى مؤنة بيان التقييد بالمنع من الترك، دون الندب الذى قيده عدم المنع من الترك: إذ يكفى في اثباته عدم نصب القرينة على المنع، فالا طلاق يقتضى الحمل على الندب لا الوجوب. ولكن الظاهر ان المحقق الخراساني ينبه ذكره على امر دقيق لطيف، وهو ان الوجوب والاستحباب امر ان بسيطان لا مركبان، من طلب شئ مع المنع من الترك، أو الاذن فيه، والوجوب هو الطلب التام الذى لا حد له من جهة النقص وبلغ مرتبة لا يرضى الامر بترك ما تعلق به، والندب هو الطلب المحدود الفاقد لمرتبة من الارادة فهو منفصل بفصل عدمي ليس من سنخ الطلب، وعليه فإذا كان المتكلم في مقام البيان ولم ينصب قرينة على ارادة الحد يحمل اكلام على ارادة المرتبة التامة الخالصة غير المحتاجة الى بيان الحد لعدم الحد له، ولعل هذا هو مراد صاحب الحاشية من الاكملية والشاهد عليه، قوله: ان الانصراف الموجب لتبادر الوجوب من الصيغة انصراف حقيقة الطلب ولبه لا انصراف الصيغة. ويرد على ذلك مضافا الى انه امر دقيق لا يتكل عليه عند بيان عمر عرفى، ان لازم ذلك حمل الامر على اعلى مراتب الوجوب في الشدة والتاكد. فالصحيح في وجه ظهور الامر في الوجوب بناءا على ذلك هو بناء العقلاء كما يظهر بالمراجعة الى الاوامر الصادرة عن الموالى العرفية: فانه لا ريب في عدم صحة الاعتذار عن المخالفة باحتمال الندب، ويصح عقاب المولى على مخالفته، وان لم يعين الوجوب، راجع المحاوات العرفية. دلالة الجملة الخبرية على الوجوب المبحث الثالث: هل الجملة الخبرية التى تستعمل في مقام الطلب ككلمة اعاد - بعيد - أو ماشا كلهما ظاهرة في الوجوب ام لا ؟ والكلام فيها يقع مقامين.

[ 256 ]

الاول: في ان الجملة الخبرية التى تستعمل في مقام الطلب، هل هي تستعمل في غير معناها، أو تكون مستعملة في معناها، وعلى الاول، فهل هي تستعمل فيه مجازا، ام بنحو الحقيقة، وعلى الثاني، فهل هو استعمال فيه بداعي الاعلام، أو انه من قبيل الاخبار عن تحق المقتضى، لاجل العلم بتحقق المقتضى بالكسر للغفلة عن مانعه أو عدم شرطه، أو عدم الاعتناء به كما هو كذلك في اخبار المنجمين والاطباء وجوه واقوال. اقول: اما الوجه الاول: فقد اختاره القدماء، وهو خلاف الاستعمالات الشايعة المتعارفة. واما الوجه الثاني: فقد اختاره الاستاذ الاعظم، وقد تقدم الكلام في توضيح ما ذكره في هذا المقام وما يرد عليه في اوائل الكتاب في مبحث الاخبار والانشاء فراجع. واما الوجه الرابع: فيرد عليه ان امر المولى وطلبه ليس متقضيا للفعل بل يكون داعيا إليه، وعلى فرض كونه مقضيا ليست ارادة المأمور من قبيل الشرائط التى تغفل عنها ولا يعتنى باحتمال عدمها عند العرف والعقلاء. واما الوجه الثالث: فافاده المحقق النائيني (ره) قال ان المستعمل فيه في الموردين أي مقامي الانشاء والاخبار شئ واحد وهو - النصبة التبلسية - غاية الامر انها إذا استعملت في مقام الاخبار يكون ظرف النسبة الخارج وتدل على النسبة التلبسية في الخارج وإذا استعملت في مقام الانشاء يكون ظرفها هو عالم التشريع. وفيه: ان هيئة فعل المضارع لم توضع لكل نسبة تلبسية، بل للنسبة التلبسية الصدورية، وعليه فإذا استعملت في مقام الانشاء لا تكون مستعملة فيما وضعت له على هذا فان النسبة المتحققة بالطلب في عالم التشريع غير هذه النسبة. والحق ان يقال انها تستعمل في معنى واحد سواء، أكانت مستعملة في مقام الاخبار، ام استعملت في مقام الانشاء، ولكن في المورد الثاني يكون الاستعمال كنائيا أي استعملت في معناها واريد منه الانتقال الى لازمه، وهو تعلق الشوق بالفعل، وهذا النحو من من الاستعمال شايع.

[ 257 ]

المقام الثاني: في وجه دلالتها على الوجوب، وملخص القول فيه، ان الكلام في ذلك هو الكلام في دلالة صيغة الامر على الوجوب، من حيث الاقوال، والمختار، والادلة، الا ان في المقام وجها آخر للدلالة على الوجوب ذكره المحقق الخراساني، وحاصله ان الاخبار بالوقوع في مقام الطلب كاشف عن كون المتعلق مطلوبا بنحو لا يرصى المولى الا بوقوعه وتحققه، ولكن يمكن ان يورد عليه، بعدم انحصار الكنكته المصححة لاستعمال الجملة الخيرته في مقام الطلب في ذلك، بل نفس كون المتعلق موردا للشوق ومطلوبا للمولى، يصلح لذلك لكونه محركا لوقوعه في الخارج، فالحق انها كصيغة الامر في ذلك بلا تفاوت بينهما. التعبدى والتوصلى المبحث الرابع: في الواجب التعبدى والتوصلى وقبل بيانهما تقدم مقدمات. الاولى ان الواجب التوصلى يطلق على معنيين. الاول ما لا يعتبر فيه قصد القربة كدفن الميت وكفنه ورد السلام وماشا كل، وفي مقابله الوظيفة الشرعية التى شرعت لاجل التعبد والتقرب بها. الثاني مالا يعتبر فيه المباشرة، أو الاختيار، أو الاتيان به في ضمن فرد سائغ فلو تحقق من دون التوصلى مرة يطلق ويراد منه مالا يعتبر فيه المباشرة من المكلف، واخرى يطلق ويراد منه، مالا يعتبر فيه الالتفات والاختيار، وثالثة يطلق ويراد منه مالا يعتبر فيه ان يكون في ضمن فرد غير محرم، ويقابل الاول ما يعتبر فيه المباشرة، والثانى ما يعتبر فيه الاختيار، والثالث ما يعتبر ان يكون في ضمن فرد سائغ. والنسبة بين التعبدى بالمعنى الاول وهو ما يعتبر فيه قصد القربة، والقسم الاول من التعبدى بالمعنى الثاني عموم من وجه إذ جملة من الواجبات التعبدية بالمعنى الاول توصلي بالمعنى الثاني، منها: الزكاة فإنها واجبة تعبدية يعتبر قصد القربة، وتسقط عن

[ 258 ]

ذمة المكلف بفعل الغير سواء كان بالاستنابة أو بالتبرع مع الاذن، واما سقوطها بالتبرع من دون الاذن فلا يخلوا عن اشكال، ومنها: الصلوات الواجبة على ولى الميت فانها تسقط عن ذمته باتيان غيره، ومنها: صلاة الميت فانها تسقط عن ذمة المكلف بفعل الصبى غير المميز، ومنها: الحج فانه واجب على المستطيع ويسقط عنه بفعل غيره إذا كان عاجزا ومنها غير ذلك. وجملة من الواجبات التعبدية بالمعنى الثاني توصلية بالمعنى الاول، كرد السلام. وجملة منها تعبدية بكلا المعنيين، كالصلوات اليومية، وصيام شهر رمضان وماشا كل. كما ان النسبة بين التعبدى بالمعنى الاول، والقسم الثاني من التعبدى بالمعنى الثاني عموم من وجه: لتصادقهما على الصلوات الواجبة: وافتراق الاول في الواجبات التعبدية الصادرة عن الغير كالصلوات الواجبة على ولى الميت إذا اتى به غيره فان فعل الغير خارج عن تحت اختياره وقدرته، وافتراق الثاني، في رد السلام. نعم - النسبة بين التعبدى بالمعنى الاول والقسم الثالث من التعبدى بالمعنى الثاني عموم مطلق إذ لا واجب يعتبر فيه قصد القربة ويسقط بالاتيان في ضمن فرد محرم كما لا يخفى. الثانية: قد فسر المحقق الخراساني التوصلى والتعبدي بالمعنى الاول بقوله: الوجوب التوصليب هو ماكان الغرض منه يحصل بمجرد حصول الواجب ويسقط بمجرد وجوده بخلاف التعبدى فان الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك بل لابد في سقوطه وحصول غرضه من الاتيان به متقربا به منه تعالى انتهى. وفيه اولا: ان الفرق بينهما انما يكون من ناحية الغرض المترتب على الواجب ولا فرق بينهما من ناحية الغرض من الوجوب - توضيح ذلك - انه في كل امر من اوامر المولى الحكيم غرضان احدهما في طول الاخر، فان المولى إذا لا حظ الفعل الصادر من العبد اختيارا فربما يرى ان فيه مصلحة فيشتاق الى فعله فيحصل من ذلك غرض في الامر به، وهو جعل ما يمكن ان يكون داعيا للعبد الى الفعل: إذ لو امر المولى، ولم يرخص في

[ 259 ]

تركه يصير هذا الامر صغرى لكبري عقيلة، وهى قبح مخالفة المولى، فامر المولى بضميمة تلك الكبرى يحرك العبد نحو الفعل، فاحد الغرضين مترتب على الاخر، ويكون احدهما مترتبا على الواجب، وهو الغرض الاول، والآخر مترتبا على الوجوب وهو الثاني، والغرض المترتب على الامر والوجوب يترتب على نفس الامر في جميع الموارد بلا توقف على شئ آخر سوى الوصول الى العبد، وبعبارة اخرى يترتب الغرض عليه في ظرف وصول التكليف الى العبد، واما الغرض المترتب على الواجب، أي المصلحة فتارة يترتب على مطلق وجوده، واخرى يترتب عليه إذا اتى به بقصد القربة، ففى المورد الاول يكون الواجب توصليا، وفي المورد الثاني يكون تعبديا. ويترتب على هذا مضافا الى عدم تمامية ما ذكره المحقق الخراساني ان الاطلاق الذى هو محل الكلام من انه يقتضى التعبدية أو التوصلية هو اطلاق المادة لا اطلاق الصيغة، ويكون جعل هذا المبحث من مباحث الصيغة في غير محله. وثانيا: مع الاغماض عن هذه المسامحة الواضحة، جعل التعبدى خصوص ما لا يحصل الغرض المترتب عليه الا مع اتيانه بقصد القربة، غير صحيح: إذ من المطلوبات التعبدية العبادات الذاتية وهى ما تكون بنفس ذاتها مع قطع النظر عن انطباق عنوان اطاعة المولى عليها التى هو السبب لصيرورة غيرها عبادذة، يصدق عليها عنوان التخضع والتذلل واظهار العبودية كالسجود وغيره من الافعال التى بنى العقلاء قاطبة على الاتيان بها في مقام اظهار العبودية والتخضع، ولا يعتبر في اتصاف هذه الافعال بالعبادية: الاتيان بها بقصد القربة، بل تتصف بها لواتى بها، بقصد عناوين انفسها، كعنوان السجود، مع قصد كونها تعظيما لشخص خاص، ما لم ينه عنها الشارع، فان سئل ان ما هو عبادة كذلك كيف يعقل النهى عنه، اجبنا عنه: بانه ربما يكون المكلف معه من الارجاس، ما يوجب عدم قابليته لان يعبد ربه، ولهذا يصح النهى عنه. فالمتحصل مما ذكرناه ان الاولى فقى مقام الفرق بينهما، ان يقال ان التعبدى هو ما لا يحصل الغرض المترتب على الفعل الا مع الاتيان به بنحو ينطبق عليه عنوان التخضع، والتذلل، واظهار العبودية والتوصلى غيره.

[ 260 ]

وقد اورد المحقق النائيني على من فرق بينهما من ناحية الغرض متبنيا على ما ذكره في مبحث الصحيح والاعم، من ان الافعال بالاصافة الى المصالح من قبيل العلل المعدة، لامن قبيل الاسباب بالاضافة الى مسبباتها، ولذلك التزم باستحالة جعلها متعلقة للتكليف، وحاصل الايراد ان حصول المصلحة، عدمها، اجنبيان عن المكلف، فلا معنى لكونه بصدد تحصليها، بله هو مكلف بايجاد المأمور به في الخارج. وفيه: مضافا الى ما تقدم في ذلك المبحث، من ان نسبة الافعال الى الاغراض الموجبة للامر بها، نسبة الاسباب الى مسبباتها، وان كانت بالاضافة الى الغرض الاقصى من قبيل العلل المعدة، انه لو سلم ذلك يتم الفرق المذكور ايضا، إذ حينئذ يقا ل، ان الواجب التوصلى هو ما كان نفس وجود الفعل من قبيل العلة المعدة، والواجب التعبدى هو ما كان الفعل الماتى به بنحو ينطبق عليه عنوان التخضع، والتذلل من قبيل العلة المعدة، لا مجرد وجود الفعل. الدواعى القربية الثالثة: هل الداعي القربى أي ما يوجب اتصاف الفعل بالعبادية يكون منحصرا في قصد الامر كما اختاره صاحب الجواهر، ام يعم قصد المجبوبية، كما هو الاقوى ام هناك دواع قربية غيرهما، وجوه، واقوال. الاظهر هو القول الثاني، وهو انحصار الداعي القربى في الامر، والمحبوبية، واما غيرهما مما توهم كونه من الدواعى القربية فلا تكون بانفسها منها. توضيح ذلك ان ما يتوهم ان يكون منها امور: الاول: حصول القرب إليه تعالى الثاني: شكر نعمه الثالث: تحصيل رضاه، والفرار من سخطه الرابع: رجاء الثواب، ورفع العقاب الخامس: حصول المصلحة الكامنة في الفعل. وشئ منها بنفسه لا يكون موجبا للعبادية: إذ القرب إليه تعالى سواء أ كان المراد منه القرب الروحانى، ام القرب المكانى الا دعائي لا يحصل ال باتيان المطلوب الشرعي

[ 261 ]

امتثالا لامره تعالى. كما ان، نعمه لا تشكر الا به، ورضاه لا يحصل الا بذلك. واما رجاء ثوابه والتخلص من النار، فهما ايضا يتربتان على امتثال امره تعالى فلو كان قصده ذلك على وجه المعاوضة بلا توسيط قصد الامر، لا يكون الماتى به عبادة ولا يصح. وعليه فيتم ما عن العلامة في جواب المسائل المهنائية - اتفقت العدلية على ان من فعل فعلا لطلب الثواب أو لخوف العقاب لا يستحق بذلك ثوابا. ومما ذكرناه، ظهر حال المصلحة الكامنة إذ استيفائها في العبادات لا يمكن الا باتيانها امتثالا لامره تعالى، فلو اتى بالعبادة من دون قصد القربة، ولو كان من قصده حصول المصلحة لا تستو في تلك لترتبها على الفعل الماتى به امتثالا لامره تعالى. مع ان اتيان العمل بداعي حصول المصلحة يكون كالتجارة للربح لا يوجب القرب الى الله تعالى فلا يكون ذلك من الدواعى القربية، وان كانت المصلحة مترتبة على ذات الفعل. وبالجملة شئ من الامور المذكورة لا يترتب في العبادات على ذات العمل كى يقصد به ذلك، فلا يحسن عد شئ منها في قبال قصد الامر من الدواعلى القربية. ثم انه بعد ما عرفت من ان العبادة في غير العبادات الذاتية لا تتحقق الا باتيان الفعل بقصد الامر أو المحبوبية، فاعلم انه حيث يكون الامور الخمسة المذكورة آنفا وغيرها من قبيل داعى الداعي، فيكون لغاياتا الامتثال درجات. احدها وهو اعلاها ان يكون الداعي والمحرك لا تيان الفعل بقصد القربة، اهلية المطاع للعبادة، وهذه المرتبة لا توجد الا للاوحدى بل ليس لاحد دعواها الا لمن ادعاها - بقوله (ع) الهى ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك بل وجدتك اهلا للعبادة فعيدتك 1. الثاني، ان يكون اقصى غرضه حصول القرب إليه تعالى أو تحصيل رضاه أو شكر نعمه التى لا تحصى الثالث. ان


1 - مرآة العقول ج 1 ص 101 باب النية. (*)

[ 262 ]

يقصد به حصول الثواب ورفع العقاب، أو حصول المصلحة، أو زيادة النعم الدنيوية الى غير ذلك. اخذ قصد الامر في المتعلق وبعد ذلك نقول لا كلام ولا اشكال فيما إذا علم كون الواجب توصليا أو تعبديا بالمعنى الاول أو الثاني. وانما الكلام والاشكال فيما إذا شك في كون الواجب توصليا أو تعبديا والكلام فيه في مقامين - الاول في الشك في التعبدى والتوصلى بالمعنى، الاول - الثاني في الشك في التعبدى والتوصلى بالمعنى الثاني. اما المقام الاول: - فالكلام فيه في موردين، الاول، في مقتضى الاصل اللفظى من عموم أو اطلاق، الثاني - في مقتضى الاصل العملي وانه يقتضى البناء على كونه تعبديا، أو توصليا. اما المورد الاول: فالمعروف بين الاصحاب انه لا اطلاق في المقام كى يتمسك به لاثبات كون الواجب توصليا، وهذه الدعوى مبتنية على امرين، الاول. دعوى استحالة تقييد الواجب بقصد القربة وعدم امكانه، الثاني. دعوى عدم امكان التمسك بالاطلاق في صورة استحالة التقييد، فلابد من البحث في هاتين الدعويين. اما الدعوى الاولى فتنقيح القول فيها بالبحث في موارد. 1 - هل يمكن اخذ قصد الامر في متعلق الامر الاول، فيكون دخل قصد القربة في العبادات كدخل ساير الاجزاء والشرائط باخذه تحت الامر وفي حيز الخطاب بالمركب، ام لا. 2 - انه هل يمكن دخله في المتعلق بالامر الثاني بحيث يكون في كل عبادة امر ان - احدهما متعلق بذات العمل - والثانى باتيانه بداعي امره، ام يستحيل ذلك، أو غير واقع. 3 - إذا لم يمكن اخذ قصد الامر في المتعلق لا بامر واحد ولا بامرين، هل يمكن

[ 263 ]

اخذ الجامع بين قصد الامر وغيره من الدواعى القربية، ام لا يمكن. 4 - إذا لم يمكن شئ من ذلك، هل يمكن اخذ ما يلازم قصد الامر في المتعلق ام لا. 5 - هل يكون دخل قصد القرة في العبادا من باب دخله في حصول الغرض بلا اخذه في خطاب، فيكون الالزام به عقليا من باب لزوم تحصيل غرض المولى، ام لا يقعل ذلك. اما المورد الاول: فقد استدل لاستحالة اخذ قصد الامر في متعلق الامر الاول بوجوده. الاول: ما افاده المحقق الخراساني في الكفاية، وهو انه يلزم تقدم الحكم على نفسه، وقد قربه في صدر كلامه بما حاصله ان قصد الامر متاخر عن الامر، لانه يتاتى من قبل الامر، فلا يمكن اخذه في المتعلق الذى هو متقدم على الامر، والالزم تقدم ما هو متاخر، وظاهر ذلك ان المحذور انما هو في مقام جعل الحكم، وحيث ان هذا الوجه كان واضح الفساد، لان ما لا يتاتى الا من قبل الامر انما هو قصد الامر خارجا، وما يعتبر في متعلق الامر هو لحاظه قبل الامر ولا تنافى في تأخر الشئ خارجا وتقدمه لحاظا. فقد غير هذا التقريب. بقوله فما لم تكن نفس الصلاة متعلقة لا يكاد يمكن اتيانها بقصد امتثال امرها، ونظره الى لزوم الدور في مرحلة الاتصاف خارجا كما صرح به في حاشيته على رسائل الشيخ الاعظم الشيخ الاعظم في رسالة القطع. قال في التعليقة، وبالجملة ما لم يكن الامر متعلقا بنفس الصلاة بما اعتبر فيها من الاجزاء والشرائط وحدها من دون تقييد بالقربة ونحوها لم يكد يتمكن منها بداهة توقف اتيانها بداعي امرها على كون الامر بها وحدها، ومن هنا انقدح لزوم الدور الصريح في ذلك في اتصاف الصلاة الماتى بها بقصد القربة مثلا بالوجوب أو الاستحباب. تقريره انه يتوقف حينئذ اتصافها باحدهما وكونها واجبة أو مستحبة على قصد امتثال الامر بها ضرورة توقف تحقق الصيغة والاتصاف على الموصوف والمفروض انه لا يتحقق بدونه ويتوقف قصد امتثال الامر بها واتيانها بداعي امرها على كونها واجبة أو مستحبة ومحكومة باحدهما لما عرفت من عدم التمكن منه بدونه انتهى. فيكون هذا وجها اخر

[ 264 ]

للامتناع. ثم انه (قده) اورد عليه في الكفاية، بانه إذا لم يكن محذور في عالم الجعل كما هو المفروض لامكان تعلق الامر بفعل الصلاة بداعي الامر، المستلزم ذلك لتعلق الامر بنفس الصلاة في ضمن الامر بالصلاة المقيدة بقصد الامر، فلا محالة يمكن اتيان الصلاة بداعي الامر الضمنى المتعلق بها فلا يلزم تقدم ما هو متاخر. واجاب عن ذلك بان اعتبار قصد الامر ان كان من قبيل الشرط ويكون الدخيل التقيد به دون القيد، فذات المقيد لا تكون مامورا بها فان الجزء التحليلي لا يتصف بالوجوب اصلا، ولا ينحل الامر بالمقيد الى الامر بذاته والامر بقيده، وان كان من قبيل الجزء فيكون المأمور به نفس الصلاة، وقصد الامر، ويكون قصد الامر جزء للمأمور به: فهو وان لم يلزم ما ذكر من المحذور الا انه يرد عليه امران: الاول - ان اعتباره كذلك موجب لتعلق الوجوب بامر غير اختياري إذا لفعل وان كان بالارادة اختياريا الا ان الارادة ليست اختيارية والا لزم التسلسل. الثاني - ان الاتيان بجزء الواجب بداعي وجوبه انما يصح إذا اتى بالمركب بهذا الداعي، لا إذا اتى به وحده مثلا انما يصح الاتيان بالركوع بقصد الامر بالصلاة في ضمن الاتيان بالصلاة لا فيما إذا اتى به وحده وهذا غير ممكن في المقام إذ لا يمكن الاتيان بالمركب من قصد الامر بداعي امتثال امره والالزم كون الامر داعيا الى داعوية نفسه، - وهو حد علية الشئ لعلة نفسه. اقول يمكن ان يختار كون قصد الامر جزء للمأمور به، ولا يرد عليه ما ذكره من الامرين: اما الاول فلان قصد الامر ليس هو الارادة بل يكون من دواعيها، إذ المحرك والداعى للارادة، ربما يكون امرا الهيا، وربما يكون نفسانيا، ويعتبر في العبادات ان يكون من قبيل الاول، مع ان لزوم التسلسل من محاذير لابدية اختيارية الارادة، واما ان الارادة هل يمكن ان تتحقق متصفة بالاختيارية فهو لا يترتب عليه ذلك المحذور، وبديهى انه يمكن، وذلك لانه وان سلم تحقق الارادة في بعض الاحيان من غير اختيار المريد، الا انه لاشبهة في انه قد يتحقق بالارادة، ويضاعف الى ذلك ما حققناه في محله من ان الارادة ارادية بنفس ذاتها لا بارادة اخرى فلا يلزم التسلسل.

[ 265 ]

واما الثاني: فوضوح وجه النظر فيه يتوقف على بيان مقدمات. الاولى: ان الامر المتعلق بمركب اعتباري من الموجودات المتعمددة ينحل الى اوامر عديدة: فان الامر ليس الا ابراز شوق المتكلم بتحقق المأمور به، فإذا كان له وجودات متعددة فلا محالة يكون كل موجود متعلقا لشوق المولى المبرز بالامر، فيكون كل جزء محكوما بحكم، غاية الامر حيث تكون المصلحة المترتبة عليها واحدة وهى لا تستو في الا باتيان جميع الاجزاء، فلا محالة يكون لهذه الاحكام المتعددة، امتثال واحد، وعصيان واحد، فتكون ارتباطية. الثانية: ان المتعلق للامر ان كان واجبا توصليا، واتى المكلف ببعض تلك الاجزاء بداعي القربة، وببعضها الاخر لا بداعي القربة، يثاب على اتيانه بما قصد به الامتثال، ولا يتوقف ذلك على اتيان الجميع بداعي امتثال الامر كما لو كان الداعي لغسل الثوب مقدمة للصلاة، في الغسله الاولى هو امر المولى، وفي الغسلة الثانية غيره. الثالثة: انه ربما يكون بعض اجزاء المأمور به تعبديا وبعضها توصليا، نظير ما لو نذر ان يصلى في هذه الليلة، صلاة الليل، وبكرم العالم بنحو يكون المجموع متعلقا لنذر واحد: فان جزء المأمور به بالامر الوجوبى، وهي الصلاة، تعبدي، وجزئه الاخر وهو اكرام العالم، توصلي، بل الظاهر ان اكثر الواجبات التعبدية كذلك، باعتبار اكثر شروطها، الا ترى: ان الصلاة التى هي من الواجبات التعبدية مشروطة بالاستقبال والتستر الذين هما واجبان توصليان فيها، فلو ستر لا لقصد الامر صحت صلاته، ودعوى: ان لازم ذلك كون الامر الواحد تعبديا وتوصليا: وذلك كاستعمال الفظ في اكثر من معنى بل اردأ منه، مندفعة: بما عرفت من ان الوجوب في التعبدى والتوصلى واحد، ولا اختلاف فيه، وانما الاختلاف بينهما يكون من ناحية الغرض المترتب على الواجب فالتعبدي والتوصلى عنوانان طارئان عليه باعتبار ذلك لا انهما من الخصوصيات الذاتية الموجبة لتعدد الامر. إذا عرفت هذه المقدمات فاعلم، انه يمكن ان يؤخذ، قصد الامر في المتعلق من دون ان يلزم هذا المحذور: إذ المأمور به حينئذ شيئان، احدهما الصلاة التى هي من الافعال الجوارحية، والثانى قصد الامر الذى هو فعل جانحي، وكل منهما له امر خاص

[ 266 ]

غير الاخر، ويكون احدهما وهى الصلاة من الواجبات التعبدية، والاخر واجبا توصليا، والامر المتعلق بقصد الامر انما يدعو الى اتيان الجزء الاخر أي الصلاة بقصد امرها لا بداعي آخر، فمتعلق هذا الامر الضمنى انما هو قصد ذلك الامر الضمنى، فيكون محركا نحو اتيان ذلك المأمور به بداعي امره، فلا يلزم كون الامر داعيا داعوية نفسه، بل الى داعوية غيره بمعنى جعله داعيا. ومن ما ذكرناه ظهر عدم تمامية الوجه الثالث من الوجوه التى ذكروها لامتناع اخذ قصد الامر في المتعلق وهو ما ذكره بعض المحققين (ره)، وحاصله انه لا ريب في ان الامر انما يحرك نحو المتعلق فلو جعلت دعوة الامر ومحركيته، التى هي معنى قصد الامر، بعض المتعلق لزم كون الامر محركا نحو جعل نفسه محركا، وهو محال: فانه على حد كون الشئ علة لعلية نفسه الذى هو اوضح فسادا من كون الشئ علة لنفسه. ويرد عليه مضافا الى ما تقدم: ان الامر لا يكون محركا لا بوجوده الواقعي ولا بوجوده العملي، اما الاول: فواضح، واما الثاني: فلان كثيرا من الناس يصل إليهم الامر، ولا يتحركون كالفساق، فمن ذلك يعلم ان الامر ليس علة للحركة بل هو لا يكون الا ما يمكن كونه محركا وداعيا، وان شئت قلت ان الامر لا يكون علة للحركة في شئ من الموارد: إذ تحريك العضلات انما يكون بتأثير الارادة واعمال النفس قدرته، نعم المرجح لذلك يكون هو الامر، فكما ان المرجح قد يكون الشوق النفساني، وقد يكون امر المولى، وعليه فدعوى كون اخذ قصد الامر في المتعلق على حد كون الشئ علة لعلية نفسه، ممنوعة. الوجه الرابع: ما ذكره المحقق النائيني (قده) وهو العمدة في المقام وهو ان اخذ قصد الامر في المتعلق مستلزم لتوقف الشئ على نفسه وفرضه موجودا قبل وجوده، في مقام الانشاء، والفعلية، والامتثال. وتوضيح ما ذكره يتوقف على بيان مقدمة مفروضة في استدلاله، التى عليها يبتنى ما ذكره في وجه الاستحالة. وهى ان كل حكم من الاحكام الشرعية، له متعلق وموضوع، والاول هو ما يطلبه المولى ويجب ايجاده في الواجبات، والثانى هو المكلف الذى طولب بالفعل أو الترك

[ 267 ]

بما له من الشرائط من العقل والبلوغ ونحوهما، ثم ان المتعلق، تارة يكون له متعلق، وهو يكون على قسمين، الاول ما يكون وجوده، تحت قدرة المكلف، مثل العقد الذى هو متعلق للوفاء الذى هو متعلق للوجوب، والثانى ما يكون وجوده خارجا عن تحت قدرة العبد، كالكعبة التى هي متعلقة الاستقبال الذى هو مامور به، وعلى كلا التقديرين متعلق المتعلق لا يكون متعلقا للتكليف، بل هو موضوع له وحكمه حكم المكلف وقيوده، ولابد ان يكوم مفروض الوجود في القضايا الحقيقة بفرض ينطبق على ما في الخارج، ولازم ذلك توقف فعلية الحكم على فعليته وعدم امكان فعليته قبل فعليته، كما لا يخفى. إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان المحذور المذكور يلزم في المراحل الثلاث من اخذ قصد الامر في المتعلق. اما في مقام الانشاء فلان قصد الامر إذا كان متعلقا فالامر يكون موضوعا، فلابد وان يفرض الامر في مقام الانشاء موجودا بفرض ينطبق على ما في الخارج - والمفروض ان الامر يتحقق بنفس الانشاء فيلزم فرض وجود الامر قبل وجوده وهو يعينه محذور الدور. وبما ذكرناه في تقريب كلامه (قده) يندفع ما اورده عليه بعض المحققين من ان الموضوع لابد وان يفرض وجوده في مقام جعل الحكم لا المتعلق وقصد الامر متعلق للحكم لا موضوع له، وذلك فان كلامه (قده) في الامر لا في قصد الامر. واما في مقام الفعلية فلان الامر حيث انه موضوع فلابد وان يصير فعليا قبل فعلية الحكم الذى هو نفس هذا الامر، فيلزم فعلية الامر قبل فعلية، نفسه وبعبارة اخرى ما لم يصير الموضوع فعليا لا يصيرا لحكم فعليا ومن المفروض ان الامر موضوع فلابد وان يصير فعليا حتى يصير الحكم الذى هو الامر فعليا فيتوقف فعلية الحكم على فعلية نفسه. واما في مقا الامتثال فلان قصد الامتثال متاخر عن اتيان تمام الاجزاء والشرائط طبعا فان قصد الامتثال انما يكون باتيانها، وحيث انه من المفروض كون قصد الامتثال الذى هو عبارة عن دعوة شخص ذلك الامر من الاجزاء والقيود، فلابد وان يكون المكلف في مقام الامتثال قاصدا للامتثال قبل قصد امتثاله.

[ 268 ]

واورد الاسناد الاعظم على المقدمة التى عليها بناء هذا الوجه بان لزوم اخذ قيد في مقام الانشاء مفروض الوجود الذى لازمه كونه شرطا لفعلية الحكم، اما ان يكون من جهة الظهور العرفي كما في قوله تعالى " أو فوا بالعقود " 1، واما من جهة استلزام عدم اخذه كذلك التكليف بما لا يطاق، كما إذا امر المولى بايقاع الصلاة في الوقت، واما في غير ذل فلا ملزم لاخذه مفروض الوجود، وفي المقام بما ان القيد نفس الامر المتحقق في ظرف الانشاء لا ملزم لاخذه مفروض الوجود من ظهور عرف أو غيره. وفيه: ان دعوى الظهور العرفي لو تمت في مثل اوفوا بالعقود، لتمت في جميع القيود الدخيلة في الحكم التى لم يؤمر بها - من غير الجهة التى سنذكرها -. والتحقيق الذى يقتضيه النظر الدقيق، يقتضى ان يقال ان القيود الدخيلة على قسمين: الاول: ما يكون دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة، كالوقت بالاضافة الى الصلاة، و العقد بالنسبة الى الوفاء، والمرض بالاضافة الى شرب المسهل. الثاني: ما يكون دخيلا في حصول المصلحة، وفي العرفيات كعدم اكل المريض الخبز قبل شرب المسهل، وفي القسم الاول لا مناص عن اخذا لقيد مفروض الوجود سواء كان ذلك القيد اختياريا، ام كان غير اختياري. وفي القسم الثاني، ان كان القيد اختياريا لابد للمولى من الامر به، وان كان غير اختياري فليس للمولى الامر به وحينئذ، ان لزم من التكليف بذلك الفعل بنحو الاطلاق التكليف بما لا يطاق كامر المستطيع بالحج، قبل مجيئ الايام الخاصة فلابد للمولى من اخذه مفروض الوجود، لئلا يلزم المحذور المذكور، والا فلا ملزم لذلك، ولذا لا يلزم اخذ وجود الكعبة مفروض الوجود، بالنسبة الى الاستقبال الواجب في الصلاة. والمقام من هذا القبيل أي من قبيل القسم الاخير: إذ الامر من القيود الدخيلة في حصول المصلحة، لا في اتصاف الفعل بها لكونه معلولا لها، فلا يعقل كونه دخيلا في الاتصاف، وهو ان كان غير اختياري الا انه لفرض تحققه في ظرف الانشاء لا يلزم من


1 - المائدة / 1. (*)

[ 269 ]

عدم اخذه مفروض الوجود التكليف بما لا يطاق فلا ملزم لاخذه مفروض الوجود، وعلى ذلك: فما ذكره، من لزوم فرض وجود الامر قبل وجوده في مقام الانشاء، ومن لزوم توقف فعلية الحكم على نفسها في مقام الفعلية من اخذ قصد الامر في المتعلق، غير تام. اما ما ذكره في مقام الانشاء فلعدم الملزم لاخذ الامر مفروض الوجود. واما ما ذكره في مقام الفعلية فلانه ايضا يتوقف على لزوم اخذ الامر مفروض الوجود في مرحلة الانشاء الذى عرفت فساده. واما ما ذكره من ان لازم الاخذ المزبور توقف قصد الامتثال على نفسه في ذلك المقام، فهو يندفع: بما ذكرناه في مقام الجواب عن ما ذكر في وجه الاستحالة من لزوم داعوية الشئ الى داعوية نفسه، من انحلال الامر بالمركب الى اوامر عديدة حسب ما للمركب من الاجزاء، وانه لا مانع من كون بعض الاوامر الضمنية، تعبديا وبعضه، توصليا: فانه على ذلك يكون المأخوذ في المتعلق قصد الامر الضمنى المتعلق بالصلاة، والمكلف يقصد امتثال ذلك الامر الضمنى فلا يلزم تقدم الشئ على نفسه. فالمتحصل من مجموع ما ذكرناه، امكان اخذ الامر في المتعلق، وكونه من اجزاء المأمور به. اخذ قصدذ الامر في المتعلق بالامر الثاني واما المورد الثاني: وهو اخذ قصد الامر في المتعلق بالامر الثاني، بان يتعلق امر بذات الفعل، وامر آخر، باتيانه بداعي امره، فملخص القول فيه، ان الجعل الشرعي ربما يكون تاما، ويكون ما تعلق به وافيا بالغرض، فلا محالة يكون الاتيان به مجزيا عقلا، وربما لا يكون كذلك، من جهة عدم تمكن المولى من الامر بجميع ما يفى بغرضه بامر واحد، ففى المورد الثاني، لا محالة لابد للمولى من متمم للجعل، وذلك كما في الغسل

[ 270 ]

للجنابة، قبل الفجر، فيما إذا وجب صوم الغد، فانه على فرض عدم معقولية الواجب المعقل، حيث ان الغرض مترتب على الصوم المقيد بالطهارة ويستحيل ان يامر بهما بامر واحدا جامع بين ما قبل الفجر، وما بعد الفجر، فلا مناص من استيفاء غرضه بامرين، واحدهما بالصوم بعد الفجر، والاخر بالغسل قبله، حيث يكون الامران ناشئين عن غرض واحد فهما في حكم امر واحد، واطاعتهما، كعصيانهما، واحدة، والمقام على فرض عدم امكان اخذ قصد الامر في متعلق الامر الاول من هذا القبيل: إذ لو كان الغرض مترتبا على الصلاة بداعي القربة، والمفروض انه لا يمكن استيفائه بامر واحد، فلابد له من الامرين، امر متعلق بذات الصلاة، وامر متعلق باتيانها بقصد القربة. واورد عليه في الكفاية بايرادين: 1 - القطع بانه ليس في العبادات الا امر واحد كغيرها من الواجبات والمستحبات، ويرده انه لا سبيل الى هذه الدعوى، بعد ملاحظة ان بناء الشارع ليس على اخذ تمام اجزاء المأمور به التى يمكن اخذها في متعلق الامر الاول فيه، بل غالبا بامر بالقيود والاجزاء باوامر عديدة كما لا يخفى. 2 - ان الامر الاول ان كان يسقط بم ء رد موافقته ولو لم يقصد به الامتثال كما هو قضية الامر الثاني فلا يبقى مجال الثاني مع موافقة الاول بدون قصد امتثاله فلا يتوسل الامر الى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة وان لم يسقط بذلك فلا يكاد يكون له وجه الا عدم حصول غرضه بذلك من امره لاستحالة سقوط مع عدم حصوله، والا لما كان موجبا لحدوثه، وعليه فلا حاجة في الوصول الى غرضه وسيلة تعدد الامر لاستقلال العقل مع عدم حصول غرض الامر بمجرد موافقة الامر بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه فيسقط امره انتهى. والظاهر ان مراده ان الامر الثاني المتعلق باتيان العمل بقصد امره، ان كان تأسيسيا اقتضى ان يكون اتيان متعلق الامر الاول لا بداعي امره تحت اختيار المكلف وقدرته عقلا وشرعا مع قطع النظر عن الامر الثاني، والا فلو كان العقل يحكم بلزوم اتيانه بقصد امره لم يكن هذا الامر الثاني تأسيسيا، ولما كان المولى محتاجا في تحصيل غرضه الى

[ 271 ]

وسيلة تعدد الامر، ولازم ذلك سقوط الامر الاول بمجرد موافقته ولو لم يقصد به الامتثال، ومعه لا يبقى مجال الموافقة الثاني فلا يتوسل الامر الى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة، فتدبر فانه لطيف. واورد عليه المحقق النائيني (ره) بان شأن العقل انما هو الادراك وان هذا الشئ مما اراده الشارع ام لا وليس شانه الامر والتشريع، فلا معنى لحكم العقل بلزوم الاتيان بمتعلق الامر بقصد امره مع قطع النظر عن الامر الثاني فيكون عدم سقوط الامر الاول بمجرد الموافقة من قبل الامر الثاني، لا من قبل حكم العقل، كى لا يحتاج المولى في استيفاء غرضه الى الامر الثاني، ودعوى ان الامر حينئذ تأسيسي ولازمه سقوط الامر الاول بمجرد الموافقة مندفعة بانه بما ان الامرين ناشئان عن غرض واحد، فلا محالة لا يقعل سقوط احدهما دون الاخر. وفيه: ان الظاهر ان مراد المحقق الخراساني من ان العقل يحكم بوجوب الموافقة بنحو يحصل الغرض، وهو الاتيان بالفعل بقصد الامر مع عدم حصول الغرض بمجرد موافقة الامر، ومعه لا حاجة الا الامر الثاني، ليس كون العقل مشرعا وآمرا في قبال الشارع المقدس، بل مراده به حكم القعل بالاحتياط في المقام إذا شك في سقوط الامر الاول وحصول الغرض ودون قصد الامر، لعدم جريان البرائة في الفرض على ما سنبينه انشاء الله تعالى، وعليه فهذا الاشكال غير وارد عليه. وقد يورد عليه كما عن المحقق الاصفهانى (ره) في حاشيته: بانا نختار سقوط الامر الاول بمجرد الموافقة، ولكن نقول ان موافقة الاول، ليست علة تامة لحصول الغرض بل يمكن اعادة الماتى به لتحصيل الغرض المترتب على الفعل بداعي الامر - توضيحه - ان ذات الصلاة مثلا لها مصلحة ملزمة والصلاة الماتى بها بداعي امرها لها مصلحة ملزمة اخرى، أو تلك المصلحة بنحو أو في بحيث يكون بحدها لازمه الاستيفاء، فلو اتى بالصلاة وحدها فقد سقط امرها، ومع ذلك حيث يكون المصلحة الاخرى لازمة الاستيفاء وهو متمكن من الاستيفاء بالاعادة تجب الاعادة لتحصيل الغرض الثاني فإذا اتى بها بقصد الامر يستوفى الغرضان.

[ 272 ]

وفيه: اولا ان هذا مترتب على امكان تبديل الامتثال، والا فمع عدم امكانه لو فرض سقوط الامر الاول بمجرد الموافقة لا يبقى مجال لموافقة الثاني، لانها متفرعة على بقاء الامر الاول كى يمكن الاتيان بالمتعلق بداعي امره والمفروض سقوطه، وستعرف امتناعه، ثانيا: فرضنا صحة ذلك فلازمه ان يثاب من صلى بقصد الامر بثوابين، وان يعاقب من تركها بالمرة بعقابين، وان يعاقب من صلى بلا بقصد القربة بعقاب واحد، كما هو الشان في نظائر الفرض - كالصلاة الواجبة التى نذر المكلف الاتيان بها - وشئ من ذلك مما لا يمكن ان يلتزم به فقيه. فالصحيح في مقام الجواب عن ما ذكره المحقق الخراساني ان يقال ان ما بنى عليه هذا البرهان وهو حكم العقل بالاحتياط، فاسد: لما سيأتي عند تعرضه له، وستعرف ان الاظهر جريان البرائة في امتثال المقام ايضا، وان بنينا على عدم امكان اخذ قصد الامر في متعلق الامر الاول، مع: انه لو صح المبنى، لا يتم النباء إذا العقل لو حكم بالاحتياط تخلصا من العقاب في مورد لا يكون ذلك مانعا عن امر المولى به، ولا يصح ان يقال انه مع استقلال العقل بذلك لا حاجة الى الامر، لعدم انحصار الغرض من الامر في اتيان العمل باى نحو كان كى لا يصح الامر المولوي في الفرض، بل يمكن ان يامر به لان يكون المكلف على بصيرة من امره ويعرف وظيفته تفصيلا. فتحصل، انه على فرض عدم امكان اخذ قصد الامر في متعلق الامر الاول، يمكن اخذه في المأمور به بالامر الثاني. اخذ الجامع بين قصد الامر وغيره في المتعلق واما المورد الثالث: وهو اخذ الجامع بين قصد الامر وغيره من الدواعى القربية في المتعلق، فملخص القول فيه انه بعد الفراغ عن امرين: الاول: ان اتصاف الفعل بالعبادية لا يتوقف على خصوص قصد الامر بل يتصف بها لواتى به بقصد المجبوبية، نعم ساير الدواعى انما هي في طول هذين الداعيين - كما مر تفصيل ذلك في المقدمات - الثاني:

[ 273 ]

عدم اعتبار قصد خصوص المجبوبية. يقع الكلام في ان اخذ الجامع المنطبق على جميع الدواعى القربية في المأمور به، ممكن، ام ممتنع، وعلى الاول، هل يمكن دعوى القطع بعدم الاخذ، ام لا. وقد استدل عل بالامتناع بوجهين، الاول: ما ذكره المحقق النائيني (ره) من ان الداعي اياما فرض فانما هو في مرتبة سابقة على الارادة المحركة للعمل فيستحيل كونه في عرض العمل الصادر عنها والالزم تأخر ما هو متقدم، فإذا لم يمكن تعلق الارادة التكوينية به امتنع تعلق الارادة التشريعية به، بداهة ان متعلق الارادة التشريعية هو بعينه ما تتعلق به الارادة التكوينية، فلو لم يمكن تعلق الارادة التكوينية بشئ لا يمكن تعلق الارادة التشريعية به. وفيه: اولا: ان لازم ذلك عدم صحة تعلق الامر به ولو كان بجعل المتمم، مع انه (قده) يصرح بامكانه، وبعبارة اخرى إذا كان المانع عن تعلق التكليف به ثبوتا وعقليا، وهو عدم تعلق الاختيار به، لم يكن فرق في ذلك بين كون تعلق التكليف به بامر واحد، أو بامرين فكيف يلتزم هو (قده) بامكان تعلقه به بامرين، ثانيا: ان قصد القربة الذى هو من دواعى اختيار الفعل الخارجي، بنفسه فعل من افعال النفس ويتعلق به الاختيار كما صرح بذلك المحقق النائيني (قده) في باب النية، والبرهان المتقدم انما يقتضى عدم امكان تعلق شخص الارادة المتعلقة بالفعل الخارجي به، واما تعلق اختيار آخر به غير ذلك الاختيار فهو لا يقتضى امتناعه بل هو ممكن، وان شئت قلت ان سلب الاخص لا يلازم سلب الاعم وعلى ذلك، فهناك اختياران، احدهما متعلق بالفعل الخارجي، والاخر متعلق بالفعل النفساني، فحينئذ بما ان الغرض المترتب على الفعلين واحد لا متعدد، فلا محالة يكون الامر المتعلق بهما واحدا: إذ وحدة الامر وتعدده يتبعان وحدة الغرض وتعدده، لا وحدة الارادة وتعددها. الثاني: انه إذا كان اخذ قصد الامر في المتعلق محالا، فاخذ الجامع الشامل له ولغيره ايضا محال، وفيه: مضافا الى ما تقدم من امكان اخذ قصد الامر: ان الاطلاق عبارة عن، رفض القيود، وعدم دخل شئ من الخصوصيات في الحكم، لا دخل كل

[ 274 ]

خصوصية فيه، فامتناع اخذ قصد الامر بخصوصه لا يلازم امتناع اخذ الجامع. وقد استدل المحقق الخراساني (ره) للقول الاول وهو عدم اخذه في المتعلق قطعا: بكفاية الاقتصار على قصد الامتثال الذى عرفت عدم امكان اخذه فيه، وفيه: ان هذا البرهان يقتضى عدم اخذ خصوص غير قصد الامر في المأمور به وليس هو محل الكلام بل المدعى هو اخذ الجامع فيه. اخذ ما يلازم قصد الامر في المتعلق واما المورد الرابع: وهو اخذ ما يلازم قصد الامر في المتعلق وبه يتوسل المولى الى غرضه - وقد نسب على بعض تقريرات السيد الشيرازي - فالظاهرا مكانه. وملخص القول فيه انه يمكن اخذ عنوان آخر في المأمور به ملازم للداعى القربى كما لو قيد المأمور به بعدم اتيانه بغير الداعي القربى، وبعبارة اخرى يقيده بعدم ضد الداعي القربى، وبذلك يتوسل المولى الى غرضه إذا لفعل الاختياري لابد وان يصدر عن داع من الدواعى، وهو اما ان يكون من الدواعى القربية أو من الدواعى النفسانية، فإذا كان الغرض مترتبا على اتيانه بداعي القربة ولم يتمكن المولى من التصريح به لمانع في ذلك له ان يامر بالفعل مقيدا بان لا يكون مع الدواعى النفسانية ولا يرد عليه شئ من المحاذير المتقدمة. وقد اورد عليه بايرادات. الاول: ما ذكره المحقق النائيني (ره) وهو انه لو فرض محالا انفكاك ذلك العنوان عن احد الدواعى القربية لابد من الالتزام بصحة العبادة مع انه لم يلتزم به فقيه، وفيه: انه مع تسليم تلازم ذلك العنوان لاحد الدواعى القربية خارجا، لا اثر لفرض المحال، إذ لا يلزم من مثل هذا التكليف نقض الغرض، وغيره من التوالى الفاسدة، مثلا لو تعلق الغرض بالمشى الى المقصد، من احد الطريقين، ولم يكن هناك طريق ثالث، كما يصح المولى، الامر بالمشى من ذلك الطريق، ويتوسل بذلك الى غرضه، كذلك يصح له الامر

[ 275 ]

بالمشى مقيدا بكونه من غير الطريق الاخر. الثاني: ان ما ذكر ليس من العناوين الملازمة لاحد الدواعى القربية: إذ يمكن ايجاد الفعل بلا داع من الدواعى، وفيه: انه ممتنع، ولو امكن فله ان يقيد المأمور به بعدم هذا الضد ايضا، ويقول مثلا صل لا بداعي النفساني ولا بلا داعى. الثالث: ان القدرة على المأمور به على هذا التقدير متوقفة على الامر، إذ مع عدمه لا يتمكن المكلف من الفعل لا بداعي النفساني، والقدرة من شرائط صحة التكليف قطعا، وفيه: ان القدرة المعتبرة هي القدرة في ظرف العمل، لا حين التكليف، وفي المقام بما انه يقدر على اتيان المأمور به في ظرفه لفرض تعلق الامر به، فلا مانع عنه من هذه الجهة ايضا. فالمتحصل مما ذكرناه امكان اخذ قصد الامتثال في المتعلق، بجميع الانحاء الاربعة. واما المورد الخامس، وهو حكم العقل بدخالة قصد الامر في العبادات، فقدمر في المورد الثاني تقريبه وما يرد عليه. ما يقتضيه الاصل اللفظى اما الدعوى الثانية: وهى عدم امكان التمسك بالاصل اللفظى - فملخص القول فيها - انه اختلفت كلمات القوم في ان الاصل اللفظى من الاطلاق وغيره ماذا يقتضى على اقوال: 1 - ما اختاره جماعة منهم الشيخ والاستاذ وهو انه يقتضى البناء على كون الواجب توصليا. 2 - ما ذهب إليه جماعة منهم صاحب الاشارات وهو البناء على كونه تعبديا. 3 - اما اختاره المحققان الخراساني والنائيني، وهو الاهمال وعدم الاطلاق مطلقا. وتنقيح القول بالبحث في مقامين: الاول: فيما يقضيه الاصل بناءا على امكان اخذ قصد الامتثال في المأمور به. الثاني: في مقتضى الاصل اللفظى بناءا على عدم امكانه. اما المقام الاول فالمختار فيه ان الاصل يقتضى كون الواجب توصليا: إذ بعد ما

[ 276 ]

عرفت من امكان اخذ قصد القرة في المتعلق يكون هو كساير الاجزاء والشرائط لو شك في اعتباره، ولم يدل دليل عليه، مقتضى الاطلاق عدم اعتباره، وبه يثبت كون الواجب توصليا. وقد استدل لاصالة التعبدية بوجوده: الاول: ان امر المولى بما انه فعل من افعاله الاختيارية فلابد وان يكون لغرض ليخرج بذلك عن اللغوية، والغرض منه جعل امره محركا اياه نحو العمل فالامر بنفسه جعل للداعى والمحرك، فما دام لم يقم قرينة على التوصلية كان مقتضى نفس الامر هو التعبديه. وفيه اولا: ما تقدم من ان الغرض من الامر ليس جعل الداعي، والا لما تخلف عنه، ولما صدرت المخالفة من العصاة، بل الغرض منه جعل ما يمكن ان يكون داعيا: إذ المولى إذا رأى في فعل من الافعال الاختيارية للعبد مصلحة و اشتاق إليه يتصدى لايجاده، بالامر به ليوجد العبد ذلك الفعل جريا على ما يقتضيه قانون العبودية والمولوية، وهذا الغرض يشترك فيه التعبديات و التوصليات، وانما الاختلاف بينهما في الغرض المترتب على الواجب: فانه ان ترتب على مطلق وجود الفعل، فالواجب توصلي، وان ترتب على الاتيان به بقصد القربة فالواجب تعبدي، وعلى فرض استكشاف ترتب الغرض على مطلق وجود الفعل، ولو بمقتضى الاطلاق لما كان الامر داعيا الى ايجاده بقصد القربة، ويؤيد ما ذكرناه ملاحظة حال النواهي، حيث ان هذا البرهان جار فيها بعينه لانه يمكن ان يقال ان النهى فعل اختياري للمولى ولابد وان يكون لغرض، والغرض منه انزجار العبد، فالنهى جعل للزاجر مطلقا، فالاصل في النواهي ايضا هو التعبدية، مع انه لم يتفوة به احد. وثانيا: انه لو سلمنا كون الغرص من الامر جعل الداعي، نقول اه بعد استكشاف كون الغرض المترتب على المأمور به مترتبا على مطلق وجوده، ولو بواسطة الاطلاق، لو اتى المكلف بالفعل بلا قصد القربة لا محالة يحصل الغرض، فاما ان يسقط الامر، فهو المطلوب، والالزام بقائه مع عدم الملاك بعد فرض عدم وجود غرض آخر، وهو كما

[ 277 ]

ترى بنا في مسلك العديلة، وان شئت قلت ان للازم على المكلف الاتيان بالمأمور به المحصل للغرض، واما الغرض من الامر فليس لازم التحصيل، فحينئذ لو استكشفنا ترتب الغرض على مطلق وجود الفعل، فالعقل انما يحكم بلزوم اتيان الفعل تحصيلا له، ولا يحكم بلزوم تيان الفعل بقصد الامر كى يتحصل الغرض من الامر. الثاني: قوله تعالى " وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " 1 حيث انه بقتضى الحصر المستفاد من لفظه الا، يدل على عبادية جميع الواجبات، بل كل امر به، خرج ما خرج. واجاب عنه: الشيخ الاعظم بجوابين الاول: ان هذا المعنى مستلزم لتخصيص الاكثر: فان اكثر الواجبات توصليات فيستكشف من ذلك عدم ارادة هذا المعنى من الاية الشريفة. الثاني: ان الاية الشريفة في مقام بيان تعيين المعبود وحصره في الله تعالى، لا في مقام بيان حال الاوامر كما تشهد له الفقرة السابقة عليه، وهى قوله عز وجل " لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ". اقول لم تم هذان الجوابان فهو، والا فيمكن ان يجاب عنه: بان الاية الشريفة انما تدل على ان الغرض الاقصى من الاوامر، هو العبادة الله تعالى، كما انها المقصود من ارسال الرسل وانزال الكتب، وهذا لا ينافى كونه جملة من الواجبات توصليات - والشاهد على ذلك - ان الامر لا يتعدى بلام، كما يظهر لمن راجع موارد استعماله بل اما ان يتعدى بنفسه، أو بباء، فاللام انما هي لافادة الغرض وان مدخولها الغرض الاصلى من الاوامر. هذا بناءا على رجوع الضمير في قوله تعالى وما امروا الا ليعبدوا الله الخ الى عامة المكلفين. واما بناءا على رجوعه الى اهل الكتاب كما يشهد لتعين ذلك ملاحظة الايات السابقة على هذه الاية، فهى اجنبية عن المقام بالمرة، وانما تدل على ان التفرق الموجود بين اهل الكتاب انما نشأ من قبل انفسهم بعد ما جائتهم البينة وهم لم يكونوا مامورين الا


1 - البينة / 5. (*)

[ 278 ]

بعبادة الله تعالى. الثالث: النصوص الورادة بالسنة مختلفة المتضمنة ان العمل بلانية كلا عمل، كقوله (ص) الاعمال بالنيات، وهى تدل على اعتبار النية في جميع الافعال فما لم تقم قرينة على صحة العمل بلانية لا يعتد به في مقام الامتثال. وفيه: ان المراد من النية ليش هو قصد القربة لان هذا الاصطلاح من الفقهاء، واما بحسب معناها اللغوى، فهى بمعنى القصد، وعليه، فمفاد هذه النصوص ان روح العمل انما يكون بالقصد، فلو ضرب اليتيم بقصد التاديب يتصف بالحسن، وان ضربه للتشفي يتصف بالقبح وان تأدب بذلك، وان جاهد لله فالعمل له تعالى، وان جاهد لطلب المال فله ما نوى، فهذه الروايات اجنبية عن كون الاوامر عبادية. فتحصل انه بناءا على امكان اخذ قصد القربة في المتعلق مقتضى الاصل اللفظى هو التوصلية. واما بناءا على عدم امكانه الذى هو المقام الثاني من الكلام، فقد يقال كما عن الشيخ الاعظم، بانه يتمسك بالاطلاق ويثبت به كون الواجب توصليا: واستدل لمختاره، بانه لا يمكن تقييد المأمور به بقصد الامر، فالاطلاق ثابت. واورد عليه المحقق النائيني (ره)، بان ذلك يتم لو كان التقابل بين التقييد و الاطلاق تقابل السلب والايجاب، ولكن حيث يكون الاطلاق متوقفا على ورد الحكم على المقسم وتمامية مقدمات الحكمة فالتقابل بينهما يكون تقابل العدم والملكة، وعليه، فإذا فرضنا في مورد عدم ورود الحكم على المقسم فلا معنى للتمسك بالاطلاق، وما نحن فيه من هذا القبيل فان انقسام المتعلق بما إذا اتى به بقصد الامر وعدمه يتوقف على ورود الامر وليس في مرتبة سابقة عليه مقسم اصلا، فالحكم لم يرد عليه، فلا معنى للتمسك بالاطلاق، وعلى ذلك بنى على ان كل مورد لم يكن قابلا للتقييد يمتنع الاطلاق فيه ايضا. واورد عليه الاستاذ الاعظم، بان من اشتاق الى فعل وكان متلتفتا الى امكان وجوده في الخارج على وجوه، فاما ان يتعلق شوقه بخصوص حصة خاصة منه مقيدة بقيد وجودي أو عدمي، أو يتعلق بمطلق وجوده القابل للانطباق على كل واحد من الوجودات

[ 279 ]

الخاصة، من غير فرق بين التقسيمات الاولية ككون الصلاة الطهارة أو بدونها، وبين التقسيمات الثانوية المكلف عالما بالحكم أو جاهلا، وكون الصلاة مع قصد القربة أو بدونه: لان متعلق الشوق لابد وان يكون متعينا في ظرف تعلقة به ويستحيل فرض الاهمال في الواقع وتعلق الشوق بما لا تعين له في فرض تعلقه به، فكما ان الملتفت الى انقسام الماء الى الحار والبارد إذا اشتاق الى شربه لا مناص له من تعلق شوقه اما بالمطلق أو المقيد فكذلك الملتفت الى انقسام الصلاة الى قسمين، باعتبار انه تارة يؤتى بها مع قصد القربة، واخرى بدونه اما ان يتعلق شوقه بالمطلق أو المقيد، وعليه فإذا فرض استحالة التقييد باتيانها مع قصد القربة كان الاطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد ضرويا، وإذا فرض استحالة التقييد بالخلاف ايضا فالاطلاق يكون ضروريا. واورد على ما استدل به المحقق النائيني لاستلزام استحالة التقييد استحالة الاطلاق: بان التقابل بينهما تقابل العدم والملكة: بان القابلية المعتبرة فيه لا يلزم ان تكون شصخية دائما بل يجوز ان تكون صنفية أو نوعية أو جنسية، الا ترى انه يصدق على الانسان انه جاهل بحقيقة ذات الواجب مع انه يستحيل ان يكون عالما بها. اقول تحقيق القول في المقام على نحو يظهر ما هو الحق عندنا وما يرد على هؤلاء الاساطين يقتضى ان يقال انه في الانفسامات الاولية والثانوية امتناع التقييد في مقام الثبوت الى جعل الحكم، تارة يكون لاجل امتناع شمول الحكم للمقيد بهذا القيد، مثل تقييد الصلاة الواجبة بالافراد الخارجة عن تحت قدرة المكلف، واخرى يكون لاجل امتناع تخصيص الحكم بالمقيد بهذا القيد كتخصيص الوالاية بالفاسق: فانه مستلزم لترجيح المرجوح على الراجح، وهو قبيح، وصدوره من الحكيم محال، وثالثة لاجل مانع في نفس الجعل، والا فسمول الحكم له بعد جعله لا محذور فيه كما ان التخصيص به مما لا يترتب عليه محذور. فان كان الامتناع من الجهة الاولى، فلا محالة يمتنع الاطلاق ايضا فانه لا فرق في شمول الحكم بين كونه ثابتا له بالخصوص أو لما يعمه، فكما ان التكليف بغير المقدور ممتنع، كذلك التكليف بالجامع بين المقدور وغيره، فتأمل فان في خصوص المثال كلاما

[ 280 ]

تقدم. وان كان الامتناع من الجهة الثانية فالاطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد ضروري فان المانع انما هو في التخصيص لا في شموال الحكم. وان كان من الجهة الثالثة، فان كان الاطلاق عبارة عن دخل جميع الخصوصيات في الحكم، امتناع التقييد مستلزم لامتناع الاطلاق، إذ لا فرق في امتناع الجعل بين كونه بنحو التقييد، أو الاطلاق، وان كان الاطلاق عبارة عن رفض القيود، وعدم دخل شئ من الخصوصيات في الحكم، فامتناع التقييد لا يستلزم امتناع الاطلاق، ولا كونه ضروريا، كما لا يستلزم كون الاطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد ضروريا، اما الاول فلانه يمكن جعل الحكم على الطبيعة الجامعة، ودعوى ان الاطلاق بتوقف على ورد الحكم على المقسم، وهو ممتنع في الانفسامات الثانوية كما في المقام إذ ليس في مرتبة سابقة على جعل الحكم مقسم اصلا فلا يمكن ورود الحكم عليه، مندفعة بانه يعتبر في الاطلاق ورود الحكم على ذات المقسم وهى الطبيعة الجامعة المعراة عن جميع الخصوصيات، لا بما هو مقسم فعلى، واما الاخيران: فلانه يمكن ان يكون الغرض مترتبا على المقيد، بهذا القيد وشوق المولى متعلقا به خاصة، وانما لم يؤمر به لمانع في الجعل وعليه، فليس له جعل الحكم مطلقا ولا مقيدا بخلاف ذلك القيد، هذا بحسب مقام الثبوت. واما في مقام الاثبات، فإذا امتنع التقييد لا يمكن التمسك بالاطلاق إذ من مقدمات الحكمة انه كان له ان يقيد ولم يقيد وهذه المقدمة غير جارية في الفرض. فتحصل مما ذكرناه انه في المقام لو فرض عدم امكان اخذ قصد الامر في المتعلق لا يمكن التمسك بالاطلاق لاثبات كون الواجب توصليا، فلا مناص عن الرجوع الى ما يقتضيه الاطلاق المقامى لو كان، والا فالى ما يقتضيه الاصول العملية وستعرف تنقيح القول فيهما. كما انه ظهر عدم تمامية شئ من كلمات ائمة الفن فان مورد كلامهم هو امتناع التقييد من الجهة الثالثة. وعليه فما افاده الشيخ الاعظم (ره) من ان امتناع التقييد يوجب كون الاطلاق

[ 281 ]

ضروريا وثابتا، وما افاده الاسناد الاعظم من كونه مستلزما لكون الاطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد ضروريا: يرد عليهما انه يمكن ان يكون ما فيه الغرض ومتعلق الشوق المقيد بهذا القيد. واما ما افاده العلامة النائيني (ره) فالنه يتوقف عل يكون الاطلاق عبارة عن دخل جميع الخصوصيات في الحكم وقد عرفت ما فيه فتدبر فان ما ذكرناه حق القول في المقام. ما يقتضيه الاطلاق المقامى ثم انه على فرض الاغماض عما ذكرناه من امكان اخذ قصد القربة في المتعلق، الذى عليه بنينا جواز التمسك بالاطلاق اللفظى، وفرض امتناع اخذه في المأمور به، يكون مقتضى الاطلاق المقامى البناء عل يكون ال ؟ واجب توصليا حتى تثبت التعبدية: وذلك لان المولى إذا كان في مقام البيان وكان القيد على فرض دخالته مما لا يمكن اخذه في المأمور به، فان كان القيد مما لا يغفل عنه العامة كقصد القربة، وكان مما يحكم العقل ولو من باب الاحتياط بلزوم الاتيان به، فعدم بيان المولى دخله في حصول الغرض، ولو بنحو الاخبار، لا يعد اخلالا بالغرض فلا يصح التمسك بالاطلاق المقامى لاثبات عدم دخله في المأمور به: إذ للمولى ان يتكل في بيان ما يحصل به الغرض على ما يحكم به العقل. واما لو انتفى احد القيدين، بمعنى ان العقل لم يكن حاكما بلزوم الاتيان به، بل كان يحكم بقبح العقاب بلا بيان، أو كان القيد مما يغفل عنه العامة كقصد الوجه والتمييز، فيصح التمسك بالاطلاق المقامى، التوقف على ان يكون عدم بيان دخل القيد على فرض دخالته اخلالا بالغرض حتى يصح ان يقال ان الحكيم حيث لا يخل بالغرض فيستكشف من عدم البيان عدم دخله في ما يحصل به الغرض، الذى هو حقيقة الاطلاق المقامى، اما مع انتفاء القيد الاول فواضح، و اما مع انتفاء القيد الثاني فلان القيد لو كان دخيلا ليس للمولى الاتكال على حكم العقل بلزوم الاتيان به لانه فرع الالتفات المفقود

[ 282 ]

في الفرض، وحيث ان المختار في جميع القيود المشكوك دخلها، عدم الرجوع الى قاعدة الاشتغال على ما ستعرف، فيتمسك بالاطلاق المقامى لا ثبات كون الواجب توصليا وبما ذكرناه ظهر امور. الاول. ان الاطلاق المقامى يقتضى البناء على كون الواجب توصليا. الثاني: ان ما اختاره المحقق الخراساني من عدم التمسك بالاطلاق المقامى في قصد القربة انما يكون صحيحا على ما نبى عليه، من حكم العقل بلزوم الاحتياط عند الشك في دخله في حصول الغرض. الثالث: ان ما الكفاية من انه إذا كان الامر في مقام بصدد بيان تمام ماله دخل في حصول غرضه ولم ينصب قرينة على دخل قصد الامتثال في حصوله يحكم بعدم دخله، لا ربط له بالاطلاق المقامى، فان هذا الوجه يتوقف على احراز كون المولى بصدد بيان تمام ما له دخل في الغرض، والاطلاق المقامى من مقدماته لزوم القيام مقام البيان، والا يكون اخلالا بالغرض. الرابع: ان ما افاده المحقق الخراساني، من انه يتمسك بالاطلاق المقامى لاثبات عدم دخل الوجه والتمييز في الطاعة بالعبادة، تام، ولا ينافى مع ما افاده من عدم التمسك به لاثبات عدم اعتبار قصد القربة. ما يقتضيه الاصل العملي واما المورد الثاني: وهو ما يقتضيه الاصل العملي، فبناءا على ما هو الحق من امكان اخذ قصد الامر في المأمور به، لو شك في واجب انه تعبدي أو توصلي، ولم يكن هناك اطلاق يثبت التوصلية، لا كلام في ان المرجع هي اصالة البرائة بناءا على جريانها فيما إذا دار الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين: لعدم الفرق بين هذا القيد وساير القيود. واما بناءا على عدم امكان اخذه في المتعلق، كما بنى عليه المحقق الخراساني، فقد يقال كما في الكفاية، انه لا مجال الا لاصالة الاشتغال وان لا تجرى البرائة العقلية ولا

[ 283 ]

الشرعية، وان بنينا على جريانهما في ما إذا دار الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين. اما عدم جريان البرائة العقلية في المقام مع جريانها في تلك المسألة فلان الشك هناك في نفس التكليف، فإذا ترددت الصلاة الواجبة بين المشتملة على الجسلة الاستراحة و فاقدها، يرجع الشك، الى الشك في التكليف بجلسة الاستراحة وعدمه، وهذا بخلاف المقام، فانه لاشك في التكليف كان قصد الامر دخيلا ام لم يكن، بل الشك انما يكون في سقوط التكليف بمجرد الفعل بلا قصد القربة لحصول الغرض، وعدم سقوطه لعدم حصوله، ومعلوم ان الشك في السقوط مورد لقاعدة الاشتغال. واما عدم جريان البرائة الشرعية: فلانه في ساير موارد الاقل والاكثر، دخل الجزء أو الشرط في حصول الغرض، وان كان واقعيا غير قابل للوضع والرفع، ولكن دخله في المأمور به شرعى وقابل للرفع والوضع، قبدليل الرفع يكشف انه ليس هناك امر فعلى بما يعتبر فيه المشكوك فيه يجب الخروج عن عهدته عقلا، بخلاف المقام فان قصد الامتثال على فرض دخله، كما لا يكون دخله في حصول الغرض شرعيا قابلا للرفع، كذلك لا يكون دخله في المأمور به شرعيا بمعنى انه ليس للشارع وضعه، فليس له رفعه، فهو غير قابل لتعلق الرفع الشرعي به، وعلى ذلك فبما انه شك في سقوط الامر للشك في سقوط الغرض، لو اتى بالفعل بلا قصد القربة ولا تجرى البرائة، فلا مناص عن الرجوع الى ما يستقل به العقل من لزوم الخروج عن عهدة التكليف، وانه لا يكون العقاب مع الشك وعدم احراز الخروج عقابا بلا بيان والمؤاخذة عليه بلا برهان، هذا محصل كلامه (قده) بتوضيح منا. واورد عليه المحقق النائيني بايرادين: احدهما انه بناءا على لزوم تحصيل الغرض، لابد من البناء على الاشتغال في ساير موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين وعدم الجدوى في جريان البرائة الشرعية، والكلام في ذلك موكول الى محله. الثاني: ان الوجه في كون المرجع في المقام هي قائدة الاشتغال ان كان من جهة رجوع الشك الى الشك في حصول الغرض اللازم الاستيفاء لو اتى بالفعل مجردا عن قصد القربة كما هو ظاهر كلامه، فيرد عليه ان ترتب الملاكات على الافعال ليس من قبيل

[ 284 ]

ترتب المسببات التوليدية على اسبابها كى يصح تعلق التكليف بها، بل من قبيل ترتب المعلومات على عللها المعدة، فليست تحت اختيار المكلف فلا يصح تعلق التكليف بها، بل وظيفة المكلف حينئذ ليست الا الاتيان بالمأمور به كما تقدم تفصيل ذلك في مبحث الصحيح والاعم، وعليه فلو اتى بالمأمور به وشك في حصول الغرض لا يحكم العقل بلزوم الاتيان بالفعل بنحو يسقط الغرض وهو اتيانه مع قصد الامتثال. والجواب عن ذلك قد تقدم في مبحث الصحيح والاعم وعرفت ان نسبة الاغراض الى الواجبات نسبة المسببات الى اسبابها، فراجع ولا نعيد ما ذكرناه. فالصحيح في الجواب عن ما افاده المحقق الخراساني ان الاغراض المترتبة على الواجبات على قسمين، الاول: ما يفهمه العرف والعامة ويكون محصله ايضا معلوما عندهم بمعنى ان له قدر متيقينا ثابتا عندهم، كالقتل، والطهارة، وفي هذا القسم يصح التكليف بالغرض وإذا شك في المحصل لابد من الاتيان بما يقطع معه بحصول الغرض. الثاني: مالا يفهمه العرف ولا يدرون ماذا يحصله، وفي مثل ذلك لا يصح التكليف به، بل وظيفة المولى حينئذ الامر بما يحصله ووظيفة المكلف الاتيان بالمأمور به واكثر الواجبات الشرعية من هذا القبيل، فحينئذ لو اتى بالمأمور به بتمامه ومع ذلك شك في حصول الغرض لا مورد لقاعدة الاشتغال إذ تطبيق ما يفى بالغرض على ما امر به انما هو وظيفة المولى ولا يجب على العبد سوى الاتيان بالمأمور به. فان قيل ان كان المشكوك دخله في الغرض مما امكن اخذه في المتعلق تم ما ذكرت، إذ يصح الرجوع الى قبح العقاب بلا بيان، واما إذا كان مما لا يمكن اخذه كقصد القربة على الفرض، فحيث انه لو كان دخيلا في حصول الغرض لما تمكن المولى من بيانه، فلا مورد للرجوع الى تلك القاعدة العقلية، اجبنا عنه: ان المراد من البيان الذى يكون عدمه موضوعا لذلك الحكم العقلي، ليس هو الامر، بل المراد به الوصول، وايصال المولى، تارة يكون بامره، واخرى بجعل وجوب الاحتياط، وثالثة بالاخبار، فانه ايضا ايصال ويرتفع به موضوع قبح العقاب بلا بيان، وفي المقام وان كان لا يمكن الايصال بالامر، الا انه للمولى الاخبار بدخله في حصول الغرض، فإذا لم يبين يكون المرجع

[ 285 ]

القاعدة المزبورة. فتحصل انه بناءا على جريان البرائة في الاقل والاكثر الارتباطيين تجرى البرائة في المقام ايضا، فالاصل العملي ايضا يقتضى كون الواجب توصليا. الشك في سقوط الواجب في ضمن الفرد المحرم واما المقام الثاني: وهو ما إذا شك في واجب انه توصلي أو تعبدي بالمعنى الثاني فالكلام فيه يقع في مواضع. الاول: انه لو شك في واجب انه، هل يسقط بفعل المحرم، ام لا، فهل الخطاب يقتضى عدم السقوط بمعنى انه يقتضى اعتبار صدوره على وجه غير محرم، ام لا ؟ وجهان اقواهما الاول: إذ لا ريب في تضاد الاحكام كما سيأتي تنقيح القول فيه في مبحث اجتماع الامر والنهى، وعليه فإذا فرضنا بقاء الحرمة، فلا يمكن ان ينطبق الطبيعة المأمور بها على ذلك الفرد في موارد امتناع الاجتماع وهى الموارد التى تنطبق الطبيعتان المتعلقة احداهما للامر، والاخرى للنهى، على الموجود الواحد، نعم في موارد جواز الاجتماع وهو ما لو كان كل من الطبيعتين منطبقة على موجود، غير ما ينطبق عليه الاخرى، مقتضى القاعدة سقوط المأمور باتيانه في ضمن الفرد المحرم، من غير فرق بين التعبدى، والتوصلى، على ما سيأتي تحقيق القول في ذلك في محله، وستعرف ان ما ذكره المحقق النائيني، من اعتبار الحسن الفاعلى في اتصاف الفعل الخارجي بالوجوب، وعليه بنى عدم الصحة حتى في مورد جواز اجتماع الامر والنهى، وغير تام، مع انه في مورد جواز الاجتماع، لفرض ان للمأمور به وجودا، غير وجود المنهى عنه، يكون الحسن الفاعلى باتيان المأمور به في ضمن الفرد المحرم موجودا: إذ كما ان الوجود متعدد كذلك الايجاد لاتحاد الوجود والايجاد، وتمام الكلام في محله. ثم انه نسب الى المحقق العراقى القول بان مقتضى القاعدة السقوط حتى في موارد امتناع الاجتماع، واستدل له بانه لو كان للكلام ظهورات ودلالات متعددة، فلا

[ 286 ]

يسقط بعظها لاجل سقوط بعضها الاخر، بل مقتضى القاعدة بقائه على الحجية والمقام كذلك: إذ للهيئة ظهور ان واطلاقان، احدهما كون جميع افراد المادة مامورا بها. الثاني كون كل فرد من ما يصدق عليه المادة ذا مصلحة ملزمة، فاطلاقها من الجهة الاولى قد قيد. عقلا بالفرد غير المحرم، فلا وجه لسقوط اطلاقها من الجهة الثانية عن الحجية، وعليه فإذا اتى بالفرد المحرم يحصل الغرض، وبتبع ذلك يسقط الامر، ودعوى ان مقتضى الاطلاق الاحوالي للمقيد لزوم الاتيان بالفرد غير المحرم سواء اتى بالفرد المحرم غير المأمور به قبله ام لا، فيقع التنافى بين هذين الاطلاقين، مندفعة: بانه بما ان التقييد انما يكون بدليل منفصل فهو لا يقتضى سوى سقوط حجية ظهور المطلق في اطلاق، ولا يوجب ذلك انعقاد ظهور للمقيد في التقييد هذا محصل كلامه (قده). وفيه: ان كشف وجود الملاك والغرض في مورد يتوقف على احد امرين، اما كون الدليل في مقام بيانه ولو بالاطلاق، وثبوت الامر الفعلى فيه ليكشف عن وجود الملاك كشف المعلول عن علته، وفي المقام بالنسبة الى الفرد المحرم شئ منهما ليس، اما الاول فلان الدليل المتضمن لبيان الحكم انما يكون في مقام البيان من هذه الجهة ولا يكون في مقام بيان ما فيه الغرض زايدا على ذلك، فلا يصح التمسك بالطلاق الدليل لاثبات ذلك: فانه فرع تمامية مقدماته، ومن جملتها كون المولى في مقام البيان، وكونه في مقام البيان من جهة لا يكفى في التمسك بالاطلاق من الجهة الاخرى، واما الثاني: فلفرض عدمه فلا كاشف عن وجود الملاك. فتحصل انه في موارد امتناع اجتماع الامر والنهى، لو قدم جانب النهى مقتضى القاعدة عدم السقوط باتيان المأمور به في ضمن الفرد المحرم، الا إذا قامت قرينة على السقوط الكاشف عن تحقق المصلحة، فهى حينئذ تكون دليلا على ان التكليف مشروط بعدم هذا الفرد، وعلى فلو شك في سقوطه بفعل المحرم يشك في الاشتراط وعدمه، ومقتضى الاصل اللفظى لو كان، والعملي مع عدمه، البناء على عدم الاشتراط، فالاصل يقتضى عدم التوصلية بهذا المعنى.

[ 287 ]

الشك في سقوط الواجب بالفعل غير الاختياري الموضع الثاني: لو شك في واجب انه، هل يسقط إذا تحقق الفعل من دون ارادة واختيار، ام لا اقول بناءا على ما تقدم في مبحث الطلب والارادة وياتى في مبحث الضد من امكان تعلق التكليف بالجامع بين المقدور وغير المقدور، لا مانع من التمسك بالاطلاق لو كان، لاثبات عدم اعتبار القدرة شرعا في المأمور به، ومع عدمه مقتضى اصالة البرائة عن اعتبار امر زايد على المقدار المعلوم تعلق التكليف به ذلك، فالاصل هو التوصلية بهذا المعنى. وقد استدل للاختصاص بالمقدور بوجوده: الاول: الانصراف، اما بدعوى انصراف مادة الافعال الى خصوص ما إذا صدرت عن ارادة واختيار، أو بدعوى انصراف هيئاتها الى ذلك، فلا يصح التمسك بالاطلاق والاصل، لعدم اعتبار القدرة والاختيار. ولكن الدعويين فاسدتان، اما الاولى، فلان المادة ان كانت قصدية بحيث لا يتحقق الا مع القصد كالتعظيم والتوهين فلا كلام فيها، وان لم تكن بنفسها كذلك كالقيام والضرب، فلا وجه لانصرافها الى خصوص ما إذا صدرت بارادة واختيار. واما الثانية فقد اجاب عنها المحقق النائيني (ره) بان هيئات الافعال موضوعة لافادة قيام المبادى وانتسابها الى فاعلها، وهذا امر يشترك فيه جميع المواد على الختلافها اعم من ان تكون صادرة بالاختيار وصادرة من غير اختيار، فدعوى الانصراف في الهيئة المشتركة بين الجميع خالية عن الدليل. اقول هذا الجواب أي عدم الوجه للانصراف المزبور، وان كان متينا على ما خلقناه في بيان ما وضعت هيئة الامر له، ولكن ليس للمحقق النائيني (ره) ان يجيب بذلك: فان دعوى المستدل وان كانت عامة الا ان محط نظره في المقام خصوص هيئة الامر، فمثل

[ 288 ]

المحقق النائيني (ره) الذى يرى انها وضعت لتحريك عضلات العبد نحو المطلوب، لا مناص له من تسليم هذه الدعوى وارجاعها الى ما افاده (قده) في وجه الاختصاص. الثاني: ما افاده المحقق النائيني، وحاصله ان الغرض من الامر هو بعثه وايجاد الداعي له لتحريك عضلاته نحو ايجاد المأمور به، وهذا يستلزم كون المتعلق مقدورا له لانه من البديهى انه انما يمكن جعل الداعي في خصوص الفعل الارادي، فحيث انه لا يمكن التخيير بينهما عقلا فيرجع الشك الى الشك في اشتراط الخطاب وعدمه، فالاطلاق والاصل يقتضيان عدم الاشتراط. والجواب عن ذلك ان التكليف بخصوص غير المقدور الممتنع الوجود لغو لا يصدر عن الحكيم، واما تعلق التكليف بالجامع بين المقدور وغير المقدور الصادر من المكلف بغير اختياره فلا ارى فيه محذورا. الثالث: ما افاده المحقق النائيني ايضا، وهو انه يعتبر في المأمور به زائدا على الحسن الفعلى الحسن الفاعلى، ولازمه تعلق الكليف بخصوص الحصة المقدورة إذ غير المقدورة لاحسن فاعلي فيها وان كان لها حسن فعلى. والجواب عنه مضافا الى منع اعتباره كما مر، ان لازمه كون الاصل في الواجبات التعبدية بمعنى اعتبار قصد القربة فيها كما لا يخفى. فالمتحصل ان مقتضى الاطلاق كون الواجب هو الجامع، وسقوط التكليف بالفعل غير الاختياري، والاصل العملي يقتضى ذلك ايضا: إذ تقيد التكليف بخصوص الحصة المقدورة مشكوك فيه، والاصل عدمه. الشك في سقوط الواجب بفعل الغير الموضع الثالث: لو شك في سقوط الواجب بفعل الغير، فهل الاصل اللفظى أو العملي يقتضى السقوط، أو عدمه، وجهان، بل قولان.

[ 289 ]

ولقد اطال المحقق النائيني في المقام، وقسم السقوط بفعل الغير الى السقوط به مع الاستنابة وبدونها، وافاد في كل من القسمين تحقيقات، الا ان اقتضاء الاصل له، لا يتوقف عليها، والمنسوب الى المشهور ان متقضى الاطلاق سقوطه وكون الواجب توصليا بهذا المعنى من غير فرق بين كونه بالتسبيب أو بالتبرع أو بغير ذلك. وحق القول في المقام، ان احتمال سقوط التكليف بفعل الغير في عالم الثبوت يتصور على انحاء، احدها: احتمال كون التكليف متعلقا بفعل نفسه أو غيره بنحو التخيير الشرعي، أو بالجامع بينهما فيكون التخيير عقليا، ثانيها: احتمال كون المتعلق هو فعله أو استنابته لغيره، ونتيجة ذلك تخييره بين قبام نفس المكلف به وبين الاستنابة لاخر، ثالثها: ان يكون التكليف مرددا بين كونه مشروطا بعدم قيام غير المكلف به فيسقط بفعل غيره، وبين كونه مطلقا أي سواءا قام به غيره ام لا لم يقم فلا يسقط. وعلى الاولين، يدور امر الواجب بين كونه، تعيينيا، أو تخييريا، وعلى الثالث يدور امر الوجوب بين كونه مطلقا أو مشروطا. وقد مر وسياتى في محله ان مقتضى الاطلاق كون الواجب تعيينيا عند دوران الامر بينه وبين كونه تخييريا، كما ان مقتضى الاطلاق كون الوجوب مطلقا عند دوران الامر بينه وبين المشروط. اضف الى ذلك ان الاحتمال الاول غير معقول: لان تعلق التكليف المتوجه الى شخص يفعل غيره غير معقول، وكذا بالجامع بينه وبين فعل نفسه، والاحتمال الثاني لازمه كفاية الاستنابة ومسقطيتها بنفسها، ولو لم يات بالفعل في الخارج وهو خلاف الفرض. اضف الى ذلك كله، ان الظاهر من الدليل في مقام الاثبات هو ذلك، إذ كما انه إذا استند الفعل الماضي أو المضارع الى شخص، يكون ظاهرا في صدور المادة منه بالمباشرة، كقولنا ضرب زيد فانه ظاهر في صدور الضرب من زيد بالمباشرة، كذلك، إذا امر به، ووجه الخطاب إليه، وقال فليضرب زيد يكون ظاهرا في ان المطلوب هو صدوره منه بنفسه، وعلى ذلك فاحتمال السقوط بفعل الغير، مرجعه الى الشك في اشتراط الوجوب بعدم فعل الغير، فمقتضى اطلاق الخطاب لو كان هو عدم الاشتراط. واما الاصل العملي فالشك في الوجوب بعد فعل الغير على الاحتمال الثالث

[ 290 ]

المعقول الذى لا محذور فيه، شك في سقوط التكليف بعد ثبوته لا في اصل الثبوت، فهو مورد لقاعدة الاشتغال والاستصحاب، لا البرائة. لا يقال انه لو شك في الوجوب من ناحية الشك في كونه مشروطا أو مطلقا مع الشك في وجود الشرط يكون المرجع اصالة البرائة لكون الشك في ثبوت الحكم لا في السقوط. فانه يقال ان يتم ذلك مع عدم احراز فعلية التكليف، كما لو شك في فعلية وجوب اكرام زيد من ناحية عدم مجيئه، واحتمال شرطية المجئ لوجوب اكرامه، واما مع احراز الفعلية كما في المقام واحتمال عدم التكليف من ناحية احتمال سقوطه بفعل الغير، كما في تحنيط الميت لو فعله الصبى المميز، فلا يتم لانه شك في سقوط التكليف بعد ثبوته فتدبر فانه دقيق، فالمتحصل ما ذكرناه ان الاصل هو التوصلية في هذا المقام. تقسيم الواجب الى النفسي والغيري المبحث الخامس: إذا علم بوجوب شئ، وتردد امره بين، الوجوب النفسي والغيري، أو بين التعييني والتخييري، أو بين العينى والكفائي يقتضيه الاصل والقاعدة فالكلام في مسائل ثلاث، الاولى إذا دار امر الوجوب بين النفسي والغيري، فافاد المحقق الخراساني ان اطلاق الصيغة يقتضى كون الوجوب نفسيا لان الوجوب الغيرى مقيد إذ معنى كونه غيريا انه منوط بوجوب شئ آخر والنفسي مطلق إذا هو الوجوب غير المنوط بشئ والاطلاق ينفى التقييد. واورد عليه بان الوجوب النفسي هو الوجوب لا لغيره، لا الوجوب المطلق، غاية الامران قيده من القيود العدمية، فالامر دائر بين ان يكون مشروطا بشئ وان يكون بشرط لا والاطلاق يثبت اللابشرطية لا بشرط اللائية. وفيه: ان يمكن ان يقال انه بالاطلاق يثبت عدم كون الوجوب مترشحا من الغير، ولازم ذلك كون الوجوب نفسيا غير مترشح من الغير، وبديهى ان الاصل اللفظى كما

[ 291 ]

يثبت به الشئ يثبت به لوازمه كما في ساير الامارات، ولعله الى ذلك يرجع ما افاده المحقق الخراساني وايضا يكون ذلك مراد بعض المحققين حيث قال ردا على الايراد ان القيود العدمية يكفى فيها عدم القرينة على الوجودية بدعوى ان مجرد ذلك دليل عدمها والالزم نقض الغرض. الثانية: لو شك في واجب انه تعيينى أو تخييري، فبناءا على كون التخييري هو الوجوب المتعلق بالجامع الحقيقي أو العنوانى بين الفعلين، فمقتضى ظهور الصيغة المتضمنة للامر بالفعل بخصوصه، هو كان الواجب تعيينا: إذ حمل المتعلق على ارادة الجامع بينه وبين غيره خلاف الظاهر، واما بناءا على كونه هو الوجوب المتعلق بكل منهما مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الاخر، فمقتضى اطلاقها ذلك: فانه لو دار الامر بين الوجوب المطلق والمشروط، الاطلاق يعين الاول: كما عرفت. ومما ذكرناه ظهر حكم ما لو دار الامر بين كون الوجوب عينيا، ام كفائيا: إذ لو كان الوجوب الكفائي، هو الوجوب المتعلق باحد المكلفين مقتضى ظهنر الصيغة كون الوجوب عينيا ولو كان عبارة عن الوجوب المتعلق بجميع الافراد الساقط عن الجميع باتيان واحد منهم مقتضى اطلاق الصيغة ذلك. الامر عقيب الحظر المبحث السادس: إذا وقع الامر عقيب الحظر أو توهمه فهل يدل على الوجوب كما عن كثير من العامة أو على الاباحة كما هو المشهور بين الاصحاب أو هو تابع لما قبل النهى ان علق الامر بزوال علة النهى، أو يحكم بالاجمال وعدم الدلالة على شئ، وجوده واقوال. والتحقيق ان يقال ان الضابط في الحجية وحمل الكلام على ارادة معنى خاص انما هو الظهور العرفي وليس الضابط كون المستعل فيه حقيقيا كى يحتاج الى اثبات كون المستعمل فيه كذلك، بدعوى ان الاصل في الاستعمال كونه حقيقة كما ذهب إليه

[ 292 ]

السيد المرتضى (قده) وبالجملة بناء العقلاء انما هو على ان المتكلم اراد ما يكون كلامه ظاهرا فيه، وعليه فإذا كان الكلام محفوفا بما يصلح للقرينية كان ذلك الكلام منعدم الظهور عندهم فيحكمون بالاجمال. ومن تلك الموارد ما نحن فيه: إذ ورود الارمر عقيب الحظر أو توهمه مما يحتمل عند العقلاء كونه قرينة على عدم ارادة المتكلم الوجوب من الصيغة بناءا على كونها ظاهرة فيه بنفسها وضعا أو انصرافا على ما تقدم من المحقق الخراساني وعلى كون الامر مما يجوز ترك متعلقه، بناءا على كونه يحكم العقل كما هو المختار - وبعبارة اخرى - ان وقوع الامر عقيب الحظر يصلح ان يكون قرينة على الترخيص في الترك ومعه لا يحكم العقل بلزوم الاتيان بمتعلقة، وان شئت قلت ان العقل انما يحكم بلزوم الاتيان إذا لم يكن الامر واردا في هذا المورد، فلا يحمل الامر الواقع الحظر أو توهمه على الوجوب على المسلكين. فالقول ببقاء ظهوره في الوجوب ساقط. كما ان القول بظهوره في الاباحة فاسد: إذ هو تحكم لعدم الدليل على ذلك من وضع أو غيره. كما ان القول بتبعيته لما قبل النهى ان علق الامر بزوال علة النهى - كما في الاية الشريفة - (فإذا حللتم فاصطادوا) بعد ان الحكم السابق ارتفع بالنهي و عوده يحتاج الى دليل - قول من غير دليل - وانما استفيد ذلك من الاية الشريفة بدليل آخر. فتحصل ان الصيغة في هذا المورد فاقدة للظهور فلا اصل لفظي يرجع إليه في المقام، فلابد من الرجوع الى الاصل العملي، ومؤداه يختلف باختلاف الموارد، فان المأمور به إذا كان عبادة احتمال الكراهة والاباحة منتف قطعا، إذ العبادة لا تكون مرجوحة ولا مباحة، والمفروض زوال الحرمة، فيدور الامر بين الاستحباب والوجوب فبضميمة قبح العقاب بلا بيان، يثبت الاستحباب فتدبر، وان كان غير عبادي يبنى على الاباحة، بناءا على جريان البرائة الشرعية في الاحكام غير اللزومية إذ تجرى البرائة عن الوجوب والكراهة والاستحباب فيثبت الاباحة.

[ 293 ]

المرة والتكرار المبحث السابع: لا اشكال في ان الوظائف الشرعية على قسمين الاول: ما يكون انحلاليا يتعدد بتعدد الموضوع، كالاحكام التحريمية، وكوجوب الصوم والصلاة، فان تعدد وجوب الصوم انما هو عديده، كما ان وجوب الصلاة تتعدد بتعدد دلوك الشمس، الثاني ما لا يكون انحلاليا كوجوب الحج فانه لا يتعدد بتعدد الاستطاعة. فافاد المحقق النائيني (ره) انه، من نظر الى القسم الاول: حكم باستفادة التكرار من الامر، ومن نظر الى القسم الثاني، حكم باستفادة المرة. والتحقيق بطلان هذا النزاع رأسا فان تعدد الحكم بتعدد موضوعه ووحدته بوجدته اجنبي عن دلالة الامر على التكرار والمرة. والتحقيق بطلان هذا النزاع رأسا فان تعدد الحكم بتعدد موضوعه ووحدته بوحدته اجنبي عن دلالة الامر على التكرار والمرة. وتنقيح القول في المقام يقتضى تقديم المور، الاول: ان صاحب الفصول استدل على ان محل الكلام ليس دلالة المادة على المرة أو التكرار، بل محل الكلام اما خصوصة الهيئة أو هي مع المادة: باتفاق ائمة الادب على ان المصدر المجرد عن اللام والتنوين لا يدل الا على الماهية المعراة عن لحاظ المرة والتكرار، حيث ان اتفاقهم على ذلك في المادة قرينة على ان نزاعهم انما هو في غيرها. واجاب عنه المحقق الخراساني، بان هذا يتم بناءا على كون المصدر مادة للمشتقات، وهو فاسد: فانه مشتق في عرض ساير المشتقات وله مادة وهيئة: لاشتماله لفظا على هيئة خاصة، ومعنى على خصوصية زايدة، على المعنى الاشتقاقى السارى في جميع المشتقات وهى النسبة الناقصة، بل المادة لجميع المشتقات هي المادة المشتركة بين جميع الالفاظ التى تكون لا بشرط لفظا من حيث كل هيئة من الهيئات ومعنى من حيث قبولها لطروانحاء النسب عليها. وفيه: ان ما ذكره ره من عدم كون المصدر مادة لساير المشتقات، وان كان حقا

[ 294 ]

لا ريب فيه، الا انه لا يكون جوابا عن صاحب الفصول: إذ اتفاقهم على ان المصدر لا يدل عل شئ من المرة والترار يكون كاشفا عن عدم دلالة المادة عليها لاشتماله حينئذ، على المادة وهيئة، وبعبارة اخرى المشتق هي المادة المتهيئة بهيئة خاصة فهو مشتمل على كون تلك الخصوصية زايدة، فمن عدم دلالة احد المشتقات على خصوصية يستكشف عدم كون تلك الخصوصية ماخوذة في المادة، فإذا ثبت عدم دلالة المصدر على شئ من المرة والتكرار يثبت عدم دلالة المادة في ضمن أي هيئة كانت على ذلك. الثاني: قال في الكفاية ثم المراد بالمرة والتكرار هل هو الدفعة والدفعات أو الفرد والافراد والتحقيق ان يقعا بكلا المعنيين في محل النزاع انتهى وهو متين. وما عن الفصول، من ان المراد لو كان هو الواحد والوجودات، كان اللازم ان يجعل هذا المبحث من تتمة البحث الاتى، وهو ان الامر، هل هو متعلق بالطبيعة أو الفرد، فمن ذهب الى تعلقه بالطبيعة فلا يصح له هذا النزاع، ومن اختار تعلقه بالفرد ياتي نزاع آخر، وهو انه هل هو متعلق بفرد واحد أو افراد، ولو كان المراد هي الدفعة والدفعات يصح النزاع على كل من المسلكين. غير تام: إذ المراد من الطبيعة والفرد في تلك المسألة دخل الخصوصيات المفردة في الحكم وعدمه، وعليه فيمكن: ان ينازع على القول الاول: في ان الامر المتعلق بالطبيعة أي ايجادها الذى يكون لا محالة في ضمن فردما، هل يدل على ان المطلوب هو ايجاد الطبيعة في ضمن فرد أو افراد، وبعبارة اخرى هل المطلوب وجود واحد للطبيعة أو وجودات. الثالث: ان قد يتوهم ان هذا البحث هو بعينه البحث عن اجزاء الاتيان بالمأمور به عن اعادة ثانيا، فالقائل بالاجزاء يتعين له القول بدلالة الامر على المرة، والقائل بعدمه يتعين ان يلزم بدلالته على التكرار، وهو فاسد: إذ هذا البحث انما هو لتعيين المكلف به، وبحث الاجزاء، انما يتكفل لبيان - ان الاتيان بالمكلف به على حده هل يجزى عن اعادته ثانيا - ام لا ؟ إذا عرفت هذه الامور، فاعلم ان الامر لا يدل على المرة ولا التكرار لان امر

[ 295 ]

مركب من المادة والهيئة، والاولى موضوعة للماهية لا بشرط، والثانية موضوعة لابراز الشوق، فكل من المرة والتكرار خارج عن مدولهما، وليس للمركب وضع آخر حتى يدعى دخل احدهما فيه. نعم، مقتضى الاصل اللفظى والعملي هو كون المطلوب وجودا واحدا اما الاول. فلانه إذا تمت مقدمات الحمكة وثبت الاطلاق يكون الثابت به ان المطلوب صرف وجود الطبيعة المنطبق على اول الوجودات، فما لم ينصب قرينة على كون المطلوب وجودات عديدة، لابد من البناء على ذلك، من غير فرق في ذلك بين الواجبات المستقلة والضمنية، كما ان مقتضى الاطلاق ان المطلوب ينطبق على الوجود الاول:، وان انضم إليه الوجود الثاني، وبعبارة اخرى انه كما يقتضى كون المطلوب وجودا واحدا غير مقيد بانضمام ساير الافراد إليه، كذلك يقتضى انه المطلوب غير مقيد بعدم انضمام غيره إليه، واما الثاني فلانه يشك في وجوب غير الفرد الاول: المطلوب قطعا، فيجرى اصالة البرائة ويحكم بعدم الجوب. واما اتيان المأمور به ثانيا بعد اتيانه اولا المسمى ذلك بالامتثال عقيب الامتثال فسياتى الكلام فيه في الاجزاء مفصلا. الفور والتراخى المبحث الثامن: هل الصيغة تدل على الفور، أو التراخي، ام لا يدل على شئ منهما معنى كون الواجب فوريا هو تضييقه ولزومخ البدار الى امتثاله كما ان معنى جواز التراخي هو توسعته، وعلى ذلك فانقدح مما حققناه في مبحث المرة والتكرار انه لا دلالة للصيغة على الفور ولا على التراخي: لانها لو دلت على احدهما قطعيا اما ان تكون من ناحية المادة أو من ناحية الهيئة، والمادة كما عرفت موضوعة للطبيعة المهملة العارية عن جميع الخصوصيات، والهيئة وضعت للدلالة على ابراز الشوق أو اعتبار كون المادة على عهدة المأمور فلا دلالة في شئ منهما على ذلك. والاستدال لدلالة الهيئة على الفور: بان البعث الشرعي انما هو بمنزلة العلة في

[ 296 ]

التكوينيات فكما انها لا تنفك عن المعلول في اول ازمنة الامكان كذلك ما هو منزل منزلها. فاسد لعدم تسليم صحة التنزيل المزبور، مع ان البعث الشرعي انما هو جعل ما يمكن ان يكون داعيا، نعم مقتضى الاطلاق جواز التراخي: فان مقتضاه كون الواجب هو الطبيعي المطلق بلا اعتبار خصوصية زائدة من الفور أو التراخي، ولازم ذلك جواز التراخي، وقد مر ان الاصول اللفظية حجة في مثبتهاتها، هذا إذا كان هناك اطلاق والا فيرجع الى الاصل العملي وهو ايضا يقتضى ذلك لاصالة البرائة عن الخصوصية الزايدة. وقد يقال ان مقتضى القاعدة والاصل وان كان ذلك، الا انه قامت القرينة العامة على الفور وهى قوله تعالى " وسارعوا الى مغفرة من ركم " وقوله عز وجل " فاستبقوا الخيرات " بدعوى ان الامر ظاهر في الوجوب، فالاتيان تدلان على وجوب المسارعة والاستباق، وبديهى ان الواجبات الشرعية من اظهر افراد المغفرة والخير، فيجب المسارعة والاستباق إليها باتيانها في اول ازمنة الامكان، واجاب عنه المحقق الخراساني (ره) باجوبة، احدها: ان سياق الايتين انما هو البعث نحو المسارعة الى المغفرة والاستباق الى الخبر من دون استتباع تركهما الغضب والشر ضرورة ان تركهما لو كان مستتبعا للغضب والشركان البعث بالتحذر عنهما انسب. وهذه بظاهره بين الوهن، فان المستدل انما يستدل بظاهر الامر فلو تم ذلك لزم عدم ظهور الامر في مورد في الوجوب. وبعبارة اخرى انه لو تم لجرى ذلك في ساير الواجبات المقتصر في بيانها على البعث من غير ضم وعيد على الترك. ولذلك ربما يقال انه اراد بما ذكره مطلبا آخر وان كانت العبارة قاصرة عن افادته - وحاصله ان تعلق الامر في الايتين بعنواني، المسارعة الى المغفرة، والاستباق الى الخيرات، بنفسه دال على الاستحباب، لدلالته على تحقق الخير والمغفرة في كلتا صورتي - المسارعة والاستباق، وعدمهما، ولازم ذلك عدم كون الامر وجوبيا، والا لم يكن الاتيان بالفعل في الازمنة اللاحقة مغفرة وخيرا، ولازم ذلك عدم كونه في الان الاول، مسارعة الى المغفرة واستباقا الى الخير. ولكن يرد عليه ان لازم هذا الوجه عدم كون الاستباق من قيود المأمور به مقوما

[ 297 ]

للمصلحة اللزومية، واما عدم كونه واجبا آخر ناشئا عن مصلحة اخرى قائمة به، فهذا الوجه لا يكفى في رده، وعليه فحيث ان الظاهر هو الوجوب، فيتعين الالتزام به. اللهم الا ان يقال ان الامر المتعلق بخصوصية من خصوصيات المأمور به يكون ظاهرا في كونه ارشادا الى جزئيتها أو شرطيتها، وانها معتبرة فيه، ولو دل الدليل على عدم كونها من القيود اللزومية، يحمل على كونها من القيود غير اللزومية، ولذلك يبنى على ان القنوت من الاجزاء المتسحبة للصلاة، وفي المقام بما ان اتيان المأمور به في اول ازمنة الامكان من خصوصيات المأمور به فالامر به ظاهر في اعتباره في المأمور به، وحيث انه لا يمكن حمله على الوجوب لما تقدم، فيحمل على ارادة افضلية الاتيان بالمأمور به في اول ازمنة الامكان فتدبر فانه دقيق. ثانيها: لزوم تخصيصه في المستحبات واكثر الواجبات من حمل الامر فيهما على الوجوب فيتعين حمله على الاستحباب. ثالثها: ان العقل مستقل بحسن المسارعة والاستباق فما ورد في مقام البعث نحوه ارشاد الى ذلك كالايات والروايات الواردة في البعث على اصول الطاعة. وفيه: ان الاحكام العقلية التى لا معنى لها سوى الادراكات العقلية - لان العقل ليس مشرعا - بل شأن القوة العاقلة هو الدرك، ان كانت واقعة في سلسلة علل الاحكام الشرعية كما لو حكم العقل بقبح شئ لما فيه من المفسدة الشخصية أو النوعية، لا محالة يكون الحكم الشرعي الوارد في ذلك المورد حكما مولويا نفسيا، كما هو كذلك فيما دل على حرمة الظلم الذى استقل العقل بقبحه. نعم، ان كانت واقعة في سلسلة معاليل الاحكام، كحكمه بحسن الاطاعة وقبح المعصية، لا يصح ان يرد من الشارع حكم مولوى فيما حكم به العقل كما حقق في محله، والا لزم التسلسل واللغوية وغيرهما من التوالى الفاسدة، وفي المقام بما ان حكم العقل بحسن المسارعة، والاستباق حكم عقلي واقع في سلسلة علة الحكم الشرعي، فالامر الوارد في هذا المورد يحمل على المولوية. مع ان حكم العقل بحسن المسارعة ليس حكما لزوميا كما هو الظاهر لمن راجع

[ 298 ]

الى مرتكره الذهنى، فحكم الشارع بوجوبها لا يكون حكما ارشاديا الى ما حكم به العقل، فالعمدة هي الوجهان الاولان. في انه على الفورية هل يجب فورا ففورا ثم انه بناءا على القول بعدم دلالة صيغة الامر على الفور، ولا التراخي، أو دلالتها على التراخي فلا كلام، واما بناء على دلالتها على الفور، فهل يسقط الامر باطبيعة مع عدم الاتيان فلا يجب الاتيان بها بعد ذلك، ام لا يسقط ؟ وعلى الفرض الثاني، فهل يجب الاتيان بالمكلف به في الزمان الثاني فورا ايضا ام لا ؟ وعليه، فالكلام يقع في موردين، الاول: في سقوط الامر بالطبيعة مع عصيان الامر بالاستباق، وعدمه، الثاني: انه هل يجب الاتيان بالمأمور به في الزمان الثاني فورا، ام لا ؟ اما المورد الاول: فعن المحقق العراقى (ره)، انه ان كان منشأ القول بالفورية، هو الصيغة بان استفيدت الفورية منها، تعين البناء على سقوط التكليف رأسا: لان الفورية دخيلة في الواجب كدخل ساير الاجزاء والشرائط، فكما انه يسقط الامر بالمركب بتعذر تلك القيود، فكذلك هذا القيد، وان كان المنشأ ما كان عنها - كالايتين - فالظاهر انها تكون من قبيل الواجب على نحو تعدد المطلوب. وفيه: ما تقدم من ان الامر بقيد في المأمور به ظاهر في كونه ارشادا الى الجزئية أو الشرطية، وعليه فلا فرق بين كون المنشأ نفس الصيغة أو امرا خارجيا، فالتفصيل في غير محله. فالمتحصل مما ذكرناه، لو دل الدليل على وجوب الفور، لدل على كون الواجب بنحو وحدة 0 المطلوب، وسقوط الامر بعدم اتيان المأمور به فورا. وبما ذكرناه يظهر، ما في كلمات المحقق الخراساني في الكفاية، من ابتناء الوجهين على: ان مفاد الصيغة على هذا القول هو وحدة المطلوب أو تعدده، ثم اختيار انه لا يكون لها دلالة على نحو المطلوب من وحدته أو تعدده، حتى على القول بدلالتها على الفور.

[ 299 ]

وعلى فرض التنزل وتسليم وعدم سقوط الامر، يقع الكلام في المورد الثاني، وهو انه هل يجب الاتيان به في الزمان الثاني ايضا فورا، ام لا يجب ؟ وقد استدل للاول، بان منشا القول بالفور، ان كان هو ما كان خارجا عن الصيغة كالايتين، فهو يدل ان كل ما هو خير ومغفرة يجب المسارعة والاستباق إليه، والفعل بعد عدم اتيانه في الزمان الاول: بما ان التكليف به باق، فهو خير ومغفرة في الزمان الثاني فيجب المسارعة نحوه بمقتضى عموم الايتين وهكذا في الازمنة المتأخرة. وفيه: ان عنوان المسارعة المطلوبة ان كان يصدق على غير الاتيان به في الزمان الاول:، فلازم ذلك التخيير بين افراد السبق والمسارعة، والا، فلا دليل على لزوم الاتيان به في الزمان الثاني فورا، وان شئت قلت ان الظاهر منهما وجوب المسارعة بقول مطلق، وليس لهذا العنوان الا فرد واحد، وهو الاتيان في الزمان الاول: واتيان الفعل في الزمان الثاني، وان صدق عليه المسارعة بالاضافة، الا انه لا دليل على مطلوبيتها: لان الدليل دل على مطلوبية المسارعة بقول مطلق، لا مطلق المسارعة، فتحصل انه لا فرق في كون منشأ القول بالفور، هي الصيغة، ام كان خارجا عنها كالايتين في عدم دلالته على لزوم الاتيان به فورا فتدبر. مبحث الاجزاء الفصل الثالث: في ان الاتيان بالمأمور به على وجهه، هل يقتضى الاجزاء، ام لا ؟ ام هناك تفصيل ؟ وجوه وقبل الخوض في المقصود وتقيح القول فيه لابد من تقديم امور: الاول: ما هو المراد من كلمة وجهه في العنوان. ذكر المحقق الخراساني في الكفاية ان المراد به، وهو النهج الذى ينبغى ان يؤتى به على ذاك النهج شرعا وعقلا، لا خصوص الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعا. واستدل له بوجهين: احدهما: انه لو كان المراد خصوص الوجه الشرعي، لزم خروج التعبديات عن حريم النزاع بناءا على كنون قصد القربة من كيفيات الاطاعة عقلا:

[ 300 ]

إذ لا ريب في انه في التعبديات لا يكون الاتيان بالمأمور به الشرعي مجزيا. الثاني: انه على ذلك يلزم كون هذا القيد توضيحيا، وهو بعيد. وفيهما نظر: اما الاول: فلان لازم اختاره من ان اعتبار قصد القربة في التعبديات انما هو بحكم العقل، ان المأمور به ليس هو مطلق وجوده، بل الحصة المقارنة لقيد الدعوة، فالمأمور به تلك الحصة، واتيان تلك الحصة يكون مجزيا على القول بالاجزاء، فلا يلزم خروجها عن حريم النزاع، لو اريد خصوص الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعا. واما الثاني: فلانه من جهة ان الامر بالمركب ينسط على الاجزاء ويتعلق بكل جزء حصة من الامر، ويكون كل جزء مامورا به، لو لم يكن قيد " على وجهه " كان لتوهم ان المراد من اجزاء الاتيان بالمأمور به، اجزاء الاتيان بكل جزء عن امره، مجال واسع، فقيد " على وجهه " انما يكون لدفع هذا التوهم، وان المراد اجزاء الاتيان بالمأمور به على النهج الذى ينبغى ان يؤتى به، باتيان جميع الاجزاء والشرائط، اضف إليه ان هذا القيد ماخوذ فيما عنونه المشهور القائلون باعتبار قصد القربة في المأمور به شرعا. فلو كان القيد توضيحيا. بدون تلك الاضافة كان كذلك معها - فالمتحصل ان المراد من وجهه في العنوان هو الوجه المعتبر شرعا ولا يلزم من ذلك محذور حتى على مسلك المحقق الخراساني من ان قصد القربة مما يعتبر في المأمور به عقلا كما مر. بيان المراد من الاقتضاء، والاجزاء الثاني: ما هو المراد من الاقتضاء، هل هو الاقتضاء بنحو العلية والتاثير، أو الكشف والدلالة ؟ والحق ان الاقتضاء ان اضيف الى الاتيان كما في الكفاية لا محالة يكون المراد منه العليه والتاثير. وان اضيف الى الامر يراد منه الدلالة والكشف إذ ليس في الامر علية وتاثير في الاجزاء. والمحقق القمى حفظا لمناسبة هذا المبحث مع المباحث المتقدمة اضافه الى الامر وقال ان المراد منه الدلالة والكشف.

[ 301 ]

والمحقق الخراساني لما رأى ان محل النزاع هو العلية والتاثير وان اتيان المأمور به يوجب سقوط الامر ام لا ؟ اضافه الى الاتيان وقال: ان المراد من الاقتضاء هيهنا الاقتضاء بنحو العلية والتاثير لا بنحو الكشف والدلالة. وللمحقق الاصفهانى (ره) في المقام كلام، وهو ان الاتيان بالمأمور به لا يكون علة لسقوط الامر: إذ سقوط الامر انما يكون لحصول الغرض وعدم بقائه على غرضيته ودعوته والمعلول ينعدم بانعدام علته، والا الفعل لا يعقل ان يؤثر في سقوط الامر: لان الامر علة الوجود الفعل في الخارج فلو كان الفعل علة لسقوط الامر لزم علية الشئ لعدم نفسه بل سقوط الامر انما هو لتمامية اقتضائه وانتهاء امده. وفيه اولا: ان العلة والداعى لوجود الفعل، هو الامر بوجوده العلمي، وما هو معلول لحصول المأمور به سقوط الامر بوجوده الواقعي فليس وجود شئ علة لعدمه بل العلم بالامر علة لعدم الامر، وثانيا: ان المسبتحل كون وجود الشئ علة لعدم هذا الوجود، لاستلزامه اجتماع النقيضين: إذ العلة والمعلول مجتمعان في التحقق فيلزم كون الشئ موجودا ومعدوما في آن واحد وهو محال، واما علية وجود الشئ لعدم ذلك الشئ في الان الثاني، وبعبارة اخرى علية الحدوث لعدم البقاء فلا محذور فيها، بل هي متحققة - مثلا - إذا اتصل بدنه بالسلك الكهربائي مع وجود القوة فيه وتحرك، ولزم من هذا التحريك الانفصال، فهل يتوهم احد ان هذا من قبيل علية الشئ لعدم نفسه فان الاتصال صار علة لعدمه، والمقام من هذا القبيل إذ وجود الامر في الان الاول: علة وداع لوجود الفعل، وهو يوجب سقوطه في الزمان الثاني فتدبر. واورد المحقق الخراساني على ما افاده من ان النزاع في العلية والتاثير: بان ذلك يتم بالنسبة الى امره، واما بالنسبة الى امر آخر كالاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهرى بالنسبة الى الامر الواقعي، فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره بنحو يفيد الاجزاء أو بنحو آخر لا يفيده. واجاب عنه - بما حاصله - ان النزاع الاخر يكون منحلا الى نزاعين احدهما: وفاء المأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهرى بتمام الغرض الداعي الى الامر والواقعي

[ 302 ]

الاختياري الثاني: انه بعد الوفاء، هل يكون مجزيا عن الامر الواقعي ام لا ؟ و النزاع الاول: يكون صغرويا بالنسبة الى النزاع الثاني، وعليه فالخلاف فيه وان كان في دلالة دليلهما على انه، هل يكون المأمور به الاضطراري أو الظاهرى وافيا به ام لا، الا ان ذلك لا يوجب كون الاقتضاء بمعنى الكشف والدلالة في العنوان بعد كون النزاع الثاني: انما هو في العلية والتاثير. هذا ويمكن ان يقال ان النزاع الاول ايضا ليس في دلالة الدليل على كون المأمور به وافيا بتمام الغرض الداعي الى الامر الواقعي، بل في اشتمال المأمور به عليه، غاية الامر من جملة الادلة على الاشتمال المزبور، دلالة الادلة. كما هو الشأن في جملة من المباحث الاصولية العقلية كالاستصحاب. الثالث: في بيان المراد من الاجزاء، فالظاهر كما افاده المحقق الخراساني من انه ليس لهم فيه اصطلاح خاص، بل المراد منه هو الكفاية التى هي معناه اللغوى، وانما يختلف ما يكفى عنه، فاجزاء الاتيان بالمأمور به عن امره هو كفايته عما امر به اعادة وقضائا، واجزاء الاتيان بالمأمور به الاضطراري عن الامر الاختياري انما هو سقوط القضاء خاصة. الفرق بين هذه المسألة، ومسألة المرة والتكرار الرابع: قد يتوهم، انه لا فرق بين هذه المسألة، ومسألة المرة والتكرار، بدعوى ان القول بالالجزاء موافق للقول بالمرة، والقول بعدم الاجزاء موافق للقول باتكرار، كما انه قد يتوهم عدم الفرق بينها وبين مسألة تبعية القضاء للاداء، فان القائل بالتبعية يلتزم ببقاء الامر في خارج الوقت عند عدم الامتثال وهو متحد في النتيجة مع القول بعدم الاجزاء ولكن كلا التوهمين فاسدان. اما الاول: فلما افاده المحقق الخراساني من ان تلك المسألة انما هي في تعيين المأمور به وهذه المسألة في ان الاتيان بالمأمور به بحدوده هل يكون مسقطا للامر. هذا

[ 303 ]

في النزاع في اجزاء الاتيان بالمأمور به عن امره، واما النزاع الاخر الذى هو المقصود المهم في عقد هذه المسألة، وهو ان الاتيان بالمأمور به الا ضطرارى أو الظاهرى، هل بكون مجزيا عن الامر الواقعي الاختياري ام لا فعدم ارتباط تلك المسألة بهذه واضح: إذ النزاع حينئذ في هذه المسألة في اغناء المأمور به بامر عن المأمور به بامر آخر، واما في تلك المسألة، فالنزاع انما هو في الاكتفاء بفرد واحد وعدمه. واما الثاني: فظاهر ما في الكفاية في بادى النظر، ان الفرق بين المسألتين، انما هو بكون احداهما لفظية، والاخرى عقلية، ولكن ليس ذلك مراده قطعيا: فان مجرد ذلك لا يوجب عقد مسألتين، بل عقد مسألة واحدة يبحث فيها عن الجهتين معا، كما في مبحث البرائة، ولعل نظره الشريف الى ان النزاع في المقام اجنبي، عن النزاع في تلك المسألة بالمرة، وذلك في النزاع الاول: في المقام واضح: حيث ان النزاع حينئذ في ان الاتيان بالمأمور به، هل يوجب سقوط الامر به اداءا وقضاءا ام لا ؟ وفي تلك المسألة في انه على فرض عدم الاتيان بالمأمور به هل الامر به يقتضى الاتيان به قضاءا ام لا ؟ فموضوع احدى المسألتين الاتيان، وموضوع الاخرى عدم الاتيان. واما النزاع الثاني: في مسألة الاجزاء. فالظاهر ان الفرق بينه وبين مسألة التبعية ايضا واضح، فان الكلام في مسألة التبعية انما هو في اصل اقتضاء الامر للقضاء وعدمه، والكلام في مسألة الاجزاء، بعد الفراغ عن اقتضائه له أو ثبوت وجوبه بدليل آخر انما يكون في ان الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهرى أو الاضطراري هل يغنى عن قضاء المأمور به بالامر الواقعي الاختياري ام لا وبعد ذلك نقول يقع الكلام في مسائل ثلاث. الاولى: ان الاتيان بالمأمور به هل يقتضى الاجزاء عن امره سواءأ كان ذلك الامر امرا واقعيا أو اضطراريا أو ظاهريا. الثانية: ان الاتيان بالمأمور به بالامر به بالامر بالاضطراري هل يقتضى الاجزاء عن الامر الواقعي الاختياري ام لا ؟ الثالثة: ان الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهرى هل يوجب الاجزاء عن الامر الواقعي ام لا ؟

[ 304 ]

اجزاء الاتيان بالمأمور به عن امره اما المسألة الاولى: فقد افاد المحقق الخراساني (ره) ان الاتيان بالمأمور به يجزى عن امره عقلا سواء أكان امرا واقعيا أو اضطراريا ام ظاهريا لاستقلال العقل بذلك وهو كما افاده، ولذلك ليس فيه نزاع يعتد به وان نسب الخلاف الى ابى هاشم وبعد الجبار: والوجه فيه ان الامر انما يكون عن داع وعن مصلحة مترتبة على المأمور به، وعلى ذلك، فعدم سقوط الامر بعد الاتيان بالمأمور به، ان كان لعدم حصول الغرض والمصلحة، فهو خلف إذ المفروض وفائه به، وكون الامر ناشئا من ذلك، وان كان مع فرض حصوله، فهو محال، وان كان لوجود غرض غير الغرض الحاصل من الماتى به اولا، فلازمه الامر بفردين لا بفرد واحد، وان كان لحدوث غرض بعد استيفاء ذلك الغرض، فلازمه حدوث امر جديد لا بقاء الاول: فبقاء الامر بعد وجود المأمور به غير معقول، ووجود الخلاف في المسألة غير ثابت وعلى تقديره فهو محجوج بما عرفت. عدم جواز تبديل الامتثال بامتثال اخر وبهذا البيان يظهر ان الامتثال عقيب الامتثال غير معقول، ولكن قد يتوهم وقوعه نظرا الى انه ورد في الشرع موردين امر فيهما بذلك. احدهما: جواز اعادة من صل فرادى جماعة، وقد دلت على ذلك عدة روايات منها صحيح هشام عن الامام الصادق (ع) انه قال في الرجل يصلى الصلاة وحده ثم يجد جماعة قال (ع) يصلى معهم ويجعلها الفريضة ان شاء 1 ونحوه خبر حفص 2 وغيره ومنها


1 و 2 - الوسائل باب 54 من ابواب صلاة الجماعة حديث 1 - 11. (*)

[ 305 ]

- مرسل الفقيه - المتضمن قوله (ع) يحسب له افضلهما واتمهما 1 ومنها خبر ابى بصير: المتضمن لقوله (ع) يختار الله احبهما إليه 2. المورد الثاني: الامر باعادة من صلى صلاة الايات ثانيا: وقد دلت عليه صحيحة معاوية قال أبو عبد الله (ع) صلاة الكسوف إذا فرغت قبل ان ينجلى فاعد 2 ونحوه غيره ولذلك تصدى الفقهاء لتوجيهه. وقد افاد المحقق الخراساني بانه ربما يكون اتيان المأمور به علة تامة لحصول الغرض بحيث يحصل بمجرد الاتيان به كما إذا امر باهراق الماء في فمه لرفع عطشه فاهرقه، وفي مثله لا يعقل تبديل الامتثال، وربما لا يكون الامتثال علة تامة لصحول الغرض كما لو امر المولى باتيان الماء ليشربه واتى به المكلف ولم يشربه بعد، وفي مثله يجوز تبديل الامتثال فان الامر بحقيقته وملاكه لم يسقط بعد، ولذا لو الامتثال علة تامة لحصول الغرض كما لو امر المولى باتيان الماء ليشربه واتى به المكلف ولم يشربه بعد، وفي مثله يجوز تبديل الامتثال فان الامر بحقيقته وملاكه لم يسقط بعد، ولم يشربه بعد، ولذا لو اهرق الماء واطلع عليه العبد وجب عليه الاتيان ثانيا كما إذا لم يات به اولا ضرورة بقاء طلبه، ما لم يحصل غرضه الداعي إليه والا لما اوجب حدوثه فحينئذ يكون له الاتيان بماء آخر موافق للامر كما كان له قبل اتيانه الاول. بدلا عنه، فتبديل الامتثال على هذا يسقط الماتى به حقيقة، ويظهر ذلك بملا حظة ما لو اهرق الماء قبل الشرب واتى بماء آخر. وفي كلامه (قده) مواقع للنظر الاول: ما افاده من ان ترتب الغرض الباعث للامر على اتيان المأمور به انما يكون على نحوين: احدهما: ترتب المعلول على علته التامه. ثانيهما: ترتب المعلول على علته المعدة، والالتزام بجواز تبديل الامتثال في القسم الثاني. فانه يرد عليه ما ذكرناه في بعض المباحث السابقة من ان الغرض الباعث للامر لابد وان يكون هو ما يترتب على المأمور به ترتب المعلول على علته التامة، ولا يعقل ان يكون من قبيل ترتب المعلول على علته المعدة، غاية الامر الاغراض متفاوته: إذ قد يكون هو الغرض الاقصى وقد يكون هو الغرض الاعدادي، وبعبارة اخرى تارة يكون الغرض


1 و 2 - الوسائل باب 54 من ابواب صلاة الجماعة حديث 4 - 10. 3 - الوسائل باب 8 من ابواب صلاة الكسوف والايات حديث 1. (*)

[ 306 ]

المترتب على المأمور به، هو حصول شئ الخاررج، واخرى يكون الاعداد لحصوله - نعم - في المورد الثاني يكون هناك غرض اقصى ولكنه كما لا يكون سببا وداعيا للامر حدوثا، لا يكون عدم حصوله وبقائه علة لبقاء الامر كى يصح تبديل الامتثال - وبالجملة - الغرض الذى سبب للامر يحصل بمجرد الامتثال مطلقا، وما يكون باقيا في بعض الموارد بعد الامتثال لا يصلح ان يكون سببا له حدوثا ولا بقائا. وبما ذكرناه ظهر ما في المثال الذى مثل به لما إذا اتيان المأمور به علة لسقوط الغرض، وهو الامر باحضار الماء ليشربه أو يتوضأ به: إذ الغرض من اتيان الماء الموج للامر به ليس هو الشرب. أو الوضوء: فانه خارج عن تحت قدرة العبد، بل هو تمكن المولى من ذلك، وعليه فالاتيان به موجب لسقوط الغرض والامتثال علة له. الثاني: ما استشهد لذلك بانه لو اهرق الماء وجب عليه اتيانه ثانيا. إذ يرد عليه: ان ذلك انما هو الج انتفاء الغرض الحاصل، وهو التمكن من الشرب أو الوضوء فيجب الاتيان به تحصيلا لذلك الغرض. إذا كان ذلك مطلوبا له ومتعقلقا لشوقه كما في المثال، وبعبارة اخرى ان اعدام الموضوع، غير سقوط الماتى به، بل هو موجب لحدوث امر آخر، وله امتثال آخر غير الامتثال آخر غير الامتثال للامر الاول: فهو من باب تعدد الامتثال لتعدد الامر لامن باب تبديل الامتثال. اضف الى ذلك انه في باب العبادات لا موضوع للماتى به كى يعدم الموضوع فيتخيل سقوط الماتى به، والماتى به بنفسه لا بقاء له كى ينعدم وقلبه عما وقع عليه واضح الفساد وبالجملة سقوط الماتى به مستلزم لانقلاب الشئ عما وقع عليه، وهو غير معقول. الثالث: ما ذكره من الاستشهاد بنصوص الاعاده: فانه يرد عليه انه لو كان مفاد تلك النصوص جواز تبديل الامتثال، لزم القول بجواز اعادة المنفرد صلاته فرادى، وجواز اعادة من صلى جماعة فرادى مع انه لم يلتزم به احد، وبعبارة اخرى إذا استكشف من تلك الاخبار، ان مصلحة الصلاة والغرض الباعث للامر بها تكون باقية بعد الاتيان بها - وعليه بنى جواز تبديل الامتثال - لزم الالتزام به في جميع تلك الفروض.

[ 307 ]

اضف إليه ان لازمه ان من يعلم بانه يعيد صلاته في مورد جواز الاعادة وهو مورد النصوص، ان لا يقصد الامر الجزمى بشئ من الصلاتين، أو الصلاة الفرادى. على الخلاف في ان المستفاد منها ان الله تعالى يختار الافضل وان كانت هي الصلاة الفرادى. أو استقرار الامتثال على الصلاة التى صلاها جماعة وهو كما ترى. وسيمر عليك ان مفاد تلكم الاختبار اجنبي عن تبديل الامتثال وانه تدل على استحباب الاعادة نفسها. والمحقق النائيني بعد ما قسم الغرض الباعث للامر الى قسمين. ما يكون ترتبه على المأمور به ترتب المعلول على علته التامة، وما يكون ترتبه عليه ترتب المعلول عليه ترتب المعلول على علته المعدة وافاد انه في مقام الثبوت يجوز تبديل الامتثال في القسم الثاني نحو ما ذكره المحقق الخراساني قال انه يحتاج الى الدليل في مقام الاثبات كما ثبت في تبديل الصلاة الفرادى بالصلاة جماعة. اقول يرد عليه مضافا الى ما اوردناه على ما افاده المحقق الخراساني، ان لازم ما ذكره في مبحث الصحيح والاعمم من انه يستكشف من تعلق الامر بالمحصل دون الغرض، ان ترتبه عليه، انما يكون من قبيل ترتب المعلوم على علته المعدة، لا كترتب المعلول على علته التامة، الا تعين الامر به دون السبب، وما ذكره في المقام. هو البناء على ان جواز التبديل في مقام الاثبات ايضا يكون على القاعدة، إذ بما ذكره في ذلك المبحث يحرز ان ترتب الاغراض عليب الواجبات الشرعية من قبيل ترتب المعاليل على العلل المعدة. وإذا انضم الى ما كذره في المقام من انه لو كان الترتب على هذه النحو جاز التبديل يستنتج جواز التبديل فتدبر فان ذلك دقيق. وافاد المحقق العراقى في توجيه تبديل الامتثال، ان الامر بالشئ اما ان يكون لاشتماله على الغرض والمصلحة، واما ان يكون لكونه مقدمة لما فيه الغرض الاقصى، وعلى الثاني، فتاره يكون ما فيه الغرض أي ذى المقدمة فعل المكلف، كالصلاة بالنسبة الى المقدماته مثل الوضوء ونحوه، واخرى يكون هو فعل المولى، وعلى الثاني فقد يكون من افعاله الجوارحية كامر المولى عبده بالحضار الماء لبشريه، وقد يكون من افعاله الجوانحية كامر المولى العبد باعادة الصلاة جماعة ليختار احب الصلاتين إليه، وعلى

[ 308 ]

ذلك فبناءا على القول باختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة إذا اتى العبد بفردين من افراد الواجب في الاقسام المذكورة غير الاول: - طول - فايهما الذى ترتب عليه ما فيه الغرض هو المصداق للواجب فيقع الاخر لغوا، فلو صلى فرادى ثم جماعة واختار المولى الثانية في مقام ترتب الثواب على اطاعته، تقع الثانية مصداقا للواجب، دون الاولى بل هي تقع غير واجبة. وفيه: ان ما التزم به (قده) من عدم ترتب غرض على الصلاة في نفسها وانما الامر بها لاجل كونها مقدمة لاختيار المولى اياها في مقام ترتب الثواب التزام بعدم كون هذا الحكم تابعا للمصلحة وهو مناف لمسلك العدلية، مع انه قد وردت نصوص كثيرة دالة على انه في خصوص الصلاة مصالح واغراض من الانتهاء عن الفحشاء والمنكر وغير ذلك. اضف الى ذلك ان كون الامتثال مراعى بعدم الاتيان بفرد اكمل لو تم فانما هو في الافعال التى يعود نفعها الى المولى كما في الامر بالاتيان بالماء ليشربه، فانه اتى بفرد من الماء يقال انه مراعى بعدم الاتيان بفرد اكمل قبل ان يشربه المولى، والا فللموليا اختيار الفرد الاكمل، ولا يتم في التكاليف الشرعية الناشئة عن الاغراض العائدة الى فواعلها دو المولى، مع انه لا يتم فيها ايضا، فان غرض المولى الذى لا يكون محصله تحت اختيار المكلف بل الفاصل بين فعل العبد وحصول الغرض اختيار المولى، لا يصلح كونه ملاك الوجوب. وعن جماعة تصوير تبديل الامتثال بسقوط الماتى به بناءا - لا حقيقة - ونظروه بالعدول من العصر الى الظهر مثلا وقالوا انه كما يتبدل عنوان المأتى به وينقلب من العصرية الى الظهرية في مواضع العدول كذلك يتصور البناء على تبديل الامتثال، وبعبارة اخرى انه كما اين يتبدل امتثال امر منطبق على فرد الى الامتثال باتيان فرد آخر. ويرده انه في موارد العدول لا يتبدل العنوان والالزم الانقلاب، بل الدليل دل على اكتفاء الشارع الاقدس بما اتى به بقصد العصرية مثلا عن الامر بالظهر، وهذا ليس من باب

[ 309 ]

التبديل والسقوط النبائى مع انه لو تم في العناوين القصدية لا يتم في الامتثال الذى هو امر واقعى وعبارة عن مطابقة الماتى به اللمامور به. فالمتحصل مما ذكرناه عدم معقولية تبديل الامتثال، لا بسقوط الماتى به حقيقة على ما افاده المحققان الخراساني والنائيني، ولا بسقوطه بناءا على ما عن جماعة من الاساطين، ولا بوقوع الماتى به الامتثالا مراعى بعدم الاتيان بفرد اكمل، ولا بغير ذلك، واما الموردان اللذان ذكرهما القوم فليس شئ منهما من هذا الباب. اما المورد الاول: وهو جواز اعادة الصلاة - جماعة - فملخص القول فيه ان مفاد نصوصها استحباب الاعادة في نفسها فيكون كل فرد امتثالا لامر غير ما يكون الاخر امتثالا له. دعى القوم الى الالتزام بانه تدل على جواز تبديل الامتثال انما هو تضمن تلك النصوص لجمل ثلاث، احداها: قوله (ع) يحسب له افضلهما واتمهما. كما في مرسل الفقيه. الثانية: قوله (ع) يختار الله احبهما إليه. كما في خبر ابى بصير. الثالثة: قوله (ع) فمن صلى وحده ثم وجد جماعة، يصلى معهم ويجعلها الفريضة كما خبرى حفص البخترى وهشام وغيرهما. ولكن شيئا منها لا يدل على ذلك، اما الاولى: فلان الظاهر من المرسل المتضمن لها وروده في الصلاة مع المخالفين، فيكون نظير طائفة من نصوص الاعادة الدالة اعادة الصلاة مع المخالفين، وفي بعضها انها تحسب له باربع وعشرين صلاة، وفي بعضها انها تحسب له خمس وعشرون درجة، وفي بعضها، انه يجعلها تسبيحا، والمراد به كما في خير آخر انه ذكر محض، وفي بعضها، قوله (ع) اريهم ان اسجد ولا اسجد، ولا ريب في ان تلك الطائفة من النصوص المصرح في بعضها بعدم الاتيان بها بعنوان الصلاتية، اجنبية عن تبديل الامتثال، فالمراد من الجملة المتقدمة - هو المراد - مما في بعضها انها تحسب له باربع وعشرين صلاة، والشاهد على كون المرسل من هذه النصوص ارسالها بعد ما رواه عن الامام الاصادق (ع) الوارد في الصلاة معهم على ما هو صريحه، وعلى ذلك فيتعين قرائة افضلهما واتهما بالنصب لا بالرفع كما لا يخفى. واما الجملة الثانية: فلان المراد بها على الظاهر ولا اقل من المحتمل، هو ان الله

[ 310 ]

تعالى يعطى الثواب على الصلاة الكاملة منهما الواقعتين بداعي امتثال امرين: وجوبي واستحبابي، لا ان الصلاة التى تكون احب هي المسقطة للامر الوجوبى وانها التى تستقر عليها الامتثال ومحصلة للغرض الاقصى - والشاهد عليه - قوله (ع) احبهما إليه الظاهر في اشتراكهما في المحبوبية: إذا القائل بتبديل الامتثال لا يلتزم بذلك. واما الجمة الثالثة: ففيها احتمالات، الاول: ان يكون المراد بها، الاتيان بالثانية بعنوان القضاء عما في الذمة من الصلوات الفاسدة - أو التى لم يؤت بها - ويؤيده قوله (ع) في خبر هشام، يجعلها الفريضة ان شاء. الثاني: ما ذكره شيخ الطائفة وهو ان المراد بها، ان من يصلى ولم يفرغ من صلاته ووجد جماعة فله ان يجعلها نافلة ثم يصلى الفريضة في جماعة. وايده الوحيد، بان ذلك هو ظاهر صيغة المضارع، وان راوي هذا الخبر، روى هذا المعنى الذى ذكره الشيخ عن سليمان بن خالد عن الصادق (ع). الثالث: ان يكون المراد بها ما ذكره بعض المحققين (ره)، من انه يجعلها فريضة ذاتية من ظهر أو عصر أو نحوهما مما اداها سابقا، لا نافلة ذاتية حيث لا جماعة فيها، وعلى أي تقدير تكون اجنبية عما استدل بها له: ويشهد لعدم كون نصوص الاعادة في مقام بيان جواز تبديل الامتثال ما في بعضها. فان له صلاة اخرى. فتحصل ان الاظهر عدم جواز تبديل الامتثال: ويشهد له مضافا الى ما تقدم. ان الامر ان كان باقيا بعد الاتيان بفرد فبما انه ايجابي يجب الاتيان به ثانيا، والا فلا موجب للاتيان به. واما المورد الثاني: وهو الامر باعادة صلاة الايات فالصحيح انه يتعين رفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب وحمل تلك النصوص على الاستحباب كما عليه الفتوى فحكم هذا المورد حكم المورد الاول: اجزاء الاتيان بالمأمور به الاضطراري واما المسألة الثانية: وهى ان الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراى هل يكون

[ 311 ]

مجزيا عن الواقع ام لا. فنتقيح القول فيها بالبحث في مواضع. الاول: ان الاتيان بالمأمور به الاضطراري هل يجزى عن قضاء المأمور به الواقعي الاولى، فيما إذا ارتفع العذر بعد خروج الوقت، ام لا ؟ الثالث: في جواز البدار للمضطر باتيانه في اول الوقت وعدمه. اما الموضع الاول: فبناءا على كون وجوب القضاء تابعا لفوت الفريضة في الوقت، لا يجب القضاء في المقام: لعدم كون المأمور به الاختياري فريضة ومأمورا به بالنسبة الى المضطر، فلا يصدق فوت الفريضة إذا التكليف الواقعي بالنسبة الى المضطر هو الامر الاضطراري، لا الامر الاختياري كى يتحقق فوت الواقع. وبذلك ظهر ما في كلام المحقق الخراساني في اخر المقام الاول: حيث قال نعم لو دل دليله على ان سببه فوت الواقع ولو لم يكن هو فريضة كان القضاء واجبا عليه لتحقق سببه. واما لو كان وجوب القضاء تابعا لفوت الملاك، فقد يقال كما عن المحقق - النائيني (ره): بان مقتضى القاعدة ايضا الاجزاء وذلك لان القيد المتعذر، ان كان دخيلا في ملاك الواجب حتى في حال التعذر فلازمه عدم وجوب الفاقد في الوقت، وان لم يكن دخيلا فيه حين التعذر، فلا تكون الفريضة فائتة بملاكها فلا يجب قضائها، من غير فرق في ذلك بين ان يكون هناك مصلحة اخرى مترتبة على نفس القيد وعدمه: إذ مصلحة القيد اللزومية لقيام مصلحتها بالفاقد فلا يمكن استيفاء مصلحة القيد اصلا. اقول ان دخل القيد في الملاك والمصلحة حال التعذر يتصور على وجوده، الاول: ان يكون هناك مصلحتان: احداهما: مترتبة على الفعل، والثانية: على القيد، ولازم ذلك عدم وجوب القضاء كما افاد (قده) الثاني: ان يكون المأمور به الاختياري مشتملا

[ 312 ]

على مصلحتين ملزمين، احداهما: مترتبة عليه مع ذلك القيد المتعذر خاصة، والاخرى مترتبة على ما هو بدل عن ذلك القيد ايضا، وحينئذ، اما ان لا يمكن استيفاء تلك المصلحة الفائتة: لان استيفائها انما يمكن من استيفاء الاخرى لا وحدها، أو يمكن ولكن ليست مصلحة ملزمة، أو يمكن مع استيفاء الاخرى لا وحدها، أو يمكن ولكن ليست مصلحة ملزمة، أو يمكن وتكون لزومية، فعلى الاولين لا يجب القضاء، وعلى الاخير يجب: الثالث: ان يكون دخل القيد المتعذر في المصلحة المترتبة على الواجب مختصا بحال الاختيار، ولازم ذلك عدم وجوب القضاء، الرابع: ان يكون في المأمور به الاختياري مصلحة واحدة، ويكون القيد المتعذر دخيلا فيها حتى في حال الاضطرار، وحينئذ، ان لم تترتب على الفاقد مصلحة اصلا، فلازمه عدم وجوب الفاقد، وان ترتبت عليه مصلحة اخرى غير تلك المصلحة، ان لم يكن استيفائها مانعا عن استيفاء تلك المصلحة يجب القضاء، والا فلا، وبما ذكرناه ظهر ما في كلمات القوم في المقام. وبعد ما عرفت من انه في مقام الثبوت يمكن ان يكون القضاء واجبا، ويمكن ان لا يكون كذلك، يقع الكلام فيما، تقتضيه الادلة والاصول في مقام الاثبات. والكلام في هذا المقام يقع اولا في مقتضى الادلة، وقد استدل للاجزاء: باطلاق دليل المأمور به الاضطراري، وفيه انه ان بذلك ان الاطلاق يقتضى كون المأمور به الاضطراري وافيا بالمصلحة المترتبة على المأمور به الاختياري، فيرد عليه: ان الامر لا يصلح الا لا ثبات كون الفعل الاضطراري وافيا بجميع ما دعى المولى الى هذا الامر لاكونه وافيا بمصلحة الفعل الاختياري، وان اريد به ان مقتضى اطلاقه عدم وجوب الفعل الاختياري بعد الاتيان به، فيرد عليه: ان التمسك بالاطلاق انما يصح فيما إذا لزم من ثبوت ما اريد نفيه بالاطلاق تقييد في ذلك الدليل، مثلا لو قال المولى اكرم العلماء، وشك في دخالة العدالة فيه ينفى اعتبارها الاطلاق، كما انه لو شك في كون ما امر به واجبا تعيينيا ام تخيير يا بينه وبين غيره يثبت الاطلاق كونه تعيينيا، واما لو كان المشكوك ثبوته على تقدير الثبوت غير مربوط بهذا الدليل، ولا يلزم منه تغيير في هذا الحكم فلا مورد للتمسك بالاطلاق، مثلا لو شك في وجوب صلاة اول الشهر لا سبيل الى التمسك باطلاق دليل صلوة اليومية لنفيه، والمقام من هذا القبيل إذ على فرض ثبوت القضاء لا يلزم تقييد

[ 313 ]

فيما دل على وجوب الفعل الاضطراري، ولا يلزم منه صيرورته واجبا تخييريا: إذ على أي تقدير يجب الاتيان به في الوقت ولا يكون وجوبهما ارتباطيا على فرض الثبوت، فلا يصح التمسك بالاطلاق لنفى وجوب القضاء. نعم: التمسك باطلاق دليل بدل القيد المتعذر إذا كان بلسان التنزيل كما في قوله: (ع) " التراب احد الطهورين " صحيح: إذ مقتضى اطلاق التنزيل ترتب جمعى اثار الطهارة المائية، عل الترابية عند فقد ان الماء وهو يكون حاكما على اطلاق دليل القيد الاختياري فلا يعتنى بما قيل من معارضته مع ذلك الاطلاق. فالصحيح في المقام ان يقال: ان انعقاد هذا البحث في المقام، وعدم تعرض احد له في ما إذا تبدل حال المكلف بان صار مسافرا بعد كونه حاضرا، وعدم توهم احد وجوب القضاء فيه، انما هو لبنائهم على ان المكلف به في المورد الثاني ليس هي الصلاة اربع ركعات في جميع الحالات حتى لو كان مسافرا، بل المكلف به هو الجامع، بمعنى ان المسافر لا تكليف له سوى بالصلاة ركعتين، فبعد الاتيان بهما لا مجال للقضاء، واما في المقام فالواجب على كل مكلف أي ما فيه ملاك الوجوب الملزم انما هو الفعل الاختياري حتى في حال الاضطرار، وانما لم يؤمر به لعجز المكلف عنه وانما امر بالفعل الاضطراري لكونه وافيا بتلك المصلحة أو بعضها. فلذلك جرى هذا النزاع بينهم. ولكن لنا ان نمنع عن ذلك وتلتزم بان المكلف به ليس هو الفعل الاختياري حتى في حال الاضطرار، بل مقتضى ظهور الالة كون العجز منوعا - كما ان الحالات الاخر منوعة - فالمكلف به في حال الاضطرار والواجد للمصلحة هو خصوص الفعل الاضطراري، عليه فيكون الواجب على المكلفين هو الجامع بين الصلاتى المختار والمضطر بالمعنى المتقدم، وا نما عين الشارع المقدس لكل منهما فردا خاصا فميا يؤمر به في حال الاضطرار، هو نفس المأمور به لابد له، فيكون وافيا بما اوجب الامر بذلك الفعل. وعلى ذلك فليس احتمال عدم الجزاء حينئذ الا كاحتمال عدم الاجزاء حينئذ الا كاحتمل العدم لو اتى بالفعل الاختياري ثم طرء العذر بعد مضى الوقت وليس احدهما اولى من الاخر. لا يقال: لازم ذلك هو ان يجب قضاء ما فات في حال الاضطرار باتيان مثله ولو بعد

[ 314 ]

رفع العذر كما هو الشأن في تبديل الحالات. فانه يقال: ان ما دل على كون فعل الاضطراري من افراد الجامع، انما يدل على كونه كذلك في خصوص حال الاضطراري، لا مطلقا فبعد رفعه قضاء الجامع انما يكون باتيان الفعل الاختياري لا الاضطراري، فتدبر في اطراف ما ذكرناه حقيق به. ولو فرضنا عدم استفادة عدم وجوب القضاء من اطلاق الادلة و الشك في وجوبه، لابد من الرجوع الى الاصول العملية وهى تقضى عدم الوجوب: و ذلك بناءا على كون القضاء بامر جديد، واضح: فانه لو شك في ان الفعل الاضطراري هل يكون وافيا بتمام المصلحة المترتبة على الفعل الاختياري ام لا. لا محالة يشك في الفوت الذى هو الموضوع لوجوب القضاء، وبتعبه يشك في الوجوب فتجرى اصالة البرائة عنه. ولو علم بعدم وفائه بها وشك في ان الباقي يمكن استيفائه ام لا، فحيث ان شمول ادلة القضاء له غير معلوم: إذ من المحتمل بل الظاهر اختصاصها بفوت تمام المصلحة لا بعضها ففى صورة فوت البعض لا دليل على وجوب القضاء، فلا محالة يشك في الوجوب ومقتضى الاصل عدم الوجوب، ولا سبيل حينئذ الى دعوى ان الشك في التكليف في الفرض بما انه مسبب عن الشك في القدرة فالمرجع فيه قاعدة الاحتياط لا البرائة كما عن بعض اكابر المحققين (ره) فان الشك في القدرة مع تمامية الجعل من ناحية الشارع الاقدس مورد لقاعدة الاحتياط لا في مثل المقام مما اوجب الشك في الجعل. كما يخفى. واما بناءا على كون القضاء بالامر الاول: فعدم الوجوب اظهر: إذ المفروض عدم توجه الامر الاختياري في حال الضطرار، فالشك في وجوب القضاء لا محالة يكون شكا في اصل التكليف ولا ريب في كونه موردا للبرائة، من غير فرق بين العلم بعدم استيفاء تمام المصلحة في امكان استيفاء الباقي، وبين الشك في استيفاء التمام وعدمه. ودعوى انه مع الشك في استيفاء تمام المصلحة يكون مرجع الشك المزبور الى الشك في ان المطلوب الاول: هل هو الجامع بين المشتمل على المبدل، والمشتمل على

[ 315 ]

البدل، أو هو خصوص المشتمل على المبدل غاية الامر امر بالمشتمل على البدل لاجل اشتماله على مقدار من المصلحة فيكون الامر دائرا بين التعيين والتخيير، والاحتياط يقتضى البناء على الاول: ومع الشك في امكان استيفاء الباقي يقينا، يكون الشك في الوجوب مسببا عن الشك في القدرة والمرجع فيه قاعدة الاشتغال. مندفعه بانه مع العجز لا يكون المشتمل على المبدل واجبا في الوقت، والتكليف متمحض فيما تعلق بالمشتمل على البدل، وبعد مضى الوقت وارتفاع العذر، لا سبيل الى دعوى ثبوت القضاء بالامر الاول: وبعبارة اخرى ان معنى كون القضاء بالامر الاول: كفاية الامر بالصلاة في الوقت لثبوت وجوبها في خارجه مع فوتها فيه، وبما ان المفروض في المقام عدم تعلق التكليف بالفعل الاختياري في الوقت فلا مورد لدعوى ثبوت وجوب القضاء للتبعية، فلو ثبت فانما هو بامر جديد ومقتضى اصالة البرائة عدم الوجوب. فتحصل ان مقتضى الادلة، والاصل عدم وجوب القضاء. ارتفاع العذر في الوقت الموضوع الثاني: في انه إذا بالمأمور به الاضطراري ثم ارتفع العذر في الوقت فهل تجب الاعادة، ام لا. وملخص القول فيه انه لا كلام بناءا على عدم جواز البدار واقعا: فان الماتى به حينئذ لا يكون مامورا به فلا مورد لتوهم الاجزاء، نعم، فيما لو جاز البدار ظاهرا، واتى بالفعل الاضطراري ثم ارتفع العذر، كلام من حيث اجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهرى عن الواقعي، وعدمه، وسياتى الكلام فيه، واما بناءا على جواز البدار واقعا. فالكلام يقع اولا في انه في مقام الثبوت يتعين، وجوب الاعادة، أو عدم وجوبها، ام يمكن كل منهما. والظاهر هو الاخير: إذ لو كان العمل الاضطراري في حال الاضطراري وافيا بجميع المصلحة التى يفى بها الاتيان بالمأمور به الاختياري، أو ببعضها مع عدم كون الباقي مما

[ 316 ]

يجب تحصيله، أو وافيا بمصلحة مباينة لما يترتب على الفعل الاختياري، ولكنه لم يمكن استيفاء المصلحة المترتبة على الفعل الاختياري، مع استيفاء تلك المصلحة بالاتيان بالمأمور به الاضطراري، لا تجب الاعادة، وان كان وافيا ببعض تلك المصلحة، والمقدار الباقي مما يمكن استيفائه وكان لازم الاستيفاء، أو كان مشتملا على غير تلك المصلحة وكانت مصلحة المأمور به الاختياري ممكن الاستيفاء، تجب الاعادة. توضيح ذلك انه بناءا على جواز البدار كيفية وفاء العمل الاضطراري بالمصلحة تتصور على انحاء. الاول: ان يكون وافيا بتمام ما يترتب على العمل الاختياري في حال الاختيار، أو ببعضها ولكن الباقي لا يجب تحصيله، ودعوى ان ذلك لا يمكن الالتزام به في مقام الاثبات: لاستلزامه جواز تفويت القدرة وتعجيز المكلف نفسه، مع ان ذلك مما لم يفت به احد، مندفعة لا بما قيل ان الملاك انما يترتب على الفعل الاضطراري إذا كان الاضطراري طارءا بالطبع دون الاتى باختيار المكلف: فانه يرد عليه: ان لازم ذلك عدم وجوب العمل الاضطراري في صورة الاضطرار باختيار المكلف وهو كما ترى، بل بان هذا الاتفاق لو ثبت لا يكون تعبديا فلا مانع من مخالفة القوم لو ساعدنا الدليل، مع انه ليس ثابتا، مضافا الى انه لو كان تعبديا نلتزم بعدم جواز ذلك للدليل الخاص. الثاني. ان يكون وافيا بمصلحة غير تلك المصلحة ولكن بقدرها ولا يمكن استيفاء تلك المصلحة مع استيفائها، ودعوى: ان هذا الوجه خلاف ظاهر ادلة الفعل الاضطراري لانها ظاهرة في ان الماتى به في حال الاضطرار من سنخ الماتى به في حال الاختيار، مع ان لازمه الالتزام بتعدد العقاب لو كان في اول الوقت مختارا وفي آخره مضطرا، ولم يأت بشئ من الفعلين: لتفويته مصلحتين، مندفعه: بان الادلة ليست في مقام بيان المصلحة كى يستظهر منها ذكر - كما هو واضح - وتعدد العقاب انما هو مترتب على ما إذا كان التكليفان اللذان خالفها المكلف تعيينين لا اما إذا كانا تخييريين، كما في المقام كما لا يخفى. الثالث: ان يكون الفعل الاضطراري مشتملا على احدى المصلحتين المتربتين

[ 317 ]

على العمل الاختياري، أو على ذات تلك المصلحة المترتبة عليه التى تكون ملزمة بحسب ذاتها وباعتبار مرتبتها ايضا، ودعوى ان لازم هذا الوجه عدم جواز البدار على تقدير عدم امكان استيفاء الباق من المصلحتين أو مرتبتها، ولزوم الاعادة تقدير الامكان، والالزم نقض الغرض وتفويت مقدار من المصلحة، مندفعة، لا بما قيل من انه لا محذور فيه لما في البدار من مراعاة ما هو فيه من مصلحة اول الوقت، فانه يرد عليه: ان تلك المصلحة استحبابية لا تصلح لمزاحمة المصلحة اللزومية الفائتة: بل لانه يمكن ان يكون عدم مسبوقية الفعل الاختياري بالعمل الاضطراري، من شرائط اتصاف المأمور به الاختياري بالمصلحة، لامن شرائط حصولها. توضيح ذلك: ان القيود الدخيلة في المصلحة على قسمين: الاول: ما يكون دخليلا في اتصاف الفعل بالمصلحة. كالمرض بالاضافة الى شرب المسهل في العرفيات وزوال الشمس بالنسبة الى الصلاة في الشرعيات، وفي مثل ذلك لا يجب تحصيل الشرط، ولا محذور في ايجاد المانع عن وجوده. الثاني: ما يكون دخيلا في حصول المصلحة كما في برودة الهواء مثلا بالنسبة الى شرب الدواء للمريض، والوضوء بالاضافة الى الصلاة، وفي مثل ذلك يجب تحصيل الشرط، ولا يجوز تركه وايجاد المانع عن تحققه، وعلى ذلك فان كان عدم استيفاء اصل المصلحة أو احدى المصلحتين من شرائط اتصاف العمل الاختياري بكونه ذا مصلحتين أو واجدا لاصل المصلحة ومرتبتها. بحيث لو استوفى تلك باتيان العمل الاضطراري لما كان يتصف العمل الاختياري بالمصلحة، لما كان محذور في البدار اذمنه يلزم وجود المانع عن تحقق شرط الوجوب، وان كان من شرائط حصول المصلحة لما جاز البدار لاستلزامه تفويت الغرض فتدبر فانه دقيق. الرابع: ان يكون وافيا باحدى المصلحتين المترتبتين على الفعل الاختياري أو باصل المصلحة المترتبة عليه. مع كون الباقي من المصلحتين أو مرتبتها يمكن استيفائها. الخامس: ان يكون وافيا بمصلحة غير تلك المصلحة، مع امكان استيفائها بعد رفع العذر، وفي الانحاء الثلاثة الاول: لا تجب الاعادة، وفي الاخيرين تجب، واما سائر الانحاء المتصورة، فلا يلائم، مع جواز البدار كما لا يخفى هذا كله بحسب مقام الثبوت،

[ 318 ]

واما في مقام الاثبات. بيان ما يقتضيه الادلة في مقام الاثبات فقد استدل لعدم وجوب الاعادة: باطلاق ما تضمن الامر بالعمل الاضطراري، بدعوى انه لو كانت المصلحة المترتبة عليه باحد الانحاء الثلاثة الاول: لكان العمل الاضطراري هو المأمور به تعيينا، ولو كانت باحد النحوين الاخيرين، فلابد من الامر بالاتيان به وضم المأمور به الاختياري بعد ارتفاع العذر إليه، أو الانتظار والاتيان بالمأمور به الاختياري بعد ارتفاع العذر خاصة مخيرا بينهما، وحيث ان الامر يدور بين التعيين والتخيير، فلابد من حمل الامر على الاول: لان ذلك مقتضى الاطلاق. ولكن يرد عليه: انه ان اريد التمسك بالاطلاق لاثبات كونه مامورا به تعيينا فهو معلوم عدم كونه كذلك: إذ لا ريب في جواز التاخير الى ما بعد ارتفاع العذر، و الاتيان بالمأمور به الاختياري كما لا يخفى، ولا شئ من الواجب التعييني مما يجوز تركه، وان اريد التمسك به لاثبات انه وحده عدل التخيير لا هو بضميمة الاتيان بالمأمور به الاختياري بعد رفع العذر، فهو لا يصح: من جهة أو وجوب ذلك وتعينه لو ثبت لما اوجب تقييدا في دليل المأمور به الاضطراري، بل هو حكم استقلالي ناش عن مصلحة اخرى، فالاطلاق لا يصلح لرفع ذلك التكليف، وان اريد التمسك به لاثبات كونه مشتملا على تمام مصلحة المأمور به الاختياري أو مصلحة اخرى بقدرها فالاطلاق اجنبي عن ذلك، وعليه، فلا وجهع للتمسك بالاطلاق. نعم، هذا كله بناءا على مسلك القوم من عدم كون العجز منوعا للمكلف كغيره من الحالات والا فالاجزاء واضح كما عرفت في الاجزاء عن القضاء فراجع. وقد يتمسك باطلاق دليل القيد المتعذر لوجوب الاعادة، بعد ارتفاع العذر: فان اطلاق ذلك الدليل شامل لصورتي الاتيان بالعمل الاضطراري وعدمه، وقد يقرب هذا التقريب من التمسك بالاطلاق كما في تقريرات المحقق العراقى، بان اطلاق ادلة العمل

[ 319 ]

الاختياري شامل لحالة طرو الاختيار بعد الاضطرار. وذلك لانه لمتعلق الخطاب المطلق افراد عرضية وطولية فكما ان سقوط الاطلاق بالنسبة الى بعض الافراد العرضية وسقوط الخطاب من جهة لا يمنع من التمسك بالاطلاق بالنسبة الى الافراد الممكنة كذلك بالنسبة الى الافراد الطولية. فنتيجة ذلك انه بعد رفع العذر يكون مقتضى ذلك الدليل لزوم المبدل أي المأمور به الاختياري. والجواب عن هذا الوجه: ان دليل البدل الاضطراري قسمان، احدهما: ما تضمن تنزيل البدل منزلة المأمور به الاختياري كما في قوله (ع): " التراب احد الطهورين " ثانيهما: ما تضمن الامر به في حال الضطرار خاصة، وما افيد لا يتم في شئ منهما، اما الاول: فواضح لان مقتضى اطلاق دليل التنزيل ترتب جميع اثار المبدل عليه، واما الثاني: فلان دليل القيد لا يلزم باتيانه الا على تقدير لزوم الاتيان باصل العمل وهو غير ثابت بل ثابت العدم فلا يقتضى ذلك الدليل وجوبه. ولو فرضنا عدم امكان التمسك بالاطلاق أو ظهور الادلة. لعدم وجوب الاعادة، وفرضنا الشك في ذلك، مقتضى اصالة البرائة هو البناء على العدم. وقد نسب الى المحقق العراقى (ره) ان الاصل هو اصالة الاشتغال. وذلك لان الشك في وجوب الاعادة، اما ان يكون من ناحية الشك في وفاء المأمور به الاضطراري بتمام مصلحة المأمور به الاختياري، فالامر يدور بين التعيين والتخيير والرجع فيه قاعدة الاشتغال: لان الشك في وجوب الاعادة وعدمه إذا كان منشأه الشك في كون العمل الاضطراري وافيا بتمام مصلحة المأمور به الاختياري أو بعضها، مع كون الباقي لازم الاستيفاء لا محالة يعلم بترتب مقدار من المصلحة على الجامع بين العملين، ويشك في ان الباقي الذى يكون لازم الاستيفاء هل يكون مترتبا عليه ايضا فلا يجب الاعادة، أو على خصوص العمل الاختياري، فيجب، فالامر مردد التعيين والتخيير فيتعين الرجوع الى قاعدة الاشتغال، واما ان يكون من ناحية الشك في امكان استيفاء الباقي وعدمه، فالمرجع فيه ايضا قاعدة الاشتغال لكونه من قبيل الشك في القدرة. اقول: الاظهر كون المرجع هو اصالة البرائة في كلا الفرضين، اما على الاول: فلانه

[ 320 ]

وان سلم كون المرجع في دوران الامر بين التعيين والتخيير في ساير الموارد، هي قاعدة الاشتغال، لا نسلم كونها المرجع في خصوص المقام، إذ في ساير الموارد، تعلق التكليف بالمعيين، اما تعيينا، أو تخييرا، معلوم، وتعلقه بالعدل الاخر مشكوك فيه، واما في المقام فتعلق التكليف، ولو تخييرا، ومنضما الى شئ آخر، بالمأمور به الاضطراري، معلوم، وتعلقه بالمأمور به الاختياري، في صورة عدم الاتيان بالبدل ايضا معلوم، وانما الشك يكون في تعلقه بالفعل الاختياري، في ظرف الاتيان بالمأمور به الاضطراري، ولا ريب في انه مورد لاصالة البرائة. واما على الثاني: فلما مر من ان الشك في القدرة ان كان سببا للشك في سعة الجعل، وضيغة، يكون مورد لقاعدة البرائة، لا الاشغال، فتحصل مما ذكرناه ان الاصول العملية ايضا تقتضي عدم وجوب الاعادة. جواز البدار وعدمه والموضع الثالث: في جواز البدار، وملخص القول فيه انه في مقام الثبوت ان كانت المصلحة المترتبة على العمل الاضطراري، باحد الانحاء الخمسة المتقدمة في أي جزء من الوقت اتى به يجوزم البدار حتى مع العلم بارتفاع العذر في اثناء الوقت. وان كان ترتبها مقيدا بما إذا اتى به في آخر الوقت، لما جاز البدار، وان علم ببقاء العذر آخر الوقت، وان كان الترتب عليه احدى المصلحتين على العمل الاختياري، أو اصل المصلحة التى تكون هي بنفسها وبمرتبتها اللزومية مترتبة على العمل الاختياري مع كون الباقي مما لا يمكن استيفائه، وكان عدم مسبوقيته بالعمل الاضطراري من قبيل شرائط حصول المصلحة، لما جاز البدار الا مع العلم ببقاء العذر الى آخر الوقت وعدم اعتبار الاتيان به في آخر الوقت في حصول تلك المصلحة. وان كان الباقي مما يمكن استيفائه جاز البدار مطلقا ان كان الملاك المترتب عليه مترتبا عليه، وان اتى به في اول الوقت، غاية الامر يجب الاعادة حينئذ بعد ارتفاع العذر هذا كله في مقام الثبوت والواقع.

[ 321 ]

واما في مقام الاثبات والدليل فمقتضى اطلاق الدليل جواز البدار مع العلم بعدم التمكن في جميع الوقت، واما مع العلم بزوال العذر فلابد من ملاحظة الدليل في كل مورد ليرى انه هل يشمل عدم التمكن في بعض الوقت فيجوز البدار، أو لا يشمل فلا يجوز. ولو كان الدليل مطلقا غير مقيد بشئ من ذلك فالظاهر ان مقتضى الاطلاق اعتبار الاستيعاب: وذلك لان المأمور به كالصلاة هي، الطبيعة الواقعة ما بين المبدأ والمنتهى، وظاهر ما تضمن ان العجز عن الاتيان بالمأمور به الاختياري شرط للامر الاضطراري، هو العجز عن الطبيعة بلا دخل للخصوصيات الخارجه عن حريم المأمور به في ذلك، ومعلوم ان العجز عن الطبيعة انما هو بالعجز عن جيمع افرادها بخلاف القدرة عليها الصادقة على القدرة على فرد منها، وعليه فمع التمكن من بعض الافراد المأمور بها الاختياري ولو الطولى منها لا يصدق عدم القدرة والعجز فلا يكون الشرط محققا فالظاهر من الدليل المطلق اعتبار العذر المستوعب. واستظهر المحقق العراقى (ره) في خصوص دليل التيمم من الاية الكريمة، ان الشرط هو العذر، ولو في جزء من الوقت بتقريب ان المشروط في الاية هو التيمم عند ارادة الصلاة لان المراد من قوله تعالى " إذا فمتم الى الصلاة " إذا اردتم الصلاة فلو اراد الصلاة في اول الوقت ولم يتمكن من الماء يجوز له التيمم بنص الاية الشريفة. ويرد عليه ما افاده السيد المرتضى (ره) من، ان ذلك يتوقف على ان يكون له ارادة الصلاة في اول الوقت ونحن نخالفه، ونقول بانه ليس له ذلك، ومن المعلوم ان المراد بارادة الصلاة ارادة الصلاة الجائزة لا مطلقها. ومع عدم الدليل على جواز البدار مقتضى الاصل العملي هو الجواز في صورة العلم ببقاء العذدر الى آخر الوقت، وفي غير ذلك لو علم بالارتفاع، لا يجوز البدار: إذا الامر في الواجب الموسع يتعلق بالطبيعة الجامعة بين الافراد الواقعة بين المبدأ والمنتهى، وفي مثل ذطلك انما يحكم العقل بالتخيير بين الافراد الطولية كما يحكم بالتخيير بين الافراد العرضية، ولا ريب في انه انما يحكم به إذا احرز ان الافراد متساوية في الوفاء بالغرض

[ 322 ]

المترتب على تلك الطبيعة، واما إذا كان بعضها وافيا به دون بعض، أو احتمل ذلك، فلا يحكم العقل بالتخيير، وعليه ففى المقام لا يحكم العقل بالتخيير بل يرى وجوب الصبر والانتظار الى آخر الوقت. ولو شك في بقاء العذر وارتفاعه، يجرى استصحاب بقاء العذر الى آخر الوقت بناءا على جريان الاستصحاب في الامور الاستقبالية، ويحكم بجواز البدار ظاهرا. واورد على هذا الاصل في المقام بان المستصحب ان كان هو حالة المكلف من الاضطرار والعجز فهو بالنسبة الى ما هو موضوع الحكم وهو عدم مقدورية الافراد الاختيارية من المثبت غير الحجة، وان كان هو عدم مقدورية الافراد، فالمتيقن غير المشكوك فيه، فان المتيقن هي الحصص الخاصة، والمشكوك فيها غيرها فلا يجرى. وفيه اولا: ان ظاهرا لادلة كون الشرط عجزا لمكلف فالشرط هو حالة المكلف. وثانيا: انه لو سلم كون الشرط هو عدم مقدورية المأمور به الاختياري، فمن الواضح ان الخصوصيات خارجة عن تحت التكليف فالشرط عدم القدرة على صرف وجود الطبيعة، ومن المعلوم ان المتيقن على هذا عين المشكوك فيه وثالثا: انه يمكن ان يقال ان جميع الافراد الطولية، غير مقدورة في اول الوقت، ولو من جهة عدم مجيئ وقت جمله منها، ويشك في انه بعد مجيئ الوقت هل يتبدل ذلك الى القدرة ام لا فيجرى الاستصحاب. ولا يرد على ذلك ان لازمه جواز البدار واقعا وان علم بارتفاع العذر لانه يصدق في اول الوقت عدم القدرة على جميع الافراد فانه يندفع بان الظاهر من الدليل ان المسوغ هو العذر المستوعب المستمر من اول الوقت الى آخرة. اجزاء الاتيان بالمأمور به الظاهرى واما المسألة الثالثة: وهى اجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهرى عن المأمور به

[ 323 ]

بالامر الواقعي وعدمه فيما إذا انكشف الخلاف بعلم أو علمي. فقد اختلفت كلمات الاصحاب فيها على اقوال منها: الاجزاء مطلقا ومنها: عدمه مطلقا ومنها: التفصيل بين ما إذا انكشف الخلاف بعلم وجدانى، وما إذا انكشف بعلم تعبدي فيجزى على الثاني دون الاول: مطلقا أو بعض اقسام السببية، وعدم الاجزاء على الثاني، ومنها: التفصيل بين الامارات والاصول، فيجزى في المورد الاول: ولا يجزى في الثاني، ومنها: ما اختاره المحقق الخراساني الذى سيمر عليك ومنها: غير ذلك من التفاصيل - وستمر عليك - وقبل الشروع في البحث لا باس بنقل ما افاده المحقق الخراساني وبه يظهر موارد البحث. محصل ما افاده، ان مؤدى الامارة، أو الاصل، قد يكون حكما شرعيا جعل موضوعا لحكم آخر أو قيدا لموضوع حكم آخر، كالطهارة المجعولة قيدا للماء والتراب، وشرطا لجواز الدخول في الصلاة، وكحيلة لحم حيوان خاص، كالارنب، المجعولة قيد الجواز الصلاة في الوبر المتخذ منه، وماشا كل، وقد يكون حكما شرعيا غير مجعول موضوعا لحكم آخر، أو قيد الموضوع حكم، كوجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة، فالكلام في موردين. اما المورد الاول: فاما ان يكون الحكم الظاهرى ثابتا باصل عملي، كاصالة الطهارة والحلية، والاستصحاب (بناءا على ما يشير إليه في التنبيه الخامس من الاستصحاب، من اختيار كون المجعول فيه الحكم المماثل)، واما ان يكون ثابتا بامارة شرعية، كخبر الواحد، والبينة، وماشا كل، فان كان ثابتا بالاصل، فحيث ان المأخوذ في موضوعه الشك، ويجعل الحكم على الشك بلا نظر الى الواقع اصلا، ولذا لا يتصف بالصدق والكذب، بل بتبدل الشك الى العلم، يتبدل الموضوع والحكم، ولا يتصور فيه انكشاف الخلاف، فلا محالة يكون دليله حاكما على مادل على الاشتراط ومبينا لدائرة الشرط، وانه اعم من الطهارة الواقعية مثلا: فانكشاف الواقع لا يكون موجبا لانكشاف فقد ان العمل لشرطه، بل بالنسبة إليه يكون من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل فلا مناص عن البناء على الاجزاء. واما ان كان ثابتا بالامارة التى تكون ناظرة الى الواقع وكاشفة عنه من دون جعل شئ آخر وحكم في موردها. فلابد من البناء على عدم الاجزاء على الطريقية.

[ 324 ]

إذ المجعول في مورد الامارة ليس حكما ظاهريا، بل اما ان يكون هو الطريقية، أو التنجيز والتعذير، فبانكشاف الخلاف ينكشف عدم واجدية العمل لما هو شرطه، لا واقعا، ولا ظاهرا، فلا محالة يبنى على عدم الاجزاء، نعم على القول بالسببية مقتضى اطلاق دليل الحجية هو الاجزاء، ومع الشك في الطريقية والسببية، فبالنسبة الى الاعادة في الوقت يبنى على عدم الاجزاء لقاعدة الاشتغال، وبالنسبة الى القضاء حيث انه يكون بامر جديد، ويشك فيه، فاصالة البرائة تقضى عدم الوجوب والاجزاء. واما المورد الثاني: كما إذا قام الدليل، أو الاصل، على وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة، فانكشف بعد ادائها، وجوب صلاة الظهر، فالوجه عدم الاجزاء مطلقا: إذ غاية ما هناك وجوب صلاة الجمعة لمصلحة فيها، وهذا لا ينافى وجوب صلاة الظهر ايضا، لما فيها من المصلحة الواقعية، الا ان يقوم دليل خاص على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد. وسيمر عليك ما يرد على افاده المحقق الخراساني (ره) في المقام. وتنقيح القول بالبحث في مقامين الاول: في الامارات الثاني، في الاصول. والكلام في المقام الاول: في موردين الاول: بناءا على الطريقية الثاني: بناءا على السببية. اما المورد الاول: فمقتضى القاعدة هو عدم الاجزاء إذ بانكشاف الخلاف ينكشف عدم امتثال الامر الواقعي فالاجزاء يحتاج الى دليل. وقد استدل للاجزاء بوجوه يختص بعضها بما إذا كان الانكشاف بحجة شرعية، ويعم بعضها ما لو كان الانكشاف بالقطع واليقين. احدها: ان الاجتهاد الاول: كالاجتهاد الثاني فلا وجه لرفع اليد عن الاول: بالثاني واعادة الاعمال الواقعة على طبق الاجتهاد الاول. ويرد عليه، انه بعد انكشاف فساد الاجتهاد الاول: وعدم حجية مدرك الحكم الاول:، بالاجتهاد الثاني، لا سبيل الى دعوى ان الاجتهاد الثاني كالاجتهاد الاول:. ثانيها: ان الحكم الشرعي يتبدل بتبدل الرأى. كالملكية المتبدلة بالبيع والشراء، فالمكلف في زمان الاجتهاد الاول: كان حكمه على طبقه، وفي زمان الاجتهاد الثاني يتبدل حكمه، ولا يكون مكلفا الا بما تعلق به الاجتهاد الثاني.

[ 325 ]

وفيه: ان ذلك لو تم فانما هو على القول بالسببية، واما على القول باطريقية التى حقيقتها جعل صفة المحرزية، والطريقية، والمرآتية، للامارة بلا تصرف في الواقع، ولا جعل حكم في الظاهر، فلا يتم: إذ بالاجتهاد الثاني ينكشف عدم موافقة اجتهاد الاول: للواقع. ثالثها: ان تبدل الاجتهاد، وقيام حجة على خلاف الحجة السابقة انما هو نظير النسخ فانه بوصول الثانية ينقضى زمان الحجية الاولى، فهى الى زمان الحجية الثانية، حجة واقعية. والايراد عليه، بان الحجية انما تكون نظير ساير الاحكام الشرعية، لها مرتبتان، واقعية، وظاهرية وعليه فبوصول الثانية ينشكف انها كانت حجة من الاول: ولم تكن الاولى كذلك، لا انها كانت حجة واقعية الى زمان وصول الثانية. غير صحيح، فان الحجية انما هي من قبيل الاحراز الوجداني ومتقومة بالوصول. لا معنى لوجودها واقعا مع عدم وصولها: فان حقيقة الحجية جعل صفة المحرزية للشئ، ولا يتحقق ذلك في الخارج الا بوصول هذا الجعل وموضوعه الى المكلف، وعليه فليس لها مرتبتان. ولكن يرد عليه ان وجوب الاعادة أو القضاء وبعبارة اخرى عدم الاجزاء، من آثار الحكم الواقعي على خلاف ما وصل إليه، لامن آثار حجية الحجة الثانية، وعلى الجملة التبدل في الحجية لو سلم، لا ينفع في المقام، بل النافع هو التبدل في الحكم الواقعي، وهو باطل لكونه متستلزما للتصويب الذى لا نقول به، واما التبدل في الحجية - أي في الاحراز - فهو غير مفيد. رابعها: ما عن الفصول من ان الواقعة الواحدة لا تتحمل اجتهادين. واورد عليه المحقق النائين بان مؤدى الاجتهاد بعد فرض كونه حكما كليا غير مختص بزمان خاص ان اراد انه لا يحتمل اجتهادين من شخص واحد في زمان واحد فهو مسلم لكنه اجنبي عن المقام وان اراد انه لا يحتمل اجتهادين في زمانين فهو بديهى البطلان.

[ 326 ]

اقول ان هذا الوجه ذكره في الفصول في مبحث تبدل الرأى من مباحث الاجتهاد والتقليد بعد اختاره القول بعدم الاجزاء مطلقا في هذه المسألة - ومحصل ما افاده - ان الواقعة التى اوقعها على طبق الاجتهاد الاول: تارة تنقضي بانقضاء الزمان ولا يمر عليها الزمان مرتين كالصلاة بلا سورة، أو الواقعة في شعر الارنب، أو الواقعة فيما بنى على طهارته، أو العقد بالفارسي وماشا كل، واخرى لا تنقضي بانقضاء الزمان ويمر الزمان عليها مرتين كالحيوان الذى بنى على حليته فذكاه وفرض بقائه الى زمان الاجتهاد الثاني، وفي القسم الاول: حيث لا بقاء لها بل لها ثبوت واحد، وهى على الفرض وقعت صحيحة فلا تنقلب فاسدة بتجدد الرأى، وهذا هو مراده من العبارة المزبورة، فلا يرد عليه ما افاده (ره) من انه لم يظهر معنى مقعول لهذا الاستدلال. ولكن يرد عليه انه في القسم الاول: ايضا كان يتخيل انها وقعت صحيحة وبحسب الاجتهاد الثاني ظهر انها كانت فاسدة هذا كله على القول بالطريقية. واما على القول بالسببية: فقد يقال كما عن المحقق الخراساني في الامارات الجارية في متعلقات الاحكام، أي الاحكام التى جعلت موضوعا لا حكام اخراو قيدا للموضوع، كطهارة الماء المجعولة موضوعا لجواز الصلاة أو الوضوء، أو التيمم، وعن غيره في الامارات الجارية في الاحكام مطلقا. بانه وان كان يحتمل ثبوتا كون العمل الفاقد معه في هذا الحال كالواجد في كونه وافيا بتمام الغرض فيجزى، وان لا يكون وافيا بتمامه فلا يجزى مع امكان استيفاء الباقي ووجوبه، الا ان قضية اطلاق دليل الحجية على هذا هو الاجزاء بموافقته ايضا. اقول ان السببية تتصور على اقسام، الاول: السببية على مسلك الاشعريين وهى ان قيام الامارة سبب لحدوث المصلحة والحكم وانه مع قطع النظر عن ذلك لا يكون حكم ولا ملاك. الثاني، السببية على مسلك المعتزلة. وهى ان قيام الا رماة والحجة من قبيل طرو العناوين الثانوية. يكون موجبا لحدوث مصلحة في المؤدى اقوى من مصلحة الواقع. الثالث، السببية على مسلك بعض العدلية وهى ان قيام الامارة موجب لتدارك المقدار الفائت من مصلحة الواقع بسبب العمل بتلك الامارة. وعلى الاولين لا تتصور الصور

[ 327 ]

الاربعة المذكورة ولا عدم الاجزاء. اما على الاول: فلفرض انه لا حكم في الواقع ولا ملاك فلا يلزم فوته، من باب السالبة بانتفاء الموضوع. واما الثاني: فلانه لا يتم السببية حينئذ الابناءا على كون المصلحة في المؤدى غالبة على مصلحة الواقع. ثم انه لو سلم تصوير الصور الاربعة على هذين المسلكين، ما ذكر من التمسك باطلاق دليل الحجية للاجزاء لا يتم لما ذكرناه في المأمور به بالامر الاضطراري وجها لان اطلاق الدليل لا يصلح لرفع وجوب الاعادة أو القضاء، فراجع. واما على الثالث: فلا وجه للاجزاء إذا لمفروض ان المتدرك هو المقدار الفائت من مصلحة الواقع بسبب العمل بتلك الامارة. مثلا لو ادت الامارة الى وجوب صلاة الجمعة وكان الواجب في الواقع هي صلاة الظهر، فان انكشف الخلاف بعد مضى وقت الفضيلة يكون الفائت بسبب سلوك الامارة فضل الوقت، وهو المتدرك، واما مصلحة الصلاة، فهى يمكن استيفائها وغير متدراكة فيجب ذلك إذ تفويتها ليس مستندا الى سلوك الامارة، وان انكشف الخلاف بعد مضى الوقت يكون الفائت بسبب سلوك الامارة مصلحة الوقت، فهى تتدارك، وان لم ينكشف الخلاف اصلا كان المتدارك بالمصلحة السلوكية مصلحة اصل الصلاة. والمحقق الخراساني بعد اختياره القول بالاجزاء بناءا على السببية في الامارات الجارية في متعلقات الاحكام مستندا الى الوجه المتقدم، ذهب الى عدم الاجزاء في الامارت الجارية في نفس الاحكام حتى على السببية بدعوى: ان الامارة إذا قامت على وجوب شئ كصلاة الجمعة وكان الواجب في الواقع شيئا آخر وهى صلاة الظهر، فغاية الامر ان تصير صلاة الجمعة ايضا، ذات مصلحة لذلك، ولا ينافى هذا بقاء صلاة الظهر على ما هي عليه من المصلحة، الا ان يقوم دليل بالخصوص على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد. وفيه: ان محل الكلام هو ما إذا كان لسان الامارة ومؤديها تعين ما هو الوظيفة

[ 328 ]

الواقعية وفي المثال ما دل على وجوب صلاة الجمعة انما يدل على ان الواجب من الصلاتين الظهر والجمعة في يوم الجمعة هي صلاة الجمعة لا الظهر، فيكون لسان الامارة الجارية في الاحكام كلسانها في المتعلقات فعلى القول بالاجزاء على السببية لا وجه للتفصيل بينهما. وبعبارة اخرى إذا كان لسان الامارة تعيين الواجب فلا محالة تدل بالدلالة الالتزامية على انه لا يجب صلاة الظهر في يوم الجمعة ويستلزم ذلك كون مصلحة صلاة الجمعة في يومها مصلحة بدلية مسانخة لمصلحة صلاة الظهر، لا مصلحة مستقلة اخرى غير تلك المصلحة كى لا ينافى استيفائها لاستيفاء تلك المصلحة نعم: ما ذكره (ره) يتم فيما لو قامت الامارة على وجوب شئ خاص بلا نظر لها الى بيان الواجب الواقعي، وتعينه في مؤديها، لكنه خارج عن مفروض البحث، ويضاف الى ذلك، المناقشة في المثال، فان صلاتي الجمعة، والظهر، عمل واحد، وانما الاختلاف بينهما في الكيفية، نظير القصر والاتمام، لا سنخان متغايران، فلامارة القائمة على وجوب صلاة الجمعة دون الظهر، من قبيل الامارة الجارية في المتعلقات. بقى في المقام شئ لابد من التنبيه عليه، وهو انه بعد بامر من ان مقتضى القول بالسببية هو الاجزاء، والقول بالطريقة عدم الاجزاء، لو احرز احد المسلكين فلا كلام. ومع عدم احرازه، هل يحكم بالاجزاء، أو بعدمه، ام يفصل بين الاعادة والقضاء، فيحكم بعدم الاجزاء بالنسبة الى الاعادة، والاجزاء بالنسبة الى القضاء وجوه. قد استدل المحقق الخراساني للقول بعدم الاجزاء بالنسبة الى الاعادة، بان انكشف الخلاف في الوقت، باستصحاب عدم الاتيان بالمسقط للتكليف. ويرده انه لا اثر لهذا، ولا هو موضوع لاثر شرعى لعدم كون سقوط التكليف من آثار عدم الاتيان بالمسقط شرعا. فالصحيح ان يستدل له: باستصحاب بقاء التكليف الواقعي إذ الشك انما هو في سقوطه لصحول غرضه من جهة كون الماتى به ذا مصلحة بدلية، وعدمه، فيجزى استصحاب عدم السقوط، وبما ان المستصحب بنفسه اثر شرعى لا يعتبر في جريانه ترتب

[ 329 ]

اثر شرعى آخر عليه، بل يكفى ترتب اثر عقلي، وهو لزوم الاتيان بالمتعلق. فان قيل انه يعارضه استصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعليا في الوقت، قلنا ان عدم فعليه الواقع اما لعدم فعلية موضوعه، أو لعدم وصوله، أو لسقوطه والاول: انكشف خلافه. والثانى انقلب الى نقيضه وهو الوصول. والثالث مشكوك فيه يجرى فيه الاستصحاب، هذا كله فيما هو مفاد الاصول اللفظية. ما يقتضيه الاصول العملية واما الاصول العملية، فالكلام فيها في مقامين: الاول: في الاصول غير التنزيلية، كقاعدة الطهارة، واصالة الاباحة. الثاني: في الاصول التنزيلية كالاستصحاب. اما الاول: فقد اختار المحقق الخراساني في الكفاية انها تقتضي الاجزاء. قال فان دليلة يكون حاكما على دليل الاشتراط ومبينا لدايرة الشرط وانه اعم من الطهارة الواقعية والظاهرية فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجبا لانكشاف فقدان العمل بشرطه بل بالنسبة إليه يكون من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل انتهى. واورد عليه بايرادات عمدتها للمحقق النائيني (ره) 1 - ان هذا لا يستقيم على مسلكه من تفسير الحكومة بان تكون بمثل كلمة اعني واردت واشباه ذلك، ومن الواضح عدم تحقق الحكومة بهذا المعنى في المقام. وفيه: انه (قده) يصرح في تعليقته على الرسائل بان الحكومة هي ما إذا كان احد الدليلين مسوقا بنحو يصلح للنظر الى كمية موضوع الاخر، وهذا ينطبق على المقام فان دليل المحكوم متكفل لاثبات ان الطهارة مثلا شرط للصلاة، ودليل الحاكم يدل على ان المشكوك طهارته طاهر فهو يصلح للنظر الى التوسعة في موصوع المحكوم. 2 - ان الحكومة انما تستقيم إذا كانت الطهارة والحلية الظاهرية مجعولة اولا ثم ياتي دليل على ان ما هو الشرط في الصلاة اعم الطهارة الظاهرية والواقعية فيكون هذا الدليل موسعا لما دل على اعتبار الطهارة في الصلاة، ومن الواضح ان المتكفل لاثبات

[ 330 ]

الحكم الظاهرى ليس الانفس دليل قاعدة الطهارة فكيف يمكن ان يكون هو المتكفل لبيان كون الشرط اعم من الواقعية والظاهرية منها. وفيه: ان المحقق الخراساني يدعى ان جعل الطهارة مثلا جعل لها بالمطابقة، ولاحكامها بالالتزام، ومن جملة احكامها شرطيتها للصلاة، فيلزم من ضم دليل الحكم الطاهري التمكفل باثبات ان مشكوك الطهارة طاهر، الى دليل المحكوم المتكفل باثبات ان الطهارة شرط في صحة الصلاة، ان الشئ المشكوك طهارته بعض افراد الشرط - وبالجملة - عموم الشرط للطهارة الظاهرية من لوازم جعل الطهارة ظاهرا فلا محذور من هذه الجهة. 3 - ان الحكومة المدعاة في المقام ليست الا من باب جعل الحكم الظاهرى وتنزيل المكلف منزلة المحرز للواقع في ترتيب آثاره، وهذا مشترك فيه بين جميع الاحكام الظاهرية سواء ثبتت بالامارة ام بالاصل بل الامارة اولى بذلك من الاصل فان المجعول في الامارات نفس صفة الاحراز. وفيه: ان الحكومة المدعاة في المقام ليست لما ذكر بل لان المجعول في الحاكم بنفسه حكم شرعى جعل شرطا وهذا المعنى مفقود في الامارات. 4 - ان الحكومة لو سلمت فانما هي حكومة ظاهرية لا واقعية وعليه فلازم ذلك ترتيب اثار الواقع ما لم ينكشف الخلاف لا التوسعة في الواقع في ظرف الشك. وفيه: ان المحقق الخراساني (ره) لا يدعى حكومة دليل قاعدة الطهارة على دليل الطاهر الواقعي ولا على مادل على اشتراط الطهارة الواقعية في الصلاة، بل يدعى حكومته على دليل اشتراط الطهارة غير المقيدة بالواقعية في الصلاة، وفي مثل ذلك لا يكون مرتبة الحاكم متاخرة عن مرتبة المحكوم، وان شئت قلت انه بالحكومة يستكشف ان المأخوذ شرطا للصلاة اعم من الواقعية والظاهرية. ولا محذور في اخذ الشرط شيئين طولين ولا في اخذ الطهارة الظاهرية شرطا واقعا كما لا يخفى. 5 - انه لو التزامنا وبالحكومة لزم الالتزام بها في ساير احكام الطهارة، فلو غسل ثوبه بالمشكوك طهارته مع البناء على طهارته لقاعدة الطهارة لابد من البناء على طهارته واقعا

[ 331 ]

ولو بعد انكشاف الخلاف ونجاسة الماء واقعا، وكذا توضأ بماء مشكوك الطهارة لابد من البناء على تحقق الطهارة الحدثية ولو بعد انكشاف نجاسة الماء. وهذا مما لا يمكن الالتزام به. وفيه: انه يمكن الالتزام في تلك الموارد، بان النجاسة مانعة عن تحقق الطهارة الحدثية وطهارة ما غسل بالنجس فما دام لم ينكشف الخلاف لا تكون النجاسة واصلة وكان في الظاهر محكوما بعدم النجاسة، فبعد وصوله يظهر انه كانت النجاسة مانعة عن تحقق الطهارة. والصحيح في الجواب عن الحكومة ان يقال انه لو سلم دلالة الروايات على جعل الطهارة مع انه محل الكلام كما سيأتي في اخبار الطهارة والحلية المستدل بها لحجية الاستصحاب: ان الطهارة من الخبث بنفسها ليست امرا وجوديا بل هي امر عدمي، وهو خلوا لمحل عن القذارات كما سيمر عليك في مبحث الاستصحاب في ذيل تلك الاخبار، وعليه فلا معنى لجعلها الا جعل آثارها فمفاد الاخبار ترتيب اثار الطهارة على المشكوك طهارته، مع انه على فرض النجاسة الواقعية وعدم ارتفاعها بجعل الطهارة وتنافي الطهارة والنجاسة لا محالة يكون المجعول ترتيب الاثار، فلا شك في عدم الحكومة حينئذ كما لا يخفى. واما الثاني: أي الاصل التنزيلى وهو الاستصحاب، ففى الكفاية افاد ان حكمه بناءا على ما هو الحق من جعل الحكم المماثل الذى اختاره في التنبيه الخامس من تنبيهات الاستصحباب حكم قاعدة الطهارة. ولكن حيث ان المختار عندنا في المجعول في باب الاستصحاب هو كون المجعول الجرى العملي على طبق اليقين السابق كما سيأتي توضيحه في محله فلا موهم للاجزاء. وربما يتوهم دلالة صحيح زرارة المتضمن لتعليل عدم وجوب اعادة الصلاة الواقعة مع النجاسة الواقعية المحكوم ظاهرا بالطهارة - بالاستصحاب - فانه لو لا اقتضاء امتثال الامر الظاهرى للاجزاء لما صح التعليل. فيكون صحيح زرارة لما فيه من التعليل

[ 332 ]

دليلا على قاعدة الاجزاء. والجواب عنه اما، ما افاده الشيخ الاعظم من ان العلة حينئذ هو مجموع الصغرى والكبرى. أي الاستصحاب، وقاعدة الاجزاء، لا الاستصحاب خاصة فلا يصح التعليل به. واورد عليه بايرادات اجبنا عنها في مبحث الاستصحاب في ذيل الصحيح الثاني الذى استدل به للاستصحاب مع انه يمكن ان يكون الاستصحاب من جهة ان الشرط اعم من الطهارة الواقعية والمحرزة. أو من جهة ان النجاسة التى لم يقم معذر شرعى أو عقلي مانعة. وتمام الكلام في محله. فالمتحصل انه لا وجه للاجزاء في الامارات والاصول مطلقا لفرض بقاء الواقع وكون الاعادة أو القضاء من آثاره هذا ما تقتضيه القاعدة الاولية. ما يقتضيه الادلة الثانوية واما مقتضى الادلة الثانوية - فمتحصل القول فيه - انه قد استدل للقول بالاجزاء في موارد الاوامر الشرعية الظاهرية بوجوه. احدها: ما وقع الاستدلال به في كلمات جماعة من الاساطين، وهو ان عدم الاجزاء في موارد الاوامر الظاهرية مستلزم للحرج نوعا، ويكفى الحرج النوعى في نفى الحكم رأسا، ولا يعتبر الحرج الشخصي، وقد اثبتوا جملة من الاحكام بواسطة استلزام عدمها الحرج في الجملة ولو بالنسبة الى جمع من الاشخاص، والظاهر كما نبه عليه المحقق النائيني (ره) ان منشأ ذلك هو تعليل بعض الاحكام الشرعية بنفى الحرج - كطهارة الحديد - مع ان نجاسة الحديد لا تستلزم الحرج بالنسبة الى جميع الاشخاص في جميع الاحوال فتخيل ان الحرج المنفى هو الحرج النوعى لا الشخصي. ولكن يرد عليه ان الظاهر من دليل نفى الحرج من الاية الكريمة والاخبار كون المنفى هو العسر والحرج الشخصيان، كما في قاعدة نفى الضرر، ولذلك يجب الوضوء على من لم يكن الوضوء بالنسبة إليه حرجيا، أو ضرريا، وان كان بالنسبة الى عامة الناس

[ 333 ]

حرجيا، أو ضرريا، والتعليل المشار إليه انما هو من جهة الاشتباه والخلط بين موضوع الحكم، وداعي جعله، وادلة نفى الحرج يكون موضوعها الحرج، وهى كساير القضايا الحقيقة يدور الحكم فيها مدار الموضوع وجودا وعدما، فلا معنى لكون الميزان هو الحرج النوعى، واما ما في خبر طهارة الحديد من التعليل بالحرج فهو انما يكون حكمة للتشريع، ولا مانع من كون شئ داعيا وحكمة لجعل حكم لا يدور ذلك الحكم مداره لكن ذلك انما هو شان الشارع لا المجتهد. وتمام الكلام في محله وعليه فلا وجه للحكم بالاجزاء وعدم وجوب الاعادة والقضاء ما لم يتحقق الحرج الشخصي. ثانيها: ما عن المحقق النائيني (ره) من دعوى الاجماع على الاجزاء في العبادات الواقعة على طبق الاجتهاد المتبدل، أو التقليد كذلك. وفيه: مضافا الى عدم ثبوت الاجماع، انه على فرض ثبوته لا يكون اجماعا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم (ع) بل الظاهر ولا اقل من المحتصل كونه مدركيا مستندا الى بعض ما ذكر من الوجوه. ثالثها: حديث لا تعاد الصلاة، بناءا على ما هو الحق من شموله للجاهل غير المقصر كما حقق في محله، فهو يدل على ان الخلل الواقع في الصلاة جهلا أو نسيانا - من غير جهة الخمسة المذكورة فيه - لا يوجب بطلان الصلاة، فلا يجب اعادتها أو قضائها، فالحديث يدل على الاجزاء في خصوص باب الصلاة. وحيث انه لا دليل على الاجزاء غير هذا الحديث فلا وجه للقول بالاجزاء في غير باب الصلاة من العبادات. واما على ما اختاره المحقق النائيني المتمسك بالاجماع عليه فهو يجرى في جميع ابواب العبادات لانه يدعى الاجماع على الاجزاء في باب العبادات مطلقا. وعليه فلو كان يرى عدم مفطرية الارتماس للصوم، ثم تبين له مفطريته وقد ارتكبه واتى به فانه يجب عليه القضاء على المختار، ولا قضاء عليه على مختاره. ثم ان مسألة الاجزاء مختصة بباب العبادات، ولكن مسألة تبدلى الرأى اعم منها ومن الوضعيات من العقود والايقاعات والاسباب. وحيث ان المدرك واحد فعلى الطريقية لا اجزاء وينقض الاعمال السابقة. وعلى

[ 334 ]

الموضوعية لا انتقاض، وحيث انا لا نسلم الاجماع التعبدى، وانما بنينا على الاجزاء في باب الصلاة لحديث لا تعاد الصلاة. فالاظهر هو الانتقاض مطلقا في الوضعيات من غير فرق بين بقاء الموضوع - كما لو بنى على صحة العقد بالفارسي اجتهادا فعامل معاملة فارسية والمال الذى انتقل إليه بتلك المعاملة باق - وبين عدم بقائه، كما لو كان المال المشترى بذلك العقد تالفا، ولا يصغى الى ما قيل، من الاجماع على النتقاض في الصورة الثانية. الاجزاء في القطع بالامر في صورة الخطاء وينبغى التنبيه على مور: افاد المحقق الخراساني (ره) انه لا ينبغى توهم الاجزاء في القطع بالامر في صورة الخطاء، واستدل له: بانه لا يكون موافقة للامر فيها وبقى الامر بلا موافقة اصلا، واورد عليه بما حاصله ان الاجزاء ليس مناطه موافقة الامر بل ملاكه وفاء الماتى به بمصلحة المأمور به وفي مورد القطع يمكن ذلك بل هو واقع في الجملة، كما في مورد الجهر والاخفات والقصر والامام واجاب عنه: بانه في موارد الامارت والاصول زايدا على امكان ذلك: يشهد له في مقام الاثبات ما مر، واما في مورد القطع المخالف فلا يكون شئ يستدل به اللاجزاء بنحو الكلية ووجود الدليل في بعض المقامات الخاصة لا يجعل البحث اصوليا وكليا. ولكن ما افاده يتم فيما هو مقتضى الادلة الاولية، واما الادلة الثانوية من الاجماع وقاعدة لا حرج، وحديث لا تعاد الصلاة، فهى في الشمول لمورد القطع والامارات على حد سواء ولا فرق بينهما اصلا. الثاني: قال المحقق الخراساني لا يذهب عليك ان الاجزاء في بعض موارد الاصول والطرق والامارات على ما عرفت تفصيله لا يوجب التصويب المجمع على بطلانه الى آخر ما يفيد، محصل ما افاده في هذا الامر ردا لما قيل من ان الاجزاء وعدمه، مبنيان على القول بالتصويب أو التخطئة، وعلى الاول: لابد من البناء على الاجزاء، وعلى الثاني

[ 335 ]

على عدمه. ان التصويب ان كان بلحاظ خلو الواقعة عن الحكم فلا ملزم للالتزام به إذ الحكم الواقعي بمرتبته محفوظ إذ الحكم الواقعي المشترك بين العالم والجاهل بر يرتفع بقيام الامارة على خلافه حتى بناءا على اشتمال مؤداها على المصلحة التى مع استيفائها لا يبقى مجال لاستيفاء مصلحة الواقع الذى هو ملاك الاجزاء، وان كان بلحاظ سقوط الحكم بمراتبه بعد الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهرى، فهو يؤكد ثبوت الحكم المشترك: إذ مجرد قيام الامارة لم يوجب السقوط، بل اتيان المأمور به بالامر الظاهرى اوجب حصول الغرض وسقوط الحكم بسقوط غرضه ليس من التصويب الباطل بشئ لان المراد من ثبوت الحكم المشترك ليس ثبوته ابدا حتى مع الاطاعة أو العصيان أو الاتيان بما يوجب سقوط الغرض، وان كان بلحاظ عدم فعلية الحكم الواقعي للجهل أو قيام الامارة على الخلاف فهو غير مربوط بالاجزاء لاجتماع عدم فعلية الواقع حال الجهل مع عدم الاجزاء مع انه ليس من التصويب في شئ، لبقاء الحكم الواقعي. فالمحتصل ان القول بالاجزاء غير ملازم للتصويب، نعم القول بعدم الاجزاء، لا يلائم مع التصويب الباطل، بل هو يلائم مع التصويب على مسلك بعض العدلية كما مر مفصلا. العدول من مجتهد الى آخر الثالث: ان الشيخ الاعظم، وبتبعه اكثر المحققين المتأخرين عنه، ذهب الى التلازم بين تبدل الرأى، والعدول من مجتهد الى آخر، في الانتقاض وعدمه، فلو كان مقتضى التقليد الثاني بطلان الاعمال الواقعة على طبق التقليد الاول: فلابد من ترتب الاثر فعلا على طبق الحجة الفعلية. والمحقق النائيني، استدل له بان حجية فتوى المجتهد للمقد ليست من باب السببية والموضوعية بل من باب الطريقية فيجرى فيها ما ذكرناه في الامارت والاصول، مع انه لو ضاق بنا الخناق لا نلتزم بازيد من المصلحة السلوكية التى لا تستلزم الاجزاء كما مر.

[ 336 ]

اقول الفرق واضح: فان فتوى المجتهد انما ينتهى امد حجيتها بالموت مثلا، وهذا بخلاف الخبر فانه لو ظفر المجتهد بما هو اقوى منه فانه يوجب نقض الاثار السابقة من حيث اطلاق مضمونه واضمحلال الحجة الاولى لقيام الاقوى على خلافها. وان شئت قلت انه بالطفر بالحجة الاقوى يظهر ان الحجة هي لا الخبر الاول: فيظهر اثر تنجزه فيما قبل من حيث التدارك. واما فتوى الثاني فانه وان علم بها المكلف لا تكون حجة عليه بل الحجة غيرها - وبالجملة - ان مفاد الحجة الاقوى للمجتهد هو كون ما فعله على طبق الحجة الاولى كان باطلا في الواقع وان كان معذورا في مخالفته، وليس كذلك فتوى المجتهد للمقلد فانه لو سئل المقلد عن مقلده هل كان عملي في السابق بنظرك باطلا، يجيب كلا بل لو كنت فاعلا على ما اراه صحيحا كان باطلا، لان الوظيفة في ذلك الوقت كانت في اظاهر والواقع هو العمل على طبق الفتوى الاولى ولم ينكشف خلافها فتلك الاعمال بحسب فتوى المجتهد الثاني محكومة بالصحة لمطابقتها للحجة ففتوى المجتهد الاول: ينتهى امدها بموته مثلا وهو مبدأ حجية فتوى الثاني، وليس كذلك عند تبديل الرأى. نعم لو كان مورد الفتوى باقيا وللزمان عليه مروان يجب على المقلد العمل على طبق فتوى الثاني، وهو غير مربوط بمسألة الاجزاء، فلو صلى الجمعة استناد الى فتوى من يرى وجوبها في زمان الغيبة وترك الظهر، ثم مات المجتهد وقلد من يرى وجوب الظهر لا يجب عليه قضاء ما تقدم، لان فتوى المجتهد الثاني لا حجية لها بالنسبة الى الاعمال السابقة، وهذا بخلاف مالو تبدل رأيه فان الرأى الثاني حجة بالنسبة الى الاعمال السابقة ايضا وان كان معذورا في مخالفتها حين العمل. فالاظهر هو البناء على الاجزاء وعدم الانتقاض عند تبدل المجتهد مطلقا الا إذا تبين عدم صحة تقليد الاول: من الاول: فانه يجرى فيه حينئذ ما ذكرناه في الامارات والاصول.

[ 337 ]

في اختلاف الحجة بالنسبة الى شخصين الرابع: ذكر المحقق النائيني، انه لا فرق فيما ذكرناه من كون عدم الاجزاء على القاعدة بين اختلاف الحجة بالنسبة الى شخص كما إذا فرضنا اختلاف المجتهدين في الفتوى فلا يجزى فتوى احدهما بالنسبة الى الاخر أو لمقلديه، مثلا إذا كان احد الشخصين يرى جواز العقد بالفارسي، وطهارة العصير النبي، وعدم جزئية السورة للصلاة فلا يمكن لمن يرى تلك الامور ان يكون احد طرفي العقد معه أو ان يعامل معاملة الطاهر في فرض العلم بمالاقاته للعصير أو يقتدى به في الصلاة أو يستاجره لها وتحققيق القول بالتكلم في موارد: الاول: في الاختلاف في شروط الصيغة: وتقيح القول فيه بالبحث في موارد 1 - في القيود التى ينحصر دليلها بالاجماع. 2 - في ما لدليل اعتباره اطلاق مع عدم سراية احدى الصفات الى فعل الاخر 3 - فيما لدليل اعتباره اطلاق مع السراية. اما الاول: فالظاهر صحة العقد كما هي مقتضى العمومات والمطلقات، والمتيقن من الاجماع على اعتبار ذلك القيد كالعربية، مثلا، هو غير المقام الصادر فيه الايجاد والقبول عن اعتقاد كل منهما صحة ما انشأه، ففيه يرجع الى العمومات المقتضية للحصة. واما المورد الثاني: ففيه اقول، ثالثها التفصيل بين كون العقد فاسدا في نظر الجميع بحيث لا قائل بصحته، كما لو فرضنا انه لا قائل بنفوذ العقد الفارسى المقدم ايجابه على قبول فعدم الصحة، وبين غيره فالصحة. وقد ابتنى الشيخ الاعظم القولين الاولين على، ان الاحكام الظاهرية المجتهد فيها بمنزلة الواقعية الاضطرارية، فالايحاب بالفارسي من المجتهد القائل بصحته عند من يراه باطلا، بمنزلة اشارة الاخرس، ام هي احكام ظاهرية لا يعذر فيها الا من اجتهد أو قلد فيها. واورد عليه المحققان اليزدى والخراساني بايرادين اجبنا عنهما في الجزء الثاني عشر من فقه الصادق فما افاده متين، وحيث لا دليل على ان الاحكام الظاهرية بمنزلة الواقعية

[ 338 ]

مطلقا، فالقوم بعدم الصحة اقوى. وبه يظهر حكم المورد الثالث بل الحق فيه البطلان حتى على القول بكون الاحكام الظاهرية بمنزلة الواقعية مطلقا وتمام الكلام في محله في كتاب البيع. الثاني: في اقتداء المجتهد أو مقله، بمجتهد آخر أو مقله المخالف له في الفروع مع استعماله محل الخلاف في الصلاة، فاظاهر هو جواز الاقتداء إذا كان المخل به في صلاة الامام من الفعل أو الترك بنظر المأموم ما لا يخل مطلق وجوده وانما يخل بها إذا كان عمديا وعن علم أو جهل تقصيري وهى جميع الاجزاء والشرائط والموانع غير الخمسة المستثناة في حديث لا تعاد الصلاة. نعم، في خصوص القرائة يشكل الحكم بالصحة كما حققناه في الجزء الرابع من فقه الصادق. وعدم الجواز إذا كان المخل به في صلاة الامام من الخمسة المستثناة. ولتنقيح القول في ذلك محل آخر. الثالث: في معاملة الطاهر مع من يعتقد طهارة ما يراه نجسا. والكلام فيه محرر في الجزء الاول من فقه الصادق. يستثنى من ما ذكرناه من ان نفوذ الحكم الظاهرى الثابت لشخض في حق غيره الذى يرى خلافه يحتاج الى دليل ولا دليل. مسألتان احداهما، مسألة النكاة والاخرى مسألة الطلاق. اما الاولى: فيجب على كل احد ترتيب آثار النكاح الصحيح على نكاح كل قوم وان كان فاسدا في مذهبه، فلو اعتقد شخص صحة النكاح بالعقد الفارسى وعقد على امرأة كذلك وراى الاخر بطلانه، لزمه ترتيب آثار النكاح الصحيح وان كان فاسدا في نظره فلا يجوز له ترويج امرئته. والدليل عليه مضافا الى ما دل على انه لكل قوم نكاح. وامكان استفادته من الروايات، السيرة القطعية الجارية بين المسلمين يرتبون آثار النكاح الصحيح على نكاح طائفة اخرى ولو كان فاسدا في مذهبهم. وبه يظهر الحال في المسألة الثانية.

[ 339 ]

مقدمة الواجب الفصل الرابع: في مقدمة الواجب، قبل التعرض للمقصود يقع الكلام في عدة جهات الاولى: في بيان المراد من الوجوب المبحوث عنه في المقام، فنقول انه لا ريب ولا شك لاحد في ان المراد منه ليس، هو الوجوب العقلي يعنى لابدية الاتيان بالمقدمة: بداهة ان ذلك مساوق للمقدمية للواجب، إذ العقل إذا ادرك توقف الواجب على مقدمته وراى أو تركها يؤدى الى ترك الواجب الذى فيه احتمال العقاب، يستقل بلزوم اتيانها تحصيلا للامن من العقوبة فيكون انكاره انكارا لها وهو خلف الفرض. وايضا لا ينبغى الشك في ان المراد من الوجوب المبحوث عنه ليس هو الوجوب المجازى بمعنى ان الوجوب المسند الى ذى المقدمة اولا وبالذات، ينسب الى مقدماته مجازا وثانيا وبالعرض، ضرورة انه ليس شان الاصولي ولا الفقيه البحث عن ذلك. مع ان صحة هذا الاسناد لا كلام فيها. بل المراد منه اما، الوجوب الاستقلالي الشرعي كما هو ظاهر المحقق القمى (ره) أو الوجوب التبعى الارتكازي، بمعنى ان الامر لو كان ملتفتا الى نفس المقدمة لاوجبها وسيجيئ عند البحث عن ادلة الطرفين ما هو الحق في المقام. وحيث ان للوجوب تقسيما آخر إذ ربما يكون نفسيا ناشئا عن مصلحة في المتعلق، وربما يكون طريقيا جعل تحفظا على الملاكات الواقعية التى لا يرضى الشارع الاقدس بفوتها حتى في حال الجهل كوجوب الاحتياط في الابواب الثلاثة، وثالثا، يكون غيريا من جهة كون متعلقه مقدمة لما فيه الملاك الملزم. وبديهى ان وجوب المقدمة ليس من القسمين الاولين، فلا محالة هو على تقدير الثبوت من قبيل القسم الاخير.

[ 340 ]

مبحث المقدمة من المسائل الاصولية الثانية: ان هذه المسألة هل هي من المسائل، الاصولية، أو الفقهية، أو الكلامية، أو المبادئ الاحكامية، أو المبادئ التصديقية. ففيها وجوه واقوال. قد يقال انها من المسائل الفقهية: لان المبحوث عنه في هذه المسألة هو وجوب المقدمة. واجاب عنه المحقق النائيني، بان المسألة تكون اصولية، وان كان البحث عن وجوب المقدمة، وعلله، بان علم الفقه متكفل لبيان احوال موضوعات خاصة، كالصلاة، والصوم، وماشا كل، والبحث عن وجوب المقدمة، التى لا ينحصر صدقها، بموضوع خاص، لا يتكفله علم الفقه. ويرد عليه الفقه، كما يكون متكفلا لبيان احوال الموضوعات الخاصة بعناوينها الاولية، كذلك يكون متكفلا لبيان احوال العناوين العامة التى تنطبق على كثير من العناوين الخاصة، كعنوان النذر، والشرط، واطاعة الوالد، وماشا كل. واجاب عنه المحقق العراقى على ما نسب إليه، بان وجوب المقدمة ليس حكما وحدانيا ناشئا عن ملاك واحد، بل هو واحد عنوانا ومتعدد بتعدد ملاكات الواجبات النفسية، والمسألة الفقهية ما تكون نتيجتها حكما فرعيا وحدانيا ناشئا من ملاك واحد سواء أكان متعلقه طبيعة شرعية كالصلاة والصوم، ام عنوانا يشاربه الى مصاديقه التى هي متعلقات الاحكام كالموضوع في قاعدة ما يضمن وامثالها. وفيه: انه لا دليل على ما افيد بل الملاكات خارجة عن باب جعل الاحكام ولا كاشف عن وحدتها أو تعددها: والميزان في هذا الباب ملاحظة المجعول، وفيه لا فرق بين قاعدة ما يضمن ومسألة وجوب المقدمة. والحق في الجواب ان البحث في هذه المسألة ليس عن وجوب المقدمة ابتداءا، بل البحث فيها انما هو عن ثبوت الملازمة بين الامر بشئ والامر بمقدمته وعدم ثبوتها،

[ 341 ]

ومن المعلوم ان البحث عن ذلك لا ربط له باحوال فعل المكلفين وعوارضه بلا واسطة وما يوهمه ظاهر كلمات كثير من الاصحاب، حيث انهم عنونوا المسألة بنحو تكون فقهية، فلابد من الحمل على ارادة الاهتمام بشان الوجوب، والا فمحط بحثهم ثبوت الملازمة، وعدمه، ولذا لم يعقدوا لمسألة استحباب مقدمة المستحب بحثا خاصا، بل انما يحكمون باستحباب مقدمة المستحب بملاك حكمهم في مقدمة الواجب بالوجوب، وذلك كاشف عن ان نظر هم الى الملازمة بين الحكمين. وقد يقال انها من المبادى الاحكامية وهى المسائل التى تكون محمولاتها من عوارض الاحكام التكليفية أو الوضعية كتضاد الاحكام وملازمة بعضها لبعض، والبحث عن وجوب المقدمة من هذا القبيل، فانه يبحث في هذه المسألة عن ملازمة وجوب المقدمة لوجوب ذى المقدمة. وفيه: انه لا مانع من كون المسألة فيها جهتان يوجب كل منهما تعنونها بعنوان مستقل، وهذه المسألة كذلك، فهى من حيث وقوع نتيجتها في طريق الاستنباط كما سيمر عليك من المسائل الاصولية، وان كانت فيها جهة مقتضية لكونها من المبادى الاحكامية. وقد يقال انها من المبادى التصديقية فان موضوع علم الاصول الادلة الاربعة ومنها حكم العقل، والمراد منه اذعان العقل بشئ فلا محالة تكون المسألة الاصولية هي ما يبحث عن لواحق حكم العقل، واما ما يبحث فيه عن نفس حكم العقل فهو بحث عن ذات الموضوع لاعن عوارضه، وحيث ان المبحوث عنه في هذه المسألة الملازمة العقلية بين الوجوبين نفسها فيه من المبادى التصديقية. وفيه: ما مر في اول الاصول من ان موضوع علم الاصول ليس هو الادلة الاربعة بل المسألة الاصولية هي ما يقع نتيجتها في طريق الاستنباط كانت باحثة عن عوارض الادلة الاربعة ام لا. ومسألة الملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذى المقدمة من هذا القبيل. وبما ذكرناه ظهر ان المسألة من المسائل الاصولية فانه يستنبط من هذه المسألة الحكم الشرعي وتقع نتيجة هذه المسألة في طريق الاستنباط من دون حاجة الى ضم مسألة اصولية اخرى واستفادة الحكم منها انما هو من باب الاستنباط لامن باب التطبيق.

[ 342 ]

واما ما قيل من انها من المسائل الكلامية نظرا الى ان البحث عنها بحث عقلي فلا ربط لها بعالم اللفظ اصلا، فيرد عليه ان مجرد كون البحث عنها عقليا لا يوجب دخولها في المسائل الكلامية فانها عبارة عن المسائل التى يبحث فيها عن احوال المبدأ والمعاد فحسب. هذه المسألة من المسائل العقلية الثالثة: الظاهر ان هذه المسألة، من المسائل العقلية، لامن مباحث الالفاظ كما يظهر من صاحب المعالم، إذ الحاكم بالملازمة انما هو العقل، غاية الامر ان هذا الحكم العقلي، انما هو من الاحكام العقلية غير المستقلة، وهى مالا يستنبط منها الاحكام الشرعية، الا بعد ضم مقدمة شرعية إليها، وليس من الاحكام العقلية المستقلة، وهى ما يستنبط منها الاحكام الشرعية مستقلا بلا احتياج الى ضم شئ آخر إليها. وذلك لانه لا يستنبط من حكم العقل بالملازمة بين وجوب ذى المقدمة ووجوب المقدمة، حكم شرعى الا بعد ثبوت وجوب ذى المقدمة وضمه إليه، وتوهم انحصار الاحكام العقلية بالقسم الثاني، اوجب جعل هذه المسألة من مباحث الالفاظ، والا فلا ربط لهذه المسألة بها. وربما يقال انه يمكن ان يكون نظر صاحب المعالم الى ان الملازمة ان كانت ثابتة بحكم العقل كان لازمه دلالة ما دل على وجوب ذى المقدمة على وجوب المقدمة بالدلالة الالتزامه فمن نفيها يستكشف عدمها. ويرد عليه ان الدلالة الالتزامية تتوقف على كون اللزوم عرفيا أو عقليا بينا بالمعنى الاخص بحيث يلزم من تصور الملزوم تصور اللازم. واما ان كان اللزوم بينا بالمعنى الاعم وهو ما يجب معه الحكم باللزوم عند تصور الطرفين أو غير بين فلا يدل الكلام الدال على الملزوم عليه بالدلالة الالتزمة، فمن نفى الدلالة اللفظية لا يمكن ان يستدل على عدم الملازمة.

[ 343 ]

بيان خروج الاجزاء عن حريم النزاع الرابعة: في تقسيمات المقدمة، فقد ذكروا للمقدمات تقسيمات متعددة من جهات عديدة، الاول: تقسيمات الى الداخلية وهى الاجزاء المأخوذة في الماهية المأمور بها والخارجية. توضيح ذلك انه إذا لو حظ شئ مع المأمور به فلا يخلو الامر من احد امور ثلاثة 1 - انه يكون داخلا في المأمور به قيدا وتقيدا كالقرائة بالاضافة الى الصلاة ويسمى ذلك بالمقدمة الداخلية 2 - يكون خارجا عنه قيدا وتقيدا كالسير الى الحجاز بالاضافة الى الحج ويسمى ذلك بالمقدمة الخارجية بالمعنى الاخص 3 - ما يكون وسطا بين القسمين ويكون داخلا فيه تقيدا لا قيدا كالطهارة بالاضافة الى الصلاة، ويسمى ذلك، تارة بالمقدمة الخارجية بالمعنى الاعم، واخرى بالداخلية بالمعنى الاعم، وثالثة بالمتوسط. وبعد ذلك نقول لا اشكال في دخول القسم الثاني في محل النزاع، وكذا الصنف الثالث بناءا على ما هو الحق خلافا اللمحقق النائيني (ره) من عدم انبساط الامر المتعلق بالمركب الاعتباري على القيود والشرائط كما مر في مبحث الواجب المشروط. انما الكلام في الصنف الاول: والكلام فيه تارة من حيث المقدمية موضوعا واخرى من حيث ثبوت حكم المقدمة الخارجية لها. اما الكلام في الجهة الاولى فقد استدل لعدم كونها من المقدمة موضوعا بان المركب ليس الا الاجزاء بالاسر والشئ لا يعقل ان يكون مقدمة لنفسه والالزم تقدم الشئ على نفسه. واجابوا عن ذلك باجوبة، احدها: ما عن التقريرات وهو ان للاجزاء اعتبارين، احدهما لحاظها بشرط لا وبهذه الملاحظة تكون اجزاء ومقدمة للكل. ثانيهما لحاظها لا بشرط وبها تكون متحدة مع الكل وعينه. ثانيهما: ما في الكفاية وهو ان المقدمة هي الاجزاء الملحوظة لا بشرط. وذا المقدمة انما هو الاجزاء بشرط الاجتماع أي الملحوظة مجتمعة ومعلوم ان المعروض له نحو

[ 344 ]

تقدم على عارضه. واورد على ذلك بان ما ذكر من اخذ الاجزاء لا بشرط يناقض ما ذكره اهل المعقول من ان الاجزاء الخارجية كالهيولى والصورة هي الماهية المأخوذة بشرط لا، واجاب عنه ما ذكره في اواخر مبحث المشتق بما حاصله ان مراد القوم بذلك انما هو الفرق بين الاجزاء الخارجية والتحليلية، وان الفرق بينهما انما هو بحسب المفهوم لا بحسب الاعتبار، ولكن قدمر عدم تمامية ذلك فراجع. فالحق في الجواب عن المناقضة، اختلاف المضاف إليه في اللابشرط، وبشرط لا، حيث ان مراد هم من بشرط لا في ذلك المقام هو بشرط لا عن الحمل، والمراد من اللابشرط في المقام هو اللابشرطية من حيث الاجتماع، وايضا مورد الكلام في ذلك المقام هو الاجزاء التحليلية التى تنحل إليها البسائط، ومحل الكلام في المقام هو الاجزاء الخارجية للمركبات، فالفرق بين المقامين واضح لا يخفى، فلا وقع لهذا الايراد اصلا. ثالثها: ما عن بعض المحققين وهو ان مناط التقدم الطبيعي موجود في كل جزء بالنسبة الى الكل إذ لا يمكن للكل وجود ولا وجود للجزء، بخلاف العكس - توضيحه - ان للمقدمة اطلاقين، إذ، تارة يراد بها ما يكون وجوده في الخارج غير وجود ذيها، ويكون الوجود الثاني متوقفا على وجود الاول، اخرى يراديها مطلق ما يتوقف عليه وجود الشئ وان لم يكن وجوده في الخارج غير وجود ذيه، وهى بالاعتبار الاول وان لم تصدق على الاجزاء الا انها بالاعتبار الثاني تصدق عليها: لبداهة توقف وجود الكل على وجود الاجزاء، واما وجودها فلا يتوقف على وجوده فيكون وجود الجزء متقدما على وجود الكل طبعا، فلا يعقل وجوده بدون وجوده، وهذا معنى المقدمية. ولكن يرد على الكل ان ما هو محل الكلام انما هو ما يمكن ان يترشح الوجوب من ذى المقدمة إليها المتوقف ذلك على الاثنينية الخارجية: إذ لا يعقل ترشح الوجوب من الوجوب المتعلق بشئ الى نفس ذلك الشئ، فاثبات التغاير في موطن العقل لا يفيد مع العينية الخارجية. واما الجهة الثابته: فالكلام فيها تارة في انه، هل يكون لاتصافها بالوجوب الغيرى مقتض ام لا، واخرى في انه على تقدير ثبوت المقتضى هل هناك مانع عن اتصافها به ام لا.

[ 345 ]

اما من حيث وجود المقتضى فالحق انه لا مقتضى له كما يظهر مما اوردناه على القوم واشار إليه المحقق الخراساني (ره) في هامش الكفاية وحاصله ان ملاك الوجوب الغيرى انما هو فيما إذا كان وجود المقدمة الى مقدمته، واما مع العينية في الوجود فجعل وجوب غيرى لها بعد كونها واجبة بالوجوب النفسي لغو محض. واما من حيث المانع، فقد استدل في الكفاية لعدم امكان تعلق الوجوب المقدمى بالاجزاء حتى على فرض صدق المقدمة عليها موضوعا، بان كل جزء من الاجزاء متعلق للوجوب النفسي المتعلق بالمركب، إذ الاجزاء بالاسر هي المركب المأمور به، فالامر النفسي المتعلق بالمركب يكون منسبطا على اجزائه، ومتعلقا بكل منها، فيكون كل جزء واجبا بالوجوب النفسي، فلا يعقل تعلق وجوب آخر بالاجزاء، والالزم اجتماع المثلثين، وهو ممتنع، وان قلنا بكفاية تعدد الجهة، وجواز اجتماع الامر والنهى، لعدم التعدد هاهنا، فان عنوان المقدمية واسطة في ثبوت الحكم لذات المقدمة، ولا يكون متعلقا له. وفيه: انه لا يلزم اجتماع المثلين من تعلق الوجوب الغيرى بها، بل يلتزم بالوجوب الواحد الاكيد، كما في نظائر المقام من موارد اجتماع ملاكي الوجوبين وموضوعيهما، في مورد واحد. واجاب عنه المحقق العراقى، بان ملاك الوجوب الغيرى في الاجزاء انما هو في طول ملاك الوجوب النفسي في الكل، ومع اختلاف الرتبة يستحيل اتحاد المتماثلين بالنوع. وفيه: ان الطولية في الملاك لا يلازم الطولية في الحكم، مع ان الحكم المتأخر رتبة وان لم يكن في مرتبة المتقدم، الا ان المتقدم ثابت في مرتبة المتأخر، فيلزم الاتحاد. اضف الى ذلك ان المراد الاتحاد في الوجود الخارجي والتحقق وهذا لا ينا في مع تعدد المرتبة. ونسب الى المحقق العراقى (ره) الاستدلال له: بانه بعد كون الاجزاء واجبة بالوجوب النفسي المتعلق بالمركب لانها نفس الكل المركب منها وجودا في الخارج،

[ 346 ]

تعلق الوجوب الغيرى المتأخر عن ذلك الوجوب بكل جزء يكون بلا اثر ولغوا: إذ ان كان المأمور ممن يحركه امر المولى فالامر النفسي يوجب تحركه وان كان ممن لا يحركه الامر النفسي فالامر الغيرى ايضا لا يحركه، فاى فائدة في البعث إليه ثانيا، وإذا كان البعث الغيرى لغوا استحال على الحكيم صدوره منه. و فيه: انه يمكن ان يكون شخص في حال لا يحركه الامر الواحد ولكن لو تعدد وصار مؤكدا يحركه، ولذا ربما ينذر الاتيان بالواجب وليس ذلك الا لما ذكرناه، ولولاه لزم عدم انعقاد هذا النذر لما ذكر مع انه ينعقد بلا كلام. فالصحيح: ان يستدل له بما تقدم من منع المقدمية الخارجية إذ حينئذ لا معنى لترشح الوجوب من الوجوب المتعلق بالمركب إليها، وان شئت قلت بان الاجزاء مجبوبة للمولى بانفسها ومتعلقة لارداته بذاتها، فيستحيل كون محبوبيتها منشئا لمحبوبيتها بالمحبوبية الغيرية. وقد يقال كما عن بعض الاعاظم بانه تظهر النزاع في كون الاجزاء متصفة بالوجوب الغيرى وعدمه، في مسألة دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين: إذ على القول الاول لا ينحل العلم الاجمالي بوجوب احدهما الى العلم التفصيلي بوجوب الاقل لان مناط الانحلال انطباق المعلوم بالاجمال على المعلوم بالتفصيل على كل تقدير وفي المقام لا ينطبق عليه لان المعلوم بالاجمال هو الوجوب النفسي والمعلوم بالتفصيل الجامع بين الوجوب النفسي والغيري فلا انحلال في البين وعلى الثاني ينحل العلم الاجمالي الى العلم التفصيلي بوجوب الاقل النفسي والشك في اعتبار امر زايد. وفيه: اولا ان لازم اتصاف الاجزاء بالوجوب الغيرى ليس عدم اتصافها بالوجوب النفسي فعلى كل تقدير تفصيلا بالوجوب النفسي المتعلق بالاقل غاية الامر على تقدير تكون الاجزاء متصفة ايضا بالوجوب الغيرى دونه على تقدير اخر. وثانيا انه سيأتي في محله ان ضابط الانحال عدم جريان الاصل في الاقل. وجريانه في الزائد بلا معارض وفي ذلك لا فرق بين المسكين كما لا يخفى. الثاني: تقسيم المقدمة: الى العقلية والشرعية والعادية والظاهر انه لا وقع لهذا

[ 347 ]

التقسيم ولا يترتب عليه ثمرة اصلا. إذ المقدمة العقلية هي ما استحيل وجود ذى المقدمة بدونها وهى المقدمة الخارجية المتقدم بيانها، والشرعية، هي المتوسطة المتقدم ان نفسها من قبيل المقدمة الخارجية، والتقيد بها من قسم المقدمة الداخلية. واما العادية فان اريد بها، ما يتوقف عليه الواجب بحسب العادة، بحيث يمكن تحقق ذى المقدمة بدونها، الا انه جرت العادة على الاتيان بها مقدمة، فلا مورد لتوهم دخولها في محل النزاع، لعدم كونها مقدمة حقيقة، وان يرد بها ما يكون التوقف عليها فعلا واقعيا الا انه لاجل عدم التمكن عادة من الاتيان بها، فهى ترجع الى المقدمة العقلية، كما لا يخفى. الثالث: تقسيم المقدمة، الى مقدمة الجود، ومقدمة الوجوب، ومقدمة الصحة ومقدمة العلم. اما مقدمة الوجود فلا اشكال في دخولها في محل النزاع وهى المقدمة الخارجية العقلية وهى ما يتوقف وجود المأمور به عليها عقلا. واما مقدمة الصحة فهى المقدمة المتوسطة بين الخارجية والداخلية التى تقدم انها بنفسها من قسم الخارجية العقلية. ومن حيث التقيد بها من قسم الداخلية. واما مقدمة الوجوب، فقد استدل لخروجها عن حريم النزاع بان تلك المقدمة ما لم تتحقق لا وجوب لذى المقدمة كى يترشح الوجوب منه إليها، وبعد تحققتها وثبوت الوجوب لا يمكن الترشح لكونه طلبا للحاصل، واورد عليه بان ذلك انما يتم في الشروط المتقدم والمقارن، ولا يتم في الشرط المتأخر. اقول يمكن ان يقال فيه بان الشرط المتأخر، ان كان خارجا عن الاختيار فلا كلام، وان كان تحت الاختيار فحيث ان كون ذى المقدمة واجبا يتوقف عل تحققه في ظرفه، فلو لم يأت به لما وجب ذو المقدمة كى يجب بوجوبه ولو اتى به لا يمكن تعلق الوجوب به لكونه طلب الحاصل. واما مقدمة العلم فليست بمقدمة اصلا، إذ مثلا في الصلاة الى اربع جوانب ليست الصلاة الواقعة الى غير القبلة مقدمة للصلاة الواقعة إليها، نعم الصلوات الواقعة الى اربع جهات مقدمة لاحراز تحقق المأمور به وجوده في الخارج، ووجوبها انما يكون

[ 348 ]

بمقتضى قاعدة الاشتغال لامن باب الملازمة كما لا يخفى. الشرط المتأخر الرابع: تقسيمها الى المتقدم والمتاخر والمقارن. وقد ورد في الشرع في جملة من الموارد ما ظاهره تقدم المشروط على الشرط زمانا مع انه قد برهن في محله انه لا يمكن تقدم المعلول على شئ من اجزاء علته ومنها الشرط، واجماله انه لو تقدم يلزم، اما تأثير المعدوم في الموجود، أو عدم التأثير، والاول ممتنع، والثانى خلف، وتوطئة لدفع هذا الاشكال قسم الاصحاب المقدمة ومن اقسامها الشرط كما مر، الى المتقدم، والمقارن، والمتاخر. والمحقق الخراساني بعد تقريب الاشكال في الشرط المتأخر اسرى الاشكال الى الشرط المتقدم. بدعوى انه من الضرورى عدم جواز انفكاك المعلول عن العلة، وعدم جواز انفكاكها عنه، فكما انه لا يجوز المعلول على علته كذلك لا يجوز تقدم العلة على المعلول، والالزم اما تأثير المعدوم في الموجود، أو الخلف. واورد على المحقق الخراساني، بان من قوله في اول البحث، ولا من تقدمها بجميع اجزائها على المعلول، ان كان هو التقدم الرتبى، فلاينا فيه التاخير الزمانى: إذ لا تضاد بين تأخر المعلول عن العلة رتبة، وتقدمة عليها زمانا واما ان يكون هو التقدم الزمانى. فهو مضافا الى منافاته لما صرح به بعد اسطر من اعتبار المقارنة الزمانية، غير تام. وفيه: ان مراده التقدم الرتبى، الا انه يستلزم عدم التاخر زمانا: إذا لتقدم الرتبى العلى، معناه انه لا يعقل وجود المعلول و ضرورة وجوده الا إذا وجدت العلة ووجبت، ولازم ذلك في الزمانيات ان لا يتقدم المعلوم على علته زمانا والا لم يكن وجوده تابعا لوجودها. ولكن يرد على المحقق الخراساني (ره) ان اسرائه الاشكال الى الشرط المتقدم، غير صحيح: فان المقارنة الزمانية انما تعتبر في العلة التامة المؤثرة، كالعلة البسيطة، و الجزء

[ 349 ]

الاخير من العلة المركبة، واما في العلة الناقصة، والمقربه للاثر، المعبر عنها بالمعد فلا تعتبر المقارنة، فالاشكال مختص بالشرط المتأخر. وحيث ان المورد التى توهم انخرام القاعدة فيها تكون على نحوين، لان المتأخر قد يكون شرطا للتكليف أو الوضع، وقد يكون شرطا للمأمور به. فتنقيح القول فيها بالبحث في موردين: الاول، في شرط الحكم، الثاني، في شرط المأمور به. اما الاول: فقد عرفت ان محذور تأخر الشرط انما هو تأثير المعدوم في الموجود، أو عدم التأثير، والاول ممتنع، لانه لا يمكن ان يترشح موجود بالفعل، من معدوم بالفعل. والثانى خلف، ولذلك ذهب جماعة من المحققين منهم المحقق النائيني (ره) الى امتناع ذلك، وللقوم في تصوير الشرط المتأخر مسالك. الاول: ما افاده المحقق الخراساني، وحاصله ان شرط التكليف أو الوضع، ليس الا ان للحاظه دخلا في الجعل كالشرط المقارن، حيث ان الحكم تكليفيا كان أو وضعاه، من الافعال الاختيارية للمولى، فمن مباديه تصور الشئ ولحاظ اطرافه ليرغب في طلبه، ويسمى هذه الاطراف التى والتصور، واما الامور الموجودة في الخارج فهى متعلقة للحاظ لا دخلية في الحكم، وعلى ذلك فكما يمكن ان يلاحظ المولى الامر المقارن أو المتقدم فيأمر يمكن ان يلاحظ الامر المتأخر، ففى موارد الشرط المتأخر لا يكون الشرط متاخرا كى يلزم تحقق المشروط قبل شرطه. الشرط يكون مقارنا دائما. واورد عليه المحقق النائيني (ره) بان ذلك يتم في القضايا الخارجية التى لا يتوقف الحكم فيها على غير دواعى الحكم المؤثرة فيه بوجودها العلمي طابق الواقع ام لا، وكذلك يتم في القضايا الحقيقيه في شرائط الجعل، فان الدخيل في الجعل ليس الا اللحاظ، ولا يتم في شرائط المجعول: فان الدخيل في فعلية الحكم انما هو الوجودات الخارجية المأخودة مفرضو الوجود، فما لم يتحقق الموضوع في الخارج بجيمع قيوده لا يصير الحكم فعليا: إذ نسبة الحكم الى الموضوع نسبة المعلول الى علته فيعود الاشكال، فجعل شرائط الحكم مطلقا من دخل اللحاظ في الحكم، انما نشأ من الخلط

[ 350 ]

بين القضايا الحقيقة، والخارجية. واجاب عنه الاستاذ الاعظم: بان شرط الحكم وان كان لابد من اخذه مفروض الوجود في مقام الجعل والانشاء الا ان ظرف وجوده المفروض يختلف باختلاف كيفية الجعل، فربما يجعل الحكم على الموضوع مقيد بقيد اخذ مفروض الوجود مقارنا له أو متقدما، عليه وربما يجعل الحكم على الموضوع المقيد بقيد اخذ مفروض الوجود بعد وجوده، والقيد في جميع ذلك وان كان مفروض الوجود، الا انه باختلاف ظرف وجود المأخوذ قيدا في الحكم انتهى. وهذا الوجه الثاني للامكان. ولكن يرد على ما افاده الاستاذ، ان ذلك لا يتم بناءا على مسلك العدلية من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد: إذ بناءا عليه، لا يكون اخذ القيد مفروض الوجود لغوا وجزافا، بل لا محالة يكون من جهة دخلة في اتصاف الفعل بالمصلحة، وعليه فيعود الاشكال وهو ان المتأخر كيف يمكن ان يؤثر في المتقدم، ويوجب اتصاف الفعل بالمصلحة قبل وجوده فهذا الوجه غير تام. كما ان الوجه الاول لا يتم لما افاده المحقق النائيني (ره) فانه لا ريب في ان الدخيل في فعلية الحكم في القضايا الحقيقية هي الوجودات الخارجية، لا الوجودات اللخاظية. الثالث: ان استحالة الشرط المتأخر انما هي التكوينيات، واما في التشريعيات، فيما ان الاعتبار والتشريع، خفيف المؤنة فلا محذور في تأخر شرائطه عقلا. واجاب عنه المحقق النائيني بان المتأخر ان لم يكن له دخل في هذا الاعتبار لا بنحو العلية، ولا بنحو الموضوعية، فلا معنى لكونه شرطا، وان كان دخيلا فيه، فكيف يعقل تأخره، وفيه ان مجرد ذلك لا يكفى في الجواب: إذ للمستدل ان يلتزم بانه دخيل في هذا الاعتبار بنحو الموضوعية، الا ان وجوده في ظرفه، اوجب فعلية الحكم قبل وجوده بواسطة اعتبار المولى وجعله. فالاولى: في الجواب ان يقال، ان دخله في اتصاف الفعل بالمصلحة، اوجب دخله في الموضوع بناءا على مسلك العدلية، ودخله فيه يكون تكوينيا فيعود المحذور.

[ 351 ]

الرابع: ان الممتنع تأخر المقتضى المترشح منه المعلول، لا الشرائط التى لا يترشح منها المعلول. وفيه: ان الشرط يؤثر في وجود المعلول، اما بتأثيره في تتميم فاعلية الفاعل، أو قابلية القابل فيعود الاشكال، وهو ان المعدوم كيف يؤثر في الموجود بالفعل، وقد استدل لامكانه بوجوه اخر واضح الفساد. والحق في وجه امكان الشرط المتأخر في الاحكام، ان يقال ان الشرط، والجزء، يختلفان في كيفية الدخل في الموضوع بتبع الاختلاف في كيفية الدخل في اتصاف الفعل بالمصلحة، إذا لجزء بنفسه دخيل فيه، واما الشرط فالتقيد به دخيل في ذلك لانفسه بل هو بوجوده الخارجي طرف لما يكون دخيلا في الموضوع، وهو التقيد به، وذلك امر مقارن للحكم. مثلا في العرفيات، الحمامى انما يرضى بالتصرف في الحمام وصرف الماء لمن يعطى العوض فيما بعد خروجه فمن علم من حال نفسه انه يعطى العوض فيما بعد حيث انه بالفعل مقيد بهذا ويتصف به يجوز له الدخول فيه. وبالجملة الشرط بوجوده الخارجي في أي ظرف كان وجوده، موجب لحصول ذلك التقيد المقارن، لا انه بنفسه دخيل كى يلزم الاشكال والتقيد عبارة عن اضافة خاصة حاصلة للشئ إذا لو حظ مع غيره، وتلك الاضافة كما تحصل له إذا لو حظ مع المقارن أو المتقدم كذلك تحصل له إذا لو حظ مع المتأخر. فان قلت: ان تلك الاضافة ان كانت حاصلة قبل تحقق ذلك الشرط ولم يكن حصولها منوطا بحصول ذلك المتأخر في ظرفه لزم ان لا يكون الشرط دخيلا، وهو خلف الفرض، وان كان منوطا بحصوله لزم تأثير المتأخر في حصول المتقدم فيعود الاشكال. قلت: أو لا يمكن ان يقال ان المؤثر في المصلحة والحكم هي الحصة الخاصة، من ذلك الشئ وهى مالو حصل بعده ذلك المتأخر ولا يكون مطلق وجوده دخيلا فيهما، فلا يحصل عنوان آخر، كى يقال انه كيف يوجد مع ان المؤثر فيه امر متاخر، وثانيا: ان هذا البرهان انما يتم في الموجودات العينية ولا يتم في العناوين الاضافية الاعتبارية

[ 352 ]

فيمكن ان يكون الشئ الذى يتعقبه شئ آخر معنونا بعنوان اعتباري اضافي، ودخل العناوين الاعتبارية في المصالح في غاية الكثرة، الا ترى انه إذا علم الانسان، ان زيدا يعينه في حال مرضه، أو سفر في السنة الاتية، يرى في اكرامه بالفعل مصلحة ويشتاق إليه فيكرمه بالفعل، وعلى الجملة حصول امر اعتباري اضافي من جهة تحقق المتأخر في ظرفه واضح، ودخل العناوين الاعتبارية في المصالح في غاية الوضوح، وعليه فلا محذور في الشرط المتأخر اصلا. وهذا هو القول الفصل في المقام. الشرط المتأخر للمأمور به المورد الثاني: في الشرط المتأخر للمأمور به، كالاغسال الليلية المعتبرة في صحة صوم المستحاضة عند بعض ومحلض القول فيه، انه مما ذكرناه في وجه امكان الشرط المتأخر للحكم، يظهر امكانه في المقام: إذ لا فرق بين القسمين، سوى ان شرط الحكم، هو ما يكون دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة، وشرط المأمور به، ما يكون دخيلا في حصول المصلحة، ولذلك الاول غير لازم التحصيل، والثانى يكون لازما، واما من الجهة التى اشكل على الشرط المتأخر فهما متحدان اشكالا، وجوابا، حيث ان المستشكل يقول ان المتأخر كيف يعقل ان يؤثر في حصول المصلحة من المتقدم، والجواب عنه ما ذكرناه، من ان الشرط بنفسه لا يكون دخيلا في المأمور به، وفي حصول المصلحة، بل تقيد المأمور به دخيل فيهما، وهو بوجوده الخارجي طرف للاضافة، وهى متحققة مقارنة، لوجود المأمور به. ويمكن تصحيح الشرط المتأخر في هذا القسم بوجه آخر يخصه، وهو ان شرط المأمور به من حيث كونه شرطا له، لا اشكال فيه اصلا، بعد كون الحكم من الامور الاعتبارية، ومعنى كونه شرطا له تقيد المأمور به، وبديهى ان هذا المعنى غير مربوط بالشرط في باب العلة والمعلول، ولا يكون دخيلا في التأثير اصلا، نعم بناءا على مسلك العدلية، يتوجه الاشكال من حيث كونه دخيلا في حصول المصلحة، في ان المتأخر كيف

[ 353 ]

يمكن ان يؤثر في المتقدم، وهو يتوقف على امرين 1 - دخالة المتأخر في المصلحة 2 - تحقق المصلحة قبل وجود الشرط، ومع عدم ثبوت الامرين أو احدهما يرتفع الاشكال كما هو واضح. ولنا منع كلا الامرينت، اما الاول: فلانه يمكن ان يكون الشرط كاشفا ومعرفا عن كون ذى المصلحة، هو الحصة الخاصة، ولا يكون الشرط دخيلا فيها اصلا، واما الثاني: فلانه يمكن ان يقال ان المصلحة لا تستوفى ولا تتحقق قبل وجود الشرط، بل الفعل المأمور به كصوم المستحاضة على القول باشتراطه بغسل الليل، يكون مقتضيا لحصول المصلحة وغسل الليل دخيل في فعلية المصلحة، نظير ذلك في العرفيات، شرب المسهل المشروط تأثيره في حصول الاسهال بالنوم مثلا: فان لازم شرطيته حصول الاثر بعد النوم لا قبله، وعلى هذا فلا يلزم تأثير المتأخر في المتقدم، فليكن الامر في الشرعيات على هذا المنهج. والمحقق النائنين (ره) بعد اختاره عدم جواز الشرط المتأخر في القسم الاول، وانه لابد من التأويل فيما ظاهره اشتراط الامر المتأخر، بالارجاع الى شرطية عنوان التعقب اختار الجواز في القسم الثاني - أي شرط المأمور به - وافاد في وجهه، ان معنى كون شئ شرطا كون الدخيل في المأمور به التقيد به، فهو لا يزيد على الجزء الدخيل فيه قيدا وتقيدا، فكما لا اشكال في تأخر بعض الاجزاء عن بعضها كذلك لا ينبغى الاشكال في تأخر الشرط عن المشروط، ثم اورد على نفسه: بانه في الاجزاء الامر ينبسط على تمامها وان كانت تدريجية الوجود، واما الشرائط فحيث ان القيود خارجة عن المأمور به والدخيل هي التقيدات الحاصلة من اضافة المأمور به الى الشرائط، فيسأل ان هذه التقيدات توجد قبل وجود الشرائط أو حينها، فعلى الاول يلزم وجود الامر الانتزاعي قبل وجود منشأ انتزاعه وهو محال، وعلى الثاني يلزم وجود الاضافة مع عدم احد الطرفين وهو المشروط، واجاب عنه بان الامر المتعلق بالامر الانتزاعي لا محالة يكون متعلقا بمنشأ انتزاعه، وعليه فالامر المتعلق بالتقيد امر بذلك القيد ولاجل ذلك لابد وان تكون الشرائط الختيارية، فامتثال الامر بالمركب انما يتحقق باتيان الشرط المتأخر في

[ 354 ]

ظرفه، كما ان امتثال الامر بالمركب انما يتحقق باتيان الجزء الاخير، وكون تعلق الامر بالجزء انما هو من جهة دخله قيد أو تقيدا، وتعلقه بالشرط من جهة دخله تقيدا فقط لا يكون فارقا بعد تعلقه بكل منهما ودخل كل منهما في الامتثال. اقول: في كلامه (ره) مواقع للنظر، الاول: ان الامر الانتزاعي وان كان امرا بمنشأ انتزاعه بلا كلام ولا ريب، الا ان التقيد بشئ، لا ينتزع من ذلك الشئ بل ذلك الشئ على ما عرفت للاضافة وهى انما تتحقق حين صدور العمل بلحاظ تحقق المتأخر في ظرفه، وعلى هذا يبتنى عدم لزوم كون الشرط اختياريا: إذ التقيد بالامر غير الاختياري بما انه تحت الاختيار، وهو المتعلق للامر فيصح التكليف بشئ مشروطا بامر غير اختياري كالامر بعتق الرقبة المقيدة بالمؤمنة: فان ايمان الغير وان كان خارجا عن تحت قدرة المكلف الا ان عتق الرقبة المقيدة بالمؤمنة تحت الاختيار فيصح التكليف. الثاني: ان الالتزام بكون الامر المتعلق بالتقيد، امرا بالقيد ايضا لا يدفع الاشكال إذا لا يراد انما هو في ان التقيد المعتبر متى يوجد، هل هو قبل وجود الشرط ام بعده، فعلى الاول يلزم وجود الامر الانتزاعي قبل وجود منشأ انتزاعه، وعلى الثاني يلزم تحقق الاضافة مع عدم احد طرفيها، والجواب عن ذلك بان نفس القيد مامور به لا ربط له بالاشكال. الثالث: ان لازم الالتزام بتعلق الامر بالقيد نفسه، عدم الفرق بين الشرط والجزء وكون الشرط ايضا من المقدمات الداخلية لا المتوسطة، فلا مورد حينئذ لالتزامه بكونه من المتوسطة كما صرح به. فالحق في الجواب عن الايراد المذكور، مضافا الى النقض بالاجزاء: فان هذا الوجه يجرى فيها ايضا إذ فيها ايضا التقيد داخل كالقيد، مثلا في الصلاة الواجب هو التكبير - المتقيدة بمجيئ التسليم بعدها، فيسأل عن ظرف تحقق التقيد، فان كان حين التكبيرة لزم تحقق الامر الانتزاعي قبل تحقق منشأ انتزاعه، وان كان حين التسليم لزم تحقق الاضافة مع عدم احد طرفيها: ان التقيد المزبور ليس امرا انتزاعيا من وجود القيد في ظرفه، بل هو طرف للاضافة فلا حظ.

[ 355 ]

الواجب المشروط الخامسة: في تقسيمات الواجب منها تقسيمه الى المطلق والمشروط. ولا يخفى ان اتصاف الواجب بهما انما يكون عرضيا والمتصف بهما اولا وبالذات، هو الوجوب، وهو الذى قد يكون مطلقا، وقد يكون مشروطا، ثم المراد من الاطلاق والاشتراط انما هو معناهما اللغوى، وليس للقوم فيهما اصطلاح خاص فالمطلق هو المرسل، والمشروط هو المربوط بشئ أو اشياء، فالواجب الذى لا يكون وجوبه مشروطا بشئ يكون مطلقا، والذى يكون وجوبه مربوطا يكون مشروطا، وحيث انه ليس في الشرع واجب مطلق بقول مطلق، بحيث لا يكون وجوبه مربوطا بشئ: إذ لا اقل من اشتراطه بالشرائط العامة، وكذا ليس فيه ما يكون وجوبه مربوطا بجميع الاشياء، فلا محالة يكون وصفا الاطلاق والاشتراط، وصفين اضافيين فيلاحظ كل واجب مع قيد، فان كان بالقياس إليه وجوبه مربوطا به وغير مرسل، فهو واجب مشروط بالنسبة إليه، وان كان غير مربوط به فهو واجب مطلق كذلك، وعلى هذا فلا يهمنا البحث فيما ذكر في تعريف المطلق والمشروط، والنقض والابرام في ذلك. هل القيد يرجع الى المادة، أو الهيئة، أو المادة المنتسبة وانما المهم في المقام تحقيق القول في ان القيد في الواجب المشروط، هل يرجع الى المادة كما عن الشيخ الاعظم (ره)، أو يرجع الى الهيئة كما عن جماعة منهم المحقق الخراساني، ام يرجع الى المادة المنتسبة كما بنى عليه المحقق النائيني (ره) وبه وجه كلام الشيخ. وقبل تنقيح القول في ذلك لابد من التنبيه على امور 1 - انه قد اورد على المحقق الخراساني بان ما اختاره في المقام من رجوع القيد الى الهيئة، الذى نتيجة عدم

[ 356 ]

ثبوت الحكم قبل تحققه، ينافى ما صرح به في الشرط المتأخر من ان معنى كون شئ شرطا للحكم ليس الا ان اللحاظه دخلا في الحكم من غير فرق بين اقسام الشرط، وان الموجودات الخارجية غير دخلية في الحكم فكيف التوفيق بين كلماته، وقيل في توجيه كلامه في المقام بما يرتفع به التنافى ان ما علق عليه الحكم الظاهر في عدم فعلية الحكم قبله، لا يكون شرطا حقيقيا، بل هو ملازم لارتفاع المانع عن الفعلية، فيكون قبل تحققه مانع عن الطلب فعلا، فلا يصح الطلب منه الا معلقا على حصول ذلك الامر الملازم لارتفاع المانع فتأمل فان ذلك لا يخلو عن الاشكال. 2 - ان لازم رجوع القيد الى المادة - الذى نسب الى الشيخ وان انكر السيد العلامة الشيرازي والمحقق النائيني هذه النسبة - هو ا نكار الواجب المشروط، وان القيد من قيود الواجب، وكون الوجوب مطلقا فعليا، فيرجع الى الواجب المعلق بالصطلاح صاحب الفصول (ره)، ولازم القولين الاخرين النباء على وجود الواجب المشروط، وكون القيد للوجوب، لا الواجب فانكار الواجب المشروط، والبناء عليه يبتنيان على البحث فيما يكون مرجع القيد. 3 - انه لا ريب ولا كلام في ان ظاهر القضية الشرطية بحسب القواعد العربية رجوع الشرط الهيئة، بداهة ان استعمال قضية - إذا توضئت فصل - في مقام طلب الصلاة المقيدة بالوضوء يعد من الاغلاط، وظهور قضية، إذا زالت الشمس وجب الظهر ان في عدم الوجوب قبل الزوال، وقد عرفوا القضية الشرطية بما حكم فيها بثبوت نسبة على تقدير اخرى، ومعنى ذلك رجوع القيد الى مفاد الجملة، وبعبارة اخرى انها ظاهرة في كون المقدم قيدا للتالى وهو مفاد الهيئة فارجاع القيد الى المادة خلاف الظاهر، ومن التزم بذلك كالشيخ اعترف بان قضية القواعد العربية انه من قيود الهيئة وانما التزم به لتخيل امتناع ذلك ثبوتا واثباتا، على ذلك لابد من البحث في انه هل يمكن ارجاع القيد الى الهيئة ام لا. والقائلون بامتناع ذلك، استندوا الى بوجوه، والشيخ زايدا على ذلك استدل لكون القيد من قيود المادة الى لزوم ذلك ثبوتا. وتنقيح القول بالبحث في موارد. 1 - في امكان

[ 357 ]

كونه قيد اللهيئة وامتناعة 2 - في لزوم كونه قيد اللمادة. 3 - في ان القيد قيد للمادة المنتسبة. اما المورد الاول: فقد استدل للامتناع بامور: الاول: ان معنى الهيئة معنى حرفي، وهو جزئي غير قابل للتقييد والاطلاق لعدم صدقه على كثيرين، نسب ذلك في التقريرات الى الشيخ الاعظم (ره). وقد اجاب المحقق الخراساني عن هذا الوجه بانه لو سلم انه فرد قائما يمنع عن التقييد لو انشأ اولا غير مفيد لاما إذا انشأ من الاول مقيدا غاية الامر قد دل عليه بدالين وهو غير انشائه اولا ثم تقييده ثانيا، وفيه: ان المعنى إذا كان جزئيا، غير قابل للتقييد لا فرق فيه بين التقييد قبل الاستعمال، وبعده، الابناءا على القول بانه الحرفى من انه ليس بجزئي بل كلى صادق على كثيرين فهو قابل للتقييد. مثلا صل في المسجد يمتثل بالصلاة في أي موضع من مواضع المسجد لصدق المأمور به عليها. فهو قابل اللتقييد بان يقال صل في جنوب المسجد مثلا. وثانيا: ان للتقييد معنيين، احدهما التضييق، وفي مقابله الاطلاق بمعنى الصدق على كثيرين. ثانيهما: الربط. وفي مقابله الاطلاق بمعنى الارسال وعدم الربط، وفي المقام المدعى هو التقييد بالمعنى الثاني، والجزئي الحقيقي ايضا قابل للتقييد بهذا المعنى، الا ترى ان يقال ان الزوجية هي الربط بين الزوجين في مقابل الطلاق، الذى هو بمعنى الارسال والبينونه، وليس المدعى هو التقييد بالمعنى الاول، وعليه فلو سلم كون مفاد الهيئة من المعاني الجزئية لا مانع من تقييده ايضا، وبالجملة الاشتباه انما نشأ من الخلط بين الاطلاق والتقييد في المقام، الذين هما بمعنى الارسال، الارتباط، وبين الاطلاق والتقييد في مبحث المطلق والمقيد، والذى لا يعقل في الجزء انما هو التقييد بالمعنى الثاني، والمدعى هو التقييد بالمعنى الاول. الثاني: ما استند إليه المحقق النائيني، ولعله امتن من الاول، وهو ان مفاد الهيئة معنى حرفي وملحوظ آلى، والتقييد والاطلاق من شئون المفاهيم الاسمية المحلوظة استقلالا. وفيه اولا: قد مر في مبحث المعنى الحرفى، انه ملحوظ استقلالا كالمعنى الاسمى،

[ 358 ]

وما اشتهر من ان المعاني الحرفية، ملحوظات آلية، حتى كاد ان يعد من الضروريات مما لا اصل له، وقد ذكرنا في ذلك المبحث انه غالبا يكون المعنى الحرفى مقصودا اصليا في الكلام، بل الفرق بين المعنيين انما يكون في انفسهما لا في اللحاظ، وثانيا انه لو كان المحذور ذلك فانما هو يمنع عن تقييد المعنى بعد اللحاظ لا ما إذا قيد المعنى اولا ثم لو حظ المعنى المقيد، واستعمل اللفظ فيه بنحو تعدد الدال والمدولول. الثالث: انه من المبرهن في محله، ان الايجاد والوجود واحد حقيقة، والقرق بينهما انما هو بالاعتبار حيث انه باعتبار استناده الى الموجد ايجاد، وباعتبار نفسه وجود، وعليه فلا يعقل كون الايجاد فعليا والوجود استقباليا، فكيف يمكن ان يكون الانشاء فعليا، والمنشأ استقباليا، وان شئت فقل ان الانشاء ايجاد للطلب فلا يمكن تأخر المنشأ عن الانشاء، واجاب عنه صاحب الكفاية بان المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصوله فلابد ان لا يكون قبل حصوله طلب وبعث والالتخلف عن انشائه، وانشاء امر على تقدير كالاخبار به بمكان من الامكان كما يشهد به الوجدان انتهى. وفيه: انه فرق بين الاخبار والانشاء، فان الاخبار انما يكون حكاة ى فيمكن تعلقه بالامر المتأخر، لتعلق الحكاية بالامر المتأخر، بخلاف الانشاء الذى هو ايجاد، والصحيح هو قياس الانشاء والمنشأ، بالايجاد والوجود الخارجيين كما صنعه المستدل، فكما لا يعقل التخلف هناك لا يعقل التخلف هنا، وما افاده بقوله فلابد ان لا يكون قبل حصوله طلب والا لتخلف عن انشائه، وان كان متينا، الا انه متفرع على امكان انشاء امر على تقدير الذى هو محل الكلام. واجاب عنه بعض المحققين، بان المنشأ هو الوجود الانشائى وهو يكون ملازما للانشاء، ومتحققا بتحققه بل هو عينه، والمتاخر انما هو فعلية المنشأ، فلا يلزم تخلف المنشأ عن الانشاء وبعبارة هو الطلب الانشائى لا الفعلى وهو غير متخلف عن الانشاء. وفيه: ان فعلية المنشأ عبارة اخرى عن تحققه فحينئذ يسئل عن هذا التحقق والوجود المعبر عنه بالفعلية هل يكون بانشاء احد، ام وجد بنفسه، وعلى الاول هل له

[ 359 ]

انشاء آخر غير الانشاء الاول ام لا لاسبيل الى الاول والثالث، فيتعين الثاني فيبقى المحذور على حاله. والصحيح في الجواب يبتنى على مقدمات 1 - ان الشوق والاعتبار كساير الصفات ذات الاضافة والافعال القائمة بالنفس التعليقة، كالعلم والتصور وماشا كل، يمكن تعلقهما بالامر المتأخر لا حظ اعتبار الملكية في باب الوصية، وبالجملة الاعتبار النفساني، والشوق، يتعلقان بالامر المتأخر وهذا من البداهة بمكان. 2 - ان ما اشتهر من ان الجمل الانشائية موجدة لمعانيها في نفس الامر مما لا اساس له، بل هي مبرزة للامور القائمة بالنفس، كالجمل الاخبارية وقد تقدم تفصيل ذلك في مبحث الانشاء والاخبار مصلا. 3 - انه قد تقدم في اول مبحث الاوار، ان هيئة افعل كساير ما يستعمل في مقام البعث، انما وضعت لابراز ان المادة متعلقة لشوق الامر، أو لابراز اعتبار الامر كون المادة على عهدة المأمور فراجع ما حققناه، إذا عرفت هذه المقدمات وتوجهت إليها يظهر لك ان تعليق هيئة الامر على امر متاخر امر ممكن، سواء كان مفاد الهيئة، ابراز الاعتبار النفساني، ام كان هو ابراز الشوق، وان اساس الشبهة انما هو تخيل ان الهيئة تكون موجدة لمعناها في نفس الامر، ولكن قدمر انه بمراحل عن الواقع، وفالمتحصل ان شيئا مما ذكر لامتناع كون القيد للهيئة لا يتم فهو امر ممكن. واما المورد الثاني وهو لزوم كون القيد راجعا الى المادة، فقد استدل له: بان العاقل إذا توجه الى شئ، التفت إليه، فاما ان يتعلق طلبه به، اولا يتعلق به طلبه اصلا، لا كلام على الثاني وعلى الاول، فاما ان يكون ذاك الشئ مورد الطلبه وامره مطلقا على اختلاف طواريه، أو على تقدير خاص وذاك التقدير، تارة يكون من الامور الاختيارية، واخرى لا يكون كذلك، وما كان من الامور الاختيارية، قد يكون ماخوذا فيه على نحو يكون موردا للتكليف، وقد لا يكون على اختلاف الاغراض الداعية الى طلبه والامر به من غير فرق في ذلك بين القول بتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد، والقول بعدم التبعية انتهى ما نقله الخراساني عن التقريرات. واجاب عنه هو (قده) - بما حاصله - ان هناك شقا آخر، لم يتعرض له الشيخ وهو

[ 360 ]

ان يكون المقتضى للطلب، موجودا، بمعنى وجود المصلحة في الفعل، وكونه موافقا للغرض، ولكن لاجل وجود المانع عن الطلب فعلا قبل حصول ذلك الامر، ليس للمولى ذلك، بل يتعين عليه ان يبعث نحوه معلقا، ويطلبه استقبالا على تقدير شرط متوقع الحصول الموجب لارتفاع المانع، ثم قال (قده) ان هذا بناءا على تبعية الاحكام لمصالح فيها في غاية الوضوح، واما بناءا على تبعيتها للمصالح والمفاسد في المأمور بها والمنهى عنها: فلان التبعية كذلك انما تكون في الاحكام الواقعية بما هي واقعية لا بما هي فعلية، فان المنع عن فعلية تلك الاحكام غير عزيز كما في بعض الاحكام في اول البعثة بل الى يوم طلوع شمس الهداية. وفي موارد الاصول والامارات على خلافها. اقول الظاهر ان ما ذكره مبتن على ما بنى عليه في تعليقته على الرسائل من ان الفرق بين الاحكام الواقعية والفعلية انما يكون بالجعل، وانه يمكن تعلق الحرمة الواقعية بشئ كالخمر، وعدم كون حرمتها فعلية حتى بعد وجوده، ولكنه فاسد وقد رجع هو (قده) عن ذلك، فان الحكم الواقعي المجعول لا يعقل عدم فعليته بعد وجود موضوعه كما اشبعنا الكلام في ذلك مرارا. واجاب عنه المحقق الاصفهانى (ره)، بان تبعية المصلحة للفعل، تبعية المقتضى للمقتضى لا تبعية المعلول للعلة التامة، فيمكن ان تكون هناك مفسدة مانعة عن البعث المعلق على عدم المانع لا مانع منه. وفيه: ان هذا لا يتم في جميع الموارد، لانه في الاحكام العرفية ايضا احكام مشروط، مثل ان يقول المولى لعبده اكرم زيدا ان جائك، مع انه لا مانع عن البعث الفعلى، ولا بعث آخر بالاهم، مضافا الى انه لا يمكن الالتزام بان جميع الواجبات الشرعية المشروطة من هذا القبيل. وتحقيق القول في المقام انه يتصور الواجب المشروط في صورتين، احداهما: في القيود غير الاختيارية الدخيلة في وجود المصلحة بناءا على عدم معقولية الواجب المعلق. ثانيتهما: في القيود الدخيلة في اتصاف الفعل بالمصحلة. توضيح ذلك يتوقف على

[ 361 ]

بيان مقدمة. وهى انه بناءا على تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في المتعلقات، إذ لو حظ قيد مع المأمور به، لا يخلو من احدى حالات، الاولى: كونه شرطا وقيدا في اتصاف الفعل بالمصلحة بحيث لا يكون الفعل ذا مصلحة الا بعد حصول ذلك القيد، وذلك في العرفيات نظير المرض بالقياس الى شرب المسهل، حيث انه دخيل في اتصاف الشرب بالمصلحة، ولا مصلحة في الشرب قبله، وفي الشرعيات نظير الزوال بالاضافة الى الصلاة، والاستطاعة بالنسبة الى الحج، الثانية: كونه دخيلا في استيفاء المصلحة لا في اتصافه بها، نظير المشى قبل شرب المسهل أو بعده للمريض. حيث ان الشرب بالنسبة إليه ذو مصحلة الا ان استيفائها متوقف على ذلك، وفي الشرعيات الطهارة بالنسبة الى الصلاة، وهذا النحو من القيود على قسمين، الاول: ما هو اختياري للمكلف كالطهارة بالاضافة الى الصلاة، الثاني: ما يكون غير اختياري كايقاع الحج في الايام الخاصة، الثالثة: ما لا يكون القيد دخيلا، لا في اتصاف الفعل بالمصلحة، ولا في استيفائها. هذه هي الصور المتصورة في القيود. إذا عرفت ذلك فاعلم، انه إذا لم يكن القيد دخيلا في الاتصاف ولا في الاستيفاء، لابد من الطلب الفعلى المطلق بالفعل. وان كان دخيلا في استيفاء المصلحة، فان كان ذلك القيد اختياريا كالطهارة بالنسبة الى الصلاة، لابد من الامر والطلب الفعلى بالمقيد والقيد، وليس للمولى الامر بالمقيد معلقا على ذلك القيد، وان كان غير اختياري كالكعبة بالاضافة الى الصلاة حيث انها شرط للاستقبال الذى هو شرط للصلاة، فليس للمولى الامر بالمقيد على أي تقدير، ولا الامر به وبالقيد لعدم القدرة، وعلى ذلك فقبل حصول الشرط لابد من ان يطلب فعلا ويقيد الواجب به، وبعبارة اخرى يطلب الفعل المقيد المقدور في ظرف حصول القيد، بناءا على امكان الواجب التعليقي، واما بناءا على امتناعه فالمقتضى للطلب فعلا وهو المصلحة وان كان موجودا، الا انه لوجود المانع عن الطلب الحالى، لا مناص ان يقيد الطلب بذلك القيد، فيكون الواجب واجبا مشروطا.

[ 362 ]

وان كان القيد دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة. وصيرورته ذا مصلحة، كالزوال بالنسبة الى صلاة الظهر، والسفر بالنسبة الى صلاة القصر، كان القيد اختياريا، ام غير اختياري لا يصح الطلب الحالى قبل حصول الشرط بل يتعين ان يعلق الطلب على حصوله لعدم المصلحة في الفعل قبله، فلا مقتضى للطلب قبل تحققه: لان الاوامر تابعة للمصالح فلا محالة يكون الواجب واجبا مشروطا. وما افاده الشيخ الاعظم (ره) من انه إذا كان الفعل مطلوبا على تقدير دون جميع التقادير يكون الطلب متعلقا به مطلقا غير معلق، ولكن المتعلق هو الفعل على ذلك التقدير، يتم في القيود غير الاختيارية الدخيلة في استيفاء المصلحة بناءا على امكان الواجب التعليقي، ولا يتم في القيود الدخيلة في تحقق المصلحة في الفعل: إذ ليس المراد من الطلب الفعلى هو الانشاء كما هو واضح، بل هو، الشوق فعلا الى الفعل، أو اعتبار كون المادة على عهدة المأمور، أو الطلب الفعلى على اختلاف المسالك، ومن البديهى ان الفعل الذى لا مصلحة فيه بالفعل، وانما يحدث فيه مصحلة بعد ذلك لا يكون متعلقا للشوق الفعلى للمولى، ولا يعتبر ذلك الفعل على عهدة المأمور والاعتبار لغوا وبلا منشأ، فلا مناص عن تعليق الامر على ذلك الشئ. فالمحتصل، انه في الواجب المشروط لابد وان يرجع القيد الهيئة ولا يصح جعله من قيود المادة. واما المورد الثالث: وهو رجوع القيد الى المادة المنتسبة، فمحصل ما افاده المحقق النائيني (ره) في توجيه يبتنى على بيان مقدمتين، الاولى: ان النسبة مفهوم حرفي وملحوظ تبعى فلا يمكن ان يكون القيد قيدا لها: لان الاطلاق والتقييد، من شؤون المفاهيم الاسمية، والمادة وان كانت للتقييد الا انه لكونها مفهوما افراد يا وادة الشرط موضوعة لربط الجملتين، وجعل مدخولها موقع الفرض والتقدير، لا يكون القيد راجعا إليها. الثانية: ان الشئ قد يكون متعلقا للنسبة الطبية مطلقا من غير تقييد، وقد يكون متعلقا لها حين اتصافه بقيد في الخارج، في الخارج، وفي الفرض الثاني ما لم يوجد القيد يستحيل تعلق الطلب الفعلى به. إذا عرفت هاتين المقدمتين تعرف ان القيد في القضايا

[ 363 ]

الشرطية راجع الى المادة بما هي منسبة الى الفاعل، وبعبارة اخرى الى المعنى المتحصل من المادة والهيئة وهو في الاخبارات مثل إذا طلعت الشمس فالنهار موجود نتيجة الحمل، وهى وجود النهار وهو متعلق على طلوع الشمس، وفي الانشائات نتيجة الجملة الانشائية، وهى اتصاف الاكرام بالوجوب مثلا، فالمعلق في الحقيقة هي المادة بعد الانتساب بالبعدية الرتبية، هذا غاية ما يمكن ان يقال في توجيه هذا الوجه. ولكن يرد عليه: اولا: انا لا نتعقل هذا الكلام: لان المادة المنتسبة ليست شيئا غير المادة والانتساب فان رجع القيد الى المادة المنتسبة فهو عين الرجوع الى المادة، وان رجع الى جهة انتسابها فهو عبارة اخرى عن رجع القيد الى الهيئة، والاختلاف انما هو في المعتبر. إذ معروضية المادة للوجوب، عروض الوجوب للمادة شئ واحد، وان شئت قلت: انه لابد من التزامه (قده)، اما برجوع القيد الى نفس المادة حال الانتساب، أو الى جهة الانتساب، أو اليهما معا، ولا رابع إذ نتيجة الجملة ليست شيئا غير المادة والانتساب والاول والثانى يرجعان الى القولين الاخرين، والثالث لا وجه لالتزامه به إذ لو لم يكن مانع عن رجوع القيد الى الهيئة، لا وجه للالتزام بهذا القول، بعد كون مقتضى القواعد العربية هو الرجوع الى الهيئة خاصة، وان ترتب محذور وتال فاسد على رجوعه إليها، فالالتزام يرجوعه اليهما معا، لا يستلزم عدم ترتب ذلك المحذور، إذ المحذور انما يترتب على الرجوع الى الهيئة، لا على عدم الرجوع الى غيرها، كى يرتفع بالالتزام برجوعه اليهما معا، وثانيا: لو تعقلنا ذلك وكان له معنى محصل، يرد عليه ان البرهان الذى ذكره لعدم جواز الرجوع الى الهيئة لو تم، وهو كونه معنى آليا غير قابل للتقييد يقتضى عدم جواز الرجوع الى المادة المنتسبة، إذا المقيد بامر آلى حكمه حكمه في جواز التقييد وعدمه، وثالثا: قد مر جواز رجوع القيد الى الهيئة. فالمتحصل من مجموع ما ذكرناه، ان الواجب المشروط بنحو يكون الواجب مقيدا بالقيد ولا يكون وجوب قبله، وكونه من قيود الهيئة، لا مانع عنه ثبوتا واثباتا، بل يلزم كونه من قيود الهيئة، وحيث عرفت ان قضية القواعد العربية ايضا رجوعه إليها فلا اشكال في الواجب المشروط ثبوتا واثباتا وامكانا ووقوعا.

[ 364 ]

بقى في المقام شبهة وهى انه إذا لم يكن المنشأ به طلبا فعليا وبعثا حاليا فما فائدة الانشاء فعلا. والجواب عنها ما ذكره المحقق الخراساني وهو انه كفى فائدة له انه يصير بعثا فعليا بعد حصول الشرط بلا حاجة الى خطاب آخر، مع شمول الخطاب كذلك للايجاب فعلا بالنسبة الى الواجد للشرط، فيكون بعثا فعليا بالاضافة إليه وتقديريا بالنسبة الى الفاقد له مع انه ربما لا يقدر الامر بعد حصول الشرط على الامر - في الموارد العرفية -. مقدمات الواجب المشروط ثم انه يقع كلام في حكم المقدمات الوجودية للواجب المشروط. وتنقيح القول يقتضى البحث في مقامات الاول: في حكم المقدمة التى علق عليها الوجوب، أو الواجب على اختلاف المسلكين الثاني: في المقدمات الوجودية غير المفوته. الثالث: في التعليم والمعرفة، الرابع: في المقدمات التى يترتب على تركها فوت الغرض في ظرفه. اما المقام الاول: فبناءا على ما اخترناه من رجوع القيود الى الهيئة، خروجها عن محل النزاع واضح، لانها حينئذ من المقدمات الوجوبية التى تقدم في اول المبحث خروجها عن محل البحث والكلام. واما بناءا على ما اختاره الشيخ الاعظم، فهى وان كانت من المقدمات الوجودية، الا انها اخذت على نحو لا يمكن ترشح الوجوب من ذى المقدمة إليها، إذ هذا القيد اخذ مقدر الوجود فكيف يمكن ان يصير واجبا بالوجوب المترشح من هذا الوجوب، وان شئت فقل ان الوجوب متفرع على موضوعه بجميع قيوده ومتاخر عنه رتبة، فلا يعقل ترشح الوجوب من متعلقه الى قيد من قيود موضوعه حيث انه يستدعى تقدم الوجوب عليه ليترشح منه إليه، وقد فرض تأخره عنه، فيلزم تأخر ما هو متقدم. واما المقام الثاني: فبعد تحقق ذلك الشرط لا ريب في دخول المقدمات في محل النزاع. واما قيل تحققه فبناءا على مسلك الشيخ، تكون داخلة في محل النزاع إذا علم

[ 365 ]

بتحقق الشرط في طرفه، إذ الملازمة بين وجوب ذى المقدمة، ووجوب مقدماته، انما تدعى بين الوجوبين، لا الوجودين، والمفروض ان وجوب ذى المقدمة فعلى، وان كان ظرف وجوده فيما بعد فيترشح من وجوه الوجوب الى مقدماته، نعم، لو علم بعدم تحقق الشرط في ظرفه، أو شك فيه، لا يحكم بوجوب المقدمات حتى على القول بالملازمة، اما في الفرض الاول فلعدم وجوب ذى المقدمة، واما في الثاني فلاستصحاب عدم تحقق الشرط الذى يترتب عليه عدم وجوب ذى المقدمة. واما بناءا على ما اخترناه من رجوع القيد الى الهيئة، فقبل تحقق الشرط لا تكون المقدمات الوجودية غير المفوتة داخلة في محل النزاع، إذ وجوب ذى المقدمة انما يكون فبما بعد، ولا يعقل ان يترشح الوجوب الفعلى الى المقدمات من الوجوب البعدى لذى المقدمة، إذ الملازمة انما تدعى بين الوجوبين الفعليين لا الانشائيين. ومما ذكرناه ظهر ان ما ذكره المحقق الخراساني بقوله، الظاهر دخول المقدمات الوجودية للواجب المشروط في محل النزاع ايضا فلا وجه لتخصيصه بمقدمات الواجب المطلق، ان كان جريانه في المقدمات بعد حصول الشرط فمتين، ولا يرد عليه انه بعد حصول الشرط يكون مطلقا، لا مشروطا، لما سيأتي في محله من ان الواجب المشروط لا يصير مطلقا بحصول شرطه، وان كان مراده دخولها في محل النزاع قبل حصول الشرط، فغير تام. حكم التعلم واما المقام الثالث: فملخص القول فيه انه في التعليم والمعرفة مسالك ثلاثة. الاول: ما ذهب إليه المحقق الاردبيلى (ره) وتبعه تلميده صاحب المدارك، وهو ان التعلم واجب نفسي تهيئي، للنصوص الدالة عليه، وهو الاظهر عندنا كما سيأتي الكلام عليه في بحث الاشتغال، ولازم ذلك هو وجوبه قبل حصول الشرط ايضا لعدم اختصاص تلك الادلة بالواجبات المطلقة والمشروطة بعد حصول، الشرط، بل تشمل

[ 366 ]

المشروطة قبل حصول شرطها، ويترتب على هذا القول استحقاق العقاب على ترك التعلم سواء صادف عمله الواقع ام لم يصادف. ثانيها: ما ذهب إليه الشيخ الاعظم (ره) وهو المنسوب الى المشهور، وهو ادراج المقام في المقدمات المفوته وجعله من صغريات باب القدرة، فملاك وجوبه هو قاعدة الامتناع بالاختيار، لا ينافى الاختيار، ويترتب عليه، ان وجوبه وجوب مقدمى، بملاك وجوب المقدمات المفوته، لكونه من متممات الخطاب بذى المقدمة، ولازمه استحقاق العقاب على مخالفة الواقع. ثالثها: ما اختاره المحقق النائيني (ره) وهو ان وجوبه طريقي من قبيل وجوب الاحتياط في موارد لزومه، أي الوجوب الذى يكون بملاك التحفظ على مافى المتعلق للحكم الواقعي من المصلحة اللازمة الاستيفاء حتى عند الجهل، وبعبارة اخرى المجعول تحفظا على الحكم الواقعي، ويترتب عليه استحقاقة العقاب على ترك التعلم عند ارائه الى مخالفة الواقع، والفرق بينه وبين سابقه ظاهر. وقد استدل المحقق الخراساني لوجوبه قبل حصول شرط الوجوب بقوله، من باب استقلال العقل بتنجيز الاحكام على الانام بمجرد قيام احتمالها الا مع الفحص والياس عن الظفر بالدليل على التكليف فيستقل بعده بالبرائة انتهى. وفيه: ان الاحتمال لا يزيد على العلم من حيث المنجزيه للحكم، فكما ان العلم بالتكليف المشروط قبل حصول شرطه موجب للتنجيز عند حصول الشرط مع بقائه على شرائط فعليته وتنجزه عند حصول الشرط فلذا لا عقاب على مخالفته مع عروض الغفلة عند حصول شرطه، ولا يجب ابقاء الالتفات العلمي والتحفظ على عدم النسيان كذلك الاحتمال انما يوجب التنجيز في وقته مع بقائه على صفة الالتفات الى حين تنجز التكليف ولا يجب بقائه بالتحفظ على عدم الغفلة المانعة عن الفحص عنه. واما الشيخ الانصاري (ره) فقد استدل لما اختاره بما دل على وجوب المقدمات التى يترت على تركها عدم القدرة على الواجب في ظرفه، سيأتي الكام عليه عند بيان المختار.

[ 367 ]

واما المحقق النائيني (ره) فقد استدل لما اختاره بعد الاعتراض على الشيخ الاعظم (ره) بان التعلم ليس من المقدمات العقلية التى لها دخل في القدرة، لان الجهل بالحكم لا يوجب سلب القدرة ومن هنا كانت الاحكام مشتركة بين العالم والجاهل. بما حاصله ان العقل يستقل بان لكان من المولى والعبد وظيفة، فوظيفة المولى اظهار مراداته وتبليغها بالطرق المتعارفة التى يمكن للعبد الوصول إليها ان لم يحدث هناك مانع فوظيفته ارسال الرسل وانزال الكتب وتشريع الاحكام، وبعد ذلك تصل النوبة الى وظيفة العبد، وانه على العبد الفحص عن مرادات المولى واحكامه، وحينئذ يستقل العقل باستحقاق العبد للعقاب عند ترك وظيفته، كما يستقل بقبح العقاب عند ترك المولى وظيفته، ولو لا استقلال العقل بذلك لانسد طريق وجوب النظر الى معجزة من يدعى النبوة، وللزم افحام الانبياء، إذ لو لم يجب على العبد النظر الى معجزة مدعى النبوة لما كان للنبى ان يحتج على العبد بعدم تصديقه له، إذ للعبد ان يقول لم اعلم بانك نبى، وبالجملة كما يستقل العقل بلزوم النظر الى معجزة من يدعى النبوة كذلك يستقل بوجوب تعلم احكام الشريعة، والمناط في الجميع واحد وهو استقلال العقل بان ذلك من وظيفة العبد، ومن هنا لا يختص وجوب التعلم بالبالغ كما لا يختص وجوب النظر في معجزة النبي به، بل يجب ذلك قبل البلوغ ان كان مميزا ليكون اول بلوغه مؤمنا مصدقا بالنبوة، والالزم عدم وجوب الايمان عليه اول البلوغ، ويجب تعلم الصبى احكام العبادة الواجبة عليه اول البلوغ إذا لم يتمكن منه في وقته لو ترك التعلم قبل البلوغ. وفي كلامه موقعان للنظر ببيان ما هو الحق في المقام. وتفصيله، ان ترك التعلم قبل وقت الواجب أو شرطه يكون على اقسام. احدها: ما لو تمكن المكلف مع تركه من تعلم الواجب بعد ذلك، والامتثال العلمي التفصيلي، كما لو ترك تعلم مسائل الحج قبل زمان وجوبه مع كونه متمكنا من تعلم احكامه تدريجا من الوقت الذى يحرم فيه الى آخر اعمال الحج، ومن الضرورى انه لا وجه للقول بوجوب التعلم قبل دخول الوقت حينئذ على القول بعدم كون وجوبه نفسيا، نعم بعد دخول الوقت لا يجوز له تركه مع عدم امكان الامتثال الاجمالي.

[ 368 ]

ويلحق بهذا القسم الثاني، وهو ما لو فرض انه لو ترك التعلم قبل الوقت لما تمكن من الامتثال العلمي التفصيلي، الا انه كان متمكنا من الامتثال العلمي الاجمالي، كما لو دار امر الواجب بين المتباينين كالقصر والاتمام وكان بحيث لو ترك التعلم قبل الوقت لما تمكن من تمييز الواجب عن غيره بعده، ولكنه كان متمكنا من الاحتياط، وكما لو لم يعلم بمقدار النفقة الواجبة عليه على فرض الازدواج ولم يتمكن من معرفة ذلك بعده، ولكنه كان متمكنا من الاحتياط، بناءا على ما هو الحق من ان الامتثال الاجمالي انما هو في عرض الامتثال العلمي التفصيلي، فانه حينئذ لا وجه لوجوب التعلم قبل الازدواج. واما من حيث الامتثال في غير موارد دوران الامر بين المتباينين كما في المورد الثاني فقد يقال انه حيث يكون شاكا في التكليف فتجرى البرائة عنه وان تمكن من الاحتياط فلا يجب عليه شئ، لكنه توهم فاسد إذ بعد حصول الشرط بما انه يحتمل التكليف، ولا محالة يحتمل العقاب على مخالفته، والعقل مستقل بوجوب دفع الضرر الاخروي المحتمل. بمعنى انه لو كان واجبا ولم يأت به أو كان حراما ففعل، وعاقبه المولى، يكون عقابه في محله فلابد من الاحتياط. فان قيل انه ما المانع من جريان البرائة عن ذلك التكليف المحتمل، ويرفع احتمال العقاب بها، فيرتفع موضوع قاعدة وجوب دفع الضرر والمحتمل. اجبنا عنه بان عدم جيران البرائة العقلية انما هو من جهة ان موضوعها عدم البيان، وحيث ان بيان المولى، ليس بايصال التكليف الى العبيد باى نحو امكن، بل انما وهو بجعل القانون، ووضعه في معرض الوصول، بحيث لو تفحصوا عنه لو صلوا إليه، فلا موضوع لها في المورد، ومن لم يتفحص عنه مع التمكن منه قبل حصول الشرط لا يجرى في حقه هذه القاعدة، فان شئت فاختبر ذلك من حال الموالى والعبيد العرفية فانه إذا ارسل المولى مكتوبا الى العبد، وعين فيه تكاليفه في الشهر القادم، ووصل المكتوب الى العبد ولكنه لم ينظر إليه حتى يعرف وظائفه، مستندا الى انه لا تحب المقدمة قبل وجوب ذيها، وبعد تحقق الشرط لم يتمكن من المراجعة إليه وتمكن من الاحتياط، ومع ذلك لم يحتط وترك واجباته، فهل يتوهم احد بانه ليس للمولى ان يعاقبه على ذلك لقاعده قبح العقاب

[ 369 ]

بلا بيان، والظاهر ان هذا من الوضوح بمكان، واما عدم جريان البرائة الشرعية: فلما سيأتي في مبحث البرائة والاشتغال من انها لا تجرى في الشبهات قبل الفحص مطلقا. ثالثها: ان الملك لو ترك التعلم قبل الوقت فكما لا يتمكن من الامتثال العلمي التفصيلي، كذلك لا يتمكن من الامتثال الاجمالي بعد الوقت، ويكون متمكنا من الاتيان بذات الواجب أي الامتثال الاحتمالى، كما إذا فرض ان الوقت ضيق لا يتمكن المكلف الا باتيان احدى الصلاتين، الجمعة أو الظهر، والقصر أو الاتمام، وفي هذا القسم يجب التعلم لانه يحتمل ترك الواجب في ظرفه لو ترك التعلم قبل حصول الشرطة ويكون احتمال ذلك مستندا الى ترك التعلم فيجب التعلم، لا للمقدمية، ولا لما افاده الشيخ الاعظم (ره)، من مادل على وجوب المقدمة التى لو تركت قبل الوقت لما تمكن من امتثال الواجب في ظرفه كالسير الى الحج. بل من باب وجوب دفع الضرر المحتمل حيث انه لاحتمال ترتب ترك الواجب على ترك التعلم يحتمل العقاب على المخالفة ولا مؤمن منه فيحكم العقل بوجوب الدفع، وهو لا يمكن الا بالتعلم قبل الوقت. رابعها: ما لو كان ترك التعلم قبل الوقت موجبا لترك الواجب في ظرفه، اما للغفلة عن التكليف، أو لعدم التمكن من امتثاله، والاول كثيرا ما يتفق في المعاملات فانه إذا لم يتعلم احكام المعاملات ولم يميز الصحيحة عن الفاسدة فاوقع المعاملة فاسدة في الخارج وتحقق الانتقال في نظره فلا محالة يتصرف فيما يراه منتقلا إليه غافلا عن حرمته، والثانى كثيرا ما يتفق في العبادات كالصلاة حيث انها مركبة من عدة اجزاء وشرائط، ومعلوم ان تعلمها يحتاج الى مدة من الزمن لاسيما لمن لا يحسن اللغة العربية، وفي هذا القسم يجب التعلم قبل الوت، لما افاده الشيخ الاعظم (ره) وهو الملاك الذى لاجله يبنى على وجوب المقدمة، الموجب تركها فوت الواجب في ظرفه، الاتى. وبذلك يظهر ان ايراد المحقق النائيني، في غير محله، كما ان افاده من ان وجوب التعلم ثابت حتى فيما قبل البلوغ بالتقريب المتقدم يرده ما دل على رفع القلم عن الصبى، فانه يشهد بعدم الوجوب، ولم يظهر وجه اختصاص هذا الحكم الطريقي بعدم شمول دليل الرفع له، سوى ما قيل، من ان وجوب التعلم عقلي، وحديث الرفع لا يصلح

[ 370 ]

لرفعه، وهو مردود بانه بعد ورود التعبد من الشارع بانه لا شئ على الصبى من ناحية مخالفة الاحكام الشرعية لا يحكم العقل بوجوب التعلم، فان شئت قلت، انه يرتفع موضوع الحكم العقلي بتعبد الشارع، فلا يلزم من ذلك التخصيص في الحكم العقلي، كى يقال انه ممتنع. ثم انه قد حكم الشيخ الاعظم (ره) في رسالته العملية بفسق تارك تعلم مسائل الشك والسهو فيما يبتلى به عامة المكلفين. واورد عليه المحقق النائيني (ره)، بان ذلك يبتنى على احد امور. 1 - اختيار مذهب المحقق الاردبيلى من كون وجوب التعلم نفسيا موجبا للعقاب. 2 - كون التجرى موجبا للفسق وان لم يوجب العقاب. 3 - الفرق بين مسائل الشك والسهو وبين غيرها، من جهة قضاء العادة باستلزام ترك التعلم فيما يكثر الابتلاء به، لمخالفة الواقع، والاول لم يلتزم هو (قده) به، واما الثاني فالالتزام به بعيد، واما الثالث فالالتزام به ابعد فرض كون الوجوب طريقيا. ويمكن ان يقال انه على القول بان العدالة هي الملكة الباعثة للاتيان بالواجبات وترك المحرمات يتم ما افاده الشيخ لكشف التجرى عن عدم وجود الملكة في النفس وان لم يكن الفعل حراما. وجوب التعلم عند الشك في الابتلاء هذا كله فيما لو علم المكلف بالابتلاء، أو اطمئن به، واما لو شك في ذلك فهل يجب التعلم كما هو المشهور بين الاصحاب، ام لا. قد استدل للاول بما استدل به لوجوب التعلم مع العلم بالابتلاء. ولكن قد يقال انه يمكن اجراء استصحاب عدم الابتلاء بالاضافة الى الزمان المستقبل، لليقين بعدم الابتلاء فعلا، والشك في الابتلاء فيما بعد، فيستصحب عدم الابتلاء، بناءا على ما هو الحق من جريان الاستصحاب في الامور الاستقبالية.

[ 371 ]

واورد عليه المحقق النائيني (ره) بان الاستصحاب انما يجرى فيما إذا كان المستصحب اثرا شرعيا، أو موضوعا ذا اثر شرعى، والا كما في المقام، حيث ان الاثر، وهو استقلال العقل بوجوب التعلم انما هو مترتب على مجرد احتمال الابتلاء، لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، لا على واقعه، فلا يجرى الاستصحاب وبعبارة اخرى، ان الاثر في كل مورد كان مترتبا على نفس الشك والاحتمال دون الواقع، متى شك فيه فالموضوع محرز بالوجدان، ومعه لا مورد للتعبد بالواقع اصلا فانه لغو، وما نحن فيه كذلك، لان الموضوع هو احتمال الابتلاء، وهو محرز بالوجدان، واما الابتلاء الواقعي فلا اثر له كى يجرى الاستصحاب فيه. وفيه: ان التعبد بما هو محرز بالوجدان لغو صرف، ومن اردأ انحاء تحصيل الحاصل، والتخصيص في الحكم العقلي لا ريب في امتناعه، اما التعبد بما يوجب رفع موضوع حكم العقل، فلا محذور فيه، وبعبارة اخرى ان الحكم العقلي قابل للتخصص والخروج الموضوعي، وما نحن فيه من هذا القبيل: فان موضوع حكم العقل هو الضرر المحتمل، والمطلوب بالاستصحاب ليس هو اثبات وجوب الدفع، بل المثبت بالاستصحاب عدم العقاب، والضرر، وبه يرتفع موضوع وجوب الدفع، وعلى الجملة كما انه يصح رفع موضوع قبح العقاب بلا بيان باستصحاب الوجوب، كذلك يصح رفع موضوع وجوب دفع الضرر المحتمل بالاستصحاب المذكور ولا محذور في ذلك. ولكن يمكن الاستدلال لوجوب الدفع، وعدم جريان الاصل المذكور بوجهين. 1 - العلم الاجمالي بجملة من الاحكام الشرعية في ظرفها وهذا العلم الاجمالي مانع عن اجزاء الاصل المذكور في كل ما هو من اطراف العلم الاجمالي. 2 - اطلاق ما دل على وجوب التعلم: إذ لو اختص ذلك بموارد العلم أو الاطمينان بالابتلاء لم يبق تحت تلك الادلة الا موارد نادرة. ثم ان الكلام في ان المستفاد من الادلة من الايات والروايات، ان وجوب التعلم، نفسي، أو طريقي، أو ارشادى موكول الى محله وقد استوفينا الكلام في ذلك في مبحث الاشتغال.

[ 372 ]

بيان حكم المقدمات المفوته واما المقام الرابع، وهو بيان حكم المقدمات الوجودية للواجب التى يفوت الواجب في ظرفه بتركها قبل مجيئ وقت الواجب فتنقيح القول فيه يتوقف على بيان مقدمتين. الاولى: انه من القواعد المسلمة " ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار " وهذه القاعدة لها موردان. الاول: ان امتناع الفعل الاختياري لاجل عدم تعلق الارادة والاختيار به، لا ينافى الاختيار، والمخالف في هذا المورد الاشاعرة، القائلون بالجبر، بدعوى ان كل فعل من الافعال بما انه ممكن الوجود يحتاج في وجوده الى العلة، وهى اما موجودة، أو معدومة، فعلى الاول يجب وجوده، وعلى الثاني يمتنع، فلا يكون فعل من الافعال اختياريا، والجواب عن ذلك ان الفعل الاختياري يستحيل وجوده بلا اختيار وارادة، فإذا اعمل الفاعل قدرته في الفعل ففعل، يكون صدور هذا الفعل عن اختياره، ووجوب الفعل بعد الاختيار غير مناف للاختيار بل من لوازمه، وإذا اعمل قدرته في الترك فترك يمتنع وجود الفعل وهذا الامتناع انما هو امتناع بالاختيار، وهو لا ينافى الاختيار بل يؤكده، والامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار لا ينافى الاختيار في هذا المورد عقابا وخطابا. المورد الثاني: ان الفعل الاختياري بالواسطة، امتناعه لاجل اختيار الواسطة، لا ينافى الاختيار، كمن القى نفسه من شاهق: فان السقوط قبل الالقاء مقدور بواسطة القدرة على الالقاء وعدمه، فامتناعه لاجل اختيار الالقاء لا ينافى الاختيار، لان هذا الامتناع يكون منتهيا الى الاختيار، وهذا انما هو في خصوص العقاب إذ العقلاء لا يذمون المولى إذا عاقب مثل هذا الشخص ويرون هذا العقاب صحيحا، واما في الخطاب: فالامتناع ينافيه وان كان بالاختيار، والمخالف في هذا المورد أبو هاشم فانه قائل بان

[ 373 ]

الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار خطابا ايضا، ولم يخالف في عدم منافاته للاختيار عقابا، احد من العقلاء. المقدمة الثانية: ان القدرة، تارة لا يكون لها دخل في ملاك الحكم اصلا بل الفعل يتصف بالمصلحة كان المكلف قادرا ام غير قادر، وفي هذا المورد القدرة شرط عقلي، واخرى تكون القدرة شرطا ودخيلة في الملاك، وفي اتصاف الفعل بالمصلحة، وفي هذا المورد القدرة شرط شرعى كما في باب الوضوء حيث ان القدرة على الماء شرط شرعى كما هو المستفاد من الاية الشريفة، وعلى الثاني، تارة تكون القدرة المطلقة ولو قبل حصول الشرط دخيلة في الملاك، واخرى تكون، القدرة الخاصة كذلك، وعلى الثاني، تارة تكون الخصوصية المعتبرة فيها هي حصولها في زمان الواجب فقط، واخرى تكون هي حصولها بعد تحقق شرط الوجوب ولو كان ذلك قبل زمان الواجب، فهذه شقوق اربعة. إذا عرفت هاتين المقدمتين، فاعلم انه في الشق الاول، وهو ما إذا لم تكن القدرة دخيلة في الملاك والغرض اصلا، اقول: الاول: ما نسب الى المحقق العراقى (ره)، وهو انه لا يجب تحصيل تلك المقدمة التى يفوت الواجب في ظرفه بتركها، ولا يحكم العقل باستحقاقه العقاب، لا على ترك المقدمة، ولا على ترك ذى المقدمة. بدعوى، انه لو قصر المكلف قبل زمان الواجب في تحصيل المقدمات التى لو فعلها قبل تحقق وقت الخطاب لتمكن من امتثاله، وتساهل في تحصيلها حتى حضر وقت التكليف، وهو عاجز عن امتثاله، لا يستحق العقاب على ترك شئ منهما، اما عدم استحقاقه على ترك المقدمة فلعدم تعلق التكليف بها، لا عقلا لعدم وجود ملاكه فيها، ولا شرعا لعدم الدليل عليه، واما عدم استحقاقه على ترك ذى المقدمة، فلان التكليف غير متوجه الى العبد، لعدم القدرة، فلا يكون العبد مقصرا في امتثال التكليف. وفيه: ان العقل كما يستقل بان تفويت الحكم وعدم التعرض لامتثاله مع وجوده موجب لاستحقاق العقاب، كذلك يستقل بان تفويت الغرض الملزم، الذى هو قوام

[ 374 ]

الحكم وملائكه، موجب لاستحقاق العقاب، وان كان هناك مانع عن جعل الحكم، الا ترى انه لو علم العبد بان المولى عطشان، ومن شدة العطش لا يقدر على طلب الماء، وهو قادر على الاتيان به، لا ريب في استحقاقه العقاب على تركه. وبالجملة لا ينبغى التوقف في حكم العقل باستحقاق العقاب على تفويت الغرض الملزم، وعليه فلو ترك العبد المقدمة وبواسطة ذلك امتنع عليه الاتيان بذى المقدمة في ظرفه يستحق العقاب على تفويت ملاك ذى المقدمة في ظرفه: لما تقدم من ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار عقابا، فاستحقاق العقاب يكون على ذلك لاعلى ترك المقدمة، ولا على مخالفة التكليف فتدبر. القول الثاني: ما اختاره المحقق النائيني (ره)، وهو وجوب المقدمة التى يفوت الواجب في ظرفه بتركها قبل تحقق وقت الخطاب، بدعوى انه يستكشف الوجوب شرعا من حكم العقل باستحقاق العقاب على تفويت الغرض الملزم تبركها حفظا للغرض فيكون متمما للجعل الاول، واوضح ذلك بالقياس على الارادة التكوينية، فانه كما لاشك في ان من يعلم بابتلائه في السفر بالعطش لو ترك تحصيل الماء قبل السفر، تتعلق ارادته التكوينية بايجاد القدرة قبل بلوغه الى وقت العطش، فكذلك في الارادة التشريعيه للملازمة بينهما كما مر سابقا. اقول: يرد على ما افاده من استكشاف الوجوب الشرعي من حكم العقل بقبح ترك المقدمة الموجب لعدم القدرة على الواجب في ظرفه، ان الحكم العقلي الواقع في سلسلة علل الاحكام، أي ما يكون دركا للمصلحة أو المفسدة التى هو ملاك الحكم، يستكشف منه الحكم الشرعي من باب الملازمة، واما ما يكون واقعا في سلسلة معاليل الاحكام كقبح المعصية، أو ما يكون نظيره، والجامع ما لا يكون دركا لمصلحة أو المفسدة، فلا يستكشف منه الحكم الشرعي، والمقام من قبيل الثاني لكونه دركا لصحة العقاب على ترك ما فيه الغرض الملزم في ظرفه، لا دركا للمصلحة وهو بنفسه يصلح لمحركية العبد، فلا يصلح ان يكون كاشفا عن جعل شرعى مولوى متمم للجعل الاول. فتحصل ان الاقوى هو القول الثالث، وهو استحقاق العقاب بترك المقدمة

[ 375 ]

المفوته وعدم وجوبها الشرعي. واما الشق الثاني: وهو ما إذا كانت القدرة المطلقة دخيلة في الملاك، فحاله حال الشق الاول كما هو واضح. واما الشق الثالث: كالاستطاعة التى علق عليها وجوب الحج، فان الظاهر ان الاستطاعة في اشهر الحج توجب صيرورة الحج ذا ملاك ملزم، وان كان ظرف افعاله متاخرا، والاستطاعة قبلها لا اثر لها فمن يرى معقولية الواجب المعلق يلتزم بوجوب الحج من اول اشهر الحج مع تحقق الاستطاعة، وعليه فوجوب ساير المقدمات التى يتوقف عليها الحج على اقول بوجوب المقدمة، واضح، ومن يرى عدم معقولية المعلق، يلتزم بان وجوبه مشروط، وعلى ذلك فالمقدمة التى يترتب على تركها فوت الواجب وعدم القدرة على الحج في ظرفه، بعد حصول شرط الملاك، وهو الاستطاعة في اشهر الحج، حكمها حكم المقدمة المفوته في الشقين الاولين، والاولين، والمقدمة التى يترتب على تركها ذلك قبل حصوله لا محذور في تركها، إذا العقل انما يحكم بقبح تفويت الملاك الملزم، ولا يحكم بقبح ما يوجب عدم تحقق الملاك، الا ترى ان الصوم ذو ملاك ملزم بالنسبة الى الحاضر، ولا يحكم العقل بقبح المسافرة الموجبة لعدم كون الصوم بالنسبة الى هذا الشخص ذا ملاك، وعلى الجملة لا قبح في الفعل أو الترك المانع عن صيرورة فعل خاص ذا ملاك ملزم، بخلاف ما يوجب فوت الملاك الملزم. وبما ذلك يظهر حكم الشق الرابع، وهو ما إذا كانت القدرة في زمان الواجب دخيلة في الملاك فانه لا يحكم العقل بالقبح لو ترك المقدمة الموجبة لفوت الواجب في ظرفه اصلا، فان ذلك يوجب عدم صيرورة الفعل ذا ملاك ملزم. فالمتحصل من مجموع ما ذكرناه عدم وجوب المقدمة التى تركها يوجب عدم القدرة على الواجب في ظرفه مطلقا ومنها التعلم، وانما يوجب تركها العقاب فيما إذا لم تكن القدرة دخيله في الملاك، أو كانت القدرة المطلقة دخيلة فيه، ام كانت القدرة بعد حصول شرط خاص دخيلة وترك المقدمة بعده لا قبله، ولا يوجب العقاب في غير هذه الموارد، هذا كله فيما لو علم بافضاء الترك الى فوت الواجب في ذلك.

[ 376 ]

واما لو احتمل ذلك فلا دليل على قبح ترك المقدمة وان اوجب فوت الملاك في ظرفه، وعليهفلو صح ما نسب الى المشهور من حكمهم بوجوب التعلم قبل الوقت وان احتمل الابتلاء بما لا يعلم حكمه ولم يعلم بذلك، يكون ذلك من جهة كون وجوب التعلم واجبا نفسيا فتدبر فانه غير خال عن الاشكال. فان قلت: انه بناءا على حكم العقل بقبح ترك المقدمة، الموجب لترك الواجب في ظرفه، انه احتمل ذلك فبما انه يحتمل تحقق العصيان في ظرفه بتركه المقدمة، فلا محالة يحتمل العقاب، فيحكم العقل بوجوب دفعه باتيانها دفعا باتيانها دفعا للضرر المحتمل، لعدم جريان البرائة في هذا المورد كما هو واضح ومر ايضا. قلت: انه بناءا على ما حققناه في محله من جريان الاستصحاب في الامور الاستقبالية يجرى في المقام استصحاب عدم فوت الواجب في ظرفه بغير اختيار منه، فتأمل فان ذلك يتم على القول بوجوب المقدمة التى يترتب على تركها فوت الواجب في ظرفه كما اختاره المحقق النائيني، ولا يتم على ما اخترناه من عدم الوجوب، لعدم الاثر الشرعي. واما ما اورده المحقق النائيني على هذا الاستصحاب، بان جريان يتوقف على كون الواقع المشكوك فيه اثرا، أو ذا شرعى حتى يتعبد به في ظرف الشك، واما إذا لم يكن هناك اثر شرعى، أو كان الاثر مترتبا على نفس الشك المحرز وجدانا فلا معنى للعبد به في مورده، وما نحن فيه من هذا القبيل، فان وجوب دفع الضرر المحتمل مترتب على نفس الاحتمال وجدانا، وليس للواقع اثر شرعى يدفع احتماله بالاصل، فلا يبقى مجال لجريان استصحاب العدم. فغير تام، إذ مستند منعه عن الجريان ان كان عدم ترتب اثر على الواقع، فيرد عليه ان من لم يفت الملاك الملزم منه في ظرفه على تقدير ترك المقدمة، لا يجب على المقدمة، وجوبها مترتب على الفوت في ظرفه، وان كان ترتب اثر الواقع الذى اريد اثباته بالاستصحاب على نفس الاحتمال، فيرد عليه انه لو اتم فانما هو فيما إذا كان المترتب على الاستصحاب نفس الحكم المترتب على الاحتمال ولا يتم فيما إذا كان

[ 377 ]

المترتب عليه عدم ذلك الحكم كما هو واضح، والمقام من قبيل الثاني إذ المترتب على الاستصحاب هو عدم الوجوب. الواجب المعلق ومن تقسيمات الواجب، تقسيمه الى المعلق، والمنجز. واول من قسم الواجب الى هذين القسمين انما هو صاحب الفصول، قال انه ينقسم باعتبار آخر الى ما يتعلق وجوبه بالمكلف ولا يتوقف حصوله على امر غير مقدور له كالمعرفة وليسم منجزا، والى ما يتعلق وجوبه به ويتوقف حصوله على امر غير مقدور له وليسم معلقا كالحج فان وجوبه يتعلق بالمكلف من اول زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة ويتوقف فعله على مجيئ وقته وهو غير مقدور له، والفرق بين هذا النوع وبين الواجب المشروط هو ان التوقف هناك للوجوب وهنا للفعل انتهى. وهذا التقسيم في نفسه وان كان متينا، وله وجه وجيه، إذ القيد الدخيل في الواجب أو الوجوب على اقسام. 1 - ما يكون دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة كزوال الشمس بالاضافة الى صلاة الظهرين. 2 - ما يكون دخيلا في حصول المصلحة مع كونه اختيار يا كالطهارة بالاضافة الى الصلاة. 3 - ما يكون دخيلا في حصول المصلحة مع كونه غير اختياري، كالايام المخصوصة المجعولة وقتا للحج، فان الحج يتصف بالمصلحة من اول زمان الاستطاعة، أو من اول اشهر الحج أي من اول شوال، أو من حين خروج الرفقة الا ان حصول المصلحة بفعل الحج متوقف على مجيئ وقته، وفي القسم الاول لا مناص عن جعل الوجوب مشروطا كما تقدم، وفي القسم الثاني جعله مطلقا وايجاب ايجاد القيد، وفي القسم الثالث جعل الوجوب حاليا والواجب استقباليا على فرض معقولية المعلق كما ستعرف. الا ان الذى صار لتقسيم صاحب الفصول، هو ما رأى في الفقه واجبات يكون ظرفها في ما بعد، ومع ذلك تجب مقدماتها قبل زمانها، منها: ان الفقهاء افتوا بلزوم

[ 378 ]

المقدمات الوجودية للحج قبل وقت الحج، ومنها: افتائهم بوجوب غسل الجنابة قبل الفجر ليلة الصيام. ومنها: غير ذلك من الموارد، ومن البديهى انه لا يتصور ان تكون المقدمات واجبة مع عدم وجوب ذويها: إذ وجوب المقدمة انما يترشح من وجوب ذى المقدمة، فكيف يمكن تحققه. وليست هي من الواجبات النفسية فلم يريدا عن الالتزام بالواجب المعلق، ولكن قد عرفت انه يمكن تصوير وجوب المقدمات المزبورة من وجه آخر من دون الالتزام بالواجب المعلق. والمحقق الخراساني (ره) اشكل عليه بان وجوب المقدمة فعلا من آثار اطلاق وجوبه وحاليته لامن استقبالة الواجب، ومراده على ما يصرح به فيما بعد انه يمكن تصوير فعلية وجوب ذى المقدمة كى يترشح منه الوجوب الى المقدمة من دون ان يلتزم بالواجب المعلق وهو ارجاع القيد الى الهيئة وكون الواجب مشروطا بنحو الشرط المتأخر، فيكون الوجوب المشروط به حاليا، ومنه يسرى الوجوب الى مقدماته. وبذلك ظهر انه لايرد عليه ما ذكره في المقام بان هذا ليس اشكالا على صاحب الفصول لانه انما يلتزم بالواجب المعلق لاثبات فعلية الوجوب، وجه عدم الورود ما عرفت من انه يدعى امكان اثبات فعلية الوجوب مع عدم الالتزام بالمعلق. ولكن يرد عليه ان الالتزام بوجوب المقدمات بالوجوب المقدمى في المورد المشار إليها، يتوقف على الالتزام بالشرط المتأخر، والواجب المعلق معا، وعلى فرض عدم معقولية الواجب المعلق لا يمكن اثبات وجوبها بالالتزام بالشرط المتأخر، كما انه على فرض القول باستحالة الشرط المتأخر لا يمكن اثباته بالالتزام بالواجب المعلق. اما الاول: فلانه إذا كان القيد راجعا الى الهيئة، فان لم يكن الواجب مقيدا به وكان مطلقا لزم كان الواجب حاليا والفعل مما يجب الاتيان به ولو قبل حصول الشرط لو علم بتحققه في ظرفه مثلا لو التزم بكون الامساك الواجب غير مقيد بطلوع الفجر لزم وجوبه من الليل، وهو خلف الفرض، وان كان مقيدا به كان الواجب معلقا. واما الثاني: فلانه لو التزاما بكون الوجوب فعليا والواجب استقباليا فاما ان يكون الوجوب فعليا حتى مع فرض عدم بقاء المكلف الى ذلك الزمان، أو عدم بقائه على وجه

[ 379 ]

يصح توجه التكليف إليه كصيروته مجنونا أو كون الفعل غير مقدور له، أو يكون مشروطا ببقائه وبقائه على نحو يصح توجه التكليف إليه، لا سبيل الى الالتزام بالاول، والثانى هو الالتزام بالشرط المتأخر، ففعلية وجوب المقدمات بالوجوب المقدمى قبل زمان الواجب تتوقف على القول بالواجب المعلق والشرط المتأخر معا، والالتزام بعدم معقولية الواجب المعلق يوجب عدم معقولية فعلية الوجوب ومجرد القول بالشرط المتأخر لا يصححها. ما استدل به لعدم معقولية الواجب المعلق وكيف كان فقد استدل لعدم معقولية الواجب المعلق بوجوه: الاول: ما عن المحقق السيد محمد الاصفهانى (ره) وحاصله، ان الارادة التشريعية، أي الارادة المتعلقة بفعل الغير، وايجابه عليه، والارادة التكوينية توأمتان ولا فرق بينهما الا في ان الاولى متعلقة بفعل الغير، والثانية متعلقة بفعل الشخص نفسه فيثبت للاولى، جميع ما للثانية من الاثار والاحكام، وحينئذ فحيث ان الارادة التكوينية لا تتعلق بالامر المتأخر، والالزم انفكاك الارادة عن المراد، وهو غير معقول، فكذلك الارادة التشريعية، فايجاب الامر الاستقبالي بنحو يكون الوجوب فعليا غير معقول. واجاب المحقق الخراساني عن ذلك بان الارادة التكوينية تتعلق بامر متاخر استقبالي، ولذا ترى ان العقلاء يتحملون المشاق في تحصيل المقدمات فيما إذا كان المقصود بعيدة المسافة وليس ذلك الا لاجل تعلق الارادة بامر استقبالي. ومراد القوم من قولهم ان الارادة هو الشوق المؤكد المحرك لعضلات نحو المراد، انما هو بيان مرتبة الشوق التى تكون هي الارادة وان لم يكن هناك فعلا تحريك لكون ما اشتاق إليه كمال الاشتياق امرا استقباليا. اقول سواء كانت الارادة المحركة للعضلات نحو المراد هو الشوق المؤكد كما هو المشهور، ام كانت هي اعمال النفس قدرتها في الفعل أو الترك كما هو الحق لا يعقل

[ 380 ]

تعلقها بالامر المتأخر. اما على الاول: فلان من يقول بان الارادة المحركة للعضلات نحو المراد هو الشوق لا يقول انها مطلق الشوق بل الشوق البالغ حدا يكون علة للفعل وتلك المرتبة منه التى هي الارادة لا يعقل انفكاكها عنه والالزام انفكاك المعلول عن جزء اخير علته وهو محال. واما على الثاني: فلان اعمال النفس قدرتها في الفعل انما يكون في ظرف امكان حصول الفعل، وبديهى ان الامر المتأخر يستحيل صدوره بالفعل فلا تتعلق به اعمال القدرة. واما ذكره من البرهان على ما افاده من انا نرى بالوجدان انه ربما يتعلق الشوق المؤكد بامر استقبالي، ولذا يحتمل المشاق في تحصيل مقدماته، فيرد عليه: ان ذلك الشوق الذى ينبعث منه الشوق الى مقدماته، ويصير ذلك سببا لتعلق الارادة المحركة للعضلات بها، لا يكون ارادة على المسلكين، اما على المسالك الحق فواضح، واما على المسلك الاخر فلان الشوق الى ذى المقدمة لما لم يكن وصوله الى حد الباعثية قبل مجيئ زمانه فلا محالة لا يكون واصلا الى مرتبة يكون هو تلك المرتبة المحركة للعضلات. وبما ذكرناه ظهر ما في كلام المحقق النائيني (ره) حيث انه (قده) اختار تعلق الارادة بالامر المتأخر إذا كان له مقدمات مقدورة، بدعوى انه يكون حينئذ مقدورا ولو بواسطة القدرة على مقدمته فيتحرك نحوه ويجود مقدماته بنفس التفاته الى المقدمية واما إذا كان مقيدا بقيد اختياري فلا يعقل تعلق الاردة به، إذ المقيد بامر غير اختياري بما هو مقيد لا يكون اختياريا، ولكن قد عرفت انه لا يعقل الارادة التكوينية بالامر المتأخر مطلقا وان كان مقدمات مقدورة. فالحق في الجواب عن هذا الوجه ان ما ذكر من ترتب جميع احكام الارادة التكوينية، على الارادة التشريعية غير تام، إذ ايجاب المولى الذى هو المراد من الارادة التشريعية عبارة عن ابزار الشوق النفساني أو ابزار اعتبار كون الفعل على ذمة المكلف وهو بكلامه معنييه يتعلق، بالامر المتأخر كما لا يخفى. الوجه الثاني: ان القول بالواجب التعليقي يتوقف على القول بالشرط المتأخر كما عرفت وحيث انه محال فهذا ايضا غير معقول.

[ 381 ]

وفيه: انه قد مر في مبحث الشرط المتأخر معقولية. ؟ فالواجب المعلق من هذه الجهة لا محذور فيه. الثالث: انه يعتبر في صحة التكليف القدرة على متعلقه حال البعث الى فعلية الوجوب. وحيث انه في الواجب المعلق يكون المتعلق حين فعلية الوجوب غير مقدور لنوقفه على امر غير مقدور فلا يكون معقولا. وفيه: ان القدرة المعتبرة هي القدرة في ظرف امتثال الواجب والفرض تحققها ولا يعتبر القدرة قبل ذلك. الرابع: ان القيد اما لا ربط بالواجب اصلا فهو خارج عن محل الكلام أو يكون مربوطا به. وعليه فاما، ان يكون مفروض الوجود فيلزم تأخر الحكم عنه ويكون الواجب واجبا مشروطا، أو يكون قيدا للواجب، وحينئذ، اما ان يكون القيد اختياريا فيكون او اجب منجزا أو يكون غير اختياري فلا يعقل تعلق التكليف به، لكونه غير مقدور، ولا بالفعل المقيد به إذا الفعل المقيد بامر غير اختياري غير اختياري. لا يقال: ان المقيد بامر غير اختياري لا يعقل تعلق الطلب به مطلقا، واما تعلقه به على فرض وجود القيد بنفسه فلا محذور فيه، فانه يقال: ان هذا عبارة اخرى عن فرض وجود القيد الذى عرفت ان لازمه تأخر الحكم عنه ويكون الواجب مشروطا، وعلى ذلك فلا يتصور الواجب المعلق. وفيه: انه يمكن ان يكون القيد غير الاختياري قيدا للواجب وشرطا ولا يلزم من ذلك محذور، إذ المحذور المتوهم ترتبه على هذا امران حسب ما يستفاد من هذا الوجه: احدهما: ان المقيد بامر غير اختياري خارج عن تحت القدرة. ثانيهما: انه إذا كان نفس وجود القيد مفروض الوجود كان الواجب مشروطا فلا يكون الوجوب فعليا وشئ منهما لا يتم. اما الاول: فيدفعه مضافا الى النقض باغلب الواجبات فانها مقيدة بقيود غير اختيارية مثلا الصلاة المأمور بها هي ما وقعت مستقبل القبلة، وبديهى ان وجود الكعبة خارج عن تحت الاختيار. ان قيد الواجب ربما يكون دخيلا فيه تقيدا وقيدا، وقد يكون دخيلا تقيدا فقط ولا يكون القيد بنفسه دخيلا، والاول يسمى بالجزء والثانى بالشرط،

[ 382 ]

وفي القسم الاول يعتبر كون القيد اختياريا، وفي الثاني لا يعتبر ذلك، فان التقيد المعتبر اختياري على فرض وجود القيد غير الاختياري. واما الثاني: فيدفعه ان القيد الذى يفرض وجوده في التكليف وان كان التكليف مشروطا به، الا انه ان كان دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة تكون دخالته فيه بنحو الشرط المقارن، وان كان دخيلا في استيفاء المصحلة، تكون دخالته بنحو الشرط المتأخر، فيكون الوجوب فعليا. وبما ذكرناه ظهر عدم تمامية الوجه الخامس، وهو ما ذكره المحقق النائيني (ره) و حاصله، انه لو كان الواجب المعلق معقولا، فانما هو في القضايا الخارجية، واما في القضايا الحقيقية، فلا يمكن تصويره بوجه، إذ فعلية الحكم فيها تتوقف على فعلية كل ما اخذ مفروض الوجود في الخطاب، وعليه: فكل ما فرض وجوده في الخطاب لا محالة يتاخر التكليف عنه رتبة، ويتوقف فعليته على فعليته وكل ما لم يكن كذلك وكان مأخوذا في الواجب، فلابد وان يكون الوجوب بالاضافة إليه مطلقا، ويكون المكلف مأمورا بايجاده، فامر التكليف دائر بين الاطلاق والاشتراط لا محالة، ولا ثالث لهما. وجه عدم تماميته ما عرفت من ان القيد غير الاختياري الذى اخذ مفروض الوجود يتصور على نحوين، إذ تارة يكون دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة، وحينئذ لا مناص عن الالتزام بتأخر الحكم عنه واخرى لا يكون دخيلا فيه وانما اخذ مفروض الوجود لكونه غير اختياري، ويكون الملاك تاما قبل وجوده فيمكن فعلية الحكم قبل تحققه لكونه من قبيل الشرط المتأخر. السادس: ما افاده المحقق الاصفهانى (ره)، وحاصله: ان البعث انما يكون مقدمة لحصول فعل الغير امكانا إذا ترتب عليه الانبعاث وخرج عن حد الامكان الى الوجوب يتمكن المكلف له وانقياده، فإذا كان الواجب مقيدا بامر غير اختياري متاخر فلا يعقل الانبعاث فكذلك البعث، وبعبارة اخرى البعث والانبعاث متلازمان في الامكان، فإذا لم يكن الثاني معقولا لم يكن الاول معقولا، وان شئت قلت: ان ايجاب المولى انما يكون جعل ما يمكن ان يكون داعيا فإذا فرض عدم امكان داعويته قبل تحقق القيد لعدم القدرة

[ 383 ]

عليه فلا يعقل الايجاب والبعث. وقد اورد على نفسه، بانه لو كان الامر كذلك لما امكن البعث نحو فعل الشئ في وقته مع عدم حصول مقدماته الوجودية إذ لا يمكن الانبعاث نحو ذى المقدمة الا بعد وجود مقدماته والمفروض ان البعث الى مقدماته لا ينبعث الا عن البعث الى ذيها. واجاب عنهبان عدم الامكان في الفرض انما يكون بالامتناع بالغير. وعدم الامكان في محل الكلام انما هو بالامتناع الوقوعى. ففيما هو محل الكلام يمتنع الانبعاث فيمتنع البعث، وفى الفرض يمكن الانبعاث لامكان تحصيل مقدماته فيمكن البعث، وامتناع الانبعاث بالغير لا يمنع عن البعث إذ ملاك امكان البعث وقوعيا امكان الانبعاث كذلك بامكان علته لا بوجود علته. وفيه: انه لو كانت الملازمة ثابتة فانما هي بين امكان البعث، وامكان الانبعاث وعدم امتناعه ولو بالغير - وبعبارة اخرى - ان امتناع الانبعاث بعدم ارادة الفعل لا ينافى امكان البعث، واما امتناعه لاجل عدم تحقق مقدماته فهو يلازم عدم امكان البعث على فرض ثبوت الملازمة بينهما. وان شئت قلت، ان الانبعاث في مقدار من الزمان الذى يكون بقدر الاتيان بالمقدمات، يمتنع بالامتناع الوقوعى، فيمتنع البعث. اضف الى ذلك ان حقيقة الامر، والايجاب على ما عرفت ليست الا ابراز كون المادة، متعلقة لشوق المولى، والبعث انما يكون من المفاهيم التى تصدق على الامر بعد وجوده، ويكون الامر بنفسه مصداقا للبعث لكونه يبعث المأمور نحو الفعل، وعليه فلا يعتبر في صحته سوى ما يخرج به عن اللغوية، وكفى في ذلك وجوب مقدماته التى لو تركت لما تمكن المكلف من اتيان الواجب في ظرفه المقرر له، وعدم الايكال الى العقل الحاكم بذلك الذى ليس من الواضحات التى يعرفها كل احد. فتحصل ان شيئا مما استدل به على امكان الواجب المعلق لا يدل عليه، فالاظهر امكانه، وعليه فلابد من ملاحظة الدليل في كل مورد، فان ساعد ظاهر الدليل على القول به أو دل دليل آخر عليه، يتعين الالتزام به. وقد يقال بانه في الواجبات التى لها اجزاء تدريجية الوجود، لا مناص عن القول

[ 384 ]

بالواجب المعلق كالصوم الذى هو عمل واحد وله وجوب واحد، وهو انما يصير فعليا في اول وقت الامساك، فالجزء الاخير من الامساك مطلوب من اول الوقت لفرض وحدة الطلب والمطلوب وهذا عين الالتزام بالواجب التعليقي. واجاب عنه المحقق النائيني (ره) بانه إذا كان الواجب وشرطه تدريجيين، فلا محالة يكون الوجوب ايضا كذلك، لان فعلية الحكم تساوق فعلية موضوعه ويستحيل التقدم والتاخر فالوجوب المتعلق بالجزء الاخير لا يكون فعليا في اول الوقت. اقول: ان ما ذكره (ره) على القول بامتناع الواجب المعلق وان كان متينا، الا انه بناءا على امكانه لاسبيل الى الالتزام بذلك بل يتعين القول بالواجب التعليقي إذ الملاك تام من اول الوقت ولا يكون القيد دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة فلا مناص عن عدم اخذه من قيود الحكم. ثم انه خصص صاحب الفصول الواجب المعلق بما يتوقف حصوله على امر غير مقدور. واورد عليه في الكفاية قال ثم لا وجه لتخصيص المعلق بما يتوقف حصوله على امر غير مقدور بل ينبعى تعميمه الى امر مقدور متاخر اخذ على نحو يكون مورد التكليف ويترشح عليه الوجوب من الواجب اولا لعدم تفاوت فيما يهمه من وجوب تحصيل المقدمات التى لا يكاد بقدر عليها في زمان الواجب المعلق دون المشروط لثبوت الوجوب الحالى فيه فيترشح منه الوجوب على المقدمة بناءا على الملازمة دونه لعدم ثبوته فيه الا بعد الشرط نعم لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخر وفرض وجوده كان الوجوب المشروط به حاليا ايضا فيكون وجوب ساير المقدمات الوجودية للواجب ايضا حاليا وليس الفرق بينه وبين المعلق حينئذ الا كونه مرتبطا بالشرط بخلافه وان ارتبط بالواجب انتهى. اقول: انه ان كان القيد راجعا الى الهيئة وكان دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة فالواجب يكون واجبا مشروطا، وان كان راجعا الى المادة ودخيلا في حصول المصلحة لا في اتصافه بها، فان كان امرا مقدورا للمكلف وجب الاتيان به ويكون الواجب حينئذ

[ 385 ]

منجزا كالطهارة التى تكون شرطا للصلاة، وان كان غير مقدور له كان الواجب معقلا فتحصل ان ما افاده في الفصول من اختصاص الواجب المعلق بما يتوقف حصوله على امر غير مقدور، حق ولا يرد عليه ما افاده المحقق الخراساني (ره). ثم انه عرفت ان الذى اوجب تصدى الاصحاب لتقسيم الواجب الى المعلق والمنجز هو ما ثبت من الشرع من وجوب بعض المقدمات قبل وقت الواجب الظاهر كونه قيدا للوجوب، مثل الغسل في صوم شهر رمضان، ومثل تحصيل الزاد والراحلة بعد الاستطاعة قبل مجيئ موسم الحج وماشا كل والمحقق الخراساني افاد انه يمكن التفصى عن هذه العويصة بغير التعلق بالتعليق. مراده انه يمكن اثبات فعلية الوجوب بنحو آخر، وهو ارجاع القيد الى الهيئة بنحو الشرط المتأخر فيكون الوجوب فعليا فتحب مقدماته، ولا يلزم الالتزام بالواجب التعليقي. ولكن قد عرفت ان الالتزام بالشرط المتأخر في المقام وحده من دون الالتزام بالواجب المعلق لا يكفى: فانه لو لم يرجع القيد الى المادة كان الواجب فعليا منجزا كالوجوب. وقد اورد على صاحب الفصول والشيخ بايرادين آخرين غير ما مر ذكرهما المحقق الخراساني (ره) في الكفاية بقوله: ان قلت: لو كان وجوب المقدمة في زمان كاشفا عن سبق وجوب ذى المقدمة لزم وجوب جميع مقدماتها ولو موسعا وليس كذلك بحيث يجب عليه المبادرة لو فرض عدم تمكنه منها لو لم يبادر انتهى. وهذا ينحل الى ايرادين. احدهما: ان لازم كشف سبق وجوب ذى المقدمة من وجوب احدى مقدماته لزوم الاتيان بجميع مقدماته بحيث لو فرض عدم التمكن من احداها في الوقت وجبت المبادرة إليها وليس كذلك ثانيهما: انه يجوز الاتيان بجميع المقدمات قبل الوقت بداعي الوجوب لانها تجب موسعا. واجاب عنه المحقق الخراساني بقوله: قلت: لا محيص عنه الا إذا اخذ في الواجب من قبل ساير المقدمات قدرة خاصة وهى القدرة عليه بعد مجيئ زمانه لا القدرة عليه في زمانه من زمان وجوبه انتهى. محصل ما ذكره (قده) انه إذا ورد دليل على وجوب مقدمة

[ 386 ]

من المقدمات قبل الوقت، وورد ايضا انه من لم يتمكن من المقدمامة الاخرى في الوقت لا يجب عليه المقدمة قبل الوقت وان قدر عليها كما إذا دل الدليل على وجوب حفظ الماء قبل الوقت، وحرمة اراقته لمن يعلم بعدم وجدان الماء في الوقت وورد ايضا، ان من يعلم بعدم التمكن من الوضوء في الوقت لمرض ونحوه لو لم يتوضأ قبله لا يجب الوضو قيل الوقت، لما كان بينهما تناف، فان وان كان يستكشف من الدليل الاول، وجوب ذى المقدمة قبل الوقت، ولكن من الدليل الثاني يستكشف ان الصلاة مع الوضوء انما تتصف بالمصلحة إذا تمكن منه في الوقت ويكون القدرة عليه في وقت العلم شرطا شرعيا فإذا لم يتمكن منه في الوقت لا مصلحة للصلاة معه، فلا يجب حفظ القدرة عليه من قبل الوقت إذ فعل ما يوجب اتصاف شئ بالمصلحة غير لازم كما هو واضح وهذا لا ينافى كشف وجوب ذى المقدمة قبل الوقت وبتبعه وجوب ساير مقدماته. ولكن هذا الجواب انما يفيد في رفع الاشكال الاول، ولا يفيد في رفع الثاني، وما ذكره بعضهم من انه يمكن ان يكون الوضوء الذى مقدمة للصلاة انما هو الوضوء في الوقت لا قبله، غير مفيد فان لازم ذلك انه لو توضأ قبل الوقت لداعى آخر، لا يجوز له الدخول في الصلاة. ولا يخفى ان كل ذلك مجرد فرض لا واقع له. تردد امر القيد بين رجوعه الى الهيئة أو المادة ولو دار امر القيد ثبوتا بين رجوعه الى الهيئة أو المادة، فعن الشيخ استظهار رجوعه الى المادة، ولكنه غير خفى ان هذا البحث يصح بناءا على امكان رجوع القيد الى الهيئة، والى المادة. فمن يرى عدم امكان رجوعه الى الهيئة كالشيخ الاعظم (ره) لا وجه لانعقاد هذا البحث، فمن ذلك يعلم ان عنوان هذا البحث من الشيخ (قده) انما يكون تنزيليا. ثم ان الشك تارة يكون في كيفية رجوع القيد الى الهيئة مع العلم بانه راجع إليها، وانه على نحو الشرط المقارن كى لا يجب الا بعد تحقق القيد، أو بنحو الشرط المتأخر

[ 387 ]

كى يجب قبله، ففى هذه الصورة حيث يعلم بالوجوب بعد تحقق القيد ويشك في وجوبه قبله فتجرى البرائة عنده. وان علم رجوعه الى المادة، فقد انه لا يتصور الشك في وجوب القيد وعدمه إذ لو كان اختياريا كان واجبا لا محالة، ولو كان غير اختياري لما وجب. واما لو شك في انه راجع الى المادة فيجب تحصيله، أو انه راجعإ الى الهيئة فلا يجب، وعلى الثاني فهل هو من قبيل الشرط المتأخر فذوا المقدمة واجب قبل وجود المقدمة، أو انه من قبيل الشرط المقارن فلا يجب قبله، فالشك في هذه الصورة شكان الاول، في وجوب المقدمة. الثاني، في وجوب ذى المقدمة قبل وجود القيد، ومقتضى اصالة البرائة عدم وجوبهما، هذا ما تقتضيه الاصول العملية. واما بحسب الادلة الاجتهادية، فقد ذكر الشيخ الاعظم (ره) لترجيح رجوع القيد الى المادة دون الهيئة وجهين. الاول: ان اطلاق الهيئة شمولي، بمعنى ان مفاده ثبوت الوجوب على كل تقدير يمكن ان يتوجه معه الخطاب الى المكلف، بخلاف اطلاق المادة فانه بدلى بمعنى ان المطلوب فرد واحد من افراد الطبيعة أي فرد كان لاكل فرد، وإذا دار الامر بينهما فالاطلاق البدلى اولى برفع اليد عنه وابقاء الاطلاق الشمولى على حاله لكونه اقوى في العموم واظهر، وعليه بنى (قده) تقديم الاطلاق الشمولى في مثل لا تكرم فاسقا على الاطلاق البدلى في مثل اكرم عالما في باب التعارض. واورد عليه المحقق الخراساني في الكفاية، بانه إذا كان الدوران بين رفع اليد عما يكون شموله بالوضع أو رفع اليد عما يكون شموله بالطلاق ومقدمات الحكمة يكون المتعين رفع اليد عن الثاني، واما إذا كان الدوران بين رفع اليد عن احد الاطلاقين فلا يمكن تقديم احدهما على الاخر بمجرد كونه شموليا والاخر بدليا. والمحقق النائيني (ره) رجح ما اختاره الشيخ من تقديم الاطلاق الشمولى على الاطلاق البدلى ووجهه بنحو لا يرد عليه هذا الايراد وحاصله ان الاطلاق الشمولى لا يحتاج في شمول الحكم لجميع الافراد الى ازيد من الاطلاق ومقدمات الحكمة. واما

[ 388 ]

الاطلاق البدلى فهو يحتاج زايدا على ذلك الى احراز تساوى الافراد في الوفاء بالغرض حتى يحكم العقل بالخيير، والسر في ذلك انه في الاطلاق الشمولى الحكم ينحل الى احكام عديدة، وكل فرد محكوم بحكم واحد، والاطلاق البدلى انما يثبت حكما واحدا لفرد من الافراد على البد، وبعبارة اخرى لصرف وجود الطبيعة وتطبيق ذلك على كل فرد يتوقف على احراز تساوى الافراد في الوفاء بالغرض والافا لعقل لا يحكم بالخيير، وعليه فحيث ان شمول الاطلاق الشمولى للمجمع تنجيزي غير متوقف على شئ وشمول الاطلاق البدلى له يتوقف على احراز التساوى المتوقف على عدم شمول الاطلاق الشمولى له فلا محالة لا يكون البدلى شاملا له ويكون المجمع شمولا للاطلاق الشمولى، فانه يصلح ان يكون موجبا لعدم احراز التساوى بل لاحراز عدمه، وان شئت قلت ان رفع اليد عن الشمولى اما ان يكون بلا وجه أو على وجه دائر بخلاف رفع اليد عن الاطلاق البدلى. اقول المقدمة التى عليها بنى هذا الوجه وهو احتياج الاطلاق البدلى احراز تساوى الافراد في الوفاء بالغرض. غير تامة وذلك لوجهين. الاول: انه لو تم ذلك لزم يكون قدر المتيقن مانعا عن التمسك بالاطلاق ذا مع وجوده لا يكون التساوى محرزا، ومعه لا وجه للتمسك بالاطلاق، فلو ورد اكرم عالما واحتمل الاختصاص بالها شمى لزم الاقتصار عليه، وعدم الاكتفاء باكرام غير الهاشمي وهو كما ترى. الثاني: ان احراز التساوى انما يكون من الاطلاق نفسه، وذلك لان الحكم إذا ترتب على الطبيعة ولم يؤخذ فيه قيد من القيود لا وجودا ولا عدما يستكشف منه عدم دخل قيد في الغرض وعدم مضريته باستيفائه، فالاكتفاء باتيان كل فرد في الامتثال يكون مستفادا من الاطلاق ومقدمات الحكمة بلا حاجة الى ضم شئ آخر إليها. ولكن مع ذلك كله ما افاده الشيخ الاعظم من تقدم الاطلاق الشمولى على الاطلاق البدلى، قوى: إذا الاطلاق الشمولى الدال على ثبوت ما تضمنه من الحكم وملاكه في كل فرد من الافراد، يصلح ان يكون مانعا عن قابلية المجمع امتثالا للحكم

[ 389 ]

الذى تضمنه دليل الاطلاق البدلى بخلاف العكس - وان شئت قلت - ان الجمع بين الدليلين انما يقتضى الالتزام بتقييد الاطلاق البدلى إذ به يمتثل كلا التكليفين بخلاف العكس، فانه يستلزم طرح احد الحكمين وبعبارة ثالثة مناط الحكم الذى تضمنه دليل الاطلاق البدلى تخييري ومناط الاخر تعيينى والاول لا يزاحم الثاني. هذا كله بحسب الكبرى، ولكن لا تنطبق هذه الكبرى على المقام فان هذا المرجح كساير المرجحات، ولا معنى لاقوائيه احدهما عن الاخر، إذ نسبة العلم الاجمالي اليهما على حد سواء تمام الكلام في ذلك موكول الى محله والمقام من هذا القبيل فان التنافى بينهما انما عرض للعلم الاجمالي بعروض التقييد على احدهما. الوجه الثاني: من الوجهين الذين استند اليهما الشيخ الاعظم (ره) في ترجيح رجوع القيد الى المادة: ان تقييد الهيئة يوجب بطلان محل الاطلاق في المادة إذ لو رجع إليها لم يكن الفعل مطلوبا قبل حصول القيد، وهذا بخلاف العكس، فانه لو رجع الى المادة لا يوجب بطلان محل الاطلاق في الهيئة: إذ يمكن الحكم بالوجوب قبل تحقق القيد وكلما دار الامر بين تقييدين كذلك كان التقييد الذى لا يوجب بطلان محل الاطلاق في الاخر متعينا: إذ لا فرق في مخالفة الاصل بين تقييد المطلق وعمل يشترك معه في النتيجة وهو بطلان محل الاطلاق. واجاب المحقق الخراساني عنه بان ذلك انما يتم في القيد الثابت بدليل منفصل، ولا يتم في ما إذا كان التقييد الذى يكون على خلاف الاصل. اقول الحق عدم تماميته في التقييد بالمنفصل ايضا: فان القيد إذا رجع الى الهيئة يكون القيد دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة وغير واقع في حيز الطلب، وان رجع الى المادة يكون دخيلا في حصول المصلحة وواقعا في حيز الطلب ان كان اختياريا، ولا متيقن في البين، بل هو من موارد دوران الامر بين المتباينين ولا الوية لاحدهما على

[ 390 ]

الاخر - نعم - يتم فيما إذا كان القيد غير اختياري ودار الامر بين رجوعه الى الهيئة على نحو الشرط المقارن وبين رجوعه الى المادة. وقد ذكر المحقق النائيني (ره) لترجيح رجوع القيد الى المادة وجهين آخرين. احدهما: انه بناءا على انه في الواجب المشروط القيد راجع الى المادة المنتسبة لا الى الهيئة، يكون الفرق بين المشروط والمعلق انه في الواجب المعلق تقيد المادة ثم يرد عليها الطلب، وفي الواجب المشروط القيد يرجع إليها في حال الانتساب لا مطلقا، وعليه، ففى المقام نقول ان رجوع القيد الى المادة متيقن وتقيده بحال الانتساب يحتاج الى بيان اكثر من ذكر نفس القيد فالشك فيه يدفع بالاصل. ثانيهما: ان القيد إذا كان راجعا الى المادة بعد الانتساب لابد وان يؤخذ مفروض الوجود، وحيث ان اخذه كذلك يحتاج الى بيان اكثر من ذكر القيد فيدفع احتماله باطلاق القيد والفرق بين الوجهين انه يدفع احتمال رجوع القيد الى مفاد الهيئة في الاول باطلاق المادة المنتسبة وفي الثاني باطلاق نفس القيد. اقول يرد على ما افاده امر ان: الاول: ما تقدم من ان القيد في الواجب المشروط يرجع الى الهيئة لا الى المادة المنتسبة فراجع. الثاني: انه لو سلم ذلك: يدفع الوجه الاول بان المتيقن في المقام هو رجوع القيد الى ذات المادة الملائمة مع الواجب المشروط والمطلق ولكن في الواجب المطلق لا يكفى مجرد ذلك، بل لابد وان يرجع القيد إليها قبل الانتساب وهذا ليس متيقنا - وبعبارة اخرى - الواجب المطلق كالواجب المشروط يحتاج الى بيان اكثر من ذكر القيد، وهو رجوعه الى المادة قبل الانتساب، فلا يكون هو متيقنا، لو دار الامر بين رجوعه إليها قبل الانتساب أو بعده، فيكون الدوران بين المتباينين. ويدفع الوجه الثاني، انه كما يحتاج الواجب المشروط، الى لحاظ القيد مفروض الوجود واخذه كذلك،، كذلك يحتاج الواجب المطلق الى اخذه في حيز الخطاب فليس احدهما متيقنا. فتحصل انه لا ظهور يتمسك به في مقام الشك وعند دوران الامر بين رجوع القيد

[ 391 ]

الى الهيئة إو المادة لابد من الرجوع الى الاصول العملية وقد عرفت ما يقتضيه الاوصل. الواجب النفسي والغيري ومن تقسيمات الواجب تقسميه الى النفسي والغيري وتنقيح القول بالحبث في موضعين: الاول: في تعريف النفسي والغيري. الثاني: في انه دار الامر بين كون واجب كغسل الجنابة نفسيا أو غيريا ولم يحرز شئ منهما فهل القواعد والاصول تقتضي البناء على الاول أو الثاني. وقبل الدخول في البحث لابد وان يعلم انه تظهر ثمرة هذا البحث فيما إذا علم وجوب شئ كغسل الجنابة ولم يعلم ان جوبه نفسي فيجب مطلقا، أو غيرى للصلاة وغيرها، فلا يجب ما لم يجب ما يحتمل كونه واجبا لاجله فإذا لم تجب الصلاة لمانع من حيض أو غيره لا يجب وهذه ثمرة مهمة مترتبة على هذا البحث. اما الموضع الاول: فقد ذكروا في تعريف النفسي والغيري امران: احدهما: ما عن التقريرات نسبته الى القوم وهو ان الواجب النفسي هو ما امر به لنفسه ويكون واجبا لا لاجل واجب آخر. والغيري ما امر به لغيره ويكون وجوبه لغيره. واورد عليه بانه على هذا يكون جل الواجبات واجبات غيرية فانها انما وجبت لما فيها من المصالح، وبعبارة اخرى ان هذا التعريف غير جامع لعدم شموله لغير المعرفة. وغير مانع لان غير المعرفة من الواجبات النفسية قد امر بها لاجل ترتب مصالح عليها. واجاب عنه الشيخ الاعظم بان تلك المصالح وان كانت محبوبة لزوما الا انها لخروجها عن تحت قدرة المكلف لما كان يتعلق بها الايجاب. ورد المحقق الخراساني (ره) هذا الجواب بان تلك الغايات وان كانت غير مقدورة بلا واسطة الا انها مع الواسطة مقدورة لدخول اسبابها تحت القدرة وبديهى ان القدرة على السبب قدرة على المسبب والا لم يصح وقوع مثل التطهير والتزويج الى غير ذلك من المسببات مورد الحكم من الاحكام الشرعية.

[ 392 ]

ووجه المحقق النائيني (ره) جواب الشيخ بما حاصله ان الغايات المترتبة على افعال المكلفين على ثلاثة اصناف 1 - ما يترتب على الفعل الخارجي من دون توسط امر اختياري أو غير اختياري كالزوجية المرتبة على العقد. 2 - ما يترتب على الفعل الخارجي بتوسط امر اختياري خاصة كالصعود على السطح الذى يكون واسطة بين نصب السلم والكون على السطح. 3 - ما يترتب على الفعل الخارجي بتوسط امر خارج عن اختيار الانسان، فتكون نسبة الفعل إليه نسبة المعد الى المعد له لانسبة السبب الى المسبب. كحصول الثمر من الزرع المتوقف ترتبه على الافعال الاختيارية من زرع الحب في الارض وسقيها وماشا كل، على مقدمات اخر خارجة عن تحت الاختيار. وتعلق التكليف بالغايات انما يصح في الصنفين الاولين. ولا يتم في الثالث لخروجه عن تحت الاختيار، وما نحن فيه من هذا القبيل لان نسبة الافعال الواجبة الى المصالح المترتبة عليها نسبة المعد الى المعد له حيث يتوسط بينهما امور خارجة عن اختيار المكلف فجواب الشيخ تام. واورد عليها الاستاذ بان افاده وان تم بالقياس الى الغرض الاقصى والغاية القصوى الا انه لا يتم بالاضافة الى الغرض القريب وهو حيثية الاعداد للوصول الى الغرض الاقصى حيث انه لا يتخلف عنها فيكون ترتبه عليها من ترتب المعلول على علته التامة. وفيه: ان المطلوب بالاصالة هو الغرض الاقصى وهو الموجب لجعل الوجوب على الافعال وحيث ان ترتبه على الواجب ترتب المعلول على علته المعدة فلا محالة لا يصح تعلق التكليف به لخروجها عن تحت القدرة. ويمكن توجيه ما افاده الشيخ (ره) بوجه آخر غير ما افاده المحقق النائيني (ره) الذى عرفت انه متين، وهو انه يعتبر التكليف بشئ زايدا على القدرة على متعلقه، ان يكون امرا عرفيا وقابلا لان يقع في حيز التكليف بحسب انظار العرف. وتلك المصالح والاعراض ليست مما يفهمه العرف العام لانها خارجة عن اذهان عامة الناس ومجهولة

[ 393 ]

فالمحتصل تمامية تعريف الواجب النفسي بانه واجب لا لواجب آخر وان كان وجوبه لشئ آخر، والواجب الغيرى ما وجب لواجب آخر، وان شئت فقل ان المولى إذا لا حظ الفعل ورأى انه يترتب عليه مصلحة واوجبه حفظا لها فهو الواجب النفسي، وان رأى ان الواجب الاخر يتوقف عليه والا فلا مصلحة فيه نفسه فهو الواجب الغيرى. فالواجب النفسي ما وجب حفظا للمصلحة، والغيري ما وجب لو اجب آخر وارادة اخرى. وان جواب الشيخ تام. واجاب السيد المرتضى عن الايراد بجواب آخر. وهو ان المسبب التوليدى وسببه ليسا فعلين صادرين عن المكلف بل هما يتحققان بفعل واحد وحركة واحدة مثلا، الاحراق والالقاء في النار موجود ان بفعل واحد وحركة فاردة فلا يعقل تعلق تكليفين بهما، بل التكليف المتعلق بهما واحد والذى يتعلق باحدهما عين ما يتعلق بالاخر وعليه فالامر وان تعلق بالمصلحة الا انه عين تعلقه بالفعل فلا يصح ان يقال ان الفعل انما وجب لواجب آخر وهذا بخلاف الواجب الغيرى. ويرد عليه ما تقدم من ان نسبة الافعال الى المصالح ليست نسبة الاسباب الى المسببات بل نسبة المعد الى المعد له. مع انه قد عرفت ان المصالح من جهة اخرى لا تكون قابلة لتعلق التكليف بها. الامر الثاني: ما افاده المحقق الخراساني (ره)، وهو ان الواجب النفسي ما كان وجوبه لاجل حسنه في حد ذاته سواء أكان مع ذلك مقدمة لواجب آخر ام لم يكن و الواجب الغيرى ما كان وجوبه لاجل غيره سواء أكان في نفسه ايضا حسنا كالطهارات الثلاث ام لم يكن، ثم قال ولعله مراد من فسرهما بما امر به لنفسه وما امر به لاجل غيره، وبعبارة اخرى ان، ملاك الواجب النفسي حسن ذى الاثر من جهة انطباق عنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعله بل وذم تاركه سواء كان مقدمة لواجب آخر ام لا، وملاك الواجب الغيرى ما كان وجوبه لاجل حسن غيره وان كان في نفسه ايضا حسنا كالطهارات الثلاث. ويرد عليه اولا: ان العنوان الحسن المنطبق ان كان شيئا عن ترتب المصلحة عليه،

[ 394 ]

فالاشكال باق بحاله، فان هذا العنوان يكون منطبقا على الواجب الغيرى ايضا، وان كان ثابتا في حد ذاته فيلزم ان لا يكون شئ من الواجبات النفسية متمحضا في النفسية لاشتمالها باجمعها على ملاكين نظير صلاة الظهر الواجبة لنفسها ولكونها مقدمة لصلاة العصر وافعال الحج فان المتقدم منها واجب لنفسه ومقدمة لغيره. وثانيا: ان دعوى الحسن الذاتي في جميع الواجبات دعوى جزا فيه لا دليل عليها من الشرع ولا من العقل. بل الدليل انما دل على عدمه فان الدليل الشرعي متضمن لبيان علل الشرايع وهى المصالح المترتبة على الواجبات. وقد يتوهم ان في المقام قسما آخر من الواجب لا يكون نفسيا ولا غيريا - وذلك - كالمقدمات المفوته مثل غسل الجنب ليلا لصوم غد. اما عدم كونه واجبا غيريا فلان وجوب الواجب الغيرى معلول لوجوب واجب نفسي ومترشح منه فلا يعقل وجوبه قبل ايجابه. واما عدم كونه واجبا نفسيا فلان الواجب النفسي ما يستوجب تركه العقاب والمفروض ان ترك هذا الواجب لا يستوجب العقاب عليه. ولكن يرده مضافا الى ما سياتى من استحقاق العقاب على ترك الواجب الغيرى ان وجوب تلك المقدمات انما هو تحفظا لواجب آخر وعرفت ان هذا هو الملاك لكون الواجب واجبا غيريا. لو دار الامرين بين كون الواجب نفسيا أو غيريا واما الموضع الثاني: وهو ما لو شك في واجب انه نفسي أو غيرى فهل الاصل اللفظى أو العملي يقتضى احدهما خاصة، فيحمل الامر عليه حتى يثبت الاخر. والبحث فيه يقع في مقامين: الاول: في الاصل اللفظى الثاني: في الاصل العملي. اما المقام الاول: فيمكن التمسك باطلاق دليل ذلك الواجب الذى يحتمل ان يكون هذا واجبا لاجله كدليل الصلاة أو نحوها، لدفع احتمال كون هذا المشكوك فيه المردد بين كونه واجبا نفسيا أو غيريا قيدا له. ولازم ذلك كونه واجبا نفسيا. بيان ذلك: انه

[ 395 ]

إذا كان المولى في مقام البيان ولم ينصب قرينة على تقييد الواجب كالصلاة يقيد، فيتمسك باطلاق دليل الصلاة لاثبات عدم تقييدها به، ولازم ذلك هو عدم كون ما شك في قيديته واجبا غيريا، وقد ثبت في محله ان الاصول اللفظية تثبت لوازمها. والمشهور هو التمسك باطلاق دليل وجوب ما علم وجوبه وتردد امره بين كونه واجبا غيريا، أو نفسيا كاطلاق ما تضمن الامر يغسل الجنابة، ويثبت به وجوبه النفسي، توضيح ذلك ان الواجب النفسي وان كان في عالم الثبوت كالواجب الغيرى مقيدا بقيد حيث انه الواجب لما يترتب عليه من المصلحة وليس هو الواجب المطلق غير المقيد، الا انه في مقام الاثبات، بما ان الواجب النفسي لا يحتاج الى التنبيه على قيده، بخلاف الواجب الغيرى، فلو كان غسل الجنابة واجبا نفسيا لما احتاج الى ازيد من الامر به، بخلا ما إذا كان واجبا غيريا فانه يحتاج الى التنبيه على ان وجوبه مقيد بما إذا وجب ذلك الغير، فمقتضى الاطلاق ومقدمات الحكمة البناء على انه واجب نفسي. واورد عليه، تارة بان مفاد الهيئة معنى حرفي وهو جزئي غير قابل للإطلاق والتقييد، فلا يصح التمسك باطلاقها، واخرى بانه لا ريب في اتصاف الفعل بالمطلوبية بالطلب المستفاد من الهيئة، ومن المعلوم ان الشئ لا يتصف بالمطلوبية الا بواسطة تعلق وقع الطلب وحقيقة الارادة به لا بتعلق مفعومه به، فيستكشف من ذلك ان مفاد الهيئة فرد وهو لا يقبل التقييد، وكلا الايرادين منسوبان الى الشيخ الاعظم (ره). ولكن يندفع الايراد الاول بما تقدم في الواجب المشروط، وفي المعنى الحرفى من ان مفاد الهيئة ليس جزئيا، مع: انه امكن للشيخ (قده) انكار الواجب المشروط لهذه الشبهة، ولكنه لا ينكر الواجب الغيرى فلا محالة يلتزم برجوع القيد الى نتيجة الجملة وهو وجوب ذلك الشئ المستفاد من الدليل، وعليه فيتمسك باطلاقها لنفيه. واما الايراد الثاني: فقد اجاب عنه المحقق الخراساني (ره) بقوله ففيه ان مفاد الهيئة كما مرت الاشارة إليه ليس الافراد بل هو مفهوم الطلب كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف ولا يكاد يكون فرد الطلب الحقيقي والذى يكون بالجمل الشايع طلبا والا لما صح انشائه بها ضرورة انه من الصفات الخارجية الناشئة من الاسباب الخاصة. نعم ربما

[ 396 ]

يكون هو السبب لانشائه كما يكون غيره احيانا واتصاف الفعل بالمطلوبية الواقعية والارادة الحقيقية الداعية الى ايقاع طلبه وانشاء ارادته بعثا نحو مطلوبه الحقيقي وتحريكا الى مراده الواقعي لا ينافى اتصافه بالطلب الانشائى ايضا والوجود الانشائى لكل شئ ليس الا قصد حصول مفهومه بلفظ كان هناك طلب حقيقي أو لم يكن بل كان انشائه بسبب آخر انتهى. وحاصل ما يفيده ان اتصاف الفعل بالمطلوبية الحقيقية ليس بواسطة دلالة الصيغة على الطلب الحقيقي فحسب. بل الفعل يتصف بالمطلوبية الانشائية بحسب مدلول الصيغة، وانما يتصف بالمطلوبية الحقيقية نظرا الى انه إذا لم يكن قرينة على كون الداعي الى الانشاء هو غير الطلب، يكون بناء العقلاء على البناء على انه الداعي، ولذا لو كانت قرينة كذلك لا يتصف الفعل الا باعتبار الطلب المفهومى. وإذا احرزت الطلب الحقيقي من غير انشائها اتصف باعتباره دون المفهومى. اقول: ما يمكن ان يقال في مفاد الهيئة ومفهوم الطلب ومصداقه تقدم مفصلا ولا نعبد، والذى نزيد في القمام ان التمسك بالاطلاق في المقام لا يبتنى على كون مفاد الهيئة فردا ام كليا حتى ينازع في ذلك: فانه على كلا المسلكين لا سبيل الى التمسك بالاطلاق الافرادى، اما على الاول فواضح، واما على الثاني فلانه لا يحتمل ان يكون المفاد متعددا إذ المنشأ فرد من الوجوب لا ازيد، كما انه على المسلكين يصح التمشك بالاطلاق الاحوالي للفرد كما هو واضح. وتوهم ان مفاد الهيئة لكونه معنى حرفيا مغفول عنه فلا يعقل توجه الاطلاق والتقييد إليه، فاسد لما حققناه في محله من ان المعاني الحرفية ملحوظات استقلالا وليست بمغفول عنها. واما المقام الثاني: وهو التمسك بالاصول العملية عند عدم وجود الاصول اللفظية. فهى تختلف باختلاف الموارد، توضيح ذلك انه مع الشك في كون فعل واجبا نفسيا أو غيريا، تارة يعلم الوجوب بما يشك في كونه مقيدا به، واخرى يشك في ذلك، وثالثة يعلم بعدمه، وفي الصورة الاولى، تارة يعلم الوجوبين المفروضين من حيث الاطلاق والاشتراط، واخرى لا يعلم بذلك فهيهنا صور اربع.

[ 397 ]

الاولى: ما إذا علم بفعلية التكليف المتعلق بما يشك كون هذا قيدا له، مع تماثل الوجوبين، كما إذا علم بوجوب الغسل وشك في انه واجب نفسي أو غيرى للصلاة، وعلم فعلية وجوب الصلاة، وايضا علم اشتراط الوجوبين بالزوال. وفي هذه الصورة اختار المحقق النائيني جريان البرائة عن تقييد متعلق ما علم كونه نفسيا بالواجب الاخر، وانه يثبت بذلك نتيجة الاطلاق، ففى المثال يكون المكلف مخيرا بين الاتيان بالصلاة قبل الغسل، والاتيان بها بعده. واورد عليه الاستاذ الاعظم بان هذا الاصل، يعارض اصالة البرائة عن الوجوب النفسي المحتمل ثبوته للغسل، إذ المتيقن ثبوته احدى الخصوصيتين يمنع عن جريان البرائة في كل منهما، فاللازم هو الاحتياط، والاتيان بالصلاة بعد الوضوء في المثال. ولكن الحق ما افاده المحقق النائيني، إذ لا يجرى الاصل عن كون الوجوب نفسيا، لعدم ترتب الاثر الخاص على وجوبه النفسي، لوجوب الاتيان بالغسل في المثال على التقديرين، ويعاقب على تركه، اما على المختار من استحقاقه العقاب على مخالفة الواجب الغيرى فواضح، واما على المشهور من عدم العقاب عليها فلانه يعلم بالعقاب على تركه، اما لكون وجوبه نفسيا، أو لاستلزامه ترك الواجب النفسي وعليه، فحيث يترتب على وجوبه الغيرى اثر خاص، وهو لزوم الاتيان بالصلاة بعد الوضوء، فيجرى البرائة عنه بلا معارض. الصورة الثانية: ما إذا علم بفعلية التكليف المتعلق بما يشك في كون هذا قيدا له مع عدم العلم بتماثل الوجوبين، كما إذا علم باشتراط خصوص الوجوب المعلوم كونه نفسيا، واما الواجب الاخر المجهول حاله فيحتمل فيه من الاطلاق والاشتراط من جهة الشك في كون وجوبه نفسيا أو غيريا - كما - إذا لم في المثال ان وجوب الغسل مطلق بالقياس الى الوقت، ام مشروط وفي هذه الصورة يتصور الشك من جهات. الاولى: من جهة الشك في تقيد الصلاة بالغسل، والكلام في هذه الجهة هو الكلام في الصورة الاولى.

[ 398 ]

الثانية: من جهة الشك في وجوب ما تردد امره بين كون وجوبه نفسيا، ام غيريا قبل تحقق شرط ما علم كونه نفسيا، فقد اختار المحقق النائيني (ره) جريان البرائة عن وجوبه قبل تحقق ذلك الشرط فتكون النتيجة من هذه الجهة نتيجة الغيرية، فيختص وجوب الغسل في المثال بما بعد دخول الوقت. ولكن الاظهر عدم جريانها، اما العقلية منها فللعلم بعدم ترتب العقاب على تركه قبل الزوال خاصة، إذ المفروض ان وجوبه غير مختص بما قبل الزوال بل هو على فرض وجوبه نفسيا موسع، واما الشرعية منها فلانها انما تجرى لرفع الكلفة الزايدة لا لرفع التوسعة وجريان البرائة في ذلك موجب للتضييق لا للتوسعة، بل البرائة في المقام تجرى عن لزوم ايقاع ذلك العمل بعد الشرط فتكون النتيجة من هذا الجهة ايضا نتيجة النفسية. وبذلك ظهر حكم الشك من الجهة الثالثة وهو عدم لزوم الاتيان به بعد الشرط لواتى به قبله كما لا يخفى. الصورة الثالثة: ما لو لم يعلم الا وجوب ما يدور امره بين كونه واجبا نفسيا أو غيريا، لاحتمال ان يكون في الواقع واجب آخر فعلى يتوقف حصوله على ما علم وجوبه اجمالا. وفي هذه الصورة نسب المحقق النائيني (ره) الى الكفاية التمسك بالبرائة في المقام، واورد عليه بان استحقاق العقاب على ترك معلوم الوجوب اما لنفسه أو يتوقف واجب فعلى عليه معلوم تفصيلات فيكون منجزا، وان لم يكن ذاك الوجوب المحتمل ثبوته في الواقع منجزا من جهات اخر، فان عدم تنجزه من جهة لا ينافى تنجزه من جهة اخرى، واصل البرائة لا ينافى فعليته واقعا وتنجزة بمقدار العلم، بناءا على ما حقق في محله من صحة التفكيك في التنجز فلا تجرى البرائة في وجوب ما علم وجوبه المردد بين كونه نفسيا أو غيريا. وما افاده المحقق النائيني في نفسه حق لا ريب فيه، الا ان ما في الكفاية من الرجوع الى البرائة هو في غير هذه الصورة، بل مورد كلامه الصورة الرابعة الاتية، واما هذه الصورة فهى داخلة في المورد الاول الذى اختار فيه عدم جريان البرائة.

[ 399 ]

الصورة الرابعة: ما إذا علم وجوب شئ في الشريعة كالوضوء وتردد امره بين كونه واجبا نفسيا ام غيريا ومقدمة للصلاة التى لا تكون واجبة فعلا لمانع كالحيض وفي هذه الصورة تجرى البرائة عن وجوب الوضوء كما افاده المحقق الخراساني (ره) إذ لو كان واجبا غيريا لما وجب فعلا. فيبقى الشك في وجوبه النفسي فتجرى البرائة عنه. آثار الواجب النفسي والغيري ثم انه يقع الكلام في آثارهما. منها ما قيل من، استحقاق الثواب على امتثال الامر النفسي، واستحقاق العقاب على عصيانه، وهما لا يترتبان على موافقة الامر الغيرى ومخالفته وتنقيح القول في مقامين: الاول: في الواجب النفسي. الثاني: في الواجب الغيرى. اما المقام الاول فالكلام فيه في موردين: احدهما في العقاب ثانيهما في الثواب. اما المورد الاول: فلا كلام في اصل استحقاق العقاب على مخالفته الامر النفسي. وانما الكلام في سبب ذلك. فاقول، انه لا ريب في ان العقاب عليها ليس لاجل عدم وصول المولى الى غرضه لعلوه عما ينشأ من الجهة الحيوانية علوا كبيرا، ولا لاجل عدم وصول العبد الى الغرض المترتب على المتعلق إذ عدم تحصيل الغرض في نفسه لا يوجب استحقاق العقاب، ولا لاجل تأديب العبد لئلا يعود الى مخالفته المولى فان هذا انما يحسن في دار التكليف لا في النشأة الاخرة التى ليست دار التكليف، وليس لاجل ازالة القذارات الحاصلة بالمخالفة ليصير العبد لائقا لحضور مجلس السلطان وطاهرا قابلا لتنعمه بنعم دار الاخرة لعدم اجتماعه مع الخلود في العذاب فتدبر. بل العقاب انما يكون بملاحظة احد امور ثلاثة. الاول: بلحاظ جعل الشارع بدعوى ان قاعدة اللطف المقتضية لارسال الرسل وانزال الكتب، وبيان الاحكام واعلام العباد ما فيه الفساد أو الصلاح، تقتضي تأكيد الدعوة في نفوس العامة بجعل العقاب. الثاني: بملاحظة الحكم العقلي العملي الذى من شانه ان يدرك ما ينبغى فعله أو تركه أي القوة المميزة للحسن والقبح باعتبار مدركاته وهو يدرك ان مخالفة المولى

[ 400 ]

خروج عن ذى الرقبة ورسم العبودية فهو بذلك يصير ظالما وفاعل الظلم يستحق الذم من العقلاء والعقاب من الشارع بادراك من العقل. الثالث: بملاحظة العلاقة اللزومية بمعنى ان افعال العباد لما لها من الصور في هذا العالم تكون مادة لصور في عالم الاخرة ملائمة أو منافرة تستعد لافاضة صورة كذائية، ولكن الاخير مخالف لظاهر الايات والروايات، فالمتعين هو الاولان. واما المورد الثاني: فالمشهور بين المتكلمين على ما نسب إليهم ان الثواب انما هو بالاستحقاق والمفيدره بنى على انه بالتفضل وتبعه المحقق النائيني وجمع من المحققين. واستدل المحقق النائيني (ره) له بان اطاعة المولى والعمل على وفق العبودية لازم يحكم العقل وامتثال العبد لاوامر مولاه جرى منه على وظيفته لئلا يكون ظالما له وليس هو في عمله اجيرا للمولى حتى يستحق عليه شيئا. ويرد عليه انه اخص من المدعى لاختصاصه بالواجبات ولا يعم المستحبات واستحقاق الثواب انما هو بملاك واحد. والحق ان الثواب انما هو بملاحظة احد امور ثلاثه، اما بلحاظ جعل الشارع، أو بملاحظة درك العقل العملي، أو بملاحظة العلاقة اللزومية على ما مر في العقاب، واطلاق الاستحقاق بلحاظ الاول من جهة ان العبد بعمله بعد جعل الشارع يستحق ما جعله له، وبلحاظ الثاني من جهة ان العبد بعمله يصير موردا للمدح بمعنى انه لو اثيب يكون الثواب واقعا في محله، وبلحاظ الثالث من جهة اقتضاء المادة القابلة لافاضة الصورة الكذائية، وحيث ان الثالث مخالف لظاهر الاياتا والروايات والاصحاب غير متلزمين بذلك فلا يبعد ان يكون النزاع لفظيا لان المراد من ا لاستقحاق الذى ينفيه المفيد (ره) ومن تبعه هو اللزوم على المولى بحيث لو لم يثب على الطاعة فقد ظلم، وبعبارة اخرى ثبوت حق للمكلف على المولى كما يثبت حق اللمستاجر على المؤجر، ولا اظن ان يكون هذا مراد المشهور من الاستحقاق، بل الظاهر ان مرادهم به الاهلية واللياقة للثواب، وان اعطاء الثواب للمطيع ليس كاعطائه للعاصي تفضلا صرفا بل ثواب واقع في محله. وهذا المعنى من الاستحقاق لا اظن ان ينفيه المفيد ومن تبعه.

[ 401 ]

واما المقام الثاني: فالكلام فيه في موردين الاولى في العقاب. الثاني في الثواب. اما الاول: فقد ذهب جمع من المحققين الى انه لاعقاب على مخالفة الامر الغيرى من حيث هو. واستدل له بوجهين. احدهما: ما افاده المحقق الخراساني (ره) وهو ان العقاب دائر مدار البعد عن الله غير المتحقق عند مخالفة التكليف الغيرى فلا عقاب عليها. وفيه ان البعد المعنوي على فرض تعقله لا نتصور له معنى سوى معصية الله الصادقة على عدم الاتيان بما تعلق به التكليف الغيرى، مع انه لو سلم كونه شيئا آخرا فالعقاب لا يترتب عليه وانما هو اثر لمخالفة المولى وعدم العمل بما عينه من الوظيفة. واما ما افاده في وجه العقاب بقوله لا بأس باستحقاق العقوبة على المخالفة عند ترك المقدمة الخ فيرد عليه انه لو كان العقاب على مخالفة التكليف النفسي فما دام لم يخالف التكليف وان صارت المخالفة لازمة عليه لترك المقدمة لا وجه لاستحقاقه العقوبة لانه من قبيل القصاص قبل الجنابة. الوجه الثاني: ما افاده المحقق العراقى (ره) وهو انه لاجل عدم ترتب غرض عليه لا يعاقب على مخالفته، وفيه ما تقدم آنفا من عدم دوران العقاب مدار الغرض، وانما يدور مدار مخالفة المولى وعصيانه وهتك حرمته والتجاوز عن حد العبودية الصادقة على ترك المأمور به بالامر الغيرى، فالاظهر استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الغيرى من حيث هو. واما المورد الثاني: ففيه ايضا خلاف، والاظهر هو ترتب الثواب على موافقة الامر الغيرى، وبعين الملاك الذى يحكم باستحقاق من وافق التكليف النفسي، وهو ان موافقة امر المولى والاتيان بما تعلق به انما يكون تعظيما له ويكون هذا الفعل اظهارا لعظمة المولى، فيكون مستحقا للثواب، يحكم بان الاتيان بالمور به بالامر الغيرى يوجب استحقاق الثواب. واما ذكر في وجه ذلك من ان الثواب على فعل المقدمة انما هو لكونه شروعا في اطاعة الامر النفسي، فغير سديد: لعدم كونه شروعا في الاطاعة بل في مقدماتها.

[ 402 ]

كما ان ما ذكره المحقق الخراساني في وجه عدم الاستحقاق من ان موافقة الامر الغيرى لا توجب قربا الى المولى والمثوبة انما تكون من تبعات القرب، غير تام: لما مر من انا لا نتصور معنى للقرب والبعد سوى اطاعة الله تعالى، وعصيانه، وعلى فرض كونهما بمعنى آخر لا يوجبان، الثواب، والعقاب. بيان اشكال الظهارات الثلاث والجواب عنه وبما حققناه اندفع احد الاشكالين الذين اوردا في الطهارات الثلاث، وهو انه لا ريب في ترتب الثواب عليها مع ان الامر المتعلق بها غيرى. واما اشكال الثاني. وهو انه لا ريب في ان الطهارات الثلاث عبادة مع ان الامر المتعلق بها غيرى وهو لا يوجب العبادية، وقد ذكروا في تقريب هذا الاشكال وجهين احدهما: ان الامر الغيرى غير ناش عن المصلحة في المتعلق وعن المحبوبية الذاتية وانما نشأ عن توقف محبوب عليه فهو لا يعقل ان يكون عباديا إذ لا مثوبة على موافقته من حيث هي ولا يوجب القرب إليه تعالى وليس له موافقته بالاستقلال وبعبارة اخرى - بما انه غير مقرب ولا شأن له بالاستقلال فهو لا يصلح ان يكون موجبا للعبادية. والجواب عن ذلك ان العبادة ليس الا اتيان الفعل الصالح لان يضاف الى المولى مضافا إليه، ولا دخل للمصلحة في ذلك، فإذا كان فعل متعلقا لامر الشارع صح الاتيان به مضافا إليه. بل ستعرف تحقق العبادة بالاتيان بالمقدمة للتوصل الى ذى المقدمة حتى بناءا على عدم تعلق التكليف الغيرى بها. الوجه الثاني: انه لا اشكال في ان الطهارات الثلاث اخذت عبادة مقدمة للصلاة مثلا فالامر الغيرى متوقف على عباديتها. وحيث ان العبادية تحتاج الى وجود الامر. فاما ان يكون تعلق الامر لغيري بها فيلزم الدور، أو يكون الموجب هو الامر النفسي المتعلق بها فهو فاسد. لانه يصح الاتيان بقصد امرها لغيري وان لم يلتفت الى رجحانها الذاتي. واجابوا عن ذلك باجوبة: منها، ما افاده المحقق الخراساني وحاصله، ان عباديتها

[ 403 ]

انما تكون للامر النفسي المتعلق بها وانما يكتفى بقصد امرها الغيرى من جهة ان الامر لا يدعو الا الى متعلقه، والمفروض ان المتعلق مستحب في نفسه، فقصد الامر الغيرى في الحقيقة قصد لذلك الامر النفسي. واورد عليه بايرادات الاول: ان ذلك لا يتم في اليتمم لعدم كونه مستحبا نفسيا. وفيه: ما حققناه في الجزء الثاني من فقه الصادق، من انه مستحب نفسي ايضا كالغسل والوضوء. الثاني: ان الامر النفسي الاستحبابى يزول وينعدم عند عروض الوجوب الغيرى. وفيه: انه بناءا على ما هو الحق من ان الفارق بين الندب والوجوب، وليس الا ان الاول رخص في ترك ما تعتلق به، والثانى لم يرخص فيه، لا معنى لانعدام الامر الاستحبابى، بل لو عرض الوجوب يتبدل الترخيص في الترك بعدم الترخيص فيه، فلا تنافى بين كونها محكومة بحكم واحد ذى ملاكين احدهما يقتضى المنع من الترك والاخر لا يقتضيه، وبما: ان المقرب هو ذات الطلب لا بقيد انه مما رخص في تركه، فيصح الاتيان بها حالكونها مقدمة لغاية واجبة إذا قصد التقرب بالامر الاستحبابى النفسي. مع ان دعوى بقاء الاستبحاب النفسي حتى بناءا على كون الفارق بين الوجوب والندب اختلاف الطلب شدة وضعفا، بحده ومرتبته بالفعل قوية: إذ الوجوب الغيرى لم يتعلق بذات ما تعلق به الامر الاستحبابى حتى يندك احدهما في الاخر، بل تعلق به بداعي الامر الاستحبابى فالموضوع متعدد فلا مانع من الالتزام بانهما موجودان بالفعل. مضافا الى انه لو سلم اندكاك الامر الاستحبابى فبما ان المعدوم ليس هو ذات الطلب بل حده ومرتبته، والمقرب هو ذات الطلب لا حيثية ضعفه فيصح الاتيان بها بداعي ذات الطلب الموجود في تلك المرتبة الاستحبابية وان كانت تلك المرتبة متبدلة الى مرتبة اقوى منها. هذا كله مضافا الى انه على فرض تسليم عدم بقاء الامر الاستحبابى لا بذاته ولا يقيده ومترتبته فبما ان ملاكه موجود فيصح الاتيان به بداعي ملاكه فتدبر فانه دقيق.

[ 404 ]

الثالث: انه على هذا لابد وان يقصد الامر النفسي كى تقع عبادة ولا يكتفى بقصد امرها الغيرى مع انه لا كلام في انه يكتفى به في مقام الامتثال. واجاب هو (قده) بما اشرنا إليه في ضمن تقريب كلامه وحاصله، ان ان الاكتفاء به انما هو لاجل انه يدعو الى ما هو كذلك في نفسه حيث انه لا يدعو الا الى ما هو المقدمة. وفيه: ان قصد الامر ليس من الامور الواقعية الملائم تحققها، مع عدم الالتفات، بل قوامه انما يكون بالالتفات فمن يكون غافلا عن تعلق الامر النفسي بالوضوء، أو معتقدا عدمه كيف يمكن ان يقال ان قصد امر الغيرى قصد لذلك الامر. والحق في الجواب عن اصل الايراد ان يقال، انه لا يعتبر في اتصاف الفعل بالعبادية سوى صلاحية الفعل للاضافة الى المولى، واضافته إليه. ولو بان يؤتى به بقصد المحبوبية، ففى المقام الطهارات الثلاث لفرض تعلق الامر النفسي بها، صالحة للاضافة الى المولى، فلو اتى بها مضافة الى المولى ولو بان قصد امرها الغيرى وقعت عبادة. ودعوى، ان الجهة التى تقيد القرب أي الامر النفسي، لم تقصد، وما قصد وهو الامر الغيرى لا يصلح لان يكون مقربا. مندفعه، بان هذا الايراد انما يكون مبتنيا على التقريب الاول لهذا الاشكال وقد عرفت الجواب عنه فراجع، فتحصل ان الجواب، المحقق - الخراساني عن اشكال الطهارات الثلاث متين لا يرد عليه شئ مما اورد عليه. الجواب الثاني: ما افاده المحقق النائيني (ره) وهو الامر النفسي المتعلق بذى المقدمة كالصلاة، كما ان له تعلقا باجزائها كذلك له تعلق الشرائط المأخوذة فيها، فلها ايضا حصة من الامر النفسي وهو الموجب لعباديتها فالموجب للعبادية في الاجزاء والشرائط على نحو واحد. ويرد عليه ما تقدم منا في اول مبحث مقدمة الواجب في تقسيم المقدمة الى الداخلية والخارجية، من ان الامر المتعلق بذى المقدمة، لا تعلق له بالشرائط انفسها اصلا. الجواب الثالث: ما نسب الى الشيخ الاعظم (ره) وهو ان اعتبار التقرب فيها انما يكون لاجل ان العناوين المنطبقة عليها التى بها صارت مقدمة للصلاة مثلا مجهولة. وحيث انها تكون قصدية لا تتحقق في الخارج من دون تعلق القصد بها فلا مناص عن

[ 405 ]

قصد اامرها للاشارة الى تلك العناوين المجهولة إذ الامر لا يدعوا لا الى متعلقه فقصد الامر الغيرى انما يكون لكونه طريقا الى قصد عنوان المأمور به لا لكونه معتبرا فيها. وفيه: ان لازم هذا الوجه صحة الطهارات الثلاث، لو قصد الامر الغيرى وصفا لا غاية، أو غاية لا بنحو تمام الداعي بل بنحو الجزء الداعي، أو قصد عنوان المقدمية مع كون الداعي غير قربى. الجواب الرابع: ما نسب الى الشيخ الاعظم (ره) ايضا وتقريبه بنحو يسلم عن جميع ما اورد عليه من ما في الكفاية وغيرها، ان عبادية الطهارات الثلاث ليست من ناحية الامر النفسي المتعلق بها، ولامن ناحية الامر الغيرى، بل انما تكون لاجل ان الغرض من الواجبات المتوقفة عليها، لا يحصل الا باتيانها عبادة ومضافة الى المولى بمعنى ان المقدمة ليست طبيعي الوضوء مثلا بل الوضوء الذى اتى به مضافا الى المولى، وحيث انه يمكن ان يضاف الى المولى مع قطع النظر عن الامر النفسي والغيري، بان يؤتى به بداعي التوصل الى ذى المقدمة، وليس كالافعال التى لا تصح اضافتها الى المولى مع قطع النظر عن الامر، فعبادية الطهارات لا تتوقف على تعلق الامر الغيرى بها حتى يرد المحذور المتقدم، بل الامر الغيرى متعلق بالطهارات التى يؤتى بها عبادة، ولكن حيث ان الامر الغيرى متعلق بذواتها ايضا، فيصح ان يؤتى بها بداعي ذلك الامر وبه يتحقق الجزء الاخر فتدبر. فتحصل من مجموع ما ذكرناه ان عبادية الطهارات الثلاث لا تتوقف على الامر الغيرى بل متوقفة على احد امرين اما تعلق الامر النفسي بها كما هو كذلك، واما توقف ما يتوقف عليها على اتيانها عبادة. واما اتصافها خارجا بالعبادية فانما يكون باحد امور: اما قصد الامر النفسي المتعلق بها، أو قصد التوصل بها الى ذى المقدمة، أو قصد امرها الغيرى على القول به. بقى في المقام شئ وهو انه لو اتى بواحدة من الطهارات الثلاث بداعي التوصل بها الى غاية خاصة كما لو توضأ لصلاة الجعفر، وبعد ما توضأ بداله عن الاتيان بها، فهل يصح وضوئه مطلقا، ام لا يصح كذلك، ام يفصل بين القول بوجوب المقدمة الموصلة

[ 406 ]

فلا يصح، وبين القول بوجوب المقدمة مطلقا فيصح، وجوه واقوال. وقد استد المحقق النائيني (ره) للقول الا خبر: بانه على القول بالمقدمة الموصلة عدم الايصال الخارجي يكشف عن عدم تعلق الامر الغيرى به وكان وجود الامر تخيلا من المكلف، اما بناءا على عدم اعتبار الايصال في وجوب المقدمة، فيصح لوجود الامر. اقول يرد عليه مضافا ال انه خلاف مبناه فانه (ره) بنى على ان المصحح للعبادية ليس هو الامر الغيرى بل الامر النفسي المتعلق بذى المقدمة، إذ عليه لا يتم هذا التفصيل لانه لا فرق بين المسلكين بالنسبة الى ذلك الامر كما لا يخفى - انه قد عرفت - عدم انحصار المصحح للعبادية بالامر الغيرى، وبناءا على القول بالمقدمة الموصلة، وان لم يكن تكليف غيرى في الفرض متعلق بما اتى به، الا انه لاجل حصول القرب به خارجا لو اتى به لا بداعي ذلك الامر الغيرى، بل لاجل محبوبيته النفسية أو التوصل به الى ذى المقدمة، ولو مع عدم الامر به كما عرفت، يصح الوضوج في الفرض على المسلكين: إذ وان لم يقصد شيئا منهما، لكنه قد مر انه لا يعتبر في العبادة سوى، صلاحية الفعل للتقرب الموجودة في المقام، واضافته الى المولى ولو من جهة غير منطبقة على ذلك الفعل، مع، ان قصد التوصل هو المصحح للعبادية المفروض تحققه في المقام، وعدم الايصال لا يكشف عن عدم صحة قصد التوصل، ولا يوجب انقلاب الشئ عما وقع عليه، وان كان كاشفا عن عدم الامر الغيرى، وعدم الامر الغيرى لا يلازم عدم صحة قصد التوصل، كما ان عدم الايصال لا يلازمه فتدبر فانه دقيق. فالاظهر هي الصحة مطلقا. إذا عرفت هذه الجهات فتنقيح القول في هذا الفصل بالبحث في امور. الاقوال في وجوب المقدمة الاول: لا شبهة ولا كلام في تبعية ولا كلام في تبعية وجوب المقدمة، لوجوب ذى المقدمة في الاطلاق والاشتراط بناءا على ثبوت الملازمة بين الوجوبين فلو كان وجوب ذى المقدمة مطلقا لابد وان يكون وجوب المقدمة ايضا كذلك ولو كان مشروطا كان وجوبها كذلك،

[ 407 ]

انما الكلام في انه إذا كانت الملازمة ثابتة، فهل الواجب مطلق المقدمة، ام يكون خصوص حصة خاصة منها. وعلى الثاني اختلفوا في اعتبار الخصوصية على اقوال. احدها: ما نسب الى صاحب المعالم (ره) وهو اعتبار العزم والارادة اتيان ذيها. ثانيها: ما نسب الى الشيخ الاعظم وهو ان الواجب المقدمة التى قصد بها التوصل الى الواجب. ثالثها: ما اختاره صاحب الفصول (ره) وهو ان الواجب خصوص المقدمة الموصلة دون غيرها. اما القول الالو فهو بطاهرة بين الفساد: إذ ان كان وجوب ذى المقدمة ايضا مشروطا بارادة الاتيان به لزم طلب الحاصل، مع انه يلزم الخروج عن كونه واجبا، وصيرورته جائزا إذ لو لم يرد الاتيان به لما كان على شئ لعدم كون واجبا، وان لم يكن مشروطا بها، لزم ان لا يكون وجوب المقدمة تابعا لوجوب ذى المقدمة في الاطلاق والاشتراط. واضف الى ذلك ان وجوب المقدمة إذا كان مشروطا بارادة الاتيان بذى المقدمة لزم اشتراطه بارادة الاتيان بها ايضا، إذ ارادة الاتيان بذى المقدمة لا تنفك عن ارادة الاتيان بالمقدمة، فيلزم المحذور المتقدم، ولعمري ان هذا من الوضوح بمكان لا ينبغى اطالة الكلام فيه، واظن ان صاحب المعالم لم يرد ما هو ظاهر كلامه، بل مراده كون ارادة ذى المقدمة من قيود الواجب لا الوجوب، فيرجع الى القول الثاني اشتراط وجوب المقدمة بقصد التوصل واما القول الثاني: وهو اعتبار قصد التوصل الى الواجب، فهو وان نسب الى الشيخ الاعظم ولكن عبارات مقرر بحثه في المقام مشوشة. فان ظاهر بعضها اعتبار قصد التوصل في تحقق امتثال الوجوب المقدمى. وظاهر بعضها الاخر اعتباره قيدا في خصوص المقدمة المحرمة المنحصرة. وظاهر بعضها الاخر اعتباره قيدا في متعلق الوجوب

[ 408 ]

المقدمى مطلقا. فلابد من البحث في جميع هذه المحتملات. فان كان نظر الشيخ الاعظم (ره) الى اعتبار قصد التوصل، بالمقدمة في حصول الامتثال والتقرب بها، فيرد عليه: ما تقدم في الطهارات الثلاث من ان عباديتها انما تكون بقصد التوصل الى ذى المقدمة، أو بقصد امرها النفسي، أو بقصد امرها الغيرى، فما اعترف به المحقق الخراساني (ره) عند رده للتقريرات من انه على تقدير عدم الاستحباب النفسي يعتبر قصد التوصل، ضعيف: لابتنائه على عدم قابلية الامر الغيرى للمقربية وقد عرف ما فيه. وان كان نظره (قده) الى اعتبار قصد التوصل قيدا في متعلق الوجوب المقدمى، فقد استدل عليه: بان المقدمة انما تجب بما انها مقدمة، وعنوان المقدمية، من العناوين القصدية، نظير التاديب، والتعظيم، فيلزم قصدها في انطباق الواجب عليها. واورد عليه المحققان الخراساني، والنائيني بما حاصله، ان المقدمية من الجهات التعليلية والفوائد المترتبة على المقدمة الواجبة لامن الجهات التفييدية والعناوين التوليدية المنطبقة عليها حتى يلزم قصدها. واجاب عنه المحقق الاصفهانى (ره) انتصارا للشيخ الاعظم - بما حاصله - يتوقف على بان مقدمتين: الاولى: ان الاغراض في الاحكام العقلية عناوين لموضوعاتها، مثلا العقل، لا يحسن ضرب اليتيم، لغاية التاديب بل يحسن تأديبه، وبعبارة اخرى الحيثيات التعليلية فيها راجعة الى الحيثيات التقييدية. الثانية: انه يعتبر في اتصاف الفعل بالوجوب صدوره عن قصد وعمد، والا فالفعل غير الاختياري، لا يكون مصداقا للواجب. إذا عرفت هاتين المقدمتين، فاعلم ان العقل لا يحكم بوجوب فعل لاجل مقدميته بل تكون المقدمية عنوانا للواجب، ويكون المطلوب المقدمة من حيث انها مقدمة، فإذا اتى بها من حيث مقدميتها كان ممتثلا للامر الغيرى، والافلا وان كان مسقطا للغرض و وقع مقدمة لعدم قصد عنوان المقدمية الذى عنوان للمطلوب على الفرض. اقول ان هذا المطلب وان كان دقيقا ومتينا في الاحكام العقلية كان الحكم العقلي من الاحكام العقلية النظرية. التى يعبر عنها بما لابد وان يعلم، ام كان من الاحكام العقلية

[ 409 ]

العملية التى يكون مبدأ المبادى فيها حسن العدل وقبح الظلم، الا ان ذلك غير مربوط بالمقام فانه في المقام وجوب المقدمة انما يكون بحكم الشارع، غاية الامر ان هذا الوجوب الشرعي مستكشف أو الضدين فإذا كان واجبا بالوجوب الشرعي فلا يكون عنوان المقدمية ماخوذا في المتعلق إذ الملازمة انما تدعى بين وجوب ذى المقدمة، ووجوب ما هو مقدمة بالجمل الشايع، والمقدمية تكون واسطة لثبوت الوجوب على الذات، فتحصل ان الاظهر، عدم اعتبار قصد التوصل قيدا في متعلق الوجوب الغيرى. وان كان نظره الى دخل قصد التوصل في خصوص المقدمة المحرمة فقد وجه ذلك بوجهين. الاول: ان المقدمة المحرمة إذا توقف عليها واجب اهم، فغاية ما يقتضيه التوقف في مقام المزاحمة ارتفاع الحرمة عنها إذا اتى بها بقصد التوصل، ومع عدم قصده لا مقتضى لارتفاع حرمتها. الثاني: ان ملاك وجوب المقدمة، هو التوقف والمقدمية، ولازم ذلك هو ترشح الامر الغيرى الى طبيعي ما يتوقف عليه الواجب، ويكون المكلف مخيرا في تطبيق الطبيعي، ولكن ذلك في صورة تساوى الافراد بنظر العقل وإذا لم تكن متساوية فالعقل يحكم بلزوم تطبيق الطبيعي المزبور على خصوص الافراد غير المشتملة على المنقصة - وعليه - فحيث ان المقدمة المحرمة التى يقصد بها التوصل الى ذى المقدمة. إذا قصد بها ذلك تحقق مزية في نفس المقدمة، وبها يضعف ملاك مبغوضيتها فالعقل مستقل بتعين اختيارها وتطبيق الطبيعي عليها. وفيهما نظر اما الاول: فلان المزحمة انما تكون بين وجوب ما يتوقف عليها، وحرمة المقدمة، ولفرض اهمية الواجب تسقط حرمة المقدمة من غير دخل لقصد التوصل فيه عدمه. ونعم المزاحمة انما تقتضي سقوط حرمة المقدمة الموصلة لا مطلقها، وستعرف ان الاقوى اختصاص الوجوب الغيرى ايضا بها فانتظر لذلك مزيد توضيح. واما الثاني: فيرد عليه مضافا الى ما تقدم من ان المزاحمة انما هي بين حرمة

[ 410 ]

المقدمة وجوجوب ما يتوقف عليها، ان قصد التوصل لا يكون موجبا لكون المقدمة ذات فردين كى تيرتب عليه لزوم تطبيق الطبيعي على الفرد الراحج بل هو وعدمه حالتان للواحد الشخصي وغير دخيلين في مقدميته فلا وجه لاعتبارة، مع ان رحجان قصد التوصل ليس بحد اللزوم، والالزم الامر به في كل مقدمة فان لم تكن محرمة، فلا يستقل العقل الا برجحان تطبيق الطبيعي عليه لا لزومه. فتحصل ان اعتبار قصد التوصل في المقدمة مما لا يمكن الالتزام به. المقدمة الموصلة واما القول الثالث: وهو قول صاحب الفصول (ره)، من ان الواجب من المقدمة الحصة الموصلة أي الواقعة في سلسلة علة وجود ذيها دون غيرها فقبل تنقيح القول فيه، ينبغى ان يعلم ان محل الكلام ليس كون الايصال شرطا للوجوب بنحو الشرط المتأخر، أو المقارن، وذلك لان الثاني لازمه طلب الحاصل: إذ لازمه عدم اتصافها بالوجوب الا بعد الاتيان بها وحصول الوصول الى ذى المقدمة، واما الاول فلان لازمه تعليق الوجوب. على الارادة فانه في ظرف عدم الاتيان بها بما انه يستلزم عدم اتصال فلا يكون واجبة فيكون الوجوب مقيدا بصورة الاتيان - وبعبارة اخرى - لازم ذلك عدم تصوير المخالفة لمثل هذا التكليف فانه لا مخالفة الا في صورة عدم الاتيان بمتعلقة، والمفروض في المقام انه في صورة عدم الاتيان لا وجوب لعدم حصول الشرط فلا مخالفة. ومعلوم ان جعل مثل هذا الحكم لغو وغير صحيح. إذ التكليف انما يتوجه لاحداث الداعي للعبد. ولا يحدث الداعي إذا لم يكن في ترك المتعلق مخالفة اللمولى. وبذلك يظهر بطلان القول بكون الايصال قيد اللوجوب على نحو لا يجب تحصيله كما لا يخفى. فمحل الكلام هو كون الايصال من قيود الواجب بنفسه، أو لكونه مشيرا الى الحصة الخاصة مع كونه لازم التحصيل. إذا عرفت ذلك فاعلم انه، قد استدل للقوم: بعدم

[ 411 ]

اختصاص الوجوب بخصوص الموصلة بوجوه. الاول: ما في الكفاية - وحاصه - ان الغرض المترتب على المقدمة الداعي الى ايجابها هو التمكن من وجود ذى المقدمة، وهذا كما يترتب على المقدمة الموصلة كذلك يترتب على غير الموصلة فلا وجه لتخصيص الوجوب بخخصوص القسم الاول، وتوهم ان الغرض هو ترتب ذى المقدمة، فاسد: إذ هو ربما لا يترتب على مجموع المقدمات فضلا عن واحدة منها، والغرض من الشئ ما يترتب عليه ويكون اثره ولا ينفك عنه. وفيه: ان الغرض من المقدمة الداعي الى ايجابها، ليس هو التمكن من ذى المقدمة، فانه اثر التمكن من اتيان المقدمة لا الاتيان بها، ولذلك يتعلق الوجوب به، ومنه يترشح الوجوب الى المقدمة، فليس الغرض من ايجاب المقدمة التمكن من اتيان ذى المقدمة. فان قلت: ان الغرض منه الامكان القياسي أي حفظ وجود ذى المقدمة من ناحية هذه المقدمة، وسد باب عدمه من هذه الجهة، وهذا اثر مشترك بين الموصلة وغيرها، قلت: ان ذلك خلاف الوجدان، فانه اقوى شاهد على ان الباعث الى ايجاب المقدمة انما هو ترتب ذى المقدمة عليها، وهو المجوب المحبوبيتها التبعية لا حفظ وجود ذى المقدمة من ناحيتها، فانه بنفسه لا يكون محبوبا للمولى فكيف يصير سببا لمحبوبية ما يترتب عليه. الثاني: ما في الكفاية ايضا - وحاصله - ان بعد الاتيان بالمقدمة يسقط الامر بها، وسقوط اما ان يكون بالعصيان أو بارتفاع موضع التكليف، أو بالموافقة، ولا يكون الاتيان بها بالضرورة من هذه الامور غير الموافقة. وفيه. انه بناءا على القول بخصوص الموصلة نختار انه يسقط امرها مراعى بالاتيان بذى المقدمة كما هو الحال في كل امر نفسي أو غير أو غيرى ضمنى. مثلا، الامر بالتكبيرة لا يسقط بمجرد الاتيان بها رأسا، ولا يكون الاتيان عصيانا له، ولا من باب ارتفاع الموصوع، بل يكون سقوطه مراعى بايتان ساير الاجزاء. الثالث: ما يظهر من كلمات المحقق الخراساني في رد صاحب الفصول، وهو ان القول باختصاص الوجوب المقدمة الموصلة يستلزم الدور، وتقريبه انما يكون بطريقين.

[ 412 ]

احدهما ان الايصال امر انتزاعي ينتزع من وجود ذى المقدمة، فإذا كان دخيلا في المقدمة، لزم ان يكون ذو المقدمة مقدمة اللمقدمة، إذ على فرض عدم تحققه، لا تتحقق المقدمة، وحيث ان المقدمة مقدمة له فيلزم الدور. الثاني: ان وجوب المقدمة انما يترشح من وجوب ذى المقدمة، ولازم القول باختصاص الوجوب بالموصلة ترشح الوجوب عن المقدمة الى ذى المقدمة لفرض توقف قيدها وهو الايصال عليه وهذا دور واضح. اقول يرد على كلا التقريبين، ان عنوان الموصلية انما ينتزع من المقدمة عند بلوغها مرتبة يمتنع انفكاكها عن ذى المقدمة، فهو ملازم لترتب ذى المقدمة لا انه ينتزع منه. وان شئت قلت ان هذا الوجه لا يصلح لدفع القول بالموصلة، بمعنى ان الواجب هو المقدمة الموصلة لا بقيد الايصال بل ذات ما تكون موصلة ويشير بهذا الى تلك الحصنة الخاصة. مع انه يرد على التقريب الاول ان اعتبار الايصال لا يستلزم كون ذى المقدمة مقدمة للمقدمة، إذ الايصال قيد زايد معتبر في المقدمة لا دخيل في لمقدمة. وان شئت قلت ان فعلية المقدمة ملازمة لوجود ذى المقدمة لا متوقفه عليه. ويرد على التقريب الثاني: ان اخذ قيد الايصال في المتعلق لا يستلزم ترشح الوجوب النفسي لذى المقدمة من وجوب المقدمة كى يلزم الدور، بل اللازم هو ترشح وجوب غيرى آخر من وجوب المقدمة الى ذى المقدمة، ولا محذور في ذلك، سوى توهم لزوم اجتماع المثلين وهو يندفع بالالتزام بالتأكد. الرابع: ان لازم هذا القول ان لا تحصل الطهارة من الطهارات الثلاث الا بعد اتيان ذى المقدمة كالصلاة لانها لا تحصل الا بعد امتثال الامر الغيرى، والمفروض انه لا يحصل الا بعد اتيان الصلاة فيلزم تحقق الصلاة من دون تحقق الطهارة، بل يلزم عدم تحقق الطهارة بعد الصلاة ايضا إذ هي بدون الطهارة كعدمها. وفيه: انه لا تلازم بين عدم سقوط التكليف الغيرى رأسا وعدم حصول الطهارة فانها انما تحصل. من الغسلتين والمسحتين مثلا مع قصد القربة، وان لم يسقط التكليف الغيرى رأسا.

[ 413 ]

وهناك وجوه اخر: ذكروها لعدم اختصاص الوجوب بالموصلة ولاجل وضوح دفعها اغمضت عن ذكرها. ثم ان المحقق النائنين (ره) بعد اخيتاره عدم امكان تخصيص الوجوب بخصوص الموصلة لبعض الوجوه المتقدمة، قال ان الاطلاق ايضا محال لان الاطلاق والتقييد انما يتقابلان تقابل العدم والمكة ثبوتا واثباتا فامتناع التقييد، يستلزم امتناع الاطلاق. فلا مناص عن الاهمال. وفيه: ما تقدم في مبحث التعبدى والتوصلى من ان امتناع التقييد إذا كان لاجل امتناع تخصيص الحكم بخصوص مورد خاص كتخصيص الولاية بالعالم الفاسق، يكون تخصيص الحكم بما يقابله، أو الاطلاق ضروريا، فإذا لم يحتمل اختصاصه بما يقابله لا محالة يكون الاطلاق ضروريا. وفي المقام بما ان امتناع التقييد انما هو لامتناع تخصيص الحكم بخصوص الموصلة، ولا يحتمل اختصاص الوجوب بغير الموصلة، فلا محالة يكون الاطلاق ضروريا، ولكن عرفت عدم استحالة التقييد فراجع. وقد استدل لاختصاص الوجوب بخصوص الموصلة بوجوه. الاول: ما افاده الاستاذ الاعظم (ره) وهو ان كل مقدمة ليست واجبة بوجوب غيرى مستقل، بل كما ان ذا المقدمة واجب بوجب واحد وان كان مركبا من اجزاء كذلك المقدمات باجمعها واجبة بوجوب واحد غيرى، إذ الغرض المترتب على المجموع وهو التوصل الى ذى المقدمة وتحققه في الخارج واحد، وينسبط ذلك الامر الغيرى المتعلق بمجموع المقدمات التى من جملتها الاختيار، بناءا على ما هو الحق من اختياريته، على كل مقدمة انبساط الوجوب على اجزاء الواجب، وتكون كل مقدمة واجبة بوجوب ضمنى غيرى، وعليه فحيث ان ترتب ذى المقدمة على مجموع المقدمات قهرى، وكل مقدمة واجبة بوجوب ضمنى، فإذا اتى بمجموع المقدمات تحقق الواجب في الخارج وكانت موصلة، وان اتى ببعضها ولم يتوصل لما اتصف ما اتى به بالوجوب ولما كان مصداق الواجب إذ الواجب هو مجموع المقدمات، فيكون كما إذا اتى ببعض اجزاء الواجب النفسي ولم يضم إليه ساير الاجزاء فانه لا يقع مصداقا للواجب فكل مقدمة انما

[ 414 ]

تقع مصداقا للواجب إذا انضم إليها ساير المقدمات الملازم ذلك للايصال وترتب ذى المقدمة، ومع عدم الانضمام لا تقع مصداقا للواجب، فالمقدمة الموصلة تكون واجبة أي ذات ماهى وموصلة لا المقيدة بهذا القيد. لا يقال ان مامن واجب الاوله مقدمات غير اختيارية ولا اقل من بعض مبادى الاختيار، فترتب ذى المقدمة على مجموع المقدمات الاختيارية المتعلقة للوجوب لا يكون دائميا. فانه يقال: ان امثال تلك المقدمات تؤخذ مفروضة الوجود وفي ظرف وجود تلك المقدمات يكون الترتب دائميا. فانه يقال: ان امثال تلك المقدمات تؤخذ مفروضة الوجود وفي ظرف وجود تلك المقدمات يكون الترتب دائيما. وفيه: ان إذ المقدمة وان كان يترتب على مجموع المقدمات حتى الاختيار فيمكن ان يكون هو الغرض من ايجابها لترتبه عليها دائما، الا انه يرد عليه ان اختيار وجود ذى المقدمة متعلق للتكليف النفسي، فانه وان تعلق بنفس ذى المقدمة الا انه لاجل ان التكليف انما يتوجه لاجل احداث الداعي للعبد ليختار الفعل، وهو تحريك للعبد نحو الفعل باختياره فهو لا يتعلق به التكليف الغيرى، وان شئت قلت ان الارادة معلولة للتكليف النفسي ومتاخرة وواقعة في مرحلة امتثال الامر النفسي بها، وعليه فبما ان ذا المقدمة لا يترتب على مجموع المقدمات غير الارادة فليس هو الغرض من وجوبها. الثاني: انه للمولى ان يامر بشئ وينهى عن مقدمته التى لا تكون موصلة. وليس له النهى عن خصوص الموصلة، أو عن مطلق المقدمة، وهذا آية الملازمة انما تكون بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته الموصلة. واجاب عنه المحقق الخراساني بوجهين: الاول: انه ليس له النهى عن المقدمة غير الموصلة إذ يلزم منه ان لا يكون ترك الواجب حينئذ مخالفة وعصيانا لعدم التمكن منه لاختصاص جواز مقدمته بصورة الاتيان به. وبالجملة يلزم ان يكون الايجاب مختصا بصورة الاتيان لاختصاص جواز المقدمة بها وهو محال. وفيه: ان جواز المقدمة ووجوبها لا يكونان مقيدين باتيان ذى المقدمة، بل المقيد

[ 415 ]

به هو الواجب والجائز، والمقدمة الخاصة تجوز بل تجب من الاول. والاشكال انما نشأ من الخلط بين شرط الجواز والوجوب، وشرط الواجب والحائز. الوجه الثاني: انه لو نهى عن غير الموصلة فهى وان لم تتصف بالوجوب الا ان ذلك انما هو لاجل المانع عن الاتصاف بالوجوب، وهو المنع عنها. وفيه: ان امكان النهى وصحته آية عدم الملازمة، والا لما صح. الثالث: ما في الفصول، وهو ان وجوب المقدمة لما كان من باب الملازمة العقلية فالعقل لا يدل عليه زايدا على القدر المذكور الى ان قال وايضا حيث ان المطلوب باالمقدمة مجرد التوصل بها الى الواجب وحصوله فلا جرم يكون التوصل بها إليه وحصوله معتبرا في مطلوبيتها فلا تكون مطلوبة إذا انفكت عنه وصريح الوجدان قاض بان من يرد شيئا بمجرد حصول شئ آخر لا يريده إذا وقع مجردا عنه ويلزم منه ان يكون وقوعه على وجه المطلوب منوطا بحصوله انتهى. واورد عليه في الكفاية بما يندفع بتوضيح ما في الفصول. بان يقال. ان مراده ان التكليف الغيرى ليس ناشئا من الغرض المترتب على متعلقة والا انقلب نفسيا فلا مورد للنزاع في تعيين الغرض، بل انما يكون التكليف الغيرى ناشئا عن الغرض الاصلى المترتب على ذى المقدمة، وهو كما اوجب محبوبية ذى المقدمة كذلك اوجب محبوبية المقدمة تبعا لان الحب الى الشئ يستلزم الحب التبعى الى ما هو واقع في سلسلة مبادى وجوده، وعليه فلا ينبغى التوقف في ان المحبوب بالتبع انما هو المقدمة التى تكون مقدمة فعلية وواقعة في سلسلة مبادى وجود المحبوب بالذات، واما المقدمة بالقوة غير الواقعة في تلك السلسلة فلا تكون متعلقة للحب التبعى فان من اشتاق الى شئ انما يشتاق الى مقدماته التوأمة والملازمة معه لا المفارقة عنه في الوجود وعليه فالواجب الغيرى هو ذات المقدمة الموصلة لا بهذا القيد. فتحصل مما ذكرناه اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة.

[ 416 ]

بيان ثمرة القول باختصاص الوجوب بالموصلة بقى الكلام في بيان ثمرة هذا النزاع، وقد ذكر الاصحاب ثمرات للنزاع في هذه المسألة وهى صنفان، احدهما، ما يترتب على النزاع في ان الواجب خصوص المقدمة الموصلة، أو مطلق المقدمة، ثانيهما ما يترتب على النزاع في وجوب المقدمة وعدمه. اما الصنف الاول: فهو ثمرتان، احداهما ما افاده الاستاذ، وهى انه لو توقف واجب على محرم وكان الواجب اهم، كما لو توقف انجاء المؤمن على التصرف في ملك الغير بغير رضاه، فعلى القول بوجوب مطلق المقدمة لا تتصف تلك المقدمة بالحرمة، وان لم توصل، بل كان التصرف في ملك الغير لغرض آخر من التفريح، والتكسب وماشا كل، ولا يكون سفره سفر معصية، واما بناءا على اختصاص الوجوب بالموصلة لا يجوز التصرف في المثال في ملك الغير الا في صورة الانجاء، والا فهو حرام وسفره سفر معصية وان شئت فقل ان كل مقدمة من المقدمات إذا توقف عليها واجب اهم، فبناءا على وجوب مطلق المقدمة تتصف بالوجوب مطلقا، واما بناءا على اختصاص الوجوب بالموصلة لا تتصف بالوجوب ما لم توصل بل تبقى على حكمها الاولى. اقول يرد عليه ان الوجوب المقدمى بما نه غير ناش عن المصلحة والغرض، فلا يصلح للمعارضة مع الحرمة النفسية، فلا محالة تقدم الحرمة عليه، وعلى ذلك فلا مسقط للحرمة على المسلكين سوى وجوب ذى المقدمة، وهو انما يوجب السقوط في ظرف الاتيان به دون عصيان امره إذا الضرورات تتقدر بقدرها، فهذه ليست ثمرة لهذا المحبث. ثانيتهما: ما افاده جماعة منهم صاحب الفصول، وهو انه إذا كان ترك عبادة مقدمة لواجب اهم كالصلاة التى يكون تركها مقدمة لازالة النجاسة عن المسجد مثلا، فعلى القول باختصاص الوجوب بالموصلة تصح صلاته لو صلى ولم يزل النجاسة، واما على القول بوجوب المقدمة مطلقا، فتكون فاسدة، وذلك لان ترك احد الضدين مقدمة لوجود الضد الاخر، فترك الصلاة مقدمة للازالة، فعلى القول بوجوب مطلق المقدمة،

[ 417 ]

يجب تركها ازال ام لم يزل، فيحرم فعلها الذى هو نقيض الترك، والتحريم في العبادة متقض للفساد، واما على القول بالموصلة، فحيث ان الواجب من ترك الصلاة هو الترك الموصل، وايجاب ذلك لا يستلزم تحريم الفعل، لعدم كونه نقيضه، بل نقيضه عدم الترك الخاص، وهو قد يقارن الفعل، وقد لا يقارنه، وحرمة الشئ لا تستلزم حرمة ما قارنه. واورد عليهم في التقريرات بان فعل الضد وان لم يكن نقيضا للترك الخاص لان نقيضه رفعه وهو اعم من الفعل والترك الاخر المجرد الا انه لازم لما هو من افراد النقيض، وهذا يكفى في اثبات الحرمة والا لم يكن الفعل المطلق محرما على القول بمطلق المقدمة: لان الفعل ليس نقيضا للترك لانه وجودي ونقيض الترك انما هو رفعه ورفع الترك يلازم الفعل مصداقا وليس عينه فكما ان هذه الملازمة تكفى في اثبات الحرمة لمطلق الفعل فكذلك تكفى في المقام، غاية الامر ان ما هو النقيض في مطلق الترك انما ينحصر مصداقه في الفعل، واما النقيض للترك الخاص فله فرد ان وذلك لا يوجب فرقا فيما نحن بصدده. واجاب عنه المحقق الخراساني بالفرق بين الموردين بان الفعل في الاول لا يكون الا مقارنا لما هو النقيض من رفع الترك المجامع معه تارة ومع الترك المجرد اخرى وحرمة الشئ لا تسرى الى ما يلازمه فضلا عما يقارنه احيانا، وهذا بخلاف الفعل في الثاني فانه بنفسه بعاند الترك المطلق وينافيه لا انه ملازم لما يعانده وينافيه، فلو لم يكن عين ما يناقضه مفهوما لكنه متحد معه عينا وخارجا فإذا كان الترك واجبا لا محالة يكون الفعل منهيا عنه. اقول يرد عليه اولا، ان المركب من امرين ليس له نقيض واحد بل له نقيضان، أي لكل منهما نقيض، فيكون نقيض المركب مجموع النقيضين، واما المركب من حيث هو فلا نقيض له، وعليه فبناءا على اختصاص الوجوب بالموصلة الواجب هو الترك المقيد بالايصال، فيكون نقيضه الفعل مع عدم الايصال، أي نقيض الترك هو الفعل، ونقيض الايصال عدمه وليس له نقيض واحد. فإذا كان نقيض الواجب حراما يكون الفعل مع عدم الايصال، محكوما بالحرمة فلا محالة تنحل الحرمة كالوجوب فيكون الفعل ايضا

[ 418 ]

محكوما بالحرمة غاية الامر حرمة ضمنية وان شئت قلت ان الواجب المتعلق بالمقدمة الموصلة على مسلكة الى وجوبين احدهما متعلق بالترك والثانى متعلق بالخصوصية ونقيض الترك الواجب بالوجوب المقدمي الضمني هو الفعل فيكون حراما بالحرمة الضمنية فعلى فرض كون هذه ثمرة لوجوب المقدمة لا فرق بين القول بالموصلة والقول بوجوب مطلق المقدمة فايراد الشيخ الاعظم في محله. وثانيا: ان هذه الثمرة من اصلها غير تامة: وذلك لان ترك احد الضدين ليس مقدمة لفعل الاخر كما سيأتي في مبحث الضد - مع انه على فرض كونه مقدمة له. الفعل لا يكون حراما إذ نقيض الواجب ليس بحرام مضافا الى ان النهي الغيري المقدمي غير الناشي عن المفسدة في الفعل لا يوجب الفساد كما سيأتي. ثمرة القول بوجوب المقدمة. الصنف الثاني: ما ذكر ثمرة للنزاع في وجوب المقدمة وعدمه. وهي امور. منها: انه إذا توقف واجب على مقدمة محرمة وكان الوجوب اهم فانه على القول بوجوب مطلق المقدمة تسقط الحرمة مطلقا وان لم يأت بذي المقدمة وعلى القول بعدم الوجوب لا مسقط للحرمة سوي مزاحمتها مع وجوب ما هواهم منها، وهي انما تقتضي سقوط الحرمة في صورة الاتيان بالواجب لا مطلقا إذا الضرورت تتقديرها بقدرها. وفيه: ما تقدم من ان الوجوب الغيري المقدمي بما انه غير ناش عن المصلحة والغرض فلا يصلح لمعارضة الحرمة النفسية فلا محالة تقدم وعليه فلا مسقط للحرمة على القولين سوى مزاحمتها مع وجوب ذى المقدمة فهذه الثمرة لا تكون ثمرة ومنها ان نفس وجوب المقدمة في نفسه انما يكون ثمرة للبحث عن ثبوت الملازمة وعدمه: إذ على الاول يحكم بالوجوب وعلى الثاني بالعدم. واورد عليه بانه حيث لا يترتب على وجوب المقدمة اثر من الثواب على امتثاله وحصول القرب به، والعقاب على مخالفته وحصول البعد بها واما لابدية الاتيان بما

[ 419 ]

تعلق به عقلا فيهى لا تدور مدار القول بوجوبها شرعا. فمثل هذا الحكم ليس شان الفقيه بيانه والافتاء به فلا يصح جعلة ثمرة لهذا البحث. وفيه: اولا: قد تقدم ان موافقة التكليف الغيرى، توجب استحقاق الثواب، كما ان مخالفته توجب استحقاق العقوبة. وثانيا: انه إذا ثبت وجوب المقدمة كالوضوء، بضم الصغرى الى انتجية هذه المسألة، فاشكال عدم ترتب اثر عملي عليه واضح الدفع: لان تطبيق كبريات اخر مستفادة من ادلتها كحصول البرء والاصرار على المعصية وغير ذلك مما سيأتي عليه يوجب ترتب اثر عملي عليه كما لا يخفى. ومنها: انه على القول بوجوب اتصال الفعل بالعبادية، وقد تقدم الكلام في ذلك وعرفت انه يوجب القرب ايضا. ولكن مثل هذه الثمرة لا توجب كون البحث المزبور اصوليا: إذ المسألة الاصولية ما تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الكلى الفرعي، ومسئلتنا هذه ليست كذلك فان المترتب عليها انما هو ما ثبت من طريق آخر على اتيان المقدمة بقصد امرها فلا تصير المسألة بذلك اصولية، الا ان ذلك يكفى ثمرة عملية لوجوب المقدمة ويخرج بذلك عن كونه حكما لغوا ليس شأن الفقيه بيانه. ومنها: انه من المسلم عند الاصحاب، ان الامر المعاملى يوجب الضمان، فلو امر بما له مقدمة فعلى القول بوجوب المقدمة يكون الامر ضامنا بالنسبة الهيا ايضا، وعلى القول بعدمه لا يكون ضامنا لها. واورد عليه بان الوجوب بنفسه لا يوجب الضمان، والوجه في الضمان في الامر المعاملى ما ذكر في محله من رجوعه الى معاملة خاصة وهو جعل العمل في مقابل مال خاص وان الظاهر من الامر ذلك، وحينئذ في المقام بنيا على وجوب المقدمة أو على عدمه لا يفرق من هذه الجهة، ووجوب المقدمة المترشح من وجوب آخر على القول به لا يوجب الضمان. وفيه: ان الامر بنفسه ظاهر في كونه معامليا أي امرا بالعمل لا مجانا، فلو كان الامر

[ 420 ]

بذى المقدمة مستلزما للامر بالمقدمة، فهو ايضا يوجب الضمان، فلو اتى بالمقدمات ولم يأت بذى المقدمة ضمن. اللهم الا ان يقال ان الامر بذى المقدمة يوجب الضمان على المقدمات حتى بناءا على عدم استلزام الامر بذى المقدمة للامر بالمقدمة، فتأمل فان المسألة تحتاج الى تأمل ازيد من ذلك. وعلى كل حال يجرى فيه ما ذكرناه في سابقه من عدم كون هذه الثمرة موجبة لكون البحث عن جوب المقدمة اصوليا. ولكنها تكفى اثرا عمليا موجبا لخروج وجوب المقدمة عن اللغوية. ومنها: برء النذر بالاتيان بالمقدمة لو نذر الاتيان بواجب على القول بوجوب المقدمة. اقول ان هذه الثمرة كسابقتها وان لم توجب بنفسها كون المسألة اصولية إذ ثمرة المسألة الاصولية لابد وان يكون حكما فرعيا كليا مثل نفس وجوب الوفاء بالنذر، واما تطبيق هذا الحكم على مصاديقه فليس نتيجة المسألة الاصولية. ولكن تكفى ثمرة عملية يخرج وجوب المقدمة بذلك عما قيل من عدم كون بيانه وظيفة الفقيه لعدم ترتب الاثر عليه. واما ما افاده المحقق الخراساني (ره) من ان البرء وعدمه انما يتبعان قصد الناذر. ففيه: انه لو نذر الاتيان بمطلق ما تعلق به الوجوب الشرعي. كان حصول الوفاء باتيان المقدمة مبتنيا على القول بوجوب المقدمة. ومنها: انه يحصل الاصرار على الحرام الموجب لحصول الفسق بترك واجب له مقدمات إذا قلنا بوجوبها. واورد عليه المحقق الخراساني (ره) بان العصيان انما يحصل بترك اول مقدمة لا يتمكن معه من الواجب فلا يكون ترك ساير المقدمات بحرام اصلا. وفيه: ان ساير المقدمة انما يكون بالعصيان، فإذا كان الاصرار يحصل بترك

[ 421 ]

واجبين تحقق بترك واجب له مقمات، على القول بوجوب المقدمة، وعلى القول بعدمه لا يحصل، وبه يظهر الحال لو كان الاصرار يحصل بترك واجبات اربعة فانه على القول بوجوب المقدمة يحصل بترك واجبين نفسييين لهما مقدمات ولا يحصل به على القول بعدمه. مع انه إذا فرضنا عدم ترتب المقدمات بعضها على بعض، وكان الجميع في عرض واحد فان بتركها يترك الجميع دفعة واحدة لا طولا - وعليه - فيحصل الاصرار في ذلك المورد. واورد على هذه الثمرة المحقق النائيني (ره) والاستاذ بان المعصية انما تدور مدار الامر النفسي فليس مخالفة الامر الغيرى بما هو معصية حتى يحصل الاصرار على المعصية بمخالفته. وفيه: ما تقدم في محله من ان الاطاعة والعصيان، انما يدوران مدار الامر نفسيا كان ام غيريا. إذ الامر الغيرى ايضا يوجب موافقته القرب والثواب، ومخالفته البعد والعقاب. ولكن يرد على هذه الثمرة ما اوردناه على سوابقها مضافا الى ما حقق في محله من ان المعصية مطلقا توجب الفسق وعليه، فلا يبقى مورد لهذه الثمرة إذ بترك المقدمة يترك الواجب النفسي فيوجب الفسق على كل تقدير. ومنها: عدم جواز اخذ الاجرة على فعل المقدمة على القول بوجوبها لعدم جواز اخذ الاجرة على فعل الواجب. وفيه: مضافا الى ما مر، ما حقق في محله من ان اخذ الاجرة على الواجبات بما انها واجبة لا مانع عنه ان لم يكن الواجب مما القى الشارع ماليته. ومنها: اجتماع الوجوب والحرمة في المقدمة المحرمة إذا قبل بالملازمة فيما إذا كانت المقدمة محرمة فيبتنى على جواز اجتماع الامر النهى وعدمه بخلاف ما لو قيل بعدمها. واورد المحقق الخراساني (ره) على ذلك بامور: الاول: ان عنوان المقدمة من

[ 422 ]

الجهات التعليلية فالواجب هو ما بالحمل الشايع مقدمه، وحيث انه الحرام فيكون على الملازمة من باب النهى في العبادات والمعاملات. وفيه: ان الواجب على الملازمة ليس ذات المقدمة الخارجية بل هو العنوان الكلى المنطبق عليها، وقد اجتمع العنوانان في المقدمة الخاصة فيكون من باب الاجتماع. الثاني: انه إذا كانت المقدمة المحرمة غير منحصرة لما تعلق بها الوجوب بل هو متعلق بغيرها، وان كانت منحصرة، فاما لا وجوب لعدم وجوب ذى المقدمة لمزاحمته مع حرمة المقدمة، واما لا حرمة لها لذلك فلا يلزم الاجتماع اصلا. وفيه: انه في صورة عدم الانحصار، لا وجه لاختصاص الوجوب بغير المحرم من المقدمات بعد كون تلك المقدمات وافية بتمام ما يفى به غيرها غاية الامر على تقدير القول بالامتناع وتقديم جانب النهى يسقط وجوبها لذلك. الثالث: انه لو كان المقدمة، توصلية صح التوصل بها ولو لم نقل بجواز الاجماع. ولو كانت تعبدية لما جاز التوصل بها على القول بالامتناع قيل بوجوب المقدمة، ام لا، وجاز التوصل بها على القول بالجواز على المسلكين. بيان ما يقبضية الاصل العملي في المقام. الثاني: في بيان ما يقتضيه الاصل العملي في المسألة، ليرجع إليه مع عدم الدليل على شئ من الاقوال، والكلام فيه في موردين 1 - في بيان الاصل في المسألة الاصولية: 2 - فيما يقتضيه الاصل في المسألة الفقهية. اما الاول: فقد يقال ان الملازمة بين وجوب المقدمة، ووجوب ذيها على فرض ثبوتها مسبوقة بالعدم لانها من الحوادث فيستحب عدمها. واورد عليه المحقق العراقى بانه ليس لها حالة سابقة بل هي اما ثابتة ازلا أو معدومة ازلا فليست مورد اللاستصحاب لا وجودا، ولا عدما. وفيه: ان الملازمة بما انها في التقرر تابعة لتحقق طرفيها فهى مسبوقة بالعدم، غاية

[ 423 ]

الامر بمفاد ليس التامة، فلا مانع من استصحاب عدمها من هذه الجهة. ولكن لا يجرى الاستصحاب من جهة اخرى وهى انه لا يترتب الاثر على ذلك، لعدم كون وجوب المقدمة اثرا للملازمة كما لا يخفى. واما المورد الثاني: فمقتضى الاستصحاب عدم وجوب المقدمة: لمعلومية عدم وجوبها حال عدم وجوب ذيها وقد استدل لعدم جريانه بوجوه. الاول: انه يعتبر في جريان الاستصحاب ان يكون التعبد الشرعي بالمستصحب واثره ممكنا عقلا في نفسه. وحيث انه على تقدير ثبوت الملازمة بين الوجوبين لا يعقل التعبد بعدم وجوب المقدمة فالشك فيها يوجب الشك في امكان التعبد بعدم وجوبها، وقد عرفت انه مع عدم احراز امكان التعبد لا يجرى الاستصحاب. واجاب المحقق الخراساني (ره) عن ذلك بان الملازمة على فرض ثبوتها فانما هي بين الوجوبين والواقعيين، واصالة عدم وجوب المقدمة فعلا مع وجوب ذيها كذلك لا تنافى تلك - نعم - لو كانت الملازمة المدعاة هي الملازمة بين الفعليين صح التمسك بذلك في اثبات بطلانها. اقول يرد على ذلك على ما هو ظاهره بدوا ما اورده المحقق العراقى (ره) من ان من يدعى الملازمة انما يدعيها بين الفعليين ايضا، ولكن الظاهر بعد التأمل انه اراد ما حاصله: ان الملازمة على فرض ثبوتها انما هي بين الوجوبينت الواقعيين لا بين الوجوبين الواصلين بهذا القيد. ففى مرحلة الوصول يمكن ان يصل وجوب ذى المقدمة ولا يصل وجوب المقدمة. فيحكم في الظاهر بعدم وجوبها غير المنافى لوجوبها واقعا، وعلى هذا فهو متين جدا. وبه يظهر عدم تمامية ما ذكره بعضهم من انه إذا جرى الاصل وثبت عدم وجوبها يستكشف منه عدم ثبوت الملازمة بين الملازمة بين الوجوبين. فان بالاستصحاب لا يثبت ذلك الا على القول بالاصل المثبت. ويمكن ان يجاب عن هذا الوجه بجواب آخر، وهو انه لا يعتبر في جريان الاستصحاب احراز امكان التعبد بل يعتبر عدم احراز استحالته: إذ الاستصحاب كساير

[ 424 ]

الاحكام الشرعية يلزم اتباعه ما لم يحرز الامتناع وبالجملة سيأتي في محله ان ظهورات كلمات المولى تكون متبعة ما لم تثبت الاستحالة ومجرد احتمالها لا يكون مانعا. الثاني: ان وجوب القمدمة على تقدير الملازمة من قبيل لوازم الماهية غير مجعولة ولا اثر مجعول مترتب على وعليه فلا يجري الاصل إذ يعتبر في جريانه كون المستصحب مجعولا شرعيا أو موضوعا لما هو مجعول شرعي. واجاب المحقق الخراساني عن ذلك بان وجوب المقدمة وان كان غير مجعول بالذات لا بالجعل البسيط، ولا بالجعل التاليفي الا انه مجعول بالعرض وبتبع جعل وجوب ذى المقدمة وهو كاف في جريان الاصل. اقول: ان لوازم المهية على قسمين: الاول ما إذا كان ذلك الشئ منتزعا عن الماهية بلحاظ نفسها مع قطع النظر عن الوجودين الذهني والخارجي، كالامكان بالقياس الى الانسان الثاني: ما يكون لازما للمهية سواء كانت موجودة في الذهن، أو في العين كالزوجية بالقياس الى الاربعة ومعلوم ان ارادة المقدمة بالنسبة الى ارادة ذي المقدمة ليست من القسمين، بل هي على تقدير الملازمة تابعة للوجود الخارجي لارادة ذي المقدمة فهو من لوازم الوجود الخارجي. وحيث انه لوجوب المقدمة وجود غير ما لوجوب ذي المقدمة من الوجود فلبرهان وحدة الايجاد والوجود يكون لكل منهما ايجاد مغاير للاخر فهو بنفسه مجعول شرعي فلا مانع من اجراء الاصل فيه. الثالث: انه لو كان المستصحب حكما شرعيا يعتبر في جريان الاصل فيه ترتب ثمرة عملية عليه، وحيث ان وجوب المقدمة لا يترتب عليه اثر عملي للابدية الاتيان بها على كل تقدير وعدم ترتب الثواب على موافقته والعقاب على مخالفته فلا يجري فيه الاصل. وفيه: ما عرفت من ترتب عدة ثمرات على وجوب المقدمة غير لابدية الاتيان بها وعليه فيجري الاصل فيه ويترتب عليه تلك الاثار. فتحصل ان الاظهر جريان اصالة عدم وجوب المقدمة فعلى فرض عدم الدليل على الوجوب يبني على عدم الوجوب.

[ 425 ]

دليل القول بوجوب المقدمة الثالث: فيما استدلوا به لوجوب المقدمة وقد ذكروا وجوها. منها: ما افاده الشيخ الاعظم وتبعه المحققان الخراساني والنائيني وحاصله ان من راجع وجدانه وانصف من نفسه يقطع بان الملازمة بين الطلب المتعلق بالشئ والمتعلق بمقدماته ثابتة، لا نقول بتعلق الطلب الفعلى بها، كيف والبداهة قاضية بعدمه لجواز غفلة الطالب عن المقدمية، إذ ليس النزاع منحصرا في الطلب الصادر من الشارع حتى لا يتصور في حقه ذلك، بل المقصود ان الطالب لشئ إذا التفت الى مقدمات مطلوبه يجد من نفسه حالة الارادة على نحو الارادة المتعلقة بذيها كما قد يتفق هذا النحو من الطلب ايضا فيما إذا غرق ابن المولى ولم يلتفت الى ذلك أو الى كونه ابنه فان الطلب الفعلى في مثله غير متحقق لابتنانه على الالتفات لكن المعلوم من حاله انه لو التفت الى ذلك لاراد من عبده الانفاذ، وهذه الحالة وان لم تكن طلبا فعليا الا انها تشترك معه في الاثار ولهذا نرى بالوجدان في المثال المذكور انه لو ينقذ ابن المولى عد عاصيا ويستحق العقاب. واوضحه المحقق النائيني (ره) بما محصله. انه كما ان من اشتاق الى فعل نفسه لا محالة ينبعث منه الشوق الى مقدماته كذلك لو اشتاق الى ما هو فعل الغير، فكما انه لو اراد شيئا وكان ذلك الشئ يتوقف على مقدمات، لا محالة يريد تلك المقدمات وتتولد من تلك الارادة ارادة المقدمات قهرا كذلك ارادة الامر، ولا مورد للايراد عليه بانه لا موجب لارادة المقدمات بعد حكم العقل بانه لابد من اتيانها لتوقف الطاعة عليها، وبعد ذلك لا حاجة الى تعلق الارادة بها، فانه ليس الكلام في الحاجة وعدم الحاجة بل كلامنا ان ارادة المقدمات نتقدح في نفس الامر قهرا بحيث لا يمكن ان لا يريدها فلا تصل النوبة الى الحاجة وعدمها، نعم لو كان الوجوب المبحوث عنه في المقام هو الوجوب الاصلى الناشئ عن مبادى مستقلة، لكانت دعوى عدم الحاجة في محلها وكان الاقوى حينئذ عدم وجوبها الا انه ليس الكلام فيه بل في الوجوب القهري الترشحى وهذا

[ 426 ]

النحو من الوجوب بما لابد منه. وبما ذكرناه توضيح ما افاده المحقق النائيني يظهر اندفاع ما اورده عليه بعض الاعاظم وهو انه لم يقم برهان على عدم الفرق بين الارادتين في جميع اللوازم والاثار، بل الدليل على خلافه فان استلزام تعلق الارادة التكوينية بشئ لتعلق ارادة اخرى بمقدمته، انما هو لاجل ان فعل المريد نفسه لا يتحقق الا بعد الاتيان بالمقدمة فلا مناص عن اراتها، واما الارادة التشريعية، فحيث انها متعلقة بفعل الغير، فلا تستلزم تعلق ارادة اخرى بمقدماته. وبعبارة اخرى ان الاستلزام في الارادة التكوينية انما هو لاجل توقف فعله على المقدمة المتوقفة على ارادتها، وهذا المناط ليس في الارادة التشريعية، بل المتعلق لها انما هو فعل الغير وتحت اختياره فلا موجب لتعلق ارادة اخرى بمقدماته. وان شئت قلت ان الارادة التكوينية لا تتعلق بذى المقدمة الا بعد ايجاد المقدمة المتوقف على ارادتها، فارادة ذى المقدمة متوقفة على ارادة المقدمة خارجا، وهذا بخلاف الارادة التشريعية كما لا يخفى. فان هذا الايراد يتم لو كان المدعى تعلق ارادة مستقلة اصلية، ولا يتم في القهرية التبعية الترشحية لو التفت إليها. واورد عليه الاستاذ الاعظم بايرادين: الاول: ان تعلق الشوق بفعل الغير لا يستلزم تعقله بمقدماته بعد فرض كونه تحت اختيار الغير وان صدوره انما يكون بالختياره. وفيه: ان الشوق كما يتلعق بفعل الغير كذلك يتعلق بما لا يمكن مع عدمه وجود المشتاق إليه. الثاني: ان التكليف ليس هو الشوق بل حقيقته اعتبار كون الفعل على ذمة الغير، وهذا فعل من افعال المولى ويحتاج في خروجه عن اللغوية الى ترتب اثر عملي عليه، وحيث ان صدور المقدمة خارجا لازم على المكلف وان لم يأمر به لتوقف الواجب النفسي عليه، فالامر بها لغو محض لا يصح صدوره من الحكيم. وفيه: ان المدعى التبعية القهرية المصلحة المترتبة على ذى المقدمة كما اوجبت جعل الوجوب له كذلك توجب جعل الوجوب قهرا لما هو واقع في سلسلة علل وجوده

[ 427 ]

- وبعبارة اخرى - كما ان الشوق يتعلق بها قهرا كذلك ما يتبعه وهو جعل الوجوب واختياريته انما يكون من جهة كون علته وهو جعل الوجوب على ذى المقدمة تحت الاختيار والقدرة لامن جهة تعلق القدرة به مستقلا. فالمتحصل تمامية هذا الوجه. ومنها: اتفاق ارباب العقول كافة عليه على وجه يكشف عن ثبوت ذلك عند العقل نظير الاجماع الذى ادعى في علم الكلام على وجود الصانع أو على حدوث العالم، فان اتفاق ارباب العقول كاشف قطعي اجمالا عن حكم العقل، وليس ذلك هو الاجماع المصطلح كى يورد عليه بعدم جواز التمسك بالاجماع في المسألة العقلية، لعدم كونه كاشفا عن رأى المعصوم (ع). ولكن يرد عليه انه لا مثبت لوجود هذا الاتفاق. ومنها: ما عن المحقق السبزواري، وحاصله انه يلزم من عدم وجوب المقدمة عدم كون تارك الواجب المطلق مستحقا للعقاب، بيان الملازمة انه إذا كلف الشارع بالحج ولم يوجب المسير إليه فترك العبد المسير إليه ولم يأت بالحج، فاما ان يستحق هذا التارك العقاب في زمان ترك المشى أو في زمان ترك الحج، في موسمها المعلوم، لا سبيل الى الاول لانه لم يصدر منه في ذلك الزمان الا ترك المشى غير الواجب عليه، ولا الى الثاني لان اتيان الحج في ذلك الزمان ممتنع بالنسبة إليه فكيف يستحق العقاب بما يمتنع الصدور منه، ثم نقول إذا فرضنا ان العبد بعد ترك المقدمات كان نائما في زمان الفعل فاما ان يستحق العقاب اولا، لا وجه للثاني لانه ترك الواجب مع كونه مقدورا له فيثبت الاول، فاما ان يحدث استحقاق العقاب في حالة النوم أو قبلها لا وجه للاول، لان العقاب انما يكون على الفعل القبيح، ولا للثاني لان السابق على النوم لم يكن الا ترك المقدمة والمفروض عدم وجوبها. وفيه: ان لنا اختيار كلا الشقين - اما الاول: فقوله ان العقاب في زمان ترك المقدمة لا وجه له لعدم كونه واجبا، يرد عليه، انه انما يستحق العقاب على ترك المقدمة لكونه سببا لترك الحج الواجب فان تركه مستند الى ترك المقدمة اختيارا. واما الثاني: فقوله ان ترك الحج غير مقدور له فلا يمكن اتصافه بالقبح ولا استحقاق العقاب عليه، يرده ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار عقابا انفاقا - وبعبارة اخرى - ان الحج اوجبه

[ 428 ]

الشارع وهو مقدور بواسطة القدرة على مقدماته فالعبد قد ترك الواجب المقدور عليه فيستحق العقاب بذلك وامتناعه في ظرفه انما هو بسوء اختيار العبد. واما ما ذكره اخيرا من فرض العبد نائما حين الفعل، فيرد عليه، انه ان استند ترك الحج مثلا الى النوم لا يستحق العقاب ولكن في الفرض انما يكون مستندا الى ترك المقدمة في زمانها وهذا النوم المفروض وقوعه في زمان امتناع الفعل وجوده وعدمه سيان وهذا واضح. ومنها: ما افاده المحقق السبزواري ايضا، وحاصله انه ان لم تجب المقدمة فوجوب ذى المقدمة بالاضافة إليها وجودا وعدما اما ان يكون مطلقا أو يكون مشروطا بوجودها. فان كان مطلقا كان معناه وجوب ذى المقدمة في ظرف عدم الاتيان بالمقدمة وهو ممتنع لانه تكليف بما لا يطاق فيثبت كونه مشروطا باتيان المقدمة ولازمة عدم استحقاق العقاب بترك ذى المقدمة من ناحية ترك مقدمته لعدم الوجوب حينئذ لفقدان شرط الوجوب فلا يكون تاركه بترك المقدمة مستحقا للعقاب. وفيه: اولا انه لو تم ما افيد لزم عدم وقوع الكذب في الامور المستقبلة مثلا لو اخبر المخبر بانه يسافر غدا فعلى فرض عدم المسافرة لا وجه لتكذيبه إذ اخباره بالمسافرة اما ان يكون على تقدير ايجاد جميع المقدمات والمفروض عدم وجود واحدة أو اكثر منها فلا يكون كذبا إذ عدم تحقق الملزوم في فرض عدم تحقق اللازم ليس كذبا في القضية الشرطية. وثانيا بالحل وهو ان الاطلاق عبارة عن رفض القيود لا الجمع بين القيود فمعنى اطلاق وجوب ذى المقدمة انه لانظر له الى المقدمات وجودا وعدما والمفروض كونه في الفرضين تحت قدرته واختياره فلا اشكال فيه. ومنها: ما افاده المحقق الخراساني وهو وجود الاوامر الغيرية في الشرعيات والعرفيات فان ذلك من اوضح البرهان على وجوب المقدمة، لوضوح انه لا يكاد يتعلق بمقدمة امر غيرى الا إذ كان فيها مناطه، وإذا كان فيها كان في مثلها، فيصح تعلقه بها ايضا لتحقق ملاكه.

[ 429 ]

وفيه: ان هذا يتم لو كانت تلك الاوامر مولوية، وقد ثبت في محله ان الاوامر المتعلقة بالاجزاء والشرائط ظاهرة في الارشاد الى شرطيتها وجزئيتها. ومنها: ما ذكره البصري، وهو انه لو لم يجب المقدمة لجاز تركها وحينئذ فان بقى الواجب على وجوبه لزم التكليف بما لا يطاق، والاخراج الواجب المطلق عن كونه واجبا. وفيه: ان الملازمة ممنوعة. سواء اريد بالجواز الجواز الشرعي، بالمعنى الاعم، أو الاخص، ام اريد به الجواز اعم من الشرعي والعقلي. اما على الاول: فلانه يمكن ان لا تكون محكومة بحكم اصلا. ودعوى، انه لا تخلو واقعة عن حكم شرعى متعلق بها، مندفعة بان هذا من حيث هو، واما بلحاظ طرو المانع فربما تكون الواقعة غير محكومة بحكم، كاستدبار الجدى حال الصلاة فانه لا يكون محكوما بحكم ترخيصي، لمنافاته مع وجوب الاستقبال، ولا محكوما بحكم الزامي لعدم المصلحة والمفسدة. واما على الثاني: فلان عدم الجوب شرعا لا يلازم عقلا، بل العقل يحكم بلزوم الاتيان بها كما في اطراف العلم الاجمالي حيث ان الالزام الشرعي ليس بازيد من واحد الا ان العقلي منه متعدد. وان اريد بالجواز عدم المنع الشرعي من الترك، فالملازمة وان كانت ثابتة ولكن مع حكم العقل بلزوم الاتيان بها لا يترتب محذور على الامر بذى المقدمة كما لا يخفى. فالمتحصل تمامية الوجه الاول فحسب وكفى به مدركا للقول بوجوب المقدمة. وربما يفصل بين السبب وغيره بوجوب الاول دون الثاني. واستدل لوجوب الاول بان الامر المتعلق بالمسبب متعلق به. اقول مع قطع النظر عن كون ذلك خارجا عن محل الكلام، غير تام في نفسه. وتنقيح القول فيه ان في تعلق الامر المتعلق بالمسبب بالسبب، اقوالا: احدها: انه متعلق بالسبب مطلقا عقلا. ثانيها: انه متعلق به نفسه كذلك، ثاثلها: التفصيل: بين ما لو كانت الواسطة من قبل الالة مثل انكسار الخشية المتحقق بايصال الالة قوة الانسان إليها فالمتعلق هو المسبب، وبين ما لو لم يكن كذلك كما لو كان في البين فاعل آخر، كما في

[ 430 ]

القاء النفس الى السبع فيتلفها، أو القاء شخص في النار فتحرقه، فيرجع الامر الى التعلق بالسبب. وقد استدل للاول بوجهين: احدهما: ان المعتبر في متعلق التكليف ان يكون فعلا صادرا عن المكلف، والمسبب ليس كذلك فان المسبب من فعل السبب والواسطة: لانفكاكه عن المكلف في بعض الاحيان، كما إذا رمى سهما فمات فاصاب زيدا بعد موت الرامى، فلو كان الفاعل هو المكلف الرامى لما جاز وجود القتل في ظرف عدم الرامى: لامتناع انفكاك المعلول عن علته زمانا فيكشف ذلك عن عدم كون الفاعل في المثال هو الرامى، بل هو السهم غاية الامر انه لم يكن فاعلا بالطبع وانما يكون فاعليته من جهة احداث الرامى القوة فيه. وفيه: ان المسبب من افعال المكلف بنظر العرف، فانه عندهم ليس هناك وجودان وايجاد ان، بل وجود واحد، وهذا يكفى تعلق التكليف. مع انه لم يدل دليل على اعتبار كون المتعلق من افعال المكلف بل الذى دل عليه الدليل هو كون المأمور به بيد المكلف وباختياره وان كان من قبل الواسطة وبعبارة اخرى يعتبر كون المكلف به مستندا الى المكلف وان لم يكن فعله. الثاني: عدم كون المسبب مقدورا إذ هو قطع النظر عن سببه لا يقدر عليه المكلف ومع وجوده يكون واجب الصدور فعلى أي تقدير غير مقدور. ويرد عليه ان المسبب وان لم يكن مقدورا بالمباشرة الا انه مقدور بواسطة القدرة على سببه. واستدل المحقق اليزدى للثالث بان متعلق الطلب لابد وان يكون معنى مصدريا صادرا عن المكلف فلو لم يكن كذلك بان لم يكن من معنى المصدر كما في الاعراض التى تكون بالنسبة الى محالها كونها حالة فيها من دون ان تكون صادرة عن محالها كالموت والحياة والبياض والسواد، أو كان ولم يكن صادرا من المأمور لم يمكن تعلق الامر به. اما الاول فواضح. واما الثاني فلان الارادة ما يوجب تحريك عضلات الفاعل الى الفعل ولا يمكن تحريكها الا الى فعل نفسه فإذا كان الطلب صورة متعلقا بما ليس من

[ 431 ]

الفعل الصادر من الفاعل يجب توجيهه بما يرجع الى ذلك، وعليه فإذا تعلق بما ليس بينه وبين المكلف الاالة توصل قوة الفاعل الى القابل، وما إذا تعلق بالافعال التى ليست فعلا له بل هي من افعال الواسطة، ففى الاول التكليف متعلق بنفس ذلك الفعل، وفي الثاني يجب ارجاعه الى السبب. ويرده ان المعتبر في تعلق التكليف، كونه من حركات المكلف، ومستندا إليه، ومن الواضح ان المسبب في الموردين من هذا القبيل. فالاظهر هو التعلق بالمسبب. نعم يمكن ان يوجه تعلقه بالسبب، بما قدمر من ان المقدمات السببية خارجة عن محل الكلام وهى واجبة بالوجوب النفسي لا الوجوب المقدمى إذ ارادة المسبب بعينها ارادة السبب وكذلك البعث نحوه بعينه بعث نحو سببه وكذلك التحرك نحو احدهما عين التحرك نحو الاخر بل بالنظر العرفي ليس هناك الا وجودا واحدا وحركة واحدة فعلى هذا لا معنى لجعل وجوبين. الواجب الاصلى والتبعى ذكر المحقق صاحب الكفاية في المقام انقسام الواجب الى الاصلى والتبعى مع ان المناسب عليه كان درج هذا التقسيم في الامر الثالث لانه من شئون تقسيم الواجب وكيف كان ففى الكفاية والظاهر ان يكون هذا التقسيم بلحاظ الاصالة والتبعية في الواقع ومقام الثبوت حيث يكون الشئ تارة متعلقا للارادة والطلب مستقلا للالتفات إليه بما هو عليه مما يوجب طلبه فيطلبه كان طلبه نفسيا أو غيريا واخرى متعلقا للارادة تبعا لارادة غيرة لاجل كون ارادته لازمة لارادته من دون التفات إليه بما يوجب ارادته. اقول ان الاصلى التبعى بالمعنى الذى ذكره لهما لا تقابل بينهما. توضيح ذلك ان الاصلى والتبعى تارة يطلقان بلحاظ مقام الاثبات والدلالة فالمراد، بالأصلي هو ما كان مقصودا بالافهام من الخطاب بحيث تكون دلالة الكلام عليه بالمطابقة، وبالتبعي هو ما لم يكن كذلك بل كانت دلالة الكلام عليه بالتعبة والالتزام،

[ 432 ]

وهذا التقسيم لا يترتب عليه ثمرة. واخرى يطلقان بلحاظ مقام الثبوت، والاطلاق بلحاظ هذا المقام قد يكون بلحاظ تعلق الالتفات إذ ربما يكون المحبوب ملتفتا إليه مستقلا، وربما يكون ملتفتا إليه ارتكازا واجمالا بمعنى انه لو التفت الى موجبها لاراده. وبهذا المعنى يتصف كل من النفسي والغيري بالأصلي والتبعى، ولا يختص التقسيم اليهما بالغيرى. مثلا، تارة يعلم المولى بان ابنه في شرف الغرق وملتفت الى ذلك وبامر عبده بانقاذه. واخرى لا يلتفت إليه ويكون وجوب الانقاذ حينئذ بحكم العقل، وهذا هو الوجوب النفسي التبعى الى لو التفت الى موجبه لاوجبه. وقد يطلقان بلحاظ تعلق الارادة، فانه ربما يكون تعلق الارادة لانه محبوب وفيه مصلحة، وربما يكون من جهة ترشحا من ارادة متعلقة بشئ آخر، وبهذا المعنى يختص الاصلى بالواجبات النفسية وهى منحصرة فيه. ويختص التبعى بالغيرية. وبعبارة اخرى يكون هذا التقسيم بعينه التقسيم السابق أي التقسيم الى النفسية والغيرية، إذ الواجب النفسي ما يكون متعلقا للارادة مستقلا ناشئة عن محبوبيته، والغيري يكون متعلقا للارادة، المترشحة من ارادة اخرى، فوجوب الواجب النفسي اصلى، ووجوب الغيرى تبعى. والمحقق الخراساني حيث جعل الاصلى بالمعنى الثاني - أي الملتفت إليه استقلالا - مقابلا وقسيما للتبعي بالمعنى الثالث أي المراد بالارادة المترشحة، التزم بجريان القسمين في الواجبات الغيرية دون النفسية، وبما ذكرناه عرفت عدم التقابل بينهما، وان الواجب الغيرى لا يعقل كونه، اصليا بالمعنى الاخير، بالجملة، هذا التقسيم باللحاظين الاولين لا يترتب عليه ثمرة، وباللحاظ الاخير يرجع الى التقسيم السابق. قال في الكفاية إذا كان الواجب التبعى ما لم يتعقل به ارادة مستقلة فإذا شك في واجب انه اصلى أو تبعى فباصالة عدم تعلق ارادة مستقلة به يثبت انه تبعى انتهى. واورد عليه المحقق الاصفهانى بان معنى عدم استقلالية الارادة لو كان نشوها عن ارادة اخرى وترشحها منها فالاصلية موافقة للاصل إذ الترشح من ارادة اخرى امر وجودي

[ 433 ]

مسبوق بالعدم، والاستقلال على هذا امر عدمي، وهو عدم نشوها عن ارادة اخرى. اقول ان الموضوع إذا قيد بامر عدمي فان كان ذلك هو عدم الاتصاف يجرى الاصل فيه فإذا كان الجزء الاخر محرزا بالوجدان أو بالاصل يترتب عليه الاثر. كما هو الشان في كل موضوع مركب من امرين وجوديين الذى لا يكون الدخيل وصف اجتماعهما أو غير ذلك من العناوين. واما إذا كان ذلك هو الاتصاف بعدم ذلك القيد فان كان لهذا العدم النعتى حالة سابقة يجرى الاصل فيه، والا فلا فان استصحاب العدم المحمولي لاثبات العدم النعتى من الاصول المثبتة. وحيث ان في المقام الوجوب الاصلى هو المقيد بعدم الترشح من الغير فالعدم المأخوذ فيه عدم نعتي فاستصحاب عدم الترشح بنحو العدم المحمولي لا يصلح لاثباته. مقدمة الحرام ثم انه مما ذكرناه في مقدمة الواجب يظهر الحال في مقدمة المستحب فان الكلام فيهما واحد. واما مقدمة الحرام فقد يقال ان ما ذكر في مقدمة الواجب بعينه يجرى في مقدمة الحرام، إذ ما يكون حراما لا محالة يكون تركه واجبا، فترك المقدمة التى به يترك الحرام يكون مقدمة الواجب، فعلى القول بوجوبها، يجب ذلك الترك فيحرم فعلها إذ نقيض الواجب حرام. نعم، بين المقامين فرق، وهو ان الفعل إذا وجب حيث انه يتوقف على جميع المقدمات فتجب الجميع، واما إذا كان الترك واجبا، فجميع التروك أي ترك المقدمات ليست مقدمة لترك ذى المقدمة، بل هو يترك بترك مقدمة واحدة، فهو الواجب دون الجميع فيجب احداها تخييرا ولكن هذا ليس بفارق في المقام. ويرد عليه ان ترك الحرام ليس بواجب، لعدم المصلحة في الترك، والوجوب تابع لها، بل انما نهى عن الفعل لوجود المفسدة فيه. وحق القول في المقام ان يقال، ان مقدمة الحرام على قسمين، الاول ما إذا لم

[ 434 ]

يتوسط بين المقدمة وذيها اختيار الفاعل وارادته، الثاني ما يتوسط بينهما الارادة. واما الاول: فهو على اقسام. 1 - ما إذا لم تكن بينهما رابطة ولكن من باب الاتفاق صار كذلك كمن يعلم من نفسه انه لو دخل في المكان الفلاني لاضطر الى ارتكاب الحرام قهرا. 2 - ما إذا كان بينهما ارتباط وكانت المقدمة سببا وعلة لذى المقدمة ولكل منهما وجود يختص به كما في اسقاء السم المترتب عليه ذهاق الروح بعد مدة من الزمان. وكطلوع الشمس الذى يكون علة لضوء النهار وامثال ذلك من المسببات التوليدية. 3 - ما إذا كان بينهما ارتباط وكانا موجودين بوجود واحد وكان هناك فعل واحد معنون بعنوانين طوليين كما في العناوين التوليدية مثل الانحناء والتعظيم. وبحسب النظر العرفي كما في الالقاء في النار والاحراق. وكذا الحال في الطهارات الثلاث وفرى الاوداج والقتل وامثال ذلك. وقد حكم المحقق الخراساني بحرمة المقدمة في جميع هذه الاقسام بالحرمة الترشحية الغيرية. وحكم المحقق النائيني (ره) بحرمتها بالحرمة النفسية. وافاد في القسم الاول في غير المقام بان المقدمة حينئذ من قبيل المقدمة الفوتة وتقدم منه ان العقل مستقل بقبحها وبضميمة قاعدة التلازم يستفاد حرمتها. وافاد في القسم الثاني ان المقدمة هي التى تعلق بها القدرة والارادة اولا وبالذات والمعلول انما يكون مقدورا بتبعها فتسرى إليها الحرمة المتعلقة به. وافاد في القسم الثالث ان ما فيه المفسدة هو الفعل المعنون فلا محالة يكون هو المتعلق للحرمة غاية الامر لا بصورته الاولى بل بعنوانه الثانوي. وبعبارة اخرى ان الصادر عن المكلف فعل واحد معنون بعنوانين طوليين اولى وثانوى فالحكم المتعلق باحدهما متعلق بالاخر. اقول ما افاده في القسم الاخير متين جدا وان كان المثال الفقهى الذى ذكره، وهو اجراء الماء على اجزاء البدن للوضوء المنصب على ارض مغصوبة بلا وساطة جريانه على ارض مباحة ليس من هذا القبيل: لان جريان الماء على اجزاء البدن خارجا مغاير وجودا

[ 435 ]

لجريان الماء على الارض المغصوبة. واما ما افاده في القسم الثاني فقد مر الكلام فيه في المقدمة السببية وعرفت ان المحرم وهو المسبب لا حرمة نفسية له. واما ما افاده في القسم الاول فقد مر ما فيه في المقدمات المفوتة وبينا انه لا يستكشف الحكم من هذا الحكم العقلي. نعم، في القسم الثاني بناءا على ثبوت الملازمة يمكن ان يقال ان هذه المقدمة محكومة بحكم ترشحي مقدمى كما في مقدمة الواجب بعين الوجه الذى ذكرناه فيها. ولعل مراد المحقق الخراساني هو هذا القسم دون القسمين الاخرين وعليه فما غير المقام بان المقدمة حينئذ من قبيل المقدمة الفوتة وتقدم منه ان العقل مستقل بقبحها وبضميمة قاعدة التلازم يستفاد حرمتها. وافاد في القسم الثاني ان المقدمة هي التى تعلق بها القدرة والارادة اولا وبالذات والمعلول انما يكون مقدورا بتبعها فتسرى إليها الحرمة المتعلقة به. وافاد في القسم الثالث ان ما فيه المفسدة هو الفعل المعنون فلا محالة يكون هو المتعلق للحرمة غاية الامر لا بصورته الاولى بل بعنوانه الثانوي. وبعبارة اخرى ان الصادر عن المكلف فعل واحد معنون بعنوانين طوليين اولى وثانوى فالحكم المتعلق باحدهما متعلق بالاخر. اقول ما افاده في القسم الاخير متين جدا وان كان المثال الفقهى الذى ذكره، وهو اجراء الماء على اجزاء البدن للوضوء المنصب على ارض مغصوبة بلا وساطة جريانه على ارض مباحة ليس من هذا القبيل: لان جريان الماء على اجزاء البدن خارجا مغاير وجودا

[ 435 ]

لجريان الماء على الارض المغصوبة. واما ما افاده في القسم الثاني فقد مر الكلام فيه في المقدمة السببية وعرفت ان المحرم وهو المسبب لا حرمة نفسية له. واما ما افاده في القسم الاول فقد مر ما فيه في المقدمات المفوتة وبينا انه لا يستكشف الحكم من هذا الحكم العقلي. نعم، في القسم الثاني بناءا على ثبوت الملازمة يمكن ان يقال ان هذه المقدمة محكومة بحكم ترشحي مقدمى كما في مقدمة الواجب بعين الوجه الذى ذكرناه فيها. ولعل مراد المحقق الخراساني هو هذا القسم دون القسمين الاخرين وعليه فما افاده متين جدا. وهناتم الجزء الاول، ويتلوه الجزء الثاني في مسألة الضد. والحمد الله اولا وآخرا.