http://www.abasalehonline.ir/osol/dataamini/library/osol/banner-asli-site-nahv.jpg

الأصول العامة للفقه المقارن

السيد محمد تقي الحكيم


[ 1 ]

الاصول العامة للفقه المقارن

[ 3 ]

العلامة محمد تقي الحكيم الاصول العامة للفقه المقارن مدخل الى دراسة الفقه المقارن مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) للطباعة والنشر

[ 4 ]

الطبعة الثانية آب (اغسطس) 1979

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد على ما انعم والصلاة والسلام على محمد وآله الذين اصطفى

[ 7 ]

المقدمة هذه بحوث سبق ان ألقيت فصولها على طلبة السنتين الثالثة والرابعة في كلية الفقه في النجف الاشرف، وعاودت النظر في بعضها، ولم أعاوده في البعض الآخر ولعل ما فيها من جدة النهج في حصر المسائل الاصولية وتبويبها، وجهد المحاولة في تأسيس أصول للمقارنة الفقهية لم يسبق لي أن اطلعت على معالم محددة لها في تجارب السابقين، ثم المحاولة في ضبط وتطوير أصول للفقه المقارن فيه سعة وشمول نسبيان لمختلف المدارس العلمية بما فيها مدرسة النجف الحديثة، هذه الامور كفيلة - فيما أعتقد - ان تشفع لي في الطلب الى اخواني من ذوي الاختصاص في البحوث التشريعية ان يعمدوا - مشكورين - الى نقد هذه البحوث وتصحيح أخطائها فعسى ان نبلغ بها جميعا الى ما يرجى لها من إثمار في تحقيق أهدافها العلمية وعطائها في إبعاد النهج العاطفي في معالجة أهم مسائل الفكر وأكثرها تعلقا بصميم العقيدة. والله أسأل ان يوفقنا جميعا الى ما يحبه ويرضاه وهو ولي التوفيق النجف الاشرف محمد تقي الحكيم

[ 9 ]

بحوث تمهيدية أضواء رأينا أن طبيعة البحث في أصول الفقه المقارن تدعونا الى ان نمهد لها ببحوث تتصل اتصالا مباشرا أو غير مباشر بقسم من هذه الاصول وتلقي بعض الاضواء عليها. وقد اعتاد كثير من الاصوليين ان يبحثوا قسما منها فيما لا بسته من المباحث الاصولية وكأنها من صميمها مع أن أكثرها من المبادئ، فناسب ذكرها - من وجه منهجية - في بحوث التمهيد واضافة بحوث تقتضيها ضرورة البحث المنهجي وإن لم تتصل مباشرة بهذه الاصول.

[ 11 ]

بحوث تمهيدية (1) الفقه المقارن تعريفه، الفرق بينه وبين تعريف علم الخلاف، فوائده. موضوعه، الفرق بينه وبين علم الفقه، أصول المقارنة الحاجة إلى مدخل لدراسة الفقه المقارن

[ 13 ]

تعريف الفقه المقارن: يطلق الفقه المقارن - أولا - ويراد به: جمع الآراء المختلفة في المسائل الفقهية على صعيد واحد دون اجراء موازنة بينها. ويطلق ثانيا على: جمع الآراء الفقهية المختلفة وتقييمها والموازنة بينها بالتماس أدلتها وترجيح بعضها على بعض وهو بهذا المعنى أقرب الى ما كان يسميه الباحثون من القدامى بعلم الخلاف أو علم الخلافيات كما يتضح ذلك من تعريفهم له. تعريف علم الخلاف: فقد عرفه تسهيل الوصول الى علم الاصول انه (علم يقتدر به على حفظ الاحكام الفرعية المختلف فيها بين الائمة أو هدمها بتقرير الحجج الشرعية وقوادح الادلة (1)). والخلافي كما يقول في المصدر نفسه هو: (اما مجيب يحفظ وضعا شرعيا أو سائل يهدم ذلك (2)). وجهات الالتقاء بينهما انما هي في عرض آراء الفقهاء والموازنة بينها وان كانا يفترقان في قربهما من الموضوعية في البحث وبعدهما عنها. فالخلافي كما يوحي به قولهم: (اما مجيب يحفظ وضعا شرعيا أو سائل يهدم ذلك) يفترض آراء مسبقة يراد له تقريرها وتعزيزها وهدم ما عداها فوظيفته


(1 - 2) دراسات في الفلسفة الاسلامية للتفتازاني ص 127 نقلا عن تسهيل الوصول ص 10. (*)

[ 14 ]

وظيفة جدلي لا يهمه الواقع بقدر ما يهمه انتصاره في مقام المجادلة والخصومة أو وظيفة محام يضع نفسه طرفا في الدعوى للدفاع عمن يتوكل عنه ولا يهمه بعد ذلك ان يكون موكله قريبا من الواقع أو بعيدا عنه. بينما يأخذ المقارن وظيفة الحاكم الذي يعتبر نفسه مسؤولا عن فحص جميع الوثائق وتقييمها، والتماس أقربها للواقع تمهيدا لاصدار حكمه ولا يهمه ان يلتقي ما ينتهي إليه مع ما لديه من مسبقات فقهية، وربما عمد الى تصحيح آرائه السابقة على ضوء ما ينتهي إليه. فوائد الفقه المقارن: ومن هذه المقارنة بينهما تتضح فوائد الفقه المقارن وأهمها: أ - محاولة البلوغ الى واقع الفقه الاسلامي من أيسر طرقه وأسلمها وهي لا تتضح عادة إلا بعد عرض مختلف وجهات النظر فيها وتقييمها على أساس موضوعي. ب - العمل على تطوير الدراسات الفقهية والاصولية والاستفادة من نتائج التلاقح الفكري في أوسع نطاق لتحقيق هذا الهدف. ج - ثماره في إشاعة الروح الرياضية بين الباحثين ومحاولة القضاء على مختلف النزعات العاطفية وابعادها عن مجالات البحث العلمي. د - تقريب شقة الخلاف بين المسلمين والحد من تأثير العوامل المفرقة التي كان من أهمها وأقواها جهل علماء بعض المذاهب بأسس وركائز البعض الآخر مما ترك المجال مفتوحا أمام تسرب الدعوات المغرضة في تشويه مفاهيم بعضهم والتقول عليهم بما لا يؤمنون به. موضوعه: ويراد بالموضوع هنا ما يبحث في العلم عن عوارضه على اختلافها من ذاتية وغريبة وانما وسعنا في تعريف الموضوع ولم نقصره على خصوص

[ 15 ]

عوارضه الذاتية كما صنع القدماء ولم نأخذ بوجهة نظر صاحب الكفاية من تعميمه الذاتي الى ما لم تكن فيه واسطة عروضية (1) لعلمنا أن هذا التضييق على التقديرين معا لا يفي بواقع موضوعات المسائل لاي علم من العلوم ولا يسلم من إشكالات عدم الاطراد والانعكاس. وموضوعنا في الفقه المقارن - وهو الذي يجمع موضوعات مسائله - هو: آراء المجتهدين في المسائل الفقهية من حيث تقييمها والموازنة بينها وترجيح بعضها على بعض. وانما قيدنا الموضوع بآراء المجتهدين لنبعد من طريقنا آراء المقلدة الذين لا يعكسون سوى الصدى لمراجعهم في التقليد ونقتصر في بحوثنا هذه على ذوي الاصالة في الرأي من المراجع أنفسهم سواء كانوا أئمة مذاهب أم غيرهم من الاعلام ومن تحديدنا لموضوعه يتضح: الفرق بينه وبين علم الفقه: فموضوع علم الفقه - فيما نرى - هو نفس الاحكام الشرعية أو الوظائف العملية من حيث التماسها من أدلتها وهذا موضوعه آراء المجتهدين فيها من حيث الموازنة والتقييم ومن هذا الاختلاف في طبيعة الموضوع نشأ بينهما فارق منهجي فالفقيه غير ملزم بعرض الآراء الاخرى ومناقشتها وانما يكتفي بعرض أدلته الخاصة التي التمس منها الحكم بخلاف المقارن والخلافي فهما ملزمان باستعراض مختلف الآراء والادلة وإعطاء الرأي فيها فالفارق بينهما اذن فارق جذري وإن تشابها في طبيعة البحوث.


(1) كفاية الاصول ص 3 ج 1 ويريد بالواسطة العروضية الواسطة التي يتقوم بها العرض حقيقة وينسب الى ذي الواسطة تجوزا كنسبة البياض الى مجموع الجسم مع تقومه بالواسطة حقيقة وهو السطح واكثر محمولات مسائل العلوم من هذا القبيل لتقومها بموضوعاتها الخاصة حقيقة ونسبتها الى القدر الجامع بين الموضوعات نسبة تجوزية. (*)

[ 16 ]

أصول المقارنة: ونريد بها هنا الركائز التي يجب ان يتوفر على إعدادها وتمثلها الباحث المقارن ليصح له اقتحام هذه المجالات والخوض في مختلف مباحثها وأهمها: أ - الموضوعية: ونقصد منها هنا ان يكون المقارن مهيأ من وجهة نفسية للتحلل من تأثير رواسبه، والخضوع لما تدعو إليه الحجة عند المقارنة سواء وافق ما تدعو إليه ما يملكه من مسبقات أم خالفها ! وهذا لا يتأتى عادة للباحثين إذا لم يمروا بدور معاناة طويلة للتجربة في أمثال هذه المجالات على ان يضع نفسه بعد هذه المعاناة موضع اختبار ليرى مدى قدرته على الانسجام مع واقع هذه التجربة وذلك بتعريض بعض مسبقاته لنتائج تجربته كأن ينظر مدى استطاعته وقدرته على الايمان بحقيقة كان يؤمن بخلافها لمجرد أن طبيعة البحث العلمي ساقته إلى نتائجها وبخاصة إذا كانت تمس بعض الجوانب العقيدية أو العاطفية من نفسه ثم ينظر مدى قوته على مواجهة الرأي العام المؤمن بخلافها بإعلان هذه الحقيقة أمامه. فإذا كان بهذا المستوى من القدرة على التحكم بعواطفه وتغليب جانب العقل عليها كان أهلا لان يخوض الحديث في أمثال هذه الميادين. ب - معرفة أسباب الاختلاف بين الفقهاء: وهي من أهم الاسس التي يجب ان يرتكز عليها المقارن وربما كانت أهمها على الاطلاق ان لم تكن المقارنة منحصرة في مجالاتها الخاصة كما سيتضح فيما بعد.

[ 17 ]

ولقد ألفت كتب في تعدادها وشرحها أمثال كتاب (أسباب اختلاف الفقهاء) لعلي الخفيف، و (الانصاف) للبطليموسي الاندلسي وغيرهما. وقد أوجز ابن رشد في مقدمة كتابه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) هذه الاسباب وحصرها في ستة: (أحدها: تردد الالفاظ بين هذه الطرق الاربع أعني بين ان يكون اللفظ عاما يراد به الخاص أو خاصا يراد به العام أو خاصا يراد به الخاص أو يكون له دليل خطاب أو لا يكون). (والثاني: الاشتراك الذي في الالفاظ وذلك اما في اللفظ المفرد كلفظ القرء الذي ينطلق على الاطهار وعلى الحيض وكذلك لفظ الامر هل يحمل على الوجوب أو على الندب ولفظ النهي هل يحمل على التحريم أو الكراهية، واما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى: (إلا الذين تابوا) فانه يحتمل ان يعود على الفاسق فقط ويحتمل ان يعود على الفاسق والشاهد فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف). (والثالث: اختلاف الاعراب). (والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز التي هي إما الحذف وإما الزيادة وإما التأخير وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة). (والخامس: إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة مثل اطلاق الرقبة في العتق تارة وتقييدها بالايمان تارة). (والسادس: التعارض في الشيئين في جميع أصناف الالفاظ التي يتلقى منها الشرع الاحكام بعضها مع بعض وكذلك التعارض الذي يأتي في

[ 18 ]

الافعال، أو في الاقرارات أو تعارض القياسات أنفسها، أو التعارض الذي يتركب من هذه الاصناف الثلاثة أعني معارضة القول للفعل أو للاقرار أو للقياس ومعارضة الفعل للاقرار أو للقياس ومعارضة الاقرار للقياس (1)). ولكن هذه الاسباب التي اقتبسها غير واحد من الباحثين المتأخرين وركزوا عليها لم تستوف مناشئ الاختلاف من جهة ولم تعرض إلى جذورها الاساسية من جهة اخرى وكلما عرضته منها أسباب تتصل بالاختلاف في تنقيح الصغريات لحجية الظهور - أعني ظهور الكتاب والسنة - أو لحجية القياس، وكأن الكبريات ليس فيها مجال لاخذ ورد مع أن الخلاف فيما يتصل بالكبريات مما لا يمكن تجاهله. فالانسب ان يستوعب الحديث في الاسباب إلى ما يتسع لهما معا، وهذا ما يدعونا إلى ان نقسمها إلى قسمين: 1 - الخلاف في الاصول والمباني العامة التي يعتمدونها في استنباطهم، كالخلاف في حجية أصالة الظهور الكتابي، أو الاجماع، أو القياس، أو الاستصحاب، أو غيرها من المباني مما يقع موقع الكبرى من قياس الاستنباط. 2 - اختلافهم في مدى انطباق هذه الكبريات على صغرياتها بعد اتفاقهم على الكبرى سواء كان منشأ الاختلاف اختلافا في الضوابط التي تعطى لتشخيص الصغريات بوجهة عامة أم ادعاء وجود قرائن خاصة لها مدخلية في التشخيص لدى بعض وإنكارها لدى آخرين كأن يستفيد أحدهم من آية الوضوء مثلا - بعد اتفاقهم على حجية الكتاب - ان التحديد فيها انما هو تحديد لطبيعة الغسل وبيان لكيفيته فيفتى تبعا لذلك


(1) ص 5 - 6 / ج 1 من بداية المجتهد ونهاية المقتصد. (*)

[ 19 ]

بالوضوء المنكوس بينما يستفيد الآخرون انه تحديد للمغسول وليس فيه أية دلالة على بيان كيفية الغسل أي أنه لم يكن في مقام البيان من هذه الجهة فلا بد من التماس بيان الكيفية من الرجوع إلى الادلة الاخرى كالوضوءات البيانية وغيرها. وفي هذا القسم تنتظم جميع تلكم المناشئ التي ذكرها ابن رشد ونظائرها مما لم يتعرض له كمباحث المفاهيم والمشتقات ومعاني الحروف وما يشخص صغريات حجية العقل كباب الملازمات العقلية بما فيه من بحوث مقدمة الواجب واجتماع الامر والنهي والاجزاء واقتضاء الامر بالشئ، على النهي عن ضده وغيرها من المباحث المهمة. ج - ان يكون على درجة من الخبرة بأصول الاحتجاج، ومعرفة مفاهيم الحجج، وأدلتها، ومواقع تقديم بعضها على بعض، ليصح له الخوض في مجالات الموازنة بين الآراء وتقديم أقربها إلى الحجية وأقواها دليلا يقول ابن خلدون - وهو يتحدث عن (الخلافي) - ووظيفته بالطبع وظيفة المقارن من حيث الاساس -: (ولا بد لصاحبه - يعني علم الخلاف - من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الاحكام كما يحتاج إليها المجتهد لان المجتهد يحتاج إليها للاستنباط وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من ان يهدمها المخالف بأدلته (1)). وإذا كان الخلافي يحتاج إلى الاجتهاد لحفظ مسائله والدفاع عنها فان المقارن أكثر احتياجا إليها بعد ان وفرنا له صفة القضاء والحكومة بين الآراء ومن شأن القاضي ان يحيط بحيثيات الحكم والاسس التي يرتكز عليها لدى الموازنة تمهيدا لاصدار حكمه النهائي في الموضوع.


(1) المقدمة ص 457. (*)

[ 20 ]

الحاجة إلى مدخل لدراسة الفقه المقارن ومن هنا يتضح مدى احتياجنا - متى أردنا لانفسنا الموضوعية كمقارنين - إلى مدخل لدراسة الفقه المقارن يتكفل لنا بعرض الاسس التي سوف نرتكز عليها في مقام الموازنة والتقييم أي ان نبحث الاصول والمباني العامة التي كان يرتكز عليها المجتهدون في استنباطهم للاحكام على أساس من المقارنة. والا فان من الظلم ان نفترض لانفسنا أراء مسبقة فيها ثم نحاول ان نجعلها منطلقا للمقارنة واصدار الحكم على أساسها من دون ان نعمد على التعرف على وجهات نظر الآخرين فيها وربما كان الحق في جانبهم في الكثير منها. وفي اعتقادي ان الحديث عن هذه الاسس والمباني - كمدخل لدراسة الفقه المقارن - ضرورة تقتضيها طبيعة المقارنة بل لا تكون المقارنة الا من خلال ما ينتهي إليه المقارن منها. أما الحديث عن القسم الثاني فلست أرى ضرورة التوسع فيه هنا - وان كنا سنشير إلى المهم من مباحثه - لعدم وجود وحدة قياسية يمكن الرجوع إليها في مختلف المسائل وان جعلت لها ضوابط في كثير من كتب الاصول التقليدية والسر في ذلك أن أكثرها مما يعود إلى تشخيص الظهور للادلة اللفظية وفي أكثرها تتحكم القرائن الخاصة التي لا يمكن ضبطها بقاعدة على ان الخلاف فيما جعل لها من الضوابط نادر جدا وهو مما لا يستحق ان يطال فيه الحديث. وعلى هذا فان مدخل هذه الدراسة سوف يتمخض لدراسة الاصول والمباني العامة أو قل ما يصلح ان يقع كبرى لقياس الاستنباط مع الاشارة إلى قسم من تلك الضوابط التي تصلح ان تكون مرجعا للمجتهد عند الشك في تشخيص احدى الصغريات وإطالة الكلام في بعضها تبعا لحدود ما وقع فيها من اختلاف.

[ 21 ]

بحوث تمهيدية (2) اصول الاحتجاج أسس الاحتجاج ومصادره، تعداد القضايا الاولية والمسلمة، شكلية الخلاف فيها، الحجة عند اللغويين، الحجة عند المناطقة، الحجة عند الاصوليين، الحجة الذاتية، الحجة المجعولة، العلم مقوم للحجية، منهجنا في أصول الاحتجاج.

[ 23 ]

(1) ذكرنا في التمهيد الاول أن من أصول المقارنة وركائزها الاساسية ان يحيط المقارن بأصول الاحتجاج. ومن أصول الاحتجاج وأولياته ان يتعرف المقارن أو غيره ممن يريد الموازنة والحكم في أية قضية كانت على القضايا الاولية، والقضايا المسلمة لدى كل من يريد الاحتجاج عليهم، ليكون في الانتهاء إلى هذه الاوليات أو المسلمات فصلا في القول وإلزاما في الحجة، ومع عدم التعرف عليها لا يمكن الفصل في أية مسألة لاصرار كل من الفريقين على وجهة نظره الخاصة، وكل قضية لا تنتهي إلى هذه الاوليات أو المسلمات تبقى معلقة ويتحول الحديث فيها من عالم الموازنة والتقييم إلى عالم تأريخ المباني والتعرف على وجهات النظر فحسب كما هو الشأن في عالم الاستظهارات ودعاوى الانصراف والتبادر المختلف فيها. وقد يكون من نافلة القول أن نؤكد على أن فقهاء المسلمين وفلاسفتهم على الاطلاق يعتبرون هذه القضايا الاساسية لكل احتجاج من البديهيات أو المسلمات، وهي القضايا التي يتمثل بها: 1 - مبدأ العلية والمعلولية بما فيها من امتناع تقدم المعلول على العلة وتأخرها عنه أو مساواتها له في الرتبة ثم امتناع تخلفه عنها فحيثما توجد العلة التامة يوجد المعلول حتما. 2 - مبدأ استحالة التناقض اجتماعا وارتفاعا مع توفر شرائط الاتحاد

[ 24 ]

والاختلاف فيه (1). 3 - مبدأ استحالة اجتماع الملكة وعدمها وارتفاعهما مع توفر قابلية المحل. 4 - مبدأ امتناع اجتماع الضدين. 5 - مبدأ استحالة الدور. 6 - مبدأ استحالة الخلف. 7 - مبدأ استحالة التسلسل في العلل والمعلولات. لذلك لا نرى أية ضرورة للدخول في تفصيل القول في هذه القضايا وما يشبهها ما دمنا نعتقد أن الجميع يؤمنون بها وربما شاركهم فيها فلاسفة العالم على الاطلاق وان ظهر من بعضهم خلاف ذلك نتيجة عدم تحديد المصطلحات وتوحيد نقطة النزاع فيها، وإلا فلست أظن أن عاقلا من العقلاء يؤمن بإمكان اجتماع النقيضين مع توفر شرائط التناقض في الاتحاد والاختلاف وهؤلاء الذين يدعون الايمان بإمكان اجتماعهما لا يصورون الاجتماع إلا مع فقد بعض هذه الوحدات كالقائلين بنسبية الاشياء حيث يفقدون في أمثلتهم اما شرط الزمان أو المكان أو الاضافة وفي بعض أمثلتهم خلط بين جمع النقيض إلى النقيض واجتماع النقيضين حيث لم يحسنوا التفرقة بينهما (2) كما لم يحسنوا التفرقة بين الضد والنقيض. واذن يكون النزاع بينهم وبين غيرهم حول هذه النقطة بالذات نزاعا


(1) يشترط الفلاسفة في امتناع اجتماع أو ارتفاع النقيضين اجتماع وحدات عشر هي الموضوع، المحمول، الزمان، المكان، الرتبة، الشرط، الاضافة، الجزء والكل، القوة والفعل، الحمل، كما اشترطوا ضرورة الاختلاف في ثلاثة هي: الكم والكيف والجهة ومع تخلف احدى هذه الوحدات أو عدم توفر الاختلاف في واحد من هذه الثلاث لا يمنع العقل من امكان الاجتماع أو الارتفاع. (2) اقرأ ما كتبه الماركسيون حول صراع المتناقضات وما كتبه النسبيون حول امكان اجتماع النقيضين على أساس من نظريتهم النسبية مع ان صدق النظرية النسبية لا تبطل استحالة اجتماع النقيضين لفقد شرط الاضافة فيها كما هو واضح. (*)

[ 25 ]

شكليا لا يعتمد على وحدة يحوم من حولها الطرفان. على أن الذي يهمنا هنا هو إيمان الاطراف المتنازعة في المسائل الفقهية بهذه القضايا وهذا ما لا موضع لخلاف فيه كما يتضح من عرض كلماتهم الآتية في مختلف ما نطرقه من مواضيع حتى أن الغزالي وهو ممن عرف بإنكار السببية الطبيعية في الفلسفة لم يعمم إنكارها إلى الفقه وأصوله وانما بنى عليها كثيرا من المسائل المهمة في القياس وغيره وسنرى بعد حين مدى إيمانه بذلك. وإذا صح هذا عدنا إلى تحديد مفهوم كلمة الحجة لنجعل منها منطلقنا إلى تمييز ما يصلح للاحتجاج به من الاصول والمباني العامة من غيره محاولين ان نلتمس مختلف وجهات النظر في ذلك على أساس من التقييم والموازنة. (2) تعريف الحجة: والذي يبدو من تتبع موارد استعمال هذه الكلمة لدى الاصوليين وغيرهم ان لهم فيها اصطلاحات متعددة تختلف باختلاف زاوية المصطلح فاللغويون يطلقونها على كل ما يصح الاحتجاج به أفاد علما بمدلوله أم لم يفد شريطة ان يكون مسلما لدى المحتج عليه ليكون ملزما به يقول الازهري (الحجة الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة (1)) ولا يتم الظفر - بالطبع - الا مع اعتراف الخصم والتزامه بما قامت عليه وانما سميت - فيما يقول الازهري - (حجة لانها تحج اي تقصد لان القصد لها وإليها (2)) والمرء عادة لا يقصد إلى الشئ الا إذا وجد فيه ضالته والضالة التي ينشدها العقلاء من وراء


(1 و 2) لسان العرب مادة حجج. (*)

[ 26 ]

قصدهم إلى الحجة الشرعية عادة هو التماس المعذرية، أو المنجزية وهما من اللوازم العقلية التي لا تنفك عن مفهوم الحجة بحال كما ان من لوازمها صحة نسبة مدلول ما يحتج به إلى من يحتج عليه بعد فرض التزامه به. ولتحديد المراد من هذه اللوازم نخصها بشئ من الحديث. أ - المعذرية: تطلق المعذرية هنا ويراد بها حكم العقل بلزوم قبول اعتذار الانسان إذا عمل على وفق الحجة الملزمة وأخطأ الواقع وليس للآمر معاقبته على ذلك ما دام قد اعتمد على ما أقامه له من الطرق وألزمه بالسير على وفقها أو كان ملزما بحكم العقل بالسير عليها كما هو الشأن من الحجج الذاتية، فالمشرع الذي يجعل الطريق إلى قوانينه (جريدة الدولة الرسمية) مثلا لا يسوغ له ان يعاقب مواطنيه إذا اعتمدوا عليها في سلوكهم وتبين فيها الخطأ في النقل بسبب من الطباعة أو غيرها ولو قدر له ان يعاقب لكان عرضة لكثير من اللوم والتقريع من قبل العقل ولكان أيسر ما يقال له كيف تعاقبه على السير على وفق ما ألزمته بالسير عليه أليس هذا هو الظلم بعينه ؟ ! ب - ا لمنجزية: ويريدون بها اعتبار ما تقوم عليه الحجة من الامور الموصلة إلى واقع ما تقوم عليه بحيث يسوغ للمشرع ان يعاقب إذا قدر لها اصابة الواقع مع تخلف المكلف عنها فليس للمواطن مثلا إذا بلغ - بواسطة الجريدة الرسمية - بنفاذ قانون ما ان يتخلف عن امتثاله بدعوى عدم حصول العلم بمدلوله لاحتمال الخطأ أو الاشتباه في الطريق ومن حق الدولة ان

[ 27 ]

تعاقب وتعتبر عدم الاخذ بما في الجريدة تمردا وعصيانا ولا يجديه اعتذاره بان هذه الطريق لم تفدني العلم ما دام عالما بجعلها طريقا من قبل دولته أو مشرعه ومن هنا صح احتجاج المولى عليه والزامه بنتائج تمرده. ج - صحة الاخبار بمدلول الحجة: ويتفرع على هذا صحة الاخبار عن مؤدى ما قامت عليه الحجة ونسبته لمن صدرت عنه لان صحة الاخبار وليد اعتبار الطريق موصلة إلى مؤداها. فالمسلم مثلا من حقه ان ينسب إلى الاسلام تبنيه وجوب الوضوء على الكيفية الفلانية وحجته في ذلك ظواهر القرآن بعد قيام الدليل القطعي على حجية الظواهر وان لم تفد قطعا بمدلولها، والحجة بهذا المعنى شاملة للعلم ولكل ما ينهى إليه من حيث صحة الاحتجاج واثبات لوازمه سواء كان أمارة أم أصلا كما سيتضح ذلك فيما بعد. الحجة عند المناطقة: ولكن الحجة عند علماء الميزان لا يراد بها ذلك على اطلاقه بل يريدون منها (الوسط الذي به يحتج لثبوت الاكبر للاصغر من نحو علقه وربط ثبوتي بنحو العلية والمعلولية أو التلازم (1)). وربما أطلقت على مجموع قضايا القياس مقدمات ونتيجة وهي هنا - بهذا المعنى الذي تبناه علماء الميزان - لا يصح اطلاقها على القطع لان القطع معلول لها وناشئ عنها فهو متأخر عنها رتبة ولا يسوغ أخذ المتأخر في المتقدم للزوم الخلف أو الدور. والقياس الذي يؤخذ في كبراه القطع الطريقي لا يمكن أن يكون منتجا دائما لكذب هذه الكبرى بداهة فقولنا هذا معلوم الخمرية وكل


(1) نهاية الافكار ج 3 ص 20 تقريرات آغا ضياء العراقي. (*)

[ 28 ]

معلوم الخمرية خمر يجب الاجتناب عنه فمعلوم الخمرية يجب الاجتناب عنه قياس غير منتج لان قولنا وكل معلوم الخمرية خمر كاذبة (إذ معلوم الخمرية يمكن أن يكون خمرا ويمكن ان لا يكون، ووجوب الاجتناب لم يترثب على معلوم الخمرية بل على الخمر الواقعي لان الكلام في القطع الطريقي فلا يكون هناك علقة ثبوتية بين العلم وبين الاكبر لا علقة التلازم ولا علقة العلية والمعلولية وما لم يكن علقة لا يصح جعله وسطا فلا يكون حجة باصطلاح المنطقي (1)). الحجة عند الاصوليين: أما الاصوليون فان لهم اصطلاحهم الخاص فيها فهم يطلقونها على خصوص (الادلة الشرعية من الطرق والامارات التي تقع وسطا لاثبات متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي من دون ان يكون بينها وبين المتعلقات علقة ثبوتية بوجه من الوجوه (2)). ومن الواضح عدم الارتباط الواقعي بين نفس الامارة وما تقوم عليه سواء كان موضوعا خارجيا أم حكما شرعيا، أما الموضوع الخارجي فواضح جدا لبداهة عدم الارتباط بين الظن بخمرية شئ وبين الخمر الواقعي لا على نحو العلية والمعلولية ولا على نحو التلازم لان الظن بخمرية ماء مثلا لا يكون علة في تحويل ذلك الماء إلى خمر واقعي كما أنه لا تلازم واقعا بين هذا الظن وثبوت مؤداه، واما في الاحكام فأمرها أوضح لان الاحكام انما ترد على موضوعاتها الواقعية لا على ما قام عليه الظن إلا على قسم من مباني القائلين بالتصويب وسيأتي الكلام فيها في موضعه، والظن لا يزيد على كونه واسطة في أثبات متعلقه لا ثبوته.


(1) فوائد الاصول ج 3 ص 4. (2) المصدر السابق ص 4. (*)

[ 29 ]

والظاهر ان منشأ اطلاق كلمة الحجة على القياس عند المناطقة وعلى الطرق الشرعية والامارات عند الاصوليين هو كونهما من صغريات ما يصح الاحتجاج به عقلا وقد ضيقوها تبعا لحاجتهم في الاصطلاح. فالحجية اللغوية اذن أوسع نطاقا منها عند المناطقة والاصوليين لصدقها - بحكم ما يتبادر منها على كل ما يصح الاحتجاج به علما كان أو امارة أو أصلا - شريطة أن تتوفر فيه جنبة اعتراف الشارع به وتبنيه من قبله - باعتباره مشرعا أو سيدا للعقلاء -. وإننا إذ نستعمل كلمة الحجة فيما يأتي من بحوث فإنما نريد بها معناها اللغوي بما له من السعة لانه هو الذي يتصل بصميم بحوثنا القادمة ما لم ننص على تقييدها بأحد المصطلحات وبهذا ستكون كلمة الحجة شاملة للعلم والامارة وغيرهما مما يصح الاحتجاج به. (3) وإطلاق كلمة الحجة على العلم يختلف عن اطلاقها على الامارة لان اطلاقها على الاول لا يحتاج إلى توسط شئ واطلاقها على الثاني يحتاج إلى توسط جعل من شارع أو عقل وبهذا صح تقسيمها إلى قسمين ذاتية، ومجعولة. أ - الحجة الذاتية: وهي التي لا تحتاج إلى جعل جاعل وتختص بخصوص (القطع) لانها من اللوازم العقلية له التي يستحيل تخلفها عنه. وتتضح هذه الملازمة إذا علمنا أن (القطع) ليس هو إلا كشفا للواقع وطريقا له وطريقيته من

[ 30 ]

لوازمه الذاتية بل هو في رأي بعض أساتذتنا عين الطريق لان القطع لديه ليس هو إلا انكشافا ورؤية للمقطوع (ومن الواضح ان ثبوت الشئ لنفسه ضروري والماهية هي هي بنفسها فلا معنى لتوهم جعل الطريقية (1) لها. وإذا ثبت أن العلم عين الطريق أو أن الطريقية من لوازمه الذاتية على الاقل كان ثبوت الحجية له من اللوازم العقلية القهرية وليس وراء الرؤية الكاملة للشئ ما يلزم بصحة الاحتجاج بما كشفت عنه. ومن هنا ندرك سر التزامهم بعد امكان تصرف الشارع في طريقية العلم أو في حجيته لان الشارع انما يملك التصرف في خصوص مخلوقاته ومجعولاته كمشرع ولا يملك أكثر من ذلك وهما بعد اتضاح كون أحدهما ذاتيا والآخر من اللوازم العقلية القهرية ليسا من مجعولاته كمشرع وإن دخلا تحت قبضته كخالق ومكون، بمعنى أنه قادر على اعمال إرادته التكوينية في إزالة القطع عن القاطع فتزول معه طريقيته وحجيته من باب السالبة بانتفاء الموضوع. أما مع وجود القطع وقيامه في نفس القاطع فرفع طريقيته أو رفع حجيته مما ينهي به إلى الخلف لبداهة أن رفع الذاتيات أو رفع لوازمها العقلية يستلزم رفع نفس الشئ وهو ينافي فرض بقائه من وجهة تكوينية فالزوجية لما كانت من لوازم العدد المزدوج كالاربعة استحال نفيها عن الاربعة تشريعا وإذا استحال النفي التشريعي استحال الاثبات كذلك لانتهائه إلى تحصيل الحاصل وهو بديهي الاستحالة. على ان مثل هذا التصرف الشرعي لو فرض امكانه من تلكم الجهة لثبتت


(1) دراسات الاستاذ الخوئي ص 5. (*)

[ 31 ]

الاستحالة له من جهات أخرى واهمها: 1 - لزوم التناقض إما واقعا واما بنظر القاطع لان التصرف الشرعي بطريقية القطع ينهي إلى ان يكون ما قطع به من الوجوب مثلا غير واجب عليه ومعنى ذلك اجتماع الوجوب وعدمه وان صادف قطعه الواقع وان لم يصادفه لزم اجتماعهما في نظره لقطعه بوجود الوجوب واقعا وعدم وجوده واجتماع القطعين بالنفي والاثبات بالنسبة لشئ واحد محال. 2 - على ان اثبات حجية مثل هذا التصرف بالطريقية أو الحجية - لو أمكن - فهو مما يحتاج إلى دليل فان كان غير القطع احتجنا إلى دليل على حجيته أيضا والدليل الثالث على الحجية ان كان غير قطعي احتجنا إلى دليل وهكذا إلى ما لا نهاية له يقول شيخنا النائني: (طريقية كل شئ لا بد وان تنتهي إلى العلم وطريقية العلم لا بد وان تكون ذاتية له لان كل ما بالغير لا بد وان ينتهي إلى ما بالذات والا لزم التسلسل (1)) ومن هنا كان علينا ان نفترض وحدة ينتهي عندها التماس الحجج المجعولة لنقطع السلسلة عن الاستمرار وتكون هذه الوحدة مصدرا لجميع الحجج وليست هذه الوحدة بالبداهة غير العلم، فالعلم اذن هو مصدر الحجج واليه تنتهي وكلما لا ينتهي إليه لا يصح الاحتجاج به ولا يكون قاطعا للعذر. وما دام العلم ذاتيا في طريقيته وعقليا في حجيته والشارع ليس له التصرف فيه رفعا أو وضعا فانه ليس له التصرف أيضا بشئ من أسبابه فليس له ان يقول ان القطع حجة إذا جاء من السبب الفلاني وليس بحجة إذا جاء من سبب غيره كما نسب إلى الاخباريين ذلك حيث منعوا حجية القطع إذا كانت أسبابه عقلية لانتهاء مثل هذا التصرف إلى التصرف في


(1) فوائد الاصول ج / 3 ص 3. (*)

[ 32 ]

نفس القطع من حيث طريقيته أو حجيته وقد قلنا ان هذا التصرف غير ممكن عقلا للاسباب السابقة. وكما استحال تصرف الشارع بالنسبة إلى الاسباب استحال تصرفه بالنسبة إلى الاشخاص - كأن يقول ان قطع القطاع ليس بحجة - أو بالنسبة إلى الازمان أو المتعلقات كما نسب ذلك إلى البعض لانتهاء كل ذلك إلى التصرف بنفس القطع وهو مستحيل كما مر. ب - الحجة المجعولة: وهي التي لا تنهض بنفسها في مقام الاحتجاج بل تحتاج إلى من يسندها من شارع أو عقل. وهي انما تتعلق فيما عدا العلم من الامارات والاصول احرازية أو غير احرازية أي فيما ثبتت له الطريقية الناقصة التي لا تكشف عن الواقع الا في حدود ما، أو لم تثبت له لعدم كشفه عنه. وانما احتجنا إلى من يسندها من شارع أو عقل لعدم توفر الطريقية الذاتية لها لنقصان في كشفها إذا كانت امارة أو اصلا إحرازيا على قول أو لعدم توفر الطريقية لها إذا كانت اصلا غير احرازي. ومتى انعدمت الطريقية الذاتية انعدم لازمها العقلي وهو صحة الاحتجاج بمضمونها بما له من المعذرية والمنجزية وغيرهما من اللوازم ولاثبات تمامية الكشف للامارة لا بد ان نحتاج إلى من يتبنى تتميم كشفها من شارع أو عقل أي نحتاج إلى القطع بإمضاء الشارع لها إذا كان تتميمها قائما لدى العرف أو جعلها من قبله ابتداء بناء على ما هو الصحيح من امكان جعل الطريقية للطرق والامارات أو نحتاج إلى من يجعل الحجية لها بناء على القول الآخر. أما الاصول فاحتياجها إلى سند قطعي يصحح الاحتجاج

[ 33 ]

بها من أوضح الامور ما دامت لا تملك شيئا من الكشف عن الواقع، نعم ما كان فيها شئ من الكشف كالاستصحاب وقاعدة الفراغ فحسابه لدى البعض ملحق بالامارة. ووجه الحاجة إلى القطع بوجود من يسندها طريقية أو حجية هو قطع سلسلة العلل لما سبق ان قلنا: ان كل ما كانت حجيته بالغير لا بد وان ينتهي إلى ما بالذات وإلا لزم التسلسل. ومع كون الامارات أو الاصول لا تملك الحجية الذاتية بداهة، فهي محتاجة إلى الانتهاء إلى ما يملكها، وليس هناك غير القطع بجعل الحجية لها من قبل من بيده أمر وضعها ورفعها. ولذلك، اعتبرنا ان كل حجة لا تنتهي إلى القطع لا تصلح للاحتجاج بها، وتسميتها حجة من باب التسامح في التعبير. وأظننا - بهذا المقدار من العرض - لا نحتاج بعد إلى التماس أدلة على نفي الحجية عن كل ما هو غير قطعي بأمثال قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم (1)). وقوله تعالى: (ان الظن لا يغني من الحق شيئا (2)). وقوله عزوجل: (آلله أذن لكم أم على الله تفترون (3) ؟). وأمثالها من الآيات المرشدة إلى ذلك الحكم العقلي والمؤكدة له. والذي يبدو لي أن المسألة - بهذه الحدود - موضع اتفاق بين العقلاء، فضلا عن المسلمين، وان لم تصرح به جميع كلماتهم، ودليل اتفاقهم أنهم عندما يريدون أن يؤصلوا أصلا، أو يكتشفوا قاعدة، لا يكتفون بالعمل بمقتضى مؤداها بل يلتمسون لها قبل ذلك سندا قطعيا


(1) الاسراء / 36. (2) يونس / 35. (3) يونس / 59. (*)

[ 34 ]

من شرع أو عقل تحقيقا للجزم بالمعذرية والمنجزية. وربما تناقشوا في إفادة الدليل للمؤدى، وناقشوا بثبوت الجعل الشرعي له، وقالوا: ان الدليل لا يفيد القطع بذلك مما يكشف عن أن القطع هو أساس جميع الحجج عندهم، يقول الشاطبي - وهو يتحدث عن بعض الادلة غير العلمية -: (ان المعنى المناسب الذي يربط به الحكم الشرعي إذا شهد الشرع في قبوله لا خلاف في صحته وإعماله، وان شهد الشرع برده كان لا سبيل إلى قبوله، ويكون الحكم الذي يربط به ويقوم عليه لا سبيل إلى قبوله (1)). ويقول الخضري من المتأخرين: (أما الاصولية ككون الاجماع والقياس وخبر الواحد حجة، فهذه مسائل أدلتها قطعية (2))، وقال غيرهما نظير هذا القول مما يكاد يكون صريحا بعدم أخذهم بالدليل ما لم تلتمس له الحجية من الشارع أو العقل الموجبة للقطع بلزوم اتباعها، وسيأتي ما يؤيد ذلك عندما نعرض أدلتهم على الامارات والاصول ومناقشاتهم لهذه الادلة. نعم هناك ما يشعر بخلاف ذلك من كلماتهم وبخاصة ما ورد منها في تعريف الاجتهاد، أمثال تعريف الآمدي له (باستفراغ الوسع في طلب الظن بشئ من الاحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه (3)). واستدراكهم على من أخذ العلم بالاحكام في تعريفه بأن أكثر الاحكام مما قام عليها دليل ظني، وأن بعض مقدمات القياس المنطقي إذا كانت ظنية كانت النتيجة تبعا لذلك ظنية، لان النتائج تتبع أخس المقدمات


(1) الاسلام ومشكلاتنا المعاصرة، ص 26 نقلا عنه. (2) أصول الفقه، ص 366. (3) الاحكام، ج 3 ص 139. (*)

[ 35 ]

إلى أمثال ذلك من المناقشات. وأظن أن هذه المناقشات لا تنافي ما استظهرناه من اطباقهم على اعتبار القطع في كل حجة، والخلاف بينهم هنا أقرب إلى الخلاف الشكلي. فالقائلون باعتبار العلم بالاحكام في تعريف الاجتهاد لا يريدون به العلم بالاحكام الواقعية، وانما يريدون به العلم بالحكم الفعلي وهو أعم من كونه واقعيا أو ظاهريا. والقائلون باعتبار الظن لا يريدون به الظن بالحكم الفعلي، وإنما أرادوا به الظن بالحكم الواقعي مع قيام الدليل القطعي على اعتباره. وعلى هذا فالقطع في الحجية لا ينافي الظن بالحكم الواقعي، ولا شك بأن الشارع بعد تبنيه لحجية خبر الواحد مثلا، وقيام الدليل القطعي عليه، فانه ينجز ما قام عليه من الاحكام عند من قام لديه، ويلتمس المعذرية له لو خالف الحكم الواقعي باتباعه له. ومن هنا يتضح معنى قولهم: إن العلم مقوم للحجية وان الشك في الحجية كاف للقطع بعدمها، لان الشاك في الحجية قاطع بعدم المعذرية والمؤمنية، لو سلك هذه الطريق المشكوكة وكانت لله عليه الحجة البالغة لو ساء له على أي شئ ارتكزت في سلوكك هذا وخالفت واقع ما أمرت به، وكيف نسبت الي مع عدم تأكدك مضمون ما شككت بحجيته، آلله أذن لكم أم على الله تفترون. (4) وبهذا فقد تحدد موقفنا مما سنعرضه من المباني العامة والقواعد الاصولية،

[ 36 ]

أو ما سنعرضه من المسائل الفقهية في هذا المدخل وغيره من كتبنا اللاحقة انشاء الله تعالى. فالقطع بالحجية اذن هو أساس جميع الادلة، وعلى ركائزه تقوم دعائم الموازنة، والتقييم، وإصدار الحكم، فكل دليل أنهى إلى القطع بمؤداه، أو قام دليل قطعي على جعل الطريقية أو جعل الحجية له فهو الملزم للجميع، وكل ما لا يكون كذلك فهو ليس بدليل. ولا يكون القطع ملزما للجميع حتى ينتهي الحديث فيه إلى إحدى تلك القضايا الاولية، أو المسلمة لدى الطرفين. والبراعة في الاحتجاج والالزام، انما تكون بمقدار ما يملك صاحبها من إيصال إلى هذه القضايا وانهاء إليها. ومع عدم الانتهاء إلى ملزم منها فإن المسألة تتحول إلى مسألة مبنائية لا مجال فيها لفصل أو تقييم، ويترك لكل من الطرفين حق اختياره لما يشاء وبخاصة إذا ادعى لنفسه القطع وهو حجة لا تتجاوز نفس القاطع ومن كان ملزما بالرجوع إليه. وعلى هذا الضوء، نرجو ان نوفق إلى بحث وتحديد مسائل أصول الفقه المقارن الذي عقد هذا المدخل لدراستها دراسة مفصلة، فنعرض إلى أصل أصل، ونستعرض آراء الاعلام فيه على اختلاف وجهات نظرهم، ثم نحاول تقييمها على أساس ما قدمناه من أصول الموازنة والتقييم، ومن الله تعالى نستمد العون والتوفيق.

[ 37 ]

بحوث تمهيدية (3) أصول الفقه المقارن تعريفه، الفروق بينه وبين القواعد الفقهية، الفروق بينه وبين أصول الفقه، موضوعه، الغاية منه، الفارق بينه وبين أصول القانون.

[ 39 ]

(1) وقبل ان نبدأ هذه الدراسة، فإن علينا ان نحدد مدلول مفردات هذا التركيب الاضافي (أصول، الفقه، المقارن) ليسهل الانطلاق من هذا التحديد إلى التماس تعريفه تعريفا مستوفيا للشرائط المنطقية من حيث الاطراد والانعكاس. فماذا يراد بهذه الكلمات ؟ 1 - كلمة أصول: وهي جمع، مفردها أصل، ومعناها اللغوي: ما يرتكز عليه الشئ ويبنى وفي المصطلحات الفقهية والاصولية ذكروا لها معاني وصل بها بعضهم إلى خمسة: 1 - ما يقابل الفرع، فيقال مثلا في باب القياس: الخمر أصل النبيذ، أي ان حكم النبيذ مستفاد من حكم الخمر. 2 - ما يدل على الرجحان، فيقال: الحقيقة أصل المجاز، أي إذا تردد الامر بين حمل كلام على الحقيقة وحمله على المجاز، كان الحمل على الحقيقة أرجح. 3 - الدليل، أي الكاشف عن الشئ والمرشد له. 4 - القاعدة، أي الركيزة التي يرتكز عليها الشئ كقوله صلى الله عليه وآله بني الاسلام على خمسة أصول، أي على خمس قواعد. 5 - ما يجعل لتشخيص بعض الاحكام الظاهرية أو الوظيفة كالاستصحاب أو أصل البراءة.

[ 40 ]

ولصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود رأي وهو أنها لم تستعمل هنا إلا (بمعناها اللغوي الحقيقي دون نقله إلى استعمال آخر، إذ مخالفة الاصل لا يصار إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة هنا لان المعنى مستقيم، واللفظ في الحقيقة وإن كان يشمل البناء الحسي والعقلي، إلا أن إضافة الاصل للفقه الذي هو عقلي صرفته عن الابتناء الحسي، وقصرته على البناء العقلي (1)). وما يراه صدر الشريعة، لا يخلو عن وجه، والظاهر أن هذه المعاني وإن تعددت في بدو النظر في اصطلاح الفقهاء، إلا أن رجوعها إلى المعنى اللغوي غير بعيد، ومنشأ التعدد في ألسنتهم اختلاط المفهوم بالمصداق على الكثير مما حملهم على دعوى الاشتراك اللفظي بينها. وإذا كان ولا بد من دعوى التعدد في مفهومها فالذي نراه أعلق بالمفهوم الذي نريد تحديده للعنوان هو كلمة القواعد، كما سنشير إلى وجه ذلك فيما بعد. 2 - كلمة الفقه: ولكلمة الفقه أيضا مدلولان: لغوي واصطلاحي، فمدلولها اللغوي الفهم والفطنة، ولها في الاصطلاح عدة تعاريف رأينا الانسب منها بعد تكميل بعضها ببعض، فيما يتصل بعنواننا هي: مجموع الاحكام الشرعية الفرعية الكلية أو الوظائف المجعولة من قبل الشارع، أو العقل عند عدمها. وإذا ضممنا هذين المعنين إلى ما سبق أن حددناه من كلمة المقارن، اتضح لنا ما نريد من التعريف لعنوان كتابنا هذا.


(1) مباحثات الحكم عند الاصوليين، ص 9. (*)

[ 41 ]

تعريف أصول الفقه المقارن: فهو: القواعد التي يرتكز عليها قياس استنباط الفقهاء للاحكام الشرعية الفرعية الكلية، أو الوظائف المجعولة من قبل الشارع أو العقل عند اليأس من تحصيلها من حيث الموازنة والتقييم. وبالطبع لا نريد بالقواعد هنا غير الكبريات التي لو انضمت إليها صغرياتها لانتجت ذلك الحكم أو الوظيفة، لان الكبرى هي التي تصلح ان تكون قاعدة لقياس الاستنباط، وعليها تبني نتائجه. وبهذا ندرك أن تعريف شيخنا النائني للمسائل الاصولية بأنها (عبارة عن الكبريات التي تقع في طريق استنباط الاحكام الشرعية (1)) من أسد التعريفات لولا احتياجه إلى كلمة (الفرعية الكلية) إخراجا للكبريات التي لا تنتج إلا أحكاما جزئية كبعض القواعد الفقهية وضميمة الوظائف إليه، ليستوعب التعريف مختلف المسائل المعروضة لدى الفقهاء، وستأتي التفرقة بين الحكم والوظيفة في تمهيدنا اللاحق. وتلاؤم هذا التعريف مع ما يتبادر من كلمة أصل بمفهومها اللغوي من أوضح الامور. فأصول الفقه اذن أسسه التي يرتكز عليها وتبنى عليها مسائله على اختلافها. إطلاق كلمة الادلة والحجج عليها: وربما أطلق على هذه القواعد كلمة أدلة باعتبار ما يلزم أقيستها من الدلالة على الاحكام أو الوظائف - بحكم كونها واسطة في الاثبات - كما يطلق عليها كلمة، حجج باعتبار صحة الاحتجاج بها بعد توفر شرائط


(1) فوائد الاصول، ج 4 ص 107. (*)

[ 42 ]

الحجية لها، وإطلاق هذه الكلمات عليها بما لها من حدود لا تخلو من تجوز. ما يقع موقع الصغرى ليس من الاصول: وإذا صح ما ذكر من أن ما يصلح ان يسمى (أصلا) للفقه هو خصوص الكبرى المنتجة لانها هي التي تصلح للارتكاز عليها كقاعدة لبناء الاستنباط، اتضح السر في عدم تعميمنا في التعريف إلى ما يشمل الصغريات، سواء ما وقع منها في مجالات استكشاف المراد من النص كمباحث الالفاظ أم غيرها كمباحث الملازمات العقلية، لوضوح كونها ليست من الاصول التي يرتكز عليها البناء وان توقف عليها انتاج القياس واعطاؤه الثمرة العملية. وأظن أن الاعلام الذين وسعوا في التعريف إلى ما يشملها فأبدلوا كلمة الكبريات بكلمة (ما يقع في طرق الاستنباط) أو ما يشبهها، كان همهم في الدرجة الاولى وضع تعريف لما اعتادوا تسميته بالاصول، فوقعوا في مفارقات عدم انعكاس تعريفهم لوقوع كثير مما اتفقوا على تسميته بالمبادئ في صميم علم الاصول لاشتراكها في الكثير من الاحيان في تنقيح الصغريات لقياس الاستنباط كعلوم اللغة والنحو والبلاغة، بالاضافة إلى خروجهم على ما توحي به هذه الكلمة من دلالة. والحق الذي نعتقده ان بحث ما يتصل بمباحث الالفاظ وغيرها مما يلابس قياس الاستنباط مما اعتادوا بحثه في علم الاصول وان كان على درجة من الضرورة لاغفال بحثه على هذا المستوى في مظانه من الكتب الاخرى، إلا أن تسميته بالاصول لا يتضح لها وجه. فالانسب اعتبارها من المبادئ وبحثها على هذا الاساس مع تقليص

[ 43 ]

بحثها إلى ما تمس الحاجة إليه من حيث تشخيص دلالاتها اللغوية، واقصاء كل ما لا يمت إلى واقعها اللغوي من البحوث الفلسفية وغيرها. (2) الفرق بين القواعد الاصولية والفقهية والذي إخاله ان تقييدنا للحكم الشرعي بكلمة (كلي) في التعريف السابق سهل علينا الانطلاق إلى التمييز بين القواعد الفقهية والاصولية. وهذه المسألة - أعني التفرقة بينهما - من أعقد ما بحث في مجالها، ولم تفصح فيها كثير من كلماتهم وان حامت حول ما نريد بيانه أكثرها - فيما نعتقد - وأهم ما ينبغي التنبيه عليه من الفروق ثلاثة وهي: أ - كون القاعدة الاصولية لا تنتج إلا حكما كليا أو وظيفة كذلك بخلاف القاعدة الفقهية، فان انتاجها منحصر على الدوام في الاحكام والوظائف الجزئية التي تتصل اتصالا مباشرا بعمل العامل. ب - إن القاعدة الاصولية لا يتوقف استنتاجها والتعرف عليها على قاعدة فقهية بخلاف العكس، لان القواعد الفقهية جميعا انما هي وليدة قياس لا تكون كبراه إلا قاعدة أصولية. ج - ان القاعدة الاصولية لا تتصل بعمل العامي مباشرة ولا يهمه معرفتها لان إعمالها ليس من وظائفه وانما هو من وظائف مجتهده، ولذلك لا نجد أي معنى لالقائها إليه في مجالات الفتوى، بخلاف القاعدة الفقهية فإنها هي التي تتصل به اتصالا مباشرا وهي التي تشخص له وظيفته، فهو ملزم بالتعرف عليها لاستنباط حكمه منها بعد أخذها من مجتهده.

[ 44 ]

ولعل هذا هو مراد شيخنا النائني، وان لم توضحه بعض تقريرات بحثه، فلا يرد على تفرقته هذه ما ذكر (من أن بعض القواعد الفقهية لا يمكن القاؤها إلى العامي ولا يستطيع معرفتها فضلا عن تطبيقها) وذلك كقاعدة ما لا يضمن، أو التسامح في أدلة السنن، أو قاعدة لا ضرر ولا حرج بداهة ان المكلف عاجز عن تطبيق هذه القواعد على مواردها (1)). لان عجز العامي عن معرفة هذه القواعد بنفسه لا يرفع عنه مسؤولية فهمها والاستعانة بمن يوضحها له لتعلقها بصميم عمله، وليس من وظيفة المجتهد ان يعدد جميع مصاديق هذه القواعد ليمهد للعامي جهة الانتفاع بها فيما لو ابتلي ببعضها وإلا لضاق به نطاق الزمان عن استيعابها جميعا، على أنا نشك ان العامي - وبخاصة من قارب درجة الاجتهاد ولم يجتهد بعد - عاجز عن تطبيقها متى حددت له جهتها الفقهية، وأبرزت له معالمها، وترك له أمر التماس موضوعاتها وتطبيقها على نفسه. ولعل أهم ما يمكن أن تؤاخذ به التفرقة الاولى - وهي العمدة في الفروق - ما شوهد من انتاج بعضها للنتائج الفقهية والاصولية معا مما يبعث على الحيرة في التماس مقياس موحد للتفرقة بينهما، فقد لوحظ مثلا على الاستصحاب واصل الطهارة انهما ينتجان أحيانا الحكم الكلي، واحيانا الاحكام الجزئية، وبمقتضى ذلك لا يمكن عدهما من المسائل الاصولية ولا الفقهية بذلك المقياس، وهذا ما حمل البعض على عدم الاخذ به واللجوء إلى التماس مقاييس أخرى. ولكننا لا نجد في هذه المؤاخذة ما يوجب طرح هذا المقياس، وليس هناك ما يمنع من اشتراك الموضوع الواحد بين علمين وأكثر إذا


(1) مصابيح الاصول ج / 1 ص 13. (*)

[ 45 ]

تعددت فيه الحيثيات بتعدد العلوم. فالاستصحاب من حيث إنتاجه للحكم الكلي يكون موضوع مسألة أصولية، ومن حيث انتاجه للحكم الجزئي يكون موضوع مسألة فقهية، وتعدد الحيثية يعدد الموضوع حتما، وكذلك القول في أصل الطهارة وغيرها من الموضوعات المشتركة بين مسائل الفقه والاصول. أما لماذا بحثت بعض هذه الموضوعات في الاصول ولم تبحث في الفقه أو بالعكس، فالذي احتمله أن قدماء الاصوليين - وهم الذين برمجوا لنا هذه العلوم - لاحظوا الغلبة في نوع انتاج هذه القواعد، فقسموا بحوثها على هذا الاساس، ولهذا السبب بحثوا أصل الطهارة في الفقه لغلبة انتاجه للنتائج الجزئية، وبحثوا للاستصحاب في الاصول لغلبة انتاجه للحكم الكلي. وربما كان الباعث لبعضهم بالاضافة إلى ذلك، ما يرون في بعضها من تمشيها في مختلف أبواب الفقه وعدم اقتصارها على باب دون باب، فآثر لذلك بحثها في الاصول تسهيلا للباحث وإبعادا له عن تضييع الوقت في التماسها في مختلف المظان، بخلاف البعض الآخر فانه يخص بعض أبواب الفقه دون بعض كأصل الطهارة، إذ من السهولة واليسر التماسه في بابه الخاص من الفقه. وهذه وجهات نظر في البرمجة، قد توافق عليها أصحابها، وقد تختلف معهم، ولكنها على كل حال لا توجب رفع اليد عن المقياس الذي ذكرناه شريطة ان يتقيد بلحاظ الحيثية في هذه المواضيع المشتركة على نحو ما ذكرناه سابقا.

[ 46 ]

(3) الفارق بينه وبين أصول الفقه: هناك فوارق بينه وبين أصول الفقه، يتصل بعضها في منهجة البحث، وسيأتي الحديث عنه في موضعه، وبعضها في سعة كل منها وضيقه بالنسبة إلى طبيعة ما يبحثه، فإذا كان من مهمة الاصولي ان يلتمس ما يصلح ان يكون كبرى لقياس الاستنباط، ثم يلتمس البراهين عليه، فان مهمة القارن في الاصول ان يضم إلى ذلك استعراض آراء الآخرين، ويوازن بينها على أساس من القرب من الادلة والبعد عنها، وما عدا ذلك فطبيعة مسائلهما متحدة كما يدل على ذلك تقارب تعريفيهما وان اختلفا في الغاية من كل منهما، لان الغاية من علم الاصول تحصيل القدرة على استنباط الاحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. الغاية من أصول الفقه المقارن: بينما نرى أن الغاية من أصول الفقه المقارن هي الفصل بين آراء المجتهدين بتقديم أمثلها وأقربها إلى الدليلية، وربما كانت رتبة الاصولي المقارن متأخرة عن رتبة الباحث في الاصول، لان الفصل بين الآراء لا يكون إلا بعد تحصيل القدرة على معرفة الامثل من الادلة، وهي لا تكون إلا للمجتهدين عادة في الاصول. موضوع أصول الفقه المقارن: هو: كل ما يصلح للدليلية من أدلته، وحصره إنما يكون بالاستقراء والتتبع، ولا معنى لتخصيصه بالادلة الاربعة لا بما هي أدلة كما ذهب

[ 47 ]

إلى ذلك المحقق القمي، ولا بما هي هي كما ذهب إليه صاحب الفصول ليرد عليهما خروج كثير من المباحث الاصولية، أمثال الاستصحاب والقياس وخبر الواحد لبداهة أنها ليست من الكتاب أو السنة أو الاجماع، أو دليل العقل وان كانت أدلة حجيتها مما ترجع إليها. وهما - أعني أصولي الفقه والفقه المقارن - متشابهان في تمام مواضيعهما، وإن اختلفا بقيد الحيثية في كل منهما. والخلاصة: ان في كل منهما مواضع للالتقاء وأخرى للافتراق، فهما يلتقيان في طبيعة مسائلهما وتشابه موضوعاتها، ويفترقان في الغاية من بحثهما وفي منهج البحث، ثم في سعته في أحدهما وضيقه في الآخر. (4) الفارق بينه وبين أصول القوانين: ويتضح هذا الفارق - الذي رأينا ضرورة بحثه في مثل هذا التمهيد لطبيعة ما بينهما من علائق - من تعريفهم لاصول القانون إن صح أن له تعريفا محددا، يقول السنهوري: (ليس هناك علم واضح المعالم بين الحدود يسمى علم أصول القانون ولكن توجد دراسات تبحث في القانون وفي نشأته وتطوره وفي طبيعته ومصادره واقسامه (1)). وفي حدود ما انتهينا إليه من تحديد لكلمة أصل، فان الذي يصلح ان يكون أصلا للقانون مما يتصل بهذه الدراسات هو خصوص مصادر القانون، أما البحث عن القانون وطبيعته واقسامه ونشأته وتطوره،


(1) أصول القانون للدكتور عبد الرزاق السنهوري واحمد حشمت، ص 1 (*)

[ 48 ]

فهو خارج عن صميم الاصول وملحق بمباديه ومداخله لبداهة ان تصور نفس الشئ وطبيعته يعد من المبادئ الضرورية لعلمه، ودراسة نشأته وتطوره هي أقرب إلى التاريخ منها إلى العلم. وكلمة المصادر هنا ذات معناني في أعرافهم لعل أهمها معنيان: 1 - الاصل التاريخي، وهو الذي أخذ القانون الذي يراد دراسته عنه احكامه، فالقانون الفرنسي مثلا، يعتبر أصلا للقوانين المصرية والعراقية في الكثير من موادها. 2 - السلطة التي تعطي القواعد القانونية قوتها الملزمة وتسمى ب‍ (المصدر الرسمي) ولكل قانون مصدر أو مصادر متعددة. و (المصادر الرسمية هي: التشريع، والعرف، والقانون الطبيعي، وقواعد العدالة، واحيانا الدين (1)). (ويتصل بالمصدر الرسمي ما يسمى بالمصدر التفسيري، وهو المرجع الذي يجلو غامض القانون ويوضح مبهمه، والمصادر التفسيرية اثنان: الفقه والقضاء (2)). والتفسير انما يلجأ إليه إذا كان في النص غموض أو تناقض أو نقص، وقد وضعوا للتفسير طرقا قسموها إلى قسمين: داخلية وخارجية، فالداخلية: هي التي يلتمس المفسر من نفس النص معالم تهديه إلى واقع ما يجهله، وأهم طرقها: (القياس، الاستنتاج من باب أولى (مفهوم الموافقة)، والاستنتاج من مفهوم المخالفة، وتقريب النصوص المتعلقة بموضوع واحد بعضها من بعض (3)).


(1 - 2 - 3) أصول القانون للدكتور عبد الرزاق السنهوري وأحمد حشمت، ص 164 وما بعدها. (*)

[ 49 ]

والطرق الخارجية (وهي التي يستند فيها المفسر على عنصر خارجي عن التشريع نفسه، ومن ذلك الاستناد إلى حكمة التشريع والاسترشاد بالاعمال التحضيرية، والاسترشاد بالعادات والرجوع إلى المصدر التاريخي للتشريع (1)). والذي يبدو ان لعلماء القانون مواقف مختلفة من الدعوة إلى إيجاد مصادر إلى جنب القانون يرجع إليها عند نقصه وعدم إستيفائه لحاجات الناس، فالذي عليه الاستاذ بلوندو عميد كلية الحقوق في باريس هو الاخذ بالطريقة التقليدية، وهي التي سادت في القرن الثامن عشر ومبدؤها الحجر على الرجوع إلى غير القانون لعقيدة أصحابها (ان التشريع الرسمي يكفينا وحده للكشف عن جميع الاحكام الحقوقية الضرورية لحاجات الحياة الاجتماعية (2)) وقد (صرح في مذكرته إلى مجمع العلوم الاخلاقية بأن المصدر الوحيد في الوقت الحاضر انما هو القانون) (وعلى هذا فقد أقصى من مصادر الحكم ما سماه بالمصادر غير الصحيحة التي أقيمت غالبا في مقام إرادة الشارع، وقد عدد منها الاجتهادات والمذاهب القديم منها والحديث والعرف الذي لم تدل عليه صراحة القانون، وكذلك حسن العدالة وفكرة المصلحة العامة (3)). ولكن القرن التاسع عشر حفل بطريقة جديدة سميت (بالطريقة العقلية) وأرادوا بها (الاستنجاد بالعقل ليكتشف حلولا وأحكاما للمسائل تكون متناسبة مع فكرة الانصاف والحاجات العملية) ولكن حرصها (على ادخال ما يصدر عنها من حلول وأحكام في نطاق نصوص القانون


(1) أصول القانون للدكتور عبد الرزاق السنهوري وأحمد حشمت، ص 164 وما بعدها. (2 - 3) المدخل إلى علم أصول الفقه ص 332 وما بعدها. (*)

[ 50 ]

بعد توسيع ذلك النطاق وتبيين تلك النصوص (1)) حولها في نظر العلماء إلى امتداد لتلك الطريقة التقليدية واستمرار لها، مما أوجبت الثورة عليها من قبل الاستاذ فرانسوا جيني الذي جاء بطريقة (البحث العلمي الحر) كرد فعل لمفعول تلكم الطريقتين، وتقوم نظريته الحديثة على أساس من: 1 - (القول بأن يترك في نطاق القانون جميع ما يصدر عنه (2)) 2 - و (الاعتراف إلى جانب القانون بمصادر أخرى تمشي موازية له، ويكون لهذه المصادر قيمة حقوقية وإن لم تكن نفس القيمة التي للقانون، وذلك على نحو ما كان عليه الرومان من الاعتراف بالاجتهاد كمصدر من مصادر الحقوق (3)). وفي حدود ما اطلعت عليه أن الكلمة بعد لم تتفق لدى علماء القانون على وضع أصول وقواعد تفي بحاجات الناس، سواء ما يتصل بالطرق التفسيرية الداخلية أم الخارجية (وهذا ما جعل القاضي يفسر القانون حين الاقتضاء تبعا لمواهبه المسلكية وحسب ذمته تحت مراقبة مجلس التمييز، وهو يستوحي ذلك من روح القانون التي أراد الشارع بلوغها، ومن الوثائق التي سبقت وضع القانون وأعدته، ومن هنا يفهم كم هي خطرة هذه السلطة من التفسير (4)). ومن هذا العرض الموجز، ندرك مواقع الالتقاء بين أصول الفقه المقارن وأصول القوانين في اهتمام كل منهما بالجانب التأريخي. فالمقارن في الدرجة الاولى مسؤول عن التماس القواعد العامة التي يستند إليها الفقهاء ليتعرف عليها تمهيدا للموازنة والتقييم، والباحث عن


(1 - 2) المدخل إلى علم أصول الفقه ص 332 وما بعدها. (3) المصدر السابق ص 335. (4) المصدر السابق ص 7 وما بعدها نقلا عن الموسوعة الفرنسية. (*)

[ 51 ]

مصادر القانون لا يهمه أكثر من (استيعاب المبادئ الاساسية التي يقوم عليها القانون (1)) وهما في هذه الجنبة يختلفان عن الباحث في علم الاصول في رأي جمهرة الاصوليين، فهو عندما يبحث المصادر لا يبحثها إلا لتكون مستندا له في استنباط الاحكام، فهو لا يفترض آراء مسبقة في الفقه يريد أن يتعرف على أصولها شأن الباحث المقارن، أو الباحث في أصول القانون، وانما يريد أن يتعرف على أحكامه من هذه الاصول. ويفترق أصول الفقه المقارن عن أصول القوانين في اهتمامه بالجانب التقييمي بالتماس الادلة والحجج، ومحاولة عرض الاصول عليها، والتنبيه على أقربها للحجية، بينما لا يهم الباحث في أصول القوانين شئ من ذلك، ويفترقان بعد ذلك في طبيعة المصادر وسعة الجوانب التفسيرية في أصول الفقه عنها في أصول القوانين، فهما وان اشتركا في بحث بعض مباحث الالفاظ كبعض المفاهيم وبعض مباحث الحجج كالقياس وبحث النسخ والغاء الاحكام السابقة، إلا أن الجنبة الاستيعابية في أصول الفقه أشمل وبخاصة بمفهومه لدى القدماء. والحقيقة أن علم أصول القوانين، ما يزال بحاجة ماسة إلى يد مطورة تستعين على وظيفتها باقتباس بحوث من أصول الفقه، ليقوم بواجبه من تأسيس قواعد عامة تكون هي المرجع في التماس الوظيفة، أو الحكم عند تعذر وفاء النصوص بالحاجة إما لغموض أو تضارب أو عدم تعرض للحكم، أو غيرها من موجبات التوقف عن الاخذ بالقانون، ليقطعوا بذلك السبيل على تحكم القضاة واجتهاداتهم التي لا ترتكز على أساس. والخلاصة: ان علم أصول الفقه المقارن، يلتقي باصول القوانين في


(1) مباحث الحكم عند الاصوليين ص 40. (*)

[ 52 ]

ناحيته التاريخية، وان اختلف عنه من حيث سعة بحوثه وتنوعها واخضاعها للجانب التقييمي، سواء ما يتصل منها بتشخيص الصغريات وهو - ما ذكر استطرادا في علم الاصول - أم ما يتصل منها بتأسيس القواعد الكبروية لقياس الاستنباط.

[ 53 ]

بحوث تمهيدية (4) مباحث الحكم أضواء على تعريف الاصول، تعريف الحكم وتقسيمه، الحكم التكليفي وأقسامه عند غير الاحناف، تقسيمات الوجوب، المندوب وأقسامه، الحرمة وأقسامها، الكراهة، الاباحة، شبهة الكعبي في انكار المباح وجوابها، تقسيم الاحناف للحكم التكليفي، الحكم الوضعي وأقسامه، الوجود من حيث التأصل والانتزاع، الاحكام الوضعية بين الجعل والانتزاع، الصحة والفساد، الرخصة والعزيمة، تقسيم الحكم إلى واقعي أولي وثانوي، تقسيم الحكم إلى واقعي وظاهري، انكار الحكم الظاهري، الفرق بين الحكم والوظيفة، انكار الحكم الشرعي ومناقشته.

[ 55 ]

أضواء على تعريف الاصول: ومن الحق ان نذكر ان تعريفنا السابق لاصول الفقه المقارن قد امتد في جذوره إلى مدرسة النجف الحديثة في علم الاصول فاقتبس منها تعميمه في التعريف إلى ما يشمل الحكم والوظيفة معا خلافا لما وقع على ألسن الاصوليين من القدامى والمحدثين في غير مدرسة النجف من الخلط بين مفهوميهما وطبيعة مصاديقهما. وهذا ما يدعونا إلى ان نفيض في الحديث حول تعريف كل منهما وتحديد أقسامه، وذكر الفروق بينهما مع كل ما يلابس هذا الموضوع. وأظن أن موضع الحديث في ذلك كله هو ما تقتضيه طبيعة التمهيد خلافا لبعض أساتذتنا الذين عرضوا لذكره في بحوث الاستصحاب أو غيرها في الاصول مع أنها أقرب إلى مبادئ علم الاصول منها إلى الدخول في صميم بحوثه لبداهة أنها ليست من عوارض ما اعتبروه موضوعا لعلم الاصول. تعريف الحكم: للفظ الحكم اطلاقان يقابل أحدهما معنى الوظيفة، وسيأتي الحديث عنه، وفي الثاني يعمهما معا وهو موضع حديثنا الآن. وقد ذكروا له تعريفات لعل أنسبها بمدلوله هو: (الاعتبار الشرعي المتعلق بأفعال العباد تعلقا مباشرا أو غير مباشر). وانما فضلنا كلمة (اعتبار) على ما جاء في تعريفه من أنه (خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين (1)) كما نقل ذلك الآمدي عن بعض الاصوليين أو أنه (خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء


(1) مباحث الحكم عند الاصوليين ج / 1 ص 55، والاحكام ج / 1 ص 49. (*)

[ 56 ]

أو التخيير أو الوضع (1) وهو الذي حكاه صاحب سلم الوصول عن الاصوليين، لان كلمة خطاب لا تشمل الحكم في مرحلة الجعل وانما تختص بمراحله المتأخرة من التبليغ والوصول والفعلية لوضوح أنها هي التي تحتاج إلى الخطاب لاداء جعل الشارع واعتباره، فتعميمها إلى جميع مراحله أقرب إلى فنية التعريف من وجهة منطقية. وكلمة الاعتبار تغنينا عن استعراض ما أورد أو يورد من الاشكال على التعريفين السابقين من عدم الاطراد والانعكاس فيهما لعدم شمولهما لقسم من الاحكام الوضعية التي لم يتعلق بها خطاب من الشارع، وانما انتزعت مما ورد فيه الخطاب من الاحكام التكليفية كالجزئية، والشرطية، والسببية، وشمولها لما ورد فيه خطاب يتعلق بأفعال العباد وليس بحكم كقوله تعالى (والله خلقكم وما تعملون (2)) وهذا الاشكال انما يرد على خصوص التعريف الاول لتقييد الخطاب في التعريف الثاني بخصوص الاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وانما عممنا في التعريف إلى التعلق المباشر وغير المباشر بأفعال العباد لنعمم لفظ الحكم إلى جميع ما كان فيه اعتبار شرعي، وان لم يتعلق بالافعال ابتداء، وانما تعلق بها باعتبار ما يستتبعها من الاحكام التكليفية، سواء تعلق بها مباشرة أم بواسطة منشأ انتزاعها كما هو الشأن في الاحكام الوضعية المنتزعة. وقد ذكروا للفظ الحكم - بهذا المعنى - تقسيمات متعددة نستعرضها جميعا نظرا لاهمية الحديث فيها ولكثرة ثمراته العلمية المترتبة عليها وبخاصة في مجالات الابانة والتحديد.


(1) المصدر السابق نفس الصفحة، وسلم الوصول ص 29. (2) الصافات 96. (*)

[ 57 ]

وأول هذه التقسيمات تقسيمه إلى: الحكم التكليفي والحكم الوضعي. 1 - الحكم التكليفي: وأرادوا به (خطاب الشارع المقتضي طلب الفعل من المكلف أو الكف عن الفعل - الترك - أو التخيير بين فعل الشئ وتركه على حد سواء (1)) وفي هذا التعريف عدة مجالات للتأمل. وأولها: في أخذ لفظة الخطاب في تكليف الشارع، وقد سبق الحديث في نظيره عند تعريفنا لكلمة الحكم. ثانيها: اعتباره خطاب الشارع من نوع الطلب مع ان مدلوله لا يتجاوز البعث أو الزجر، كما حققه أعلامنا المتأخرون. ثالثها: تفسير الكف عن الفعل بالترك مع انهما مفهومان متغايران، فالكف من مقولة الافعال لما فيه من صد النفس عن الاتيان بالفعل ومنعها عنه، والترك لا يزيد على عدم الاتيان بالفعل سواء كان عن صد للنفس أم عدم رغبة منها أم غير ذلك من أسباب التروك. رابعها: اعتبار الاباحة (التخيير) قسما من الحكم التكليفي وهو وان كان قد ورد على السنة اكثرهم إلا ان ذلك لا يعرف له وجه لمجافاته لطبيعة التعبير بالتكليف، لان التكليف ما كان فيه كلفة على العباد والاباحة لا كلفة فيها فلا وجه لعدها من أقسامه، ولعل الانسب في ذلك اتباع الآمدي فيما سلكه من تقسيم الحكم الشرعي إلى (ثلاثة أنواع: حكم اقتضائي وهو الذي أرى أنه يرادف كلمة تكليفي وينبغي قصر كلمة تكليفي عليه، وحكم تخييري وهو الخاص بالمباح،... والثالث الحكم الوضعي (2)) اللهم الا ان يكون ذلك مجرد اصطلاح منهم، وليس لنا ان


(1) سلم الوصول، ص 32. (2) مباحث الحكم عن الاصوليين، ج / 1 ص 58 نقلا عنه. (*)

[ 58 ]

نؤاخذهم فيه، وإذا أردنا ان نجاريهم في ذلك فالانسب ان نعرف الحكم التكليفي بما عرفه به بعضهم من أنه (الاعتبار الصادر من المولى من حيث الاقتضاء والتخيير (1) لخلوه عن الاشكالات السابقة عدا أخذ التخيير فيه. اقسام الحكم التكليفي: قسم غير الاحناف الاحكام التكليفية إلى خمسة أقسام: القسم الاول: الوجوب، ويراد به الالزام بالفعل، فيكون معنى الواجب بالطبع (الفعل الذي فرضه الله على العباد ولم يرخص لهم في تركه) أو (الفعل الذي ألزم الشارع بالاتيان به)، على اختلاف في التعبير في مقام تحديده. وهو - أعني الوجوب - انما يستفاد في مقام الاثبات من كل ما يدل عليه بالوضع أو بالقرينة كمادة الوجوب بأية صيغة كانت أو ما يرادفها من الالفاظ، وكبعض الجمل الاسمية التي تقوم معها قرينة على ارادته، والصيغ التي تؤدي إليه هي صيغة افعل وما في معناها وقد اختلفوا في أن دلالتها بالوضع كما هو مدعى من يستدل عليها بالتبادر، وعدم صحة السلب أو بدليل العقل بادعاء انها لا تدل على اكثر من الباعثية نحو الفعل، والعقل يلزم بالانبعاث عن بعث المولى ما لم يأت المرخص من قبله والذي عليه محققو المتأخرين من علماء الاصول هو الثاني، ولا يهمنا تحقيقه الآن ما دام الجميع يؤمنون بدلالة الصيغة على الوجوب مهما كانت أسباب هذه الدلالة وبواعثها. وقد قسموا الوجوب إلى أقسام انطوت عليها تقسيمات متعددة:


(1) مصباح الاصول ص 78. (*)

[ 59 ]

أ - منها تقسيمه إلى العيني والكفائي. الوجوب العيني: وهو الذي يتعلق بجميع المكلفين ولا يسقط عنهم بامتثال البعض، بل لا بد لكل منهم من امتثال مستقل، ومثاله في الشريعة: الصوم والصلاة. الوجوب الكفائي: ويراد به الوجوب الذي يتعلق بجميع المكلفين، ويسقط عنهم بامتثال البعض، وعند ترك الجميع يعاقب الجميع، كتغسيل الميت ودفنه والصلاة عليه. ب - تقسيمه إلى التعييني والتخييري. الوجوب التعييني: ويراد به الوجوب الذي يتعلق بفعل بعينه، ولا يرخص في تركه إلى بدل الوجوب التخييري: وهو الوجوب الذي يتعلق بأحد الشيئين أو الاشياء على البدل على خلاف في تعلقه بالفرد المردد أو القدر الجامع أو في كل منهما مع سقوطه بفعل الآخر (1)، ومثاله وجوب خصال كفارة الافطار العمدي على غير المحرم. ج - تقسيمه إلى الموقت وغير الموقت. الوجوب الموقت: وهو ما كان الوقت دخيلا في مصلحته، وله قسمان:


(1) حقائق الاصول ج 1 ص 332، (إقرأ تحقيقه في ذلك). (*)

[ 60 ]

1 - المضيق، وهو ما يكون الزمان المأخوذ فيه بقدر ما يقتضيه من امتثال، كصوم رمضان. 2 الموسع، وهو ما كان زمانه أوسع مما يقتضيه امتثاله، كالصلوات اليومية. الوجوب غير الموقت: وهو الذي لا يكون الزمان دخيلا في مصلحته، وتكون نسبته إلى جميع الازمنة نسبة واحدة، كوجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. د - تقسيمه إلى المطلق والمشروط. الوجوب المطلق: ويراد به الوجوب الذي ينسب إلى شئ ما، فلا يكون له مدخلية في أصل ملاكه، ومثاله وجوب الصلاة بالنسبة إلى الاستطاعة المالية حيث لم يقيد الشارع بها حكمه وجودا أو عدما. وينقسم بلحاظ متعلقه إلى قسمين: منجز ومعلق. 1 - المنجز: وهو ما كان مخلى عن القيد الزماني وجوبا وواجبا، ومثاله الصلاة بعد دخول وقتها. 2 - المعلق: وهو ما كان وجوبه فعليا غير مقيد بالزمان وواجبه استقباليا، ومثاله الصلاة قبل دخول وقتها بناء على ان وقت الظهر قيد للواجب لا لاصل وجوب صلاة الظهر، وهذا التقسيم مما تفرد به صاحب الفصول، وتبعه بعض المتأخرين، ولهم حول إمكان الواجب المعلق وعدمه حديث طويل لا يهم عرضه.

[ 61 ]

الوجوب المقيد: وهو ما قيد بما ينسب إليه من الاشياء لدخوله في أصل ملاكه كالاستطاعة بالنسبة للحج، ويسمى أيضا (الواجب المشروط). ومن هنا يعلم ان الوجوب المطلق والمقيد نسبيان، فقد يكون الوجوب بالنسبة إلى شئ مطلقا وبالنسبة إلى آخر مقيدا ه‍ - تقسيمه إلى التعبدي والتوصلي. 1 - الوجوب التعبدي: وهو ما توقف تحقق ملاكه على الاتيان به بقصد القربة، وأمثلته كل ما انتظم في قسم العبادات من كتب الفقه، كالصوم والصلاة والحج وغيرها. الوجوب التوصلي: وهو ما لم يتوقف تحقق ملاكه على الاتيان به قربيا، كدفن الميت، وتطهير الثوب، والصناعات والحرف التي يتوقف عليها النظام الاجتماعي. و - تقسيمه إلى المحدد وغير المحدد. الوجوب المحدد: ويراد به ما كان متعلقه محددا بأن (عين له الشارع مقدارا معلوما لا تبرأ الذمة إلا بأدائه بمقداره الذي حدده الشارع وعينه، كالصلوات الخمس، وزكوة الاموال، وصوم رمضان (1)). الوجوب غير المحدد: وهو ما لم يحدد الشارع متعلقه وقد مثل له الشاطبي بالعدل، والاحسان،


(1) مباحث الحكم، ج / 1 ص 81. (*)

[ 62 ]

والوفاء، ومواساة ذوي القربى، والمساكين، والفقراء، والاقتصاد في الانفاق (1)، وغيرها، وهي تختلف باختلاف الحاجات والاحوال والازمان. ز - تقسيمه إلى الوجوب النفسي والغيري. الوجوب النفسي: وهو (ما كان واجبا لنفسه لا لواجب آخر (2)) ومثاله وجوب الصلاة وغيرها. الوجوب الغيري: وهو (ما وجب لواجب آخر (3)) كالوضوء بالنسبة للصلاة، وقد اختلفوا في وجود الواجب الغيري والتحقيق عدم الضرورة بالتزام وجوبه الشرعي، وستأتي الاشارة إلى ذلك في مبحث (سد الذرائع وفتحها). وهناك تقسيمات أخر لا نرى ضرورة الاشارة إليها لعدم أهميتها. وهذه التقسيمات تكاد تكون موجودة في جل كتب الاصوليين المعنية ببحث أمثالها، عدا ما نص على التفرد فيه من قبل بعض الاعلام وهي متحدة المفهوم وان اختلفت تحديداتهم لها لضيق في الاداء، وبما أن الدخول في تفصيلاتها غير ذي جدوى لنا فقد آثرت الاشارة إليها بمقدار ما تدعو إليه الحاجة من ايضاح المصطلحات. القسم الثاني: المندوب. ويراد به ما دعا الشارع إلى فعل متعلقه ولم يلزم به، ويدل عليه


(1) مباحث الحكم، ج 1 ص 81. (2) أصول الفقه للمظفر ج / 2 ص 54. (3) أصول الفقه للمظفر ج 2 ص 54. (*)

[ 63 ]

لفظة الندب ومرادفاتها والصيغ الدالة على الوجوب مع اقترانها بما يوجب الترخيص ولو كان من طريق الجمع بين الادلة، وقد ذكروا له اقساما لا ترجع إلى محصل، وأهمها ثلاثة: 1 - ما يكون فعله مكملا للواجبات الدينية، كالاذان بالنسبة للصلاة، وهذا النوع لا يوجب تركه العقاب ولكن يوجب اللوم والعتاب وربما سمى في السنة بعض الاصوليين بالاستحباب المؤكد 2 - ما لا يكون كذلك وفعله النبي (صلى الله عليه وآله) تارة وتركه أخرى، كالتصدق على الفقراء والمساكين. 3 - ما كان استحبابه بالعنوان الثانوي، أي بعنوان الاقتداء بالرسول، كالتأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله) في طريقة أكله أو نومه أو جلوسه مما لم يثبت استحبابه بالذات القسم الثالث: الحرمة. ويراد بها إلزام المكلف بترك شئ، فيكون معنى الفعل المحرم - بالطبع - هو ما ألزم الشارع بتركه ولم يرخص فيه، ويؤدى عادة بمادة الحرمة وما يرادفها بأي صيغة وجدت، والصيغ التي تؤديه صيغة (لا تفعل) على خلاف فيها من حيث كونها موضوعة للحرمة كما هو مقتضى دعوى من يدعي تبادر الحرمة منها، أو ان الحرمة مستفادة بحكم العقل، وهي لا تدل على أكثر من الردع، إلا ان العقل يلزم بالارتداع عن ردع المولى ما لم يأت المرخص من قبله قضاء لحق المولولية. وقد قسموها بلحاظ متعلقها إلى قسمين: 1 - ما تكون حرمته ذاتية، كالزنى والسرقة والقتل بغير الحق وبيع الميتة (وهذا النوع من المحرم يكون باطلا ولا يترتب عليه حكم

[ 64 ]

إذ لا يصلح سببا شرعا ليترتب عليه أحكام، لان التحريم لذات الفعل يوجد خللا في أصل السبب أو في وصفه بفقد ركن أو شرط، فلا يثبت بالزنى نسب (1)) ولا بالسرقة أو بيع الميتة ملك وهكذا، وفي هذا القسم خلط بين نوعين من المحرمات، نوع لم يجعل متعلقه سببا شرعيا أصلا ليقال بامكان ترتب آثاره عليه، كالزنى والسرقة والقتل بغير الحق، ونوع جعل فيه ذلك كبيع الميتة، ومثل هذا القسم ان كان النهي فيه بداعي الارشاد إلى المانعية أو فقد الشرط، لم يترتب مسببه عليه، وان كان للكشف فقط عن المبغوضية (فالمعروف أنه لا يدل على فساد المعاملة إذ لم تثبت المنافاة لا عقلا ولا عرفا بين مبغوضية العقد والتسبيب به وبين امضاء الشارع له بعد ان كان العقد مستوفيا لجميع الشروط المعتبرة فيه، بل ثبت خلافها كحرمة الظهار التي لم تناف ترتب الاثر عليه من الفراق (2)) وقد حررت هذه المسألة في كتب الشيعة في باب النهي عن المعاملة يقتضي الفساد. 2 - ما تكون حرمته لعارض أجنبي عن ذاتها (أي ان حكم العقل في الاصل الوجوب أو الندب أو الاباحة، ولكنه اقترن بأمر خارجي جعله محرما، وذلك مثل الصلاة في أرض مغصوبة، والبيع يوم الجمعة وقت الاذان، وهذا النوع من المحرم يصلح سببا شرعيا، فتترتب عليه اثاره لان التحريم لامر خارج عن الفعل عارض له وليس لذات الفعل، فلا يوجب خللا في أصل السبب ما دامت أركان الفعل وشروطه الشرعية مستوفاة، فالصلاة في أرض مغصوبة صحيحة مجزئة ما دامت مستكملة لاركانها وشروطها الشرعية، ولكن المصلي آثم لانه صلى في أرض مغصوبة (3))


(1) سلم الوصول ص 54. (2) أصول الفقه للمظفر، ج 2 ص 145. (3) سلم الوصول ص 54. (*)

[ 65 ]

وهذه المسألة محررة أيضا في باب استغرق بحثه عشرات الصحف على يد أساتذة مدرسة النجف الحديثة، ويدعى الباب ب‍ (باب اجتماع الامر والنهي) واستعراض كل ما جاء فيه يخرجنا عن طبيعة التمهيد. والمسألة قد تفرض مع الاضطرار تارة وعدمه أخرى، وفي صورة وجود المندوحة من الصلاة في الدار المغصوبة وعدمه، والاجتماع قد يفرض اجتماعا مورديا وأخرى موحدا، ولكل منها حساب فليراجع في كل من حقائق الاصول (1)، وأجود التقديرات (2)، وأصول الفقه (3)، وغيرها. القسم الرابع: الكراهة. وهي ردع الشارع للمكلف عن الاتيان بشئ مع ترخيصه بفعله، فالمكروه على هذا، هو الفعل المردوع عن الاتيان به مع الترخيص، ويسمى (بالنهي التنزيهي)، ويدل عليه من الصيغ ما يدل على الحرمة مع قرينة الترخيص. القسم الخامس: الاباحة. ويراد بها تخيير الشارع المكلفين بين اتيان فعل وتركه دون ترجيح من قبله لاحدهما على الآخر، وليس لها صيغ محدودة بل تؤدى بكل ما يعبر عنها من الصيغ والمواد. وقد اختلفوا في وجود المباح، فالذي عليه جمهرة المسلمين انه موجود، وخالف فيه الكعبي من المعتزلة واتباعه حيث ادعى نفي المباح


(1) للامام الحكيم ج 1 من ص 349 إلى ص 402. (2) لآية الله الخوئي في بحث اجتماع الامر والنهي. (3) للحجة المظفر ج 2 من ص 105 إلى ص 136. (*)

[ 66 ]

بل نفي الاحكام غير الالزامية على الاطلاق، بتقريب: (انه ما من فعل يوصف بكونه مباحا إلا ويتحقق بالتلبس به ترك حرام ما، وترك الحرام واجب، ولا يتم تركه دون التلبس بضد من أضداده، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لما سبق (1)) وقد اعتبر الآمدي هذه المسألة في غاية الاشكال، وترجى ان يكون عند غيره حلها (2). والجواب ان تمامية رأيه موقوفة على تمامية مقدمات: أولاها: ان النهي عن الشئ يقتضي الامر بضده العام. ثانيها: ان الضد العام موقوف وجوده على الاتيان بأحد الاضداد الخاصة فهو مقدمة له. ثالثها: الالتزام بالوجوب المقدمي تبعا لوجوب ذي المقدمة. والجواب عن هذه المقدمات متوقف على ادراك مناشئ التكاليف، فالذي عليه المسلمون ان الاوامر والنواهي وليدتا مصالح ومفاسد، في المتعلقات فالامر لا يكون إلا إذا كانت هناك مصلحة باعثة على الاتيان به، والنهي لا يكون إلا مع وجود مفسدة فيه باعثة على الردع عنه، وان المصلحة والمفسدة من قبيل الضدين الذين لهما ثالث وهو ما لا يكون فيه مصلحة ولا مفسدة، وعليه يتفرع الخطاب الشرعي الذي يفيد الاباحة، فإذا صح هذا، فالقول بأن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده أو ان النهي عن الشئ يقتضي الامر بضده أمر لا ملزم له لجواز ان يكون في النهي عن الشئ مفسدة وليس في تركه مصلحة ملزمة ليؤمر به، فالنهي اذن عن الشئ لا يستلزم الامر بضده، ولنفس السبب نقول: ان الامر بالشئ لا يستلزم الامر بمقدمته، وعلى هذا الاساس انكرنا وجوب المقدمة إذ لا ضرورة للقول به، والقول بأن المتلازمين تلازم العلة والمعلول أو


(1) الاحكام ج 1 ص 64. (2) الاحكام ج 1 ص 64. (*)

[ 67 ]

غيره يجب ان يأخذا حكما متماثلا لا مستند له، لان طبيعة التلازم لا تستدعي أكثر من امتناع جعل الحكمين المتدافعين بأن يكون أحدهما واجبا والآخر محرما لامتناع امتثالهما معا لفرض التلازم، أما ان يكون أحدهما واجبا والآخر مستحبا أو مباحا فلا محذور فيه، ولزوم الاتيان به تبعا لملازمه لزوم عقلي محض لا يستدعي جعل أمر مولوي. والسر فيه ما قلنا من ان تكاليف الشارع انما هي وليدة مصالح ومفاسد، ولا يلزم ان يكون المتلازمان متشابهين في مصالحهما ليتماثلا في الحكم، على ان ترك الضد ليس مقدمة لوجود الضد الآخر لكونه في رتبته، وتوقف أحدهما على الآخر يستدعي تقدم الموقوف عليه على الموقوف رتبة، فلو قلنا بوجوب المقدمة تبعا لذيها، فإنا لا نقول به هنا لعدم المقدمية بين فعل الشئ وترك ضده، نعم هما - أعني الضدين - متمانعان في الوجود. وخلاصة الجواب أولا: انكار دعوى ان النهي عن الشئ يقتضي الامر بضده لجواز ان لا تكون في الضد مصلحة تستدعي مثل ذلك الامر، وثانيا: إنكار ان يكون فعل الضد الخاص مقدمة لترك ضده المحرم لعدم المقدمية بين المتحدين رتبة وما دام احد الضدين في رتبة الآخر، وكل ضد هو في رتبة عدمه، فلا بد ان ينتج ان كل ضد هو في رتبة عدم ضده، وطبيعة المقدمية تستدعي تقدما في الرتبة على ذيها تقدم العلة على المعلول فمع عدم المقدمية تنتفي شبهة وجوب المقدمة المباحة من أصلها، وثالثا: إنكار وجوب المقدمية لو سلمت لنفس السبب الذي ذكرناه من عدم وجود المصلحة الملزمة في المباح. وإذا كان الغرض من الوجوب المقدمي هو جعل الداعي في نفس المكلف لامتثال ذي المقدمة، فإن أمر ذي المقدمة كاف في جعل الداعي

[ 68 ]

لامتثاله إن كان المكلف في مقام إطاعة أوامر مولاه، وإن لم يكن في مقام الاطاعة فالامر بالمقدمة لا يضيف إليه شيئا أصلا، فالشبهة الكعبية اذن شبهة لا تستند على أساس متين. رأي الاحناف في تقسيم الاحكام التكليفية: ذكرنا رأي المسلمين ما عدا الاحناف في تقسيم الحكم التكليفي، أما الاحناف فقد قسموها إلى ثمانية أقسام هي: الفرض، الواجب، الحرمة، السنة المؤكدة، السنة غير المؤكدة، كراهة التحريم، الكراهة التنزيهية، الاباحة، وأرادوا بالفرض الطلب الالزامي الذي قام عليه دليل قطعي، وبالواجب الطلب الالزامي الذي قام عليه دليل ظني، وبالسنة المؤكدة ما واظب على فعله الرسول من الطلب غير الالزامي، وبالسنة غير المؤكدة ما لم يواظب عليه منها، ووافقوا غيرهم في مفهوم الحرمة. أما كراهة التحريم، فقد أرادوا منها ما كان طلب الترك شديدا، فهو أقرب إلى الحرمة بخلاف النهي التنزيهي (1)، وفي الاباحة وافقوا الجميع في مفهومها. وهذا - فيما يبدو - تطويل في التقسيم لا طائل تحته، وثمراته التي ذكروها لا تبرره، ولعلنا سنتحدث عنها في مواضعها من بحوثنا الفقهية، فالانسب الاقتصار على تقسيم جمهور الاصوليين للاحكام التكليفية. الحكم الوضعي: وقد عرف بتعاريف لعل أسدها (الاعتبار الشرعي الذي لا يتضمن الاقتضاء والتخيير) وقد اختلفوا في عد الاحكام الوضعية، فقيل


(1) مباحث الحكم عند الاصوليين، ج / 1 ص 63 وما بعدها. (*)

[ 69 ]

ثلاثة وهي: السببية، والشرطية، والمانعية، وقيل خمسة، بزيادة العلة والعلامة، وقيل تسعة، بزيادة الصحة، والفساد، والرخصة، والعزيمة. والحق انه لا موجب لتحديدها بعدد مخصوص، بل يقتضي شمولها لكل ما انطبق عليه هذا التعريف، على ان انطباق عنوان الحكم الوضعي على بعضها لا يخلو من تأمل لعدم إمكان تصور الجعل والاعتبار بنوعيه بالنسبة لبعضها وإمكان إلحاق بعض آخر منها بالاحكام التكليفية، وسيتضح الامر فيها بعد عرض خلافهم في نوع الجعل والاعتبار بالنسبة للاحكام الوضعية، وهل هو بالاصالة أو التبع، ولاهمية هذا البحث وما يترتب عليه من ثمرات فقهية نعرض له بشئ من الحديث. الاحكام الوضعية مجعولة أو منتزعة: اختلف الاصوليون في كون الاحكام الوضعية مجعولة ابتداء أو منتزعة من الاحكام التكليفية، أي مجعولة تبعا لها. والتحقيق ان حالها مختلف، فبعضها مجعولة وبعضها منتزعة. ولايضاح كلمة (منتزع) ورفع ما وقع من الالتباس لدى بعض الاعلام في مجال التفرقة بين الامور الانتزاعية والامور الاعتبارية نقول: إن الشئ الثابت المتصف بالوجود على ثلاثة أنواع: 1 - ما يكون وجوده متأصلا في ظرفه المكاني، كالجواهر والاعراض. 2 - ما يكون وجوده متأصلا في عالم الاعتبار بحيث إذا تجرد عن اعتبار المعتبر لا يبقى له وجود، كالقيمة النقدية للدنانير والدراهم المسكوكة، فإنها لا وجود لها في غير عالم الاعتبار.

[ 70 ]

3 - ما يكون وجوده بوجود منشأ انتزاعه وليس له وجود وراء ذلك وهذا على قسمين: قسم يقع منشأ انتزاعه في عالم الواقع، ومثاله: الفوقية والتحتية والبنوة والابوة، إذ لا وجود لهذه الامور إلا بوجود الاب والابن، والفوق والتحت، والثاني يقع منشأ انتزاعه في عالم الاعتبار كالسببية والشرطية المنتزعة من بعض القيود التي أخذها الشارع في تكاليفه وأحكامه، وذلك مثل سببية الدلوك لصلاة الظهر، والعقد بالنسبة إلى تحقق الملكية به. وعلى هذا فالفارق بين الامور الاعتبارية والامور الانتزاعية فارق جذري، لان الامور الاعتبارية لها تأصل في الوجود في عالمها بخلاف الامور الانتزاعية إذ لا وجود لها إلا بوجود منشأ انتزاعها، وهي مجعولة في الامور الاعتبارية تبعا لها. والخلاف بعد ذلك واقع في ان الاحكام الوضعية متأصلة في الجعل، أو أنها تابعة للاحكام التكليفية ومنتزعة منها. والظاهر أن بعضها متأصل بالجعل كالملكية والزوجية، وليست هي منتزعة من الاحكام المترتبة عليها، كحلية التصرف وجواز التمتع بالزوجة - كما ذهب إلى ذلك بعض الاعلام - لوضوح انها متأخرة في الرتبة عنها تأخر الحكم عن موضوعه، ومن المستحيل انتزاع المتقدم من المتأخر للزوم الخلف أو الدور. وبعضها منتزع منها كالسببية، والشرطية، والعلية (1)، والمانعية، بالنسبة إلى التكاليف المقيدة بوجود شئ فيها أو في متعلقاتها، فمن تعلقها بوجود الشئ ننتزع السببية أو العلية أو الشرطية على اختلاف في كيفية التعلق، ومن تقييدها بعدمه ننتزع المانعية له.


(1) سيأتي في باب القياس تحديد المراد من هذه المصطلحات تفصيلا فراجعه. (*)

[ 71 ]

وإذا صح كونها من الامور المنتزعة، فإن اعتبارها بالطبع يكون تبعا لاعتبار منشأ انتزاعها وليس له وجود مستقل. ولقد أنكر صاحب الكفاية كون الشرطية أو المانعية أو السببية بالنسبة إلى التكليف قابلة للجعل التشريعي، لكونها مجعولة بالجعل التكويني تبعا لجعل موضوعها. وفيما ذكره (خلط بين الجعل والمجعول، فإن ما ذكره صحيح بالنسبة إلى أسباب الجعل وشروطها من المصالح، والمفاسد، والارادة، والكراهة، والميل، والشوق، فأنها أمور واقعية باعثة لجعل المولى التكليف مبادئ له، وليست قابلة للجعل التشريعي لكونها من الامور الخارجية التي لا يعقل تعلق الجعل التشريعي بها بل ربما تكون غير اختيارية كالميل، والشوق، والمصلحة، والمفسدة مثلا وهي خارجة عن محل الكلام، فإن الكلام في الشرطية والسببية والمانعية بالنسبة إلى المجعول وهو التكليف، وقد ذكرنا أنها مجعولة بتبع التكليف، فكلما اعتبر وجوده في الموضوع فننتزع منه السببية والشرطية، وكلما اعتبر عدمه فيه فننتزع منه المانعية (1)) ومن هذا الحديث يتضح أن اعتبار: الصحة والفساد: من الاحكام الوضعية غير صحيح على اطلاقه، لان الصحة على قسمين: صحة واقعية، ويراد بها مطابقة المأتي به للمأمور به واقعا، ويقابلها الفساد، ومثل هذه الصحة تابعة لواقعها، والجعل لا يتناول الامور الواقعية، وكذلك الفساد، أما القسم الثاني وهو الصحة الظاهرية،


(1) مصباح الاصول، ص 81. (*)

[ 72 ]

كالحكم بصحة الصلاة بعد الفراغ منها عند الشك فيها استنادا إلى قاعدة الفراغ فهي التي تكون قابلة للجعل والاعتبار، وكذلك الحكم بالفساد ظاهرا عند الشك في الصلاة الثنائية مثلا. وما يقال عن الصحة والفساد الواقعيين من إنكار كونهما حكمين وضعيين يقال عن: العزيمة والرخصة: ولكن لا من حيثية واقعيتهما بل من حيث كونهما راجعين إلى الاحكام التكليفية كما يتضح ذلك من معناهما المحدد لهما عند الاصوليين. فلقد عرف غير واحد العزيمة بما يرجع إلى (ما شرعه الله أصالة من الاحكام العامة التي لا تختص بحال دون حال ولا بمكلف دون مكلف (1)) وفي مقابلها الرخصة وهي (ما شرعه الله من الاحكام تخفيفا على المكلف في حالات خاصة تقتضي هذا التخفيف (2)). ورجوعهما بهذين التعريفين إلى الاحكام التكليفية من أوضح الامور، فليست العزيمة إلا الحكم المجعول للشئ بعنوانه الاولي، وليست الرخصة الا جعل الاباحة للشئ بعنوانه الثانوي، وهما لا يخرجان عن تعريف الاحكام التكليفية بحال. وأمثلة العزيمة التي ذكروها هي: ما ألزم به الشارع من الصوم، والصلاة، والحج، وترك شرب الخمر، وأكل الميتة وهكذا، ومثلوا للرخصة بما أحل لاجل الاضطرار والاكراه، كأكل لحم الميتة، وشرب الخمر، وغيرهما من العناوين الثانوية. والذي يبدو ان لفظتي: الرخصة والعزيمة، وردتا على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)


(1) علم أصول الفقه لخلاف ص 138. (2) علم أصول الفقه لخلاف، ص 138، وقريب منه ما ذكره الآمدي في الاحكام، ج / 1 ص 68 وغيره. (*)

[ 73 ]

ففي نهاية ابن الاثير (وحديث ابن مسعود أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه (1))، فمن هذا الحديث وتفسيرات الاصوليين والفقهاء لهما بما سبق، لا يتضح منشأ لتفسير العزيمة (بسقوط الامر بجميع مراتبه أو سقوط التكليف رأسا) وتفسير الرخصة (بسقوطه ببعض مراتبه، كما ورد ذلك في بعض التحديدات (2)، لوضوح أنه لا معنى للتعبير بأنه يجب ان تؤتى عزائمه) إذا كان معنى العزيمة سقوط الامر بجميع مراتبه لكون (الاتيان به استنادا إلى المولى تشريعا محرما (3)) كما يصرح بذلك المحدد نفسه، اللهم ان يتعدد فيها الاصطلاح باختلاف المصطلحين من الفقهاء، وتحديد العزيمة والرخصة بهذا المعنى يشبه إلى حد بعيد تقسيمهم للحكم إلى واقع أولي وواقع ثانوي مع اختلاف في بعض الخصوصيات. 1 - الحكم الواقعي الاولي: ويراد به الحكم المجعول للشئ أولا وبالذات، أي بلا لحاظ ما يطرأ عليه من العوارض الاخر، كأكثر الاحكام الواقعية تكليفية ووضعية. 2 - الحكم الواقعي الثانوي: وقد أريد به ما يجعل للشئ من الاحكام بلحاظ ما يطرأ عليه من عناوين خاصة تقتضي تغيير حكمه الاولي، فشرب الماء مثلا مباح بعنوانه الاولي، ولكنه بعنوان انقاذ الحياة يكون واجبا، والصناعات التي يتوقف عليها نظام الحياة واجبة على نحو الكفاية، ولكنها مع الانحصار بشخص أو


(1) مادة عزم ج / 3 ص 93. (2) مصباح الاصول ص 86 وما بعدها. (3) مصباح الاصول ص 86 وما بعدها. (*)

[ 74 ]

فئة خاصة، تكون واجبة عينا إن صح أن الوجوبين مختلفان بالسنخ وهكذا. وما اكثر الاحكام الاولية التي يتبدل واقعها لطرو عناوين ثانوية عليها فالواجب ربما تحول إلى حرام، والحرام إلى مباح، والمباح إلى مستحب وهكذا... ومن هنا تتضح مرونة الاحكام الاسلامية وتمشيها مع الظروف والاحوال، ولذلك حديث خاص سيأتي في موضعه من أدلة القياس، ان شاء الله تعالى. ومن هنا يعلم ان الحكم الواقعي الثانوي أعم من الرخصة بالمعنى السابق لاختصاصها باباحة الواجب أو الحرام وشمول الواقعي الثانوي إلى تبدل الحكم إلى غيره حسبما تقتضيه البواعث الثانوية من إباحة، أو حرمة، أو وجوب، أو رفع حكم وضعي وهكذا، كما أن العزيمة مختصة بالاحكام الالزامية الاولية حسبما توحي به لفظتها (العزيمة) من الالزام وان وسعوا في تعريفها (إلى كل ما شرعه الله أصالة). تقسيم الحكم إلى واقعي وظاهري: ولهم في كل من الكلمتين - الحكم الواقعي، الحكم الظاهري - اصطلاحان، يراد من الحكم الواقعي في الاول منهما: الحكم المجعول من قبل الشارع للشئ بعنوانه الاولي أو الثانوي، والمدلول عليه بالادلة القطعية أو الادلة الاجتهادية كالامارات والطرق الظنية التي قام على اعتبارها دليل قطعي، ويقابله الحكم الظاهري، أي الحكم المستفاد من الادلة (الفقاهتية) المأخوذ في موضوعها الشك، كالحكم المأخوذ من الاستصحاب أو البراءة أو غيرهما، ويراد من الحكم الواقعي في الاصطلاح الثاني الحكم المجعول من قبل الشارع والذي دلت عليه الادلة القطعية، ويقابله الحكم

[ 75 ]

الظاهري، وهو ما كان مدلولا للادلة غير القطعية امارة كانت أم أصلا. وقد اختلفوا في وجود الحكم الظاهري بالمعنيين معا في مقابل الحكم الواقعي. والذي عليه أكثر الباحثين من الاصوليين وجود جعلين واقعيين متعلقين بأفعال المكلفين أحدهما في طول الآخر، أطلق على الاول منهما كلمة الحكم الواقعي، وعلى الآخر وهو الذي جعل في حال الشك أو أخذ في موضوعه الشك كلمة الحكم الظاهري. وقد أوردت عليهم عدة اشكالات ترجع في أسسها إلى امتناع الجمع بينهما للزوم التضاد أو اجتماع المثلين أو التصويب. بتقريب ان ما يسمى بالحكم الظاهري ان فرض مع وجوده الحكم الواقعي وكان على وفقه لزم اجتماع المثلين، أو كان على خلافه لزم اجتماع الضدين، وان فرض ارتفاع الحكم الواقعي عند قيامه لزم القول بالتصويب وهو ممتنع على مبنى المخطئة وهم جمهور المسلمين اليوم، وسيأتي تحقيقة. وقد كانت لهم محاولات في دفع هذا الاشكال لا يخلو أكثرها من مؤاخذة (1)، ولعل أبعدها عن المؤاخذات ما ذكره بعض أساتذتنا من أن الاحكام لما كانت من سنخ الامور الاعتبارية - والاعتبار خفيف المؤنة - فلا مضادة بين اعتبارين ذاتا وانما يقع التضاد بينهما عرضا، أما لتضاد مبادئهما أو لتضاد فيما ينتهيان إليه، أما من حيث المبادئ فلا تضاد بينهما هنا لما أفاده في الكفاية (من ان الاحكام الظاهرية ناشئة عن مصالح في جعلها، والاحكام الواقعية ناشئة عن المصلحة في متعلقاتها سواء كانت راجعة إلى المكلف - بالكسر - فيما أمكن ذلك أو إلى المكلف - بالفتح - كما في


(1) تراجع مفصله في كل من رسائل الشيخ الانصاري والكفاية وحقائق الاصول وغيرها في مبحث الظن. (*)

[ 76 ]

الاحكام الشرعية، فلا يلزم من اجتماعهما وجود المصلحة والمفسدة أو وجود المصلحة أو المفسدة وعدمه في شئ واحد، وهكذا الشوق أو الكراهة، ففي الاحكام الواقعية يكون الشوق أو الكراهة متعلقا بنفس المتعلق، وفي الاحكام الظاهرية بنفس الجعل كما في إيجاب الاحتياط حفظا للواقع أو جعل البراءة تسهيلا على المكلفين. وأما من ناحية المنتهى، فلانه لا يعقل وصولهما معا إلى المكلف، إذ عند وصول الحكم الواقعي لا يبقى موضوع للحكم الظاهري، وما لم يصل الحكم الواقعي يكون الواصل هو الحكم الظاهري فقط، فأين وصولهما عرضا ليبقى المكلف متحيرا في مقام الامتثال (1)) وغير قادر عليه وهذا الجواب متين جدا لو التزمنا بوجود أحكام ظاهرية، اما مع إنكار وجودها من الاصل فلا حاجة إلى محاولة للجمع بينها. وإيضاح الامر ان المجعول في باب الطرق والامارات ليس هو مدلول ما قامت عليه الامارة، وانما المجعول فيها هو نفس الطريقية والوسطية في الاثبات وهي من الاحكام الوضعية القابلة للجعل بنفسها، والشارع انما جرى في اعتبارها على وفق ما جرى عليه العقلاء، وأكثر الامارات والطرق مما اعتمدوها وألغوا احتمال المخالفة للواقع بسيرهم على وفقها، وأعطوها وظيفة العلم من حيث الكاشفية عن الواقع، فهم في الحقيقة انما تمموا كشفها باعتبارهم لها، وجاء الشارع فأقرهم عليها وألزمنا بها من طريق الامضاء، وإذا كان العلم، وهو أتم كشفا للواقع منها، لا يغير في الواقع ولا يبدل فيه بل لا يضيف إليه حكما جديدا فيما قام عليه إذا وافقه أو أخطأه، فحساب الامارة فيها أوضح، فما قامت عليه الامارة لا يخلق حكما ظاهريا ليفكر في كيفية الجمع بينه وبين الحكم


(1) دراسات، ج 3 ص 74 وما بعدها. (*)

[ 77 ]

الواقعي، وكل ما هنالك تبني الشارع لكشفها بتتميمه من قبله وهو لا يستدعي اكثر من ثبوت المنجزية والمعذرية كما سبق بيان ذلك. وما يقال عن الامارة يقال عن الاصل الاحرازي، إذ المجعول فيه أيضا هو الطريقية والوسطية في الاثبات، لكن لا من تمام الجهات كما كان في الامارات، بل من حيث الجري العملي على وفق ما قام عليه الاصل واعتباره واقعا، ولهذا الفارق بينهما حكمت الامارة عليه كما يأتي إيضاح ذلك. وأما الاصول غير الاحرازية، فهي غير ناظرة إلى جعل حكم أصلا أو اثباته، وانما هي ناظرة إلى رفع الحيرة فقط عند الشك وألسنتها صريحة بذلك (احتط لدينك)، (الناس في سعة ما لا يعلمون) ولذلك آثرنا تسميتها بالوظيفة تبعا لبعض أعلامنا الاجلاء، ونفي الحكم الظاهري في الاصول العقلية أوضح إذ لا جعل شرعي ليفكر في كيفية الجمع بينه وبين الحكم الواقعي. وعلى هذا فالحكم الواقعي باق على واقعه أقصاه أن باعثيته موقوفة على وصوله باحدى الطرق السابقة ذاتية أو مجعولة، ومع عدم الوصول والشك فيه يلجأ إلى احدى تلكم الوظائف لرفع الحيرة والتماس المؤمن. ومن هنا يتضح الفارق بين الحكم والوظيفة، كما يتضح سر تقسيمهم للحكم بمعناه العام اليهما. الفرق بين الحكم والوظيفة الشرعية: فالوظيفة ليس فيها نظر إلى الواقع أصلا، وجعلها لا يستند إلى مصلحة أو مفسدة في المؤدى، وانما يستند إلى مصلحة في نفس الجعل، وهي مصلحة التيسير أو المحافظة على الحكم الواقعي بخلاف الحكم فانه

[ 78 ]

تابع للمؤدى، فإن كان فيه مصلحة ملزمة أو مفسدة كذلك، كان الحكم تبعا لذلك إلزاميا، وان كانت المصلحة أو المفسدة غير ملزمة، جعلت الكراهة أو الاستحباب، ومع خلوها عنهما أو تساويهما جعلت الاباحة. والوظيفة وان التقت أحيانا بالوجوب أو الحرمة كما في قاعدة الاحتياط، أو بالحكم الترخيصي كما في البراءة، إلا أن الفارق بينهما فارق جذري لتوفر الحكم على متابعة الواقع بخلاف الوظيفة، فما ورد عن بعض الاساتذة من اعتبار البراءة إباحة شرعية لا يعرف له وجه ما دامت الاباحة وليدة خلو الواقع عن المصلحة والمفسدة معا، أو جودهما وتساويهما من حيث الاهمية، والبراءة الشرعية ليست ناظرة إلى الواقع أصلا، وربما كان فيه مصلحة ملزمة أو مفسدة كذلك، فكيف يقال برجوعها إليها ؟ وعلى هذا فالوظيفة ليست من سنخ الاحكام التكليفية، وانما هي من سنخ الاحكام الوضعية المجعولة بنفسها من قبل الشارع لغرض التيسير على العباد ورفع الحيرة عنهم. هذا كله في الفرق بين الحكم والوظيفة الشرعية. أما الفرق بينه وبين الوظيفة العقلية: فأمره أوضح لان الوظيفة العقلية لا تستند على جعل شرعي أصلا ليلتمس الفارق بينها وبين الحكم، وهما مختلفان بالسنخ وبالرتبة. وهذا التعريف للحكم وتقسيماته المختلفة، إنما يتم على مبنى من يؤمن بوجود جعل شرعي واعتبار يتعلق بأفراد العباد، أما على مبنى من يدعي ان الحكم ليس هو في واقعه (إلا عبارة عن العلم باشتمال الافعال على المصالح والمفاسد من دون ان يكون في البين جعل يقتضي الارادة

[ 79 ]

والكراهة (1)) فلا يتجه الحديث في أكثر هذه البحوث، وقد حكي عن بعض احتمال هذا القول بل الالتزام به. وهذا البعض لا نعرفه على التحقيق وهو في رأيه هذا خارج على إجماع المسلمين - فيما نعلم - فلا يستحق ان يناقش رأيه ويطال فيه الحديث، على أن استاذنا النائني أطال في رده بعد أن اعطى رأيه فيه بقوله: (ولكن احتمال ان يكون في البين إلا العلم بالصلاح والفساد من دون أن يستتبع العلم بذلك الجعل والتشريع في غاية الوهن والسقوط (2)) وربما استظهر من كلام الاستاذ خلاف نسبة نظيره إلى القائلين بالتقبيح والتحسين العقليين (3)، وسيأتي تحقيقه في مبحث (العقل) وبيان ان هذا الاستظهار لا مستند له لتصريحهم بوجود الحكم، وان الحاكم هو الله تعالى لا غير. بقيت أمور تتصل بمباحث الحكم وتلابسها، إلا أن أكثرها مما يرجع إلى مباحث الفقه، لذلك آثرنا عدم عرضها في هذا التمهيد لعدم اتصالها المباشر بطبيعته.


(1) فوائد الاصول، ج 4 ص 138. (2) فوائد الاصول، ج 4 ص 138. (3) مصادر التشريع الاسلامي، ص 76. (*)

[ 81 ]

بحوث تمهيدية (5) منهج البحث منهج الاحناف في تشخيص الاصول، منهج المتكلمين، منهجنا كمقارنين، الهيكل العام للكتاب، ترتيب الاصول حسب رتبتها، الفرق بين التخصيص والتخصص والحكومة والورود، منهج الدراسة بوجه عام، أبواب الكتاب.

[ 83 ]

تحديد المنهج: وقبل ان ننهي الحديث في هذه البحوث التمهيدية التي امتدت بنا كثيرا، نود ان نشير إلى المنهج الذي نريد ان نسلكه في دراسة هذه الاصول والقواعد العامة التي عقدت هذه البحوث لدراستها ليكون القارئ الكريم على هدى في مسايرة فصولها القادمة. وتحديد ذلك المنهج يدعونا إلى: 1 - تشخيص تلكم الاصول واستنباطها من مصادرها. 2 - وضع هيكلها العام في الكتاب من حيث التبويب وتقديم بعضها على بعض. 3 - طريقة دراستها وتقييمها والاسس التي ترتكز عليها في مجال التقييم. (1) منهجنا في تشخيص الاصول: هناك منهجان لتشخيص الاصول واستنباطها: منهج الاحناف، ومنهج المتكلمين، ولكل منهما وجهة نظر ألفت على أساسها جملة من كتب الاصول. أما منهج الاحناف فقد ركز على أساس اعتبار الفروع الفقهية لامام المذهب هي المنطق إلى التماس الضوابط الاصولية العامة، ووظيفتهم أقرب إلى الوظيفة التأريخية منها إلى الوظيفة العقلية التقييمية، وهذا بالنسبة إليهم طبيعي جدا بعد سد أبواب الاجتهاد على أنفسهم، إذ النظر

[ 84 ]

في طبيعة الاصول وتقييمها والتماس أمثلها أو التماس أصول جديدة، لم يعد ذي جدوى بالنسبة إليهم ما داموا لا يملكون لانفسهم حق استنباط الاحكام الشرعية من أدلتها. وكلما يهمهم بعد ذلك ان يعرفوا ما اعتمده إمام المذهب من الاصول، وخير الوسائل إلى ذلك ان يجعلوا (أحكام الفروع التي نقلت عن أئمتهم مصدرا لهم لاستنباط الاصول التي اتبعوها عند الحكم فيها (1). وقد ألف على طريقتهم هذه جملة من أعلام الاصوليين - فيما تحدث بعضهم - كالكرخي، والرازي المعروف بالجصاص، والسرخسي، والنسفي، وغيرهم. منهج المتكلمين: ولكن منهج المتكلمين يختلف عن ذلك المنهج اختلافا كبيرا حيث يقوم (على تجريد قواعد الاصول عن الفقه والميل إلى الاستدلال العقلي ما أمكن فما أيدته العقول والحجج أثبتوه، وإلا فلا دون اعتبار لموافقة ذلك للفروع الفقهية فهدفهم ضبط القواعد لتكون دعامة للفقه ضابطة للفروع من غير اعتبار مذهبي (2)). وقد ألف على هذه الطريقة - فيما يقال - كل من الآمدي، والغزالي، والجويني، ومحمد بن علي البصري، وغيرهم كتبهم في الاصول، وجل كتب الشيعة الاصولية قائمة على هذا الاساس. أما نحن - كمقارنين - فان وظيفتنا هي أخذ واعتماد الطريقتين معا. إذ احتياجنا إلى الاولى انما يكون في التماس وتشخيص هذه الاصول والتعرف عليها من مصادرها لدى الائمة، لان طبيعة المقارنة تستدعي جمع الآراء من مظانها - في الفقه والاصول - والتأكد من نسبتها لاصحابها


(1) مباحث الحكم عند الاصوليين، ج / 1 ص 50. (2) مباحث الحكم عند الاصوليين، ج / 1 ص 48. (*)

[ 85 ]

ثم التماس أدلتها لديهم تمهيدا لفحصها وإعطاء الرأي فيها. واحتياجنا بعد ذلك لطريقة الكلاميين انما كان لتقييم هذه الآراء بتقييم أدلتها والتماس أمثلها إلى الحجية والدليلية. وليس للمقارن ان يستغني باحدى الطريقتين عن الاخرى من الوجهة المنهجية وإلا لاخل بطبيعة ما يقتضيه بحثه من نهج. (2) الهيكل العام للكتاب: وفي حدود ما ندعيه لانفسنا من استقراء آراء العلماء في مصادر التشريع وتتبع هذه المصادر عند أئمة المذاهب وكبار مجتهديهم سواء ما يتصل منها في انتاج الحكم الشرعي ام الوظيفة عقلية أو شرعية، فقد رأينا ان ما ينتظم في بحثنا منها لا يتجاوز العشرين أصلا بعد غربلة واقصاء ما يتمحض لانتاج الحكم الجزئي أو يغلب عليه إنتاجه وان انتج أحيانا الحكم الكلي مما آثرنا بحثه في كتابنا اللاحق عن القواعد الفقهية العامة، انشاء الله. على ان هذه الاصول يمكن ارجاع بعضها إلى بعض واختصار عددها إلى النصف تقريبا، إلا اننا رأينا ان مجاراة علماء الاصول في بحثها مستقلة والاشارة إلى ما ترجع إليه ايسر على الباحث وأكثر جدوى له. وعلى كثرة ما كتب الاصوليون في هذه القواعد والاصول، إلا أنهم لم يلاحظوا وضع بعضها في موضعها الطبيعي من بابها الخاص بل خلطوا بينها فأدخلوا بعض ما ينتج الحكم الكلي ضمن ما ينتج الوظيفة وبالعكس.

[ 86 ]

والنهج الذي نراه هو ان يبنى الكتاب على أساس ما لهذه الاصول من ترتب في مقام إعمال المجتهد وظيفته في مجال الاستنباط. فالمجتهد - بالطبع - مسؤول في الدرجة الاولى، عن التماس الحكم الواقعي من أدلته الكاشفة له، فإن أعياه العثور عليه لجئ إلى الواقع التنزيلي لا لتماسه من اصوله وقواعده، فإن أعياه ذلك لجئ إلى التماس الوظيفة الشرعية من أدلتها، فإن لم يعثر عليها التجأ إلى ما يقرره العقل من وظائفه، فإذا غم عليه مع ذلك كله كان عليه الرجوع إلى القرعة على قول، فمراحل البحث لدى المجتهد إذن خمسة: 1 - مرحلة البحث عن الحكم الواقعي والاصول التي يرجع إليها أو إلى بعضها الفقهاء حسب استقرائنا لها من كتب الفقه والاصول هي: الكتاب، السنة، الاجماع، دليل العقل، القياس، الاستحسان، المصالح المرسلة، سد الذرائع، العرف، مذهب من قبلنا، مذهب الصحابي. 2 - مرحلة البحث عن الحكم الواقعي التنزيلي وأهم أصوله: الاستصحاب. أما الاصول التنزيلية الاخرى كأصالة الصحة، وقاعدتي التجاوز والفراغ، فالذي يغلب على انتاجها الحكم الجزئي، لذلك آثرنا تأجيل الحديث فيها إلى الكتاب اللاحق. 3 - مرحلة البحث عن الوظيفة الشرعية، وأصولها هي: البراءة الشرعية، الاحتياط الشرعي، التخيير الشرعي. 4 - مرحلة البحث عن الوظيفة العقلية، وأصولها: البراءة العقلية، الاحتياط العقلي، التخيير العقلي. 5 - مرحلة تعقد المشكلة وعدم التمكن من العثور على أدلة الحكم أو الوظيفة باقسامها، والاصول التي يرجع إليها عادة هي القرعة بعد

[ 87 ]

تمامية دليلها ودلالتها. وهذا الترتيب في وظائف المجتهد عند إعمال ملكته، هو الترتيب الطبيعي عادة، وقد اقتضته طبيعة أدلة هذه الاصول وتقديم بعضها على بعض. ولايضاح هذا الجانب، وهو الاساس في بناء الكتاب، فان علينا أن نعرض المقياس في الجمع بين الادلة أو تقديم بعضها على بعض لنعرف السر في ذلك البناء فنقول: إن الجمع بين الادلة أو تقديم بعضها على بعض من وجهة دلالية قد يكون لامور لعل أهمها أربعة هي: التخصيص، التخصص، الحكومة، الورود. وكلمتا (الحكومة) و (الورود)، مصطلح متأخر جرى على ألسنة بعض أعلام النجف، منذ ما يزيد على القرن (1) وتداول على ألسنة جميع الاعلام بعد ذلك وبحثوا كل ما يميزهما عن التخصيص والتخصص، وهما المصطلحان اللذان شاع استعمالهما على ألسنة الاصوليين قديما وحديثا. وكان الباعث لهم على هذا المصطلح الجديد أنهم وجدوا على طريقتي التخصيص والتخصص لم تعودا وافيتين بحاجة الفقيه إلى معرفة الجمع بين الادلة أو تقديم بعضها على بعض، لان بعض الادلة تقتضي ألسنتها التقديم وهي ليست تخصيصا ولا تخصصا، وليس لدى القدماء ما يوجبه من الاصول التي وضعوها لذلك. وإذا اقتصر التخصيص والتخصص على الادلة اللفظية، فان الحكومة


(1) المعروف أن الشيخ الانصاري المتوفى سنة 1281، هو أول من وضع هذا الاصطلاح وتبنى مفاهيمه، إلا أن استاذنا الشيخ حسين الحلي تتبع هذا الاصطلاح، فوجده في كتاب (الجواهر) في أكثر من موضع، وصاحب الجواهر (الشيخ محمد حسن) أقدم طبقة منه وان كانت بينهما معاصرة، ولم يسعني تحقيق ذلك لمعرفة واضع هذا المصطلح، والله أعلم بحاله. (*)

[ 88 ]

والورود يعمان حتى الاصول المنتجة للوظائف على اختلافها. ومن الحق ان نشير إلى هذه المصطلحات بشئ من الايضاح. التخصيص: فالمراد بالتخصيص إخراج من الحكم مع دخول المخرج موضوعا، ومثاله كل مكلف يجب عليه الصوم في شهر رمضان إلا المسافر، فالمسافر مكلف ولا يجب عليه الصوم. التخصص: أما التخصص فالمراد به الخروج الموضوعي الوجداني، وهو الذي يسميه النحويون، بالاستثناء المنقطع، ومثاله كل مكلف يجب عليه الصيام إلا الطفل، فان الطفل خارج عن موضوع (المكلف) وجدانا. الحكومة: والمراد بالحكومة ان يكون أحد الدليلين ناظرا إلى الدليل الآخر، موسعا أو مضيقا له، فمن القسم الاول ما ورد من أن الفقاع خمر استصغره الناس، فالفقاع، وإن لم يكن خمرا بمفهومه اللغوي، إلا ان الشارع بدليله هذا وسع مفهوم الخمر إلى ما يشمل الفقاع، وأعطاه جميع أحكام الخمر بحكم عموم التنزيل، وأمثال هذا في الادلة كثيرة. ومن القسم الثاني ما ورد في أدلة نفي الضرر كقوله (صلى الله عليه وآله): لا ضرر ولا ضرار، وسمة هذه الادلة إلى أدلة الاحكام الاولية، سمة المضيق لها إلى ما لا يشمل الاحكام الضررية، ولسان الكثير من أدلة هذا النوع من الحكومة، لسان نفي للموضوع تعبدا، ونفي الموضوع يستدعي نفي

[ 89 ]

الحكم إذ لا حكم بلا موضوع. ومن مزايا الادلة الحاكمة ان النسبة لا تلحظ بينها وبين الادلة المحكومة، كما هو الشأن في الادلة المخصصة، فليس من الضروري ان يكون الدليل الحاكم أخص من الدليل المحكوم لنلتزم بتقديمه عليه، بل يكفي ان يكون شارحا ومبينا له ليقدم عليه، وان كانت النسبة بينهما هي العموم من وجه. وسر الفرق بينهما أن التقديم في التخصيص إنما كان لاجل أن ظهور الخاص في مصاديقه أقوى من ظهور العام في مصاديق الخاص، أو ان الخاص نص فيها والعام ظاهر، والنص والاظهر يقدمان على الظاهر عادة، أو ان الخاص بمنزلة القرينة على المراد الجدي والظهور لا يتجاوز الكشف عن المراد الاستعمالي للآمر، ومن عدم القرينة على تغاير المراد الاستعمالي للمراد الجدي نستفيد تطابقهما، فإذا جاءت القرينة على المغايرة لم يبق مجال للاستدلال - بما يكشف عن المراد الاستعمالي - على المراد الجدي، على اختلاف في فلسفة التقديم. ولكن ذلك لا يتأتى في العامين من وجه لان نسبة كل منهما إلى موضع الالتقاء من حيث الظهور نسبة واحدة، فلا يصلح ان يكون أحدهما قرينة على التخصيص بالنسبة إلى الآخر، ومن هنا التزمنا بالتساقط في العامين من وجه عند تعارضهما في موضع الالتقاء. ولكن لسان الحكومة لما كان لسان شرح وبيان للمراد من الادلة الاولية، كان قرينة على كل حال فلا بد ان ينزل ذو القرينة عليها عرفا، ومن هنا لم يلحظ العلماء النسبة في أدلة العناوين الثانوية مع العناوين الاولية ولا أدلة الرخصة مع العزيمة، فيعارضون بينها مع ان النسبة بينهما، في الغالب، هي نسبة العموم من وجه، فأدلة نفي الاكراه أو الاضطرار

[ 90 ]

عندما تنسب إلى أي حكم تكون نسبته إليها نسبة العموم من وجه، خذوا على ذلك مثلا نسبتها إلى حرمة أكل لحم الميتة، فان أدلة حرمة الاكل تقول: يحرم أكل الميتة على المضطر وغيره، وأدلة نفي الاضطرار، تقول: ان الحكم المضطر إليه مرتفع كان أكل الميتة أو غيره، وموضع الالتقاء الميتة المضطر إلى أكلها وهكذا، والسر هو ما قلناه من تقديم العرف لهذا النوع من الادلة بعد ان كان لسانه لسان بيان وشرح للمراد من الادلة الاولية. الورود: أما الورود، فالمراد به الدليل النافي للموضوع وجدانا، ولكن بتوسط تعبد شرعي، ومثاله ما ورد عن الشارع من قوله رفع عن أمتي ما لا يعلمون ولسانه لسان المؤمن للعبد فيما لو ترك التكليف المشكوك ولم يأت به مع عجزه عن الوصول إليه بالادلة الاجتهادية، المنجزة له، فلو ترك استنادا إلى هذا الحديث فانه لا يحتمل الضرر، فالقاعدة العقلية القائلة بوجوب دفع الضرر المحتمل لا يبقى لها موضوع إذ لا احتمال للضرر مع وجود المؤمن الشرعي. فسمة حديث الرفع إلى هذه القاعدة سمة الوارد عليها، المزيل لموضوعها وجدانا، ولكن بواسطة التعبد الشرعي. والفارق بينه وبين التخصص: ان التخصص خروج موضوعي وجداني، ولكن لا بتوسط تعبد من الشارع، والورود: خروج موضوعي وجداني، ولكن بواسطة تعبد الشارع، فلو لم يأت حديث الرفع كان احتمال الضرر موجودا، وكان حكمه العقلي بلزوم دفعه قائما أيضا، ولكن التعبد الشرعي ازال الاحتمال وجدانا فأزيل معه حكمه تبعا لذلك، كما أن الفارق بينه

[ 91 ]

وبين الحكومة واضح، فالحكومة وإن كان لسان بعضها لسان نفي الموضوع، إلا أن نفيها له نفي تعبدي لا وجداني، فقول الشارع: لا ضرر ولا ضرار وان كان فيه نفي للموضوع تعبدا، إلا أن نفيه التعبدي لم يؤثر على بقائه الوجداني، فالضرر الخارجي قائم وإن نفاه الشارع لنفي آثاره الشرعية بخلاف الورود، فإن قيام المؤمن الشرعي ينفي احتمال الضرر وجدانا، ولعل لنا تفصيلا أوسع في كيفية الجمع بين الادلة على اختلافها يأتي في مبحث الاستحسان. وفي حدود ما عرضناه هنا كفاية لايضاح وجهة نظرنا في منهجة البحث وبيان السر في تقديم هذه البحوث بعضها على بعض. (3) وإذا تم هذا، عدنا إلى أدلة اعتبار هذه المراحل التي لا بد وان يتوفر عليها المجتهد لنرى أن أدلة الطرق والامارات بعد ما كان لسانها لسان كشف عن الواقع واثبات له، وان الشارع أمضى طريقيتها كما سبق، فمع قيامها لا مجال للرجوع إلى أدلة الواقع التنزيلي كالاستصحاب، فالاستصحاب مثلا، لا يريد منك اكثر من اعتبار مشكوكك متيقنا، ومع فرض كونك متيقنا - ولو بواسطة التعبد الشرعي - لا شك لديك - تعبدا - لتحكم باعتبارك متيقنا، فأدلة الطرق والامارات حاكمة على أدلة الاستصحاب ومزيلة لموضوعه. وأدلة الاستصحاب هي الاخرى لا تبقي مجالا لالتماس الوظيفة الشرعية، لان الوظيفة الشرعية إنما يلجأ إليها، إذا اختفى الواقع بجميع مراتبه،

[ 92 ]

حتى التنزيلية منها، ومع قيام الواقع التنزيلي - بإدلة الاستصحاب - لا مجال لمثل حديث الرفع المأخوذ فيه عدم العلم (رفع عن أمتي ما لا يعلمون، لحكومتها عليه بإزالتها لعدم العلم تعبدا، وهو الذي أخذ في موضوعها - أي البراءة - بمقتضى هذا الدليل، وهكذا بالنسبة إلى الاحتياط والتخيير. ومع قيام أدلة الوظيفة الشرعية، لا مجال للوظيفة العقلية لورودها عليها بإزالتها لموضوعها وجدانا. فالوظيفة العقلية مأخوذ في موضوعها عدم البيان الشرعي، كما هو مقتضى القاعدة القائلة بقبح العقاب بلا بيان، أو احتمال الضرر كما هو مقتضى قاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل. ومع قيام المؤمن الشرعي بأدلة الوظيفة يزول موضوع القاعدتين وجدانا لوجود البيان الشرعي بالنسبة إلى القاعدة الاولى، وعدم احتمال الضرر مع وجود المؤمن بالنسبة للقاعدة الثانية، وإنما زال الموضوع فيهما بواسطة التعبد الشرعي (وهو معنى الورود) والقرعة لا مجال لها مع توفر الوظيفة العقلية لعدم الاشكال فيها، وقد أخذ فيها انها لكل أمر مشكل، واين الاشكال مع قيام المؤمن العقلي، فهو وارد على أدله القرعة ومزيل لها وجدانا، وهو في إزالته لموضوعها، أقرب إلى التخصص الواقعي منه إلى الورود لعدم توسط التعبد الشرعي في إزالة الموضوع وجدانا. (4) أما الجواب على التساؤل الثالث وهو:

[ 93 ]

منهج الدراسة: فأظنه يتضح إذا تذكرنا الاسس التي ركزنا عليها في التمهيد الثاني في دراسة أصول الاحتجاج. وبناء على هذا فان مهمتنا تنصب في الدرجة الاولى - بعد استقراء الاصول - على تتبع أدلتها عند جميع الاطراف والتماس كيفية دلالتها عندهم، ثم محاولة تقييم هذه الادلة وإقرار ما نراه ملزما بالحجية ومناقشة ما لا نتفق عليه معهم، ثم عرض وجهة نظرنا فيه. وكل مناقشة لا تعود بالدليل إلى احدى تلكم الاوليات أو القضايا المسلمة لدى الطرفين، لا تكون ملزمة لذلك الطرف المناقش ويبقى رأيه حجة عليه، والمسألة تتحول إذ ذاك إلى مسألة مبنائية كما هو الشأن في عوالم الاستظهار ودعوى التبادر وهي غاية ما تلزم مدعيها، ومن قامت لديه كما أن دعوى القطع - وهو أساس الحجج - لا يكون ملزما لغير من قام عنده ما لم يستند إلى إحدى تلكم الاوليات والمسلمات، فيكون حجة على الغير لاستحالة تخلفه عنها بعد تنبهه له، وبهذا يصح الاحتجاج والتقييم. وخلاصة ما انتهينا إليه من ذلك كله: اننا بعد استقرائنا لمختلف الكتب الفقهية والاصولية لدى أئمة ومجتهدي المذاهب - فيما وقع منها بأيدينا - رأينا ان الذي ينتظم منها في كتابنا هذا - بحكم تحديدنا لمفهوم أصول الفقه - هو هذه الاصول التي سبق عرضها لا غير، لذلك ركزنا عليها الحديث دون غيرها، وعند التماس هيكل الكتاب، رأينا ان نخرج على الطريقة التقليدية فنبوبه على أساس ما لبعض هذه الابواب من تقدم رتبي على بعضها الآخر، وخلص لنا من ذلك ان

[ 94 ]

أبواب الكتاب ستكون خمسة: 1 - ما يكون سمته سمة الكاشف عن الحكم الواقعي. 2 - ما يكون سمته سمة المحرز للواقع تنزيلا. 3 - ما يكون مثبتا للوظيفة الشرعية. 4 - ما يكون مثبتا للوظيفة العقلية. 5 - ما يكون رافعا للامور المشكلة بعد تعقدها وفقد الدليل عليها. هذا مضافا إلى ما سبق ان قرأتموه من بحوث التمهيد. وقد آثرنا ان نلحقه بخاتمة وهي أقرب إلى البحوث الفقهية، وإن اعتادوا إلحاقها بالاصول وهي بحوث: الاجتهاد والتقليد: وانما آثرنا إلحاقها بهذا الكتاب نظرا لاهميتها أولا، ولانها تصلح أن تكون نماذج تطبيقية لهذه الاصول وكيفية استنباط الاحكام الشرعية منها ثانيا. وأبعدنا عن طريقنا كل ما لا ينتج الحكم الكلي من الكبريات وكلما يقع موقع الصغرى من قياس الاستنباط، وأشرنا إلى بحوثها المهمة جدا في ملابساتها من هذه التمهيدات أو الاصول.

[ 95 ]

أصول الفقه المقارن ينحصر بحثنا حول هذه الاصول من حيث انتاجها للحكم الكلي الشرعي فقط لا من الحيثيات الاخرى كصلوحها للدليلية على نفس الاصول أو اثباتها لما يتعلق بأصول الدين أو غيرها، فإن لذلك مجالا آخر غير هذا الكتاب وإن كان ملاك الحجية فيها واحدا.

[ 97 ]

الباب الاول القسم الاول الكتاب العزيز تحديد مفهوم الكتاب، حجيته من الضروريات، حجية الظواهر ودليلها، مصادر التشكيك في حجية ظواهر الكتاب: العلم الاجمالي، الاخبار المأثورة، شبهة التحريف ومناقشاتها،

[ 99 ]

(1) تحديد مفهوم الكتاب: والمراد بالكتاب هنا هو كتاب الله عزوجل، الذي أنزله على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ألفاظا ومعاني وأسلوبا، واعتبره قرآنا دون أن يكون للنبي (صلى الله عليه وآله) دخل في انتقاء ألفاظه أو صياغته. فليس منه ما أنزله الله تعالى على نبيه من الاحكام وأداها باسلوبه الخاص، كما ليس منه ما ثبت من الحديث القدسي وهو ما أثر نزوله على النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يثبت نظمه من قبله في سلك القرآن، وكذلك ما نزل من الكتب السماوية على الانبياء السابقين كالتوراة والانجيل والزبور لعدم اعتبارها قرآنا. وتفسير القرآن وترجمته ليسا من القرآن في شئ، فلا تجري عليهما أحكام القرآن الخاصة. وثبوت الحجية للتفسير إذا كان صادرا عن النبي (صلى الله عليه وآله) أو أهل بيته فإنما هو لاعتبار كونه - أي التفسير - من السنة لا من الكتاب. وهذه الامور موضع اتفاق المسلمين على اختلاف مذاهبهم، ولا أعرف مخالفا في ذلك إلا ما يبدو من أبي حنيفة حيث (جوز القراءة بالفارسية في الصلاة لمن لا يعرف العربية ولا يقدر على القراءة بها (1)، ووافقه بعضهم على ذلك، وقيل انه عدل عن ذلك وأفتى لمن لا يقدر على القراءة بها أن يصلي ساكتا (2)، وعلى هذا فالقرآن هو خصوص ما


(1 - 2) علم أصول الفقه لخلاف، ص 24. (*)

[ 100 ]

بين الدفتين دون أن يزاد فيه حرف أو ينقص. ولقد أحصيت آياته فبلغت (ستة آلاف وثلاثمائة واثنين وأربعين آية، منها خمسمائة آية فقط تتعلق بالاحكام (1))، وقد انتظمت هذه الآيات في سور بلغ مجموعها مائة وأربع عشرة سورة، أولها (الحمد) وآخرها (الناس). وآخر ما نزل من آياته قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا (2)، وقد نزلت في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة في غدير خم عند عودته (صلى الله عليه وآله) من حجة الوداع وبعد أن أعلن الولاية لعلي كما ورد ذلك في كثير من الروايات المأثورة لدى الطرفين (3). حجيته: والحديث حول حجيته موقوف على تمام مقدمتين أولاهما ثبوت تواتره الموجب للقطع بصدوره، وهذا ما لا يشك فيه مسلم امتحن الله قلبه للايمان، والثانية ثبوت نسبته لله عزوجل وعقيدة المسلمين قائمة على ذلك، وحسبهم حجة ثبوت اعجازه بأسلوبه ومضامينه وتحديه لبلغاء عصره ونكولهم عن مجاراته، وأخباره بالمغيبات التي ثبت بعد ذلك صدقها ومطابقتها لما أخبر به كما ورد في سورة الروم وغيرها، وارتفاعه عن مستوى عصره بدقة تشريعاته، إلى ما هنالك مما يوجب القطع بسموه عن قابليات البشر مهما كان لهم من الشأن. وقد استدل بعضهم (4)، فيما يبدو، على كونه من الله بهذه الآيات


(1) المدخل إلى علم أصول الفقه، ص 20. (2) المائدة 3. (3) اقرأ أسانيدها في الجزء الاول من كتاب الغدير. (4) فلسفة التشريع في الاسلام، ص 144. (*)

[ 101 ]

المباركة: (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (1) و (إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (2) و (ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (3) مع وضوح أن دلالتها على ذلك دورية لبداهة ان دلالة هذه الآيات على كون القرآن من الله موقوفة على ان تكون هي من الله، وكونها من الله تعالى موقوف على كون القرآن منه تعالى، وهي بعضه ولا تميز لها عن بقية آياته من حيث النسبة إليه ليرتفع به الدور، اللهم إلا ان يكون ذكرها لديه من باب الاستئناس بها لا الاستدلال. وعلى أي حال فحجية القرآن أكبر من ان يتحدث عنها بين المسلمين بعد إيمانهم جميعا بثبوت تواتره وإعجازه ومثل هذا الحديث يقتضي ان يساق إلى غيرهم كوسيلة من وسائل الدعوة إلى الاسلام، لا أن يثار بين صفوفهم ويتحدث فيه. المحكم والمتشابه: والقرآن فيه محكم ومتشابه لقوله سبحانه (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات (4) وقد اختلف في تعريفهما على أقوال: (قال الجبائي: المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما يحتمل وجهين فصاعدا، وقال جابر: المحكم ما يعلم تعيين تأويله والمتشابه ما لا يعلم تعيين تأويله (5)) وقيل (المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه (6)) ولعل هذا التفسير يتلاءم مع ما يبدو من ظهور هذه الآية (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الالباب (7))


(1) الم السجدة / 2. (2) النساء / 104. (3) النجم / 4 - 5. (4) آل عمران / 7. (5) متشابهات القرآن لابن شهراشوب، ص 2. (6) إرشاد الفحول، ج / 1 ص 32. (7) آل عمران الآية / 7. (*)

[ 102 ]

بناء على ظهورها في ان كلمة يقولون خبر إلى (الراسخون) فيكون المتشابه مما استأثر الله عزوجل بعلمه، وما ورد تأويله من غوامض الآيات عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته فهو من المحكم وللشريف الرضي في تحقيق المراد من هذه الآية حديث يحسن الرجوع إليه في هذا المجال (1). ومهما أريد من لفظ المحكم والمتشابه فان الذي يكون حجة من آيات الكتاب - من دون توسط التأويل - هو خصوص ما كان منها نصا في مدلوله أو ظاهرا فيه. أما حجية ما كان نصا منها فللقطع بمدلوله لان النص هو ما لم يحتمل فيه الخلاف، والقطع حجة ذاتية - كما سبق - وأما الظاهر فحجيته من صغريات مسألة. حجية الظواهر: وهي أوضح من أن يطال فيها الحديث ما دام البشر في جميع لغاته قد جرى على الاخذ بظواهر الكلام وترتيب آثارها ولوازمها عليها، بل لو أمكن ان يتخلى عنها لما استقام له التفاهم بحال لان ما كان نصا في مدلوله مما ينتظم في كلامه لا يشكل إلا أقل القليل. وبالضرورة ان عصر النبي (صلى الله عليه وآله) ما كان بدعا من العصور، لينفرد به الناس في أساليب تفاهمهم بنوع خاص من التفاهم لا يعتمد الظهور ركيزة من ركائزه، وما كان للنبي طريقة خاصة في التفاهم انفرد بها عن معاصريه، وإلا لكانت أحدوثة التأريخ، فالقطع باقرار النبي (صلى الله عليه وآله) لطريقتهم في التفاهم كاف في اثبات حجية الظواهر وقد نزل القرآن بلغة العرب وتبنى طريقتهم في عرض أفكاره، وكان


حقائق التأويل، ج / 5 ص 1 وما بعدها. (*)

[ 103 ]

لكلامه ظاهر يفهمونه ويسيرون على وفقه. وبما أننا نعلم ان من الطرق التي سار عليها الشارع المقدس في تبليغ احكامه الطريقة الشائعة لدى جميع البشر من الاعتماد على القرائن المنفصلة أحيانا، وان القرآن سار على الطريقة نفسها وبذلك خصصت بعض عموماته بقسم من الآيات، كما خصص القسم الآخر منها بالسنة - بحكم كونها مبينة للمراد من الكتاب - وشارحة له. لذلك كان علينا قبل ان نعتمد على اصالة الظهور، ان نفحص عن القرينة المنفصلة فإن عثرنا عليها خصصنا أو قيدنا بها الكتاب، وإن يئسنا من العثور عليها في مظانها كان لنا العمل بعموماته أو مطلقاته. وما يقال عن المخصص والمقيد يقال عن الناسخ، بناء على إمكان النسخ ووقوعه، كما هو رأي جمهرة المسلمين. وما ورد من التشكيك في حجية ظهور القرآن أمر لا يستقيم بحال. مصادر التشكيك في حجية ظهوره: وغاية ما يمكن ان يذكر من مصادر التوقف عن العمل بظهوره أمور لا تخلو كلها من مناقشة: 1 - ما نسب إلى الاخباريين من دعوى التوقف عن العمل بها لامرين: أ - العلم الاجمالي بطرو مخصصات من السنة ومقيدات على عموماته ومطلقاته، والعلم الاجمالي منجز لمتعلقه ومانع من جريان الاصول في أطرافه حتى اللفظية منها كاصالتي العموم والاطلاق، ومع فرض جريانها فهي ساقطة للمعارضة، ونتيجة ذلك سريان الاجمال لكل ظواهره والتوقف عن العمل بها لاحتمال ارادة خلافها ولا مدفع لهذا الاحتمال من أصل وغيره.

[ 104 ]

والجواب: ان العلم الاجمالي انما ينجز متعلقه إذا لم يتحول إلى علم تفصيلي في أحد الاطراف، وشبهة بدوية في الاطراف الاخر كما هو موضع اتفاقهم، وسيأتي تحقيقه في مباحث الاحتياط. وبما أن العلم هنا بطرو مخصصات ومقيدات منحل بما عثر عليه منها بعد الفحص في مختلف مظانه من الآيات والاحاديث وهو بمقدار المعلوم بالاجمال، فان العلم الاجمالي ينحل بذلك، ويرجع في بقية أطرافه المشكوكة إلى الاصول اللفظية، على أن هذه الشبهة لا تختص بالكتاب، بل تعم حتى ظواهر السنة بعد العلم بأن الشارع المقدس كان من طريقته التي اتبعها في البيان الاتكال - أحيانا ولمصلحة ما - على القرائن المنفصلة مع أنهم لا يلتزمون بالاجمال في السنة. ب - ما ورد من الاحاديث الناهية عن تفسير القرآن بالرأي، وهي متواترة بين الفريقين وما ورد في بعضها من النهي عن العمل بالكتاب دون الرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام) وليس في جميع هذه الاحاديث ما يوجب التوقف عن العمل بظواهره أما القسم الاول منها فلخروج الظواهر عنها تخصصا، لان التفسير إنما يكون للاشياء الغامضة ولا معنى لتفسير الواضحات، والمفروض أن الظواهر واضحة الدلالة فلا تحتاج إلى التفسير بالرأي، وأما القسم الثاني منها فلما قلناه في العلم الاجمالي من لزوم الفحص عن المخصص والمقيد والمفروض، أننا لا نرجع إلى التمسك بالظواهر إلا بعد اليأس عن العثور عليهما، (ولا يدعي أحد جواز الاستقلال في العمل بظاهر الكتاب، بلا مراجعة الاخبار الواردة عنهم هذا مضافا إلى ما ورد في جملة من الاخبار لا يبعد أن تكون متواترة معنى من جواز العمل بالكتاب والتمسك به والرجوع إليه، وعرض الاخبار المتعارضة عليه، والاخذ بما

[ 105 ]

وافق الكتاب وطرح المخالف، وغير ذلك مما يظهر منه المفروغية عن صحة التمسك بظاهر الكتاب (1)). وعقيدتي أن اخواننا المحدثين لا يريدون اكثر من هذا، فالخلاف بينهم وبين اخوانهم من الاصوليين وغيرهم من علماء الاسلام خلاف شكلي فهم لا يمنعون من العمل بظواهر الكتاب مطلقا، وإنما يمنعون عنه إذا لم يقترن بالفحص عن مخصصه أو ناسخه أو مقيده. 2 - ما نسب إلى بعض المحدثين أيضا من ان فهم القرآن مختص بمن خوطب به، واستدلوا على ذلك بروايات منها مرسلة شعيب بن أنس عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال لابي حنيفة: أنت فقيه أهل العراق. قال: نعم. قال: (عليه السلام) فبأي شئ تفتيهم. قال: بكتاب الله وسنة نبيه قال: (عليه السلام) يا أبا حنيفة، أتعرف كتاب الله حق معرفته وتعرف الناسخ من المنسوخ. قال: نعم، قال له: يا أبا حنيفة، لقد ادعيت علما، ويلك ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك ما هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا (صلى الله عليه وآله)، وما ورثك الله تعالى من كتابه حرفا (2)). وفي رواية زيد الشحام، قال: دخل قتاده على أبي جعفر: فقال له: انت فقيه أهل البصرة. فقال: هكذا يزعمون. فقال (عليه السلام) بلغني انك تفسر القرآن، قال: نعم - إلى ان قال - يا قتادة، ان كنت قد فسرت القرآن من تلقاء نفسك، فقد هلكت وأهلكت، وان كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت يا قتادة - ويحك - انما يعرف القرآن من خوطب به (3))، وربما أيد


(1) فوائد الاصول، ج 3 ص 48، وللاطلاع على تفصيل هذه الاخبار تراجع رسائل الشيخ الانصاري (2 - 3) البيان في تفسير القرآن ص 184 (*)

[ 106 ]

بما نسب إلى المحقق القمي من دعوى اختصاص حجة الظواهر بمن قصد إفهامه من المخاطبين بها لاحتمال أن تكون في البين قرينة اعتمدها المتكلم، وهي معهودة بينه وبين المخاطب، ومع هذا الاحتمال لا يمكن الوثوق بان ظاهر الكلام هو المراد (1) وكلامه وان ركز فيه على السنة بالخصوص إلا انه يصلح أن يكون مؤيدا الدعوى اولئك المحدثين لتوفر ملاك دعواه فيها أحيانا. والجواب عن هذه الدعوى واضح جدا، أما المرسلة فهي بالاضافة إلى ضعفها بالارسال، وكونها أضيق من المدعي لو تمت دلالتها لاختصاصها بالخاصة من ذرية نبينا (صلى الله عليه وآله)، والدعوى اختصاص حجية ظواهر الكتاب بمن خوطب به، ومن الواضح أن الخاصة من أهل البيت لم يختصوا وحدهم بالخطاب، بل لم يكونوا كلهم حاضرين وقت الخطاب، فبينهم وبين المخاطبين عموم مطلق أو من وجه أحيانا - ان المراد منها ان فهم القرآن حق فهمه - ككل أي ما احتاج منه إلى تأويل، وما لم يحتج - مختص بهم بالخصوص، فهي اذن أجنبية عن المدعى من جواز الاخذ بظواهره فقط، وإلا فمن البعيد جدا ان ينفي الامام عن أبي حنيفة حتى معرفة مثل (قل هو الله أحد) مما يكون نصا أو ظاهرا في مدلوله. وأما الرواية الثانية فهي أجنبية عن المدعى أيضا لانها واردة فيما يحتاج إلى تفسير، وقد سبق ان قلنا أن الظاهر لا يحتاج إلى تفسير، فخروجها عما دل على حجية الظواهر بالتخصص كما هو واضح. ودعوى المحقق القمي من احتمال الاعتماد على القرائن في وقت الخطاب يدفعها امكان الرجوع إلى الاصول العقلائية، كاصالة عدم القرينة وأمثالها لدفع الاحتمال. على أنا نقطع - ان الكتاب وهو الدستور الخالد - لا


فوائد الاصول، ج 3 ص 48. (*)

[ 107 ]

يختص بطائفة دون طائفة، ولا زمان دون زمان، ليصح افتراض اعتماده على القرائن الحالية التي لا يدركها الا من قصد افهامهم بها، ولو فرض اختصاصه بخصوص المخاطبين لوجب قصره على من كان حاضرا عند نزول الآيات، وهم القلة من الصحابة، وقد لا يكون في الحاضرين عند نزول بعضها غير واحد أو اثنين أفنقصر الحجية على خصوص هؤلاء في كتاب أنزل لهداية جميع البشر في جميع العصور ؟ 3 شبهة التحريف في القرآن بالنقيصة في بعض آياته، ومع تحكم الشبهة لا يبقى مجال لاعتماد ظواهرها لاحتمال دخول النقيصة على الآية التي يراد العمل بظهورها مما يعكس خلاف الظهور لو أضيف إليها ما أنقص منها. وكان مبعث هذه الشبهة ما ورد في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث من أحاديث وروايات يتبنى اصحابها فكرة التحريف والنقص فيه، ففي صحيح البخاري، من خطبة لعمر بن الخطاب (ان الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورجمنا بعده فأخشى ان طال بالناس زمان ان يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله ان لا ترغبوا عن ابائكم فانه كفر بكم ان ترغبوا عن ابائكم أو ان كفروا بكم ان ترغبوا عن ابائكم (1)) والذي يبدو ان هذه الخطبة لو صحت عنه، كانت بعد ان جاءهم بهذه الآية - أعني آية الرجم - فامتنع زيد من الحاقها بالقرآن، ففي رواية ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال: أول من جمع القرآن أبو


(1) البخاري، ج 8 ص 169. (*)

[ 108 ]

بكر وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل، وان آخر سورة براءة لم يجدها إلا مع خزيمة بن ثابت، فقال: اكتبوها فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب وان عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لانه كان وحده (1)). وفي صحيح مسلم عن عائشة (انها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن (2)). وفي روايته الاخرى قال: (بعث أبو موسى الاشعري إلى قراء اهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الامد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فانسيتها غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم الا التراب، وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة (3)). وفي أصول الكافي عن أبي عبد الله قال: (ان القرآن الذي جاء به جبرائيل إلى محمد سبعة عشر الف آية (4))، إلى روايات أخرى حفلت بها هذه الكتب وغيرها، وقد نسب القول في الايمان بهذه الشبهة إلى الحشوية (5)، كما نسب الشيخ ابو زهرة إلى الكليني معتمدا ما


(1) الاتقان، ج / 1 ص 60. (2) صحيح مسلم ج / 4، ص 167. (3) صحيح مسلم، ج / 3 ص 100، وأصول الكافي. (4) ص 536، هامش المجلد / 2 من مرآة العقول. (5) مجمع البيان، ج / 1 ص 15. (*)

[ 109 ]

استظهره الصافي من روايته لاخبار التحريف في أصوله وعدم تعقيبه عليها مما يدل على إيمانه بها وبخاصة وقد صرح في مقدمة كتابه انه لا يروي إلا ما يثق به، وقد اعتبر هذا الاستظهار وثيقة من أهم وثائق التكفير، فسارع إلى تكفيره، يقول في كتابه (الامام زيد): (ومن الغريب أن الذي ادعى هذه الدعاوى الكليني وهو حجة في الرواية عندهم، وكيف تقبل رواية من يكون على هذا الضلال، بل على هذا الكفر المبين (1)). وما دام الحديث قد بلغ بنا إلى هذا الموضع فلا بد من تحقيق هذه النسبة التي وسعها بعضهم إلى جميع أصحاب الصحاح، وكتب الحديث ممن ذكروا أحاديث التحريف أخذا بوحدة الملاك في الجميع. والذي يبدو أن الاخ أبا زهرة ممن يستسيغ التكفير بسهولة مع أنه لا يميز - فيما يبدو - بين نوعين من انكار الضروري أحدهما يوجب التكفير والآخر لا يوجبه، فالذي يوجب التكفير انكار ضروري من ضروريات الدين، أي ما ثبت أنه دين بالضرورة مما يعود انكاره إلى تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله) وشبهه، والقول بعد التحريف لم يثبت أنه دين بالضرورة وإلا لما احتاج إلى الاستدلال عليه بآية: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. وما يحتاج إلى الاستدلال لا يكون من الضروريات، على أنهم اختلفوا في صلاحية الآية للدليلية بشبهة الدور، وما يقال عن هذه الآية يقال عن غيرها من الادلة (2). نعم هو ضروري الثبوت لثبوت تواتره عندنا وانكار الضروريات التي لا تستند في بداهة ثبوتها إلى الدين وان استندت إليه بالنظر، لا تستوجب تكفيرا كما هو واضح لدى الفقهاء.


(1) الامام زيد، ص 351. (2) راجع استدلالهم في كتاب البيان، ص 144 وما بعدها، وتفنيد آية الله الخوئي له. (*)

[ 110 ]

ومع الغض عن هذه الناحية فالتكفير لا يكون لاوهام وظنون لان مجرد رواية أحاديث النقص وعدم التعقيب عليها، لا يدل على وثوقه بصدورها، ولعل روايتها في (النوادر) من كتابه، دليل تشكيكه بصدورها ورفضه لها، وكأنه أشار بذلك لما ورد في المرفوعة من قوله (عليه السلام): (ودع الشاذر النادر)، على أنه التزم في اول كتابه الاخذ بالروايات العلاجية، وهي التي تتعرض لاحكام الخبرين المتعارضين من اعتبار ترجيح أحدهما على الآخر بعرضه على كتاب الله وسنة نبيه، فما وافق الكتاب أخذ به، يقول رحمه الله في أول كتابه: (فاعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحدا تمييز شئ مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء إلا ما أطلق عليه العالم، اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عزوجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه (1)) والاخبار التي رواها متعارضة بدليل روايته لما هو صريح بعدم التحريف، وهي الرواية القائلة (وكان من نبذهم الكتاب بأنهم أقاموا حروفه وحرفوا حدوده فهم يروونه ولا يرعونه (2)) حيث صرحت بنسبة التحريف إلى الحدود مع اعترافها بإقامة حروفه ومع تحكم المعارضة بينها وبين تلك الرواية التي استظهروا منها التحريف في الحروف، فإن مقتضى منهجه الذي رسمه في بداية الكتاب عرضها على كتاب الله، ومن الواضح أن الكتاب ظاهر بآية (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وغيرها بعدم طرو التحريف عليه، ولا عبرة بمناقشات هذه الآية لكونها واردة على خلاف ظهورها، والظهور حجة وان لم يوجب القطع بمدلوله للقطع باعتبار الحجية له، وشبهة الدور لا ترد على مذهب من يؤمن بأهل البيت لامضائهم (عليهم السلام)


(1) أصول الكافي، هامش مرآة العقول، ج 1 ص 6 (2) الامام الصادق لابي زهرة ص 334. (*)

[ 111 ]

للكتاب القائم بما فيه هذه الآيه كما سيتضح فيما بعد، على ان الثقة بالصدور لا تسلتزم الثقة بالمضمون لعدم التلازم بينهما، وكلامه صريح في ذلك في أول كتابه بعد ذكره للرواية القائلة (ثم خذوا بالمجمع عليه فان المجمع عليه لا ريب فيه)، (ونحن لا نعرف من ذلك إلا أقله ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم وقبول ما وسع من الامر فيه بقوله: بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم (1)) فردها إلى العالم - مع تعارض مضمونها - والتخيير بينها واخذ أحدها من باب التسليم، كل ذلك مما يدل على ان ثقته بالصدور لا تستلزم الثقة بمدلول الاحاديث والتعبد بها، نعم ما يختاره منها لعمله ملزم بالاخذ به من باب التسليم، وما يدرينا هنا بأي القسمين من الاخبار المتعارضة قد أخذ لنحمله مسؤوليته، هذا إن لم نقل في أنه قد طرح تلك الاخبار الشاذة لمخالفتها للكتاب. فرواية هذه الاحاديث في الشواذ النوادر من كتابه وتعارضها في مروياته ولزوم طرحها بالنسبة إلى منهجه الذي رسمه وعدم التلازم بين الايمان بالصدور - لو آمن بصدورها - وبين الايمان بمضمونها، كل ذلك مما يوجب القطع بطرحه لهذه الاخبار وإيمانه بعدم التحريف. على ان التحريف لو كان مذهبا له لما صح دعوى الشيخ كاشف الغطاء وغيره اجماع الامامية على عدم التحريف ومثل الكليني ممن لا يتجاهل أمره عادة، ومن الطريف ما ورد من الشيخ أبي زهرة وهو يقارن بين الكليني والسيوطي صاحب الاتقان، ودفاعه عن الاخير بأن روايته لاحاديث التحريف إنما ذكرها في مقام بيان ما نسخ منها تلاوة، مع أنه ذكر قسما منها في هذا الموضع، وأقساما أخرى في مواضع أخر لا


(1) أصول الكافي هامش مرآة العقول، ج 1 ص 6 (*)

[ 112 ]

علاقة لها بالنسخ، كالاحاديث الواردة في باب (جمع القرآن وترتيبه (1)) وباب (عدد سوره وآياته وكلماته وحروفه (2)) وغيرها من كتاب الاتقان، ونحن نذكر له للتفكهة فقط (وشر البلية ما يضحك) بعض السور التي روى زيادتها في القرآن عن ابن مسعود كالمعوذتين، والسور التي أسقطت من القرآن في رأي أبي بن كعب يقول: (أخرج أبو عبيد عن ابن سيرين قال: كتب أبي بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب والمعوذتين واللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد، وتركهن ابن مسعود، وكتب عثمان منهن فاتحة الكتاب والمعوذتين (3)، وذكر ان في مصحف ابن عباس قراءة أبي وأبي موسى بسم الله الرحمن الرحيم (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، وفيه: اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد واليك نسعى ونحفد نخشى عذابك ونرجو رحمتك ان عذابك بالكفار ملحق (4) إلى غير ذلك مما رواه، ولم ينكر عليه في كثير من أبواب كتابه، ولعل أبا زهرة لم يستوف هذا الكتاب قراءة، ثم قال بعد ذلك (ان الذين افتروا هذه الفرية ونسبوها إلى الائمة ومنهم الكليني، ادعوا التغيير والتبديل وذكروا آيات غيرت ونسب هذا إلى الصادق، ولم يقل ذلك أحد من علماء السنة ولم يرو عن أحد منهم). وما أدري هل كانت هذه النسب إلى كبار الصحابة والتي حفلت بها أهم الصحاح والمسانيد والمستدركات أمثال صحيح مسلم والبخاري، ومسند أحمد والطبراني، ومستدرك الحاكم، وكنز العمال، وغيرها من مفتريات الكليني، أم ماذا ؟ ! على أن فيها ما هو أفظع من دعوى التحريف، وهو


(1) ج / 1 ص 58 وما بعدها. (2) ج / 1 ص 66 وما بعدها. (3) ج / 1 ص 67. (4) ج / 1 ص 67. (*)

[ 113 ]

انكار تواتر ما بين الدفتين لروايتهم في كيفية جمعه اعتماد خبر الواحد أو البينة في مقام الجمع، ومن المعلوم أن التواتر إذا كان في بعض طبقاته اخبار احاد لا تفيد القطع لا يصبح مقطوعا بمدلوله، لان النتيجة تتبع أخس المقدمتين، وقد مر في الروايات وأمثالها كثير مما هو صريح بذلك، وقد جمعها أستاذنا الخوئي في كتابه (البيان) وأبدع في مناقشتها وإثبات تناقضها وكذبها (1). وما أدري ما رأي الشيخ أبي زهرة في كتاب المصاحف للسجستاني الذي سجل فيه اختلاف مصاحف الصحابة بالزيادة والنقيصة، هل كان مؤلفه الكليني بالذات ؟ ! ! ثم ما أدري أيضا لم لم يجرأ الشيخ ابو زهرة على تكفير الشيخين لروايتهما في صحيحهما أخبار التحريف وهي لا تتحمل دعوى نسخ التلاوة فيها لتصريح أصحابها بأنها مما يقرأ من القرآن إلى ما بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) وهل يقع النسخ بعد وفاة النبي ؟ ! على أنهما ذكرا هذه الروايات ولم يعقبا عليها بالتشكيك، فالمشكلة ليست مشكلة الاتقان وحده ليتم الدفاع عنه بما ذكر، وانما هي مشكلة جميع من روي عنهم الاتقان من كتب الصحاح وغيرها رأسا، والشئ الذي يقتضينا ان نفهمه ونوسع له صدرونا أن مجرد نقل الحديث وعدم التعقيب عليه، لا يدل على رأي صاحبه ما دامت هناك مسارب لحمل الصحة وبخاصة في مسائل تتصل بصميم العقيدة. يبقى سؤال: لماذا دونوا هذه الاخبار في الكتب المعتمدة إذا لم تمثل آراءهم ؟ والجواب على ذلك: ان طبيعة الاعمال الموسوعية لا تتقيد بوجهات نظر أصحابها وبخاصة في عالم نقل الاحاديث.


(1) راجع ص 156 وما بعدها من كتابه. (*)

[ 114 ]

ولقد كان من المألوف قديما أن مؤلفي كتب الحديث ما كان ليهمهم تمحيص الاحاديث بقدر ما يهمهم تدوينها، وكأن مهمة التمحيص موكولة إلى المجتهدين في مجالات استنباط أحكامهم، ومن هنا احتجنا إلى تسليط الاضواء على جميع كتب الحديث واخضاعها لقواعد النقد والتمحيص التي عرضت في كتب الدراية، وحسب هؤلاء المؤلفين أمثال الكليني، والشيخ الطوسي، وأصحاب الصحلح والمسانيد، ان لا يكونوا موضعا للطعن في أمانتهم في مجالات النقد والتجريح، ولعل لهم من وجهات النظر في نقل مختلف الاحاديث ما يحمدون عليه، وإلا فإن الاقتصار على ما يراه صاحب الكتاب حقا من الاحاديث وإلغاء ما عداه، معناه تعريض ثرواتنا إلى كثير من الضياع، وإخضاع أكثرها إلى الزاوية التي ينظر منها المؤلف إلى الحديث، وهي تتأثر عادة بعوامل بيئية وزمانية، بالاضافة إلى ترسبات اصحابها وقيمهم وعواطفهم، على أن في ذلك ما فيه من تحديد لطبيعة الاجتهاد وتضييق نطاقه وحصره في غير اطار صاحبه بل في أطر رواة الحديث بما لهم من ثقافات ضيقة لو بالغنا في توسعتها لما تجاوزنا بها طبيعة عصورهم وبيئاتهم مع ان الدين بطبعه يتسع لجميع العصور، فما نراه اليوم حقا قد لا يرونه غدا كذلك، وما كانوا يرونه حقا بالامس قد لا نراه اليوم كذلك، واختلاف المجتهدين من أدل البراهين على هذا الامر. وشبهة التحريف - بعد هذا - من الشبه التي لا تستحق أن يطال فيها الحديث لكونها شبهة في مقابل البديهة، فأخبار التحريف - مع تضارب مضامينها وتهافتها في انفسها - لا تزيد على كونها أخبار آحاد، وهي لا تنهض للوقوف أمام التواتر الموجب للقطع بأن هذا القرآن الذي بأيدينا هو القرآن الذي نزل على النبي (صلى الله عليه وآله) دون أن يزاد أو ينقص

[ 115 ]

فيه، وحسبك ان تعرض ما ادعي اسقاطه أمثال سورتي الحفد والخلع وآية الرجم المأثورة عن الخليفة عمر - على أي سورة من سور القرآن، لترى تباين أسلوبيهما واختلافهما من حيث المستوى البلاغي بما يقتضيه من عظم الاسلوب وروعة المضامين وعدمهما، على ان دعوى النقيصة فيه لو أمكن أن تكون، فان الذي يتحمل مسؤوليتها عادة الخليفة الثالث لحرقه المصاحف الكاملة. ومثل هذه المسؤولية لا يمكن ان يسكت عليها الرأي العام المسلم بما فيهم المهاجرون والانصار، وهم الذين انكروا عليه أمورا لا يقاس اعظمها فظاعة بالتلاعب في آيات الله، ولكانت عمليته هذه من أعظم وثائق الادانة بيد الثوار للتشنيع عليه، وهذا ما لم يحدثنا عنه التاريخ ولم يشر إليه بحرف، على ان الثائرين - وقد تم لهم القضاء على عثمان - كان بوسعهم أن يعيدوا الامور إلى نصابها الطبيعي، فيخرجوا ما لديهم من النسخ الكاملة للقرآن الكريم وينشروها بين الناس كرد من ردود الفعل التي تقتضيها طبيعة الثورة. والذي يبدو ان عمل عثمان في جمع الناس على رسم واحد للمصحف ولهجة واحدة، كان له صداه العميق في نفوسهم، لذلك كانت استجابتهم له استجابة جماعية بتسليم ما لديهم من النسخ والتعويض عنها بالنسخة الجديدة ذات الرسم المعين واللهجة المعينة. والظاهر ان الكثير من تلكم الروايات أراد أصحابها التشنيع بها على عثمان، مثل رواية أبي موسي الاشعري وبعض روايات عائشة السابقة وغيرها، ولم تلق من الناس تشجيعا كافيا، وإلا فما الباعث لابي موسى على جمع قراء البصرة وإخبارهم بما أخبرهم به من النقص، هذا لو قلنا بصحة نسبة هذه الروايات لاصحابها، وهي موضع شك وتأمل رغم روايتها في الصحاح

[ 116 ]

المأثورة. والذي يهون الخطب ان أمثال هذه الروايات لم تجد لها أي صدى في نفوس جميع علماء الاسلام على اختلاف طوائفهم شيعة وسنة، إلا من شذ منهم، يقول الشيخ الطوسي: (وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضا، لان الزيادة مجمع على بطلانها والنقصان منه، فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه وهو الاليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى وهو الظاهر في الروايات، غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن ونقل شئ منه من موضع إلى موضع طريقها الاحاد التي لا توجب علما ولا عملا، والاولى الاعراض عنها وترك التشاغل بها (1)) ومثل هذا المضمون ورد في كثير من كتب الشيعة والسنة على السواء، وتواتره أوضح من أن يطال فيه الحديث، وما أجمل ما ذكره المرتضى في ذلك، حيث قال: (إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فان العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه ما ذكرناه، لان القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والاحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل ما اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز ان يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد (2)). ومع هذه البديهة لا أظن أننا نحتاج بعد إلى الاستدلال على عدم التحريف بآية (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون (3)) وآية (وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (4))


(1) التبيان، ج / 1 ص 3. (2) مجمع البيان، ج / 1 ص 15. (3) الحجر / 9. (4) فصلت / 42. (*)

[ 117 ]

لان الاستدلال بهما انما يكون مع الشك في التحريف، ومع فرض الشك فإن هذه الآيات لا تصلح للدلالة للزوم الدور بداهة ان دلالتها على عدم التحريف في القرآن موقوفة على ان تكون هي غير محرفة، وكونها غير محرفة موقوف على دلالتها على عدم التحريف فيه فيلزم الدور. والظاهر ان هذا الدور لا مدفع له مع الشك. نعم من آمن بمذهب أهل البيت، وآمن بامضائهم للكتاب الموجود، يرتفع هذا الاشكال عنه لان دلالة هذه الآيات على عدم التحريف في القرآن موقوف على كونها غير محرفة، وكونها غير محرفة يثبت بامضاء أهل البيت لها على ما هي عليه، فهي حجة في مدلولها، ومدلولها ظاهر في عدم تحريف القرآن ولا يتوقف على عدم التحريف في القرآن ومتى اختلف الموقوف عن الموقوف عليه ارتفع الدور. وإمضاء أهل البيت للقرآن المتداول ضروري واخبارهم بالارجاع إليه والتمسك به وعرض الاخبار الصحيحة عليه في غاية التواتر، وعلى هذا فحجية ظواهر الكتاب مما لا مجال للمناقشة فيها بعدما ثبت تواتر ما بين الدفتين، وانه هو الكتاب المنزل من السماء من دون زيادة أو نقيصة فيه، والشبه الباقية ليس فيها ما يقف دون الاخذ بحجيتها كما سبق بيانه.

[ 119 ]

الباب الاول القسم الثاني السنة (1) السنة في اللغة، السنة عند الفقهاء والكلاميين، السنة عند الاصوليين، اتفاق واختلاف. السنة النبوية حجيتها من الضروريات، الادلة التي ذكروها على الحجية: الكتاب، السنة، الاجماع، العقل، ومناقشاتها اشكال ودفع.

[ 121 ]

تعريف السنة: السنة في اللغة: لكلمة (السنة) تحديدات تختلف باختلاف المصطلحين، فهي في عرف أهل اللغة (الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم سننت الشئ بالمسن إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنا أي طريقا). (وقال الكسائي: معناها الدوام، فقولنا: سنة، معناها الامر بالادامة من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه). (وقال الخطابي: أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدة، كقوله: من سن سنة سيئة). (وقيل: هي الطريقة المعتادة سواء كانت حسنة أو سيئة، كما في الحديث الصحيح: من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيمة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة (1)). السنة عند الفقهاء والكلاميين: وتطلق في عرف الفقهاء على ما يقابل البدعة، ويراد بها كل حكم يستند إلى أصول الشريعة في مقابل البدعة فإنها تطلق على (ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة (2)) وربما استعملها الكلاميون بهذا الاصطلاح، كما تطلق في اصطلاح آخر لهم على (ما يرجع جانب وجوده


(1) تراجع هذه الاقوال في ارشار الفحول، ص 33. (2) نهاية ابن الاثير مادة (بدع). (*)

[ 122 ]

على جانب عدمه ترجيحا ليس معه المنع من النقيض (1)) وهي بذلك ترادف كلمة المستحب، وربما كان إطلاقها على النافلة في العبادات من باب إطلاق العام على الخاص، وكذلك اطلاقها على خصوص (ما واظب على فعله النبي (صلى الله عليه وآله) مع ترك ما بلا عذر (2)) كما جاء في بعض التحديدات. السنة عند الاصوليين: وقد اختلفوا في مدلولها من حيث السعة والضيق مع اتفاقهم على صدقها على (ما صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قول أو فعل أو تقرير) وقيدها الشوكاني بقوله (من غير القرآن) وهو قيد في غير موضعه لان القرآن لم يصدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) وإنما صدر عن الله وبلغه النبي، فهو لا يصدق عليه أنه قوله إلا بضرب من التجوز والتحديد العلمي لا يتحمله، وهناك قيود أخر أضافها غير واحد كقولهم إذا كان في مقام التشريع وسيتضح ان هذه القيود لا موضع لها أيضا لانه ما من شئ يصدر عن الانسان بارادته إلا وله في الشريعة حكم، فجميع ما يصدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) - بعد ثبوت عصمته - لا بد ان يكون صادرا عن تشريع حكم وله دلالته في مقام التشريع العام إلا ما اختص به (صلى الله عليه وآله) وسيأتي الحديث فيه. وموضع الاختلاف في التحديد توسعة الشاطبي لها إلى ما تشمل الصحابة حيث اعتبر ما يصدر عنهم سنة ويجري عليه أحكامها الخاصة من حيث الحجية، وربما وافقه بعضهم على ذلك، بينما وسعها الشيعة إلى ما يصدر عن أئمتهم (عليهم السلام) فهي عندهم كل ما يصدر عن المعصوم قولا وفعلا وتقريرا، وبالطبع ان الذي يهمنا هو المصطلح الثالث أعني مفهومها عند الاصوليين لان الحديث عن حجيتها انما يتصل بهذه الناحية دون غيرها، وطبيعة


(1) ارشاد الفحول، ص 33. (2) ارشاد الفحول، ص 33. (*)

[ 123 ]

المقارنة تستدعي استعراض آرائهم على اختلافها في هذه المسألة الهامة. والحديث حول حجية السنة يقع في مواقع ثلاث: 1 - حجية ما صدر عن النبي من قول، أو فعل، أو تقرير. 2 - حجية ما صدر عن الصحابة من ذلك بالاضافة إلى معناها الاول، وهو الذي اختاره الشاطبي. 3 - حجية ما صدر عن الائمة من أهل البيت بالاضافة إلى معناها الاول أيضا، وهو الذي تبناه الشيعة على اختلاف منهم في المراد من أئمة أهل البيت.

[ 124 ]

حجية السنة النبوية: والحديث حول حجية ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير، أوضح من ان يطال فيها الحديث، إذ لولاها لما اتضحت معالم الاسلام، ولتعطل العمل بالقرآن، ولما أمكن ان يستنبط منه حكم واحد بكل ما له من شرائط وموانع، لان أحكام القرآن لم يرد أكثرها لبيان جميع خصوصيات ما يتصل بالحكم، وانما هي واردة في بيان أصل التشريع، وربما لا نجد فيه حكما واحدا قد استكمل جميع خصوصياته قيودا وشرائط وموانع، خذوا على ذلك مثلا هذه الآيات المباركة (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (1). كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم (2))، (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا (3))، ثم حاولوا التجرد عن تحديدات السنة لمفاهيمها وأجزائها وشرائطها وموانعها، فهل تستطيعون ان تخرجوا منها بمدلول محدد، وما يقال عن هذه الآيات يقال عن غيرها، فالقول بالاكتفاء بالكتاب عن الرجوع إلى السنة تعبير آخر عن التنكر لاصل الاسلام وهدم لاهم معالمه وركائزه العملية. وقد قامت محاولات على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعده للتشكيك بقيمة السنة، أمثال ما حدث به عبد الله بن عمرو، قال: (كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: انك تكتب كل شئ تسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك للرسول،


(1) البقرة / 43 (2) البقرة / 183. (3) آل عمران / 97. (*)

[ 125 ]

فقال اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق (1))، وربما كان من ردود الفعل لموقف قريش هذا من السنة قول النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يحذر من مغبة تركها: (لا ألفين أحدكم على أريكته يأتيه الامر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه (2))، وقد حاولوا بعد ذلك ان تصبغ هذه الدعوة الهادمة بصبغة علمية على يد أتباعهم بعد حين، فاستدلوا لها بأن القرآن نزل تبيانا لكل شئ، وأمثالها من الادلة التي ذكرها الشافعي في كتابه الام ورد عليها بأبلغ رد، وخلاصة ما جاء في رده: (إن القرآن لم يأت بكل شئ من ناحية، وفيه الكثير مما يحتاج إلى بيان من ناحية أخرى، وسواء في ذلك العبادات والمعاملات، ولا يقوم بذلك إلا الرسول (صلى الله عليه وآله) بحكم رسالته التي عليه ان يقوم بها، وفي هذا يقول الله تعالى: (وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم (3))، ثم يقول: (لو رددنا السنة كلها لصرنا إلى أمر عظيم لا يمكن قبوله، وهو أن من يأتي بأقل ما يسمى صلاة أو زكاة، فقد أدى ما عليه، ولو صلى ركعتين في كل يوم أو أيام إذ له ان يقول ما لم يكن فيه كتاب الله، فليس على أحد فيه فرض، ولكن السنة بينت لنا عدد الصلوات في اليوم وكيفياتها، والزكاة وأنواعها ومقاديرها، والاموال التي تجب فيها (4)).


(1) المدخل للفقه الاسلامي، ص 184، نقلا عن ابن عبد البر في جامعه، وأبي داود في سننه، والحاكم، وغيرهم. (2) مصطفى الزرقا، في كتابه، في الحديث النبوي، ص 16 ط / 2، وبمضمونه وردت عدة أحاديث اقرأها في الموافقات، ج / 4 ص 15. (3 - 4) اقرأ هذا الملخص وتتمته في كتاب (تاريخ الفقه الاسلامي) للدكتور محمد يوسف موسى، ص 229. (*)

[ 126 ]

والحقيقة، ان المناقشة في حجية السنة أو انكارها مناقشة في الضروريات الدينية وإنكار لها، وليس لنا مع منكر الضروري من الدين حساب، لانه خارج عن طبيعة رسالتنا بحكم خروجه عن الاسلام، يقول الشوكاني: (والحاصل ان ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الاحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الاسلام (1)) ويقول الخضري من المتأخرين: (وعلى الجملة فان حجية السنة من ضروريات الدين، أجمع عليها المسلمون ونطق بها القرآن (2)) وكذلك غيرهما من الاصوليين، والحقيقة اني لا أكاد أفهم معنى للاسلام بدون السنة، ومتى كانت حجيتها بهذه الدرجة من الوضوح، فإن إقامة البرهان عليها لا معنى له، لان أقصى ما يأتي به البرهان هو العلم بالحجية، وهو حاصل فعلا بدون الرجوع إليه، ولكن الاعلام من الاصوليين درجوا على ذكر أدلة على ذلك من الكتاب والسنة والاجماع والعقل، ولا بد لنا من مجاراتهم في هذا المجال ما دمنا نريد أن نؤرخ لمبانيهم وحججها من جهة، ونقيمها بعد ذلك من الجهة الاخرى. 1 - حجيتها من القرآن: استدلوا بآيات من القرآن الكريم على اعتبار الحجية لها أمثال قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول (3))، (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (4))، (وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى (5)) ودلالة هذه الآيات في الجملة من أوضح الدلالات على حجيتها، إلا أنها فيما تبدو - أضيق من المدعى لانها لا تشمل غير القول إلا بضرب من التجوز، والمراد اثباته عموم حجيتها لمطلق السنة قولا وفعلا وتقريرا.


(1) ارشاد الفحول، ص 33. (2) أصول الفقه، ص 334 (3) النساء / 58. (4) الحشر / 7 (5) النجم / 3 / 4. (*)

[ 127 ]

الاجماع: وقد حكاه غير واحد من الباحثين، يقول خلاف: (أجمع المسلمون على ان ما صدر عن رسول الله من قول أو فعل أو تقرير، وكان مقصودا به التشريع والاقتداء، ونقل الينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح بصدقه يكون حجة على المسلمين (1)) وفي سلم الوصول: (الاجماع العملي من عهد الرسول إلى يومنا هذا على اعتبار السنة دليلا تستمد منه الاحكام، فان المسلمين في جميع العصور استدلوا على الاحكام الشرعية بما صح من أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) ولم يختلفوا في وجوب العمل بما ورد في السنة (2)). ولا يعلم مخالف في ذلك من المسلمين على الاطلاق، إلا ما يبدو من اولئك الذين رد عليهم الشافعي وهم على طوائف ثلاث، وجل أقوالهم تنصب على السنة المروية لا على أصل السنة، فراجعها في تاريخ الفقه الاسلامي لمحمد يوسف موسى (3). ونقلة الاجماع على الحجية كثيرون إلا أن الاشكال في حجية أصل الاجماع لدى البعض وفي مصدر حجيته لدى البعض الآخر، فإن انكرنا حجية الاجماع أو قلنا: إن مصدره من السنة نفسها لم يعد يصلح للدليلية هنا، أما مع انكار الحجية فواضح، واما مع انحصار مصدره بالسنة فللزوم الدور لوضوح ان حجية الاجماع تكون موقوفة على حجية السنة، فإذا كانت حجية السنة موقوفة على حجية الاجماع، كانت المسألة دائرة. 3 - دلالة السنة على حجية نفسها: وقد استدل بها غير واحد من الاصوليين، يقول الاستاذ سلام: كما


(1) علم أصول الفقه، ص 39. (2) سلم الوصول، ص 261. (3) ص 227 وما بعدها. (*)

[ 128 ]

دل على حجيتها ومنزلتها من الكتاب قوله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدهما أبدا: كتاب الله وسنة نبيه، واقراره لمعاذ بن جبل لما قال: أقضي بكتاب الله فإن لم أجد فبسنة رسوله (1)) يقول الاستاذ عمر عبد الله، وهو يعدد أدلته على حجة السنة: (ثانيا ان النبي (صلى الله عليه وآله) اعتبر السنة دليلا من الادلة الشرعية ومصدرا من مصادر التشريع، كما دل على ذلك حديث معاذ بن جبل حينما بعثه الرسول إلى اليمن (2)). وهذا النوع من الاستدلال لا يخلو من غرابة لوضوح لزوم الدور فيه، لان حجية هذه الادلة موقوفة على كونها من السنة، وكون السنة حجة، فلو توقف ثبوت حجية السنة عليها لزم الدور. 4 - دليل العقل: ويراد من دليل العقل هنا، خصوص ما دل على عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) وامتناع صدور الذنب والغفلة والخطأ والسهو منه، ليمكن القطع بكون ما يصدر عنه من أقوال وأفعال وتقريرات هي من قبيل التشريع، إذ مع العصمة لا بد أن تكون جملة تصرفاته القولية والفعلية وما يتصل بها من إقرار موافقة للشريعة وهو معنى حجيتها. وهذا الدليل من امتن ما يمكن أن يذكر من الادلة على حجية السنة وانكاره مساوق لانكار النبوة من وجهة عقلية، إذ مع إمكان صدور المعصية منه أو الخطأ في التبليغ أو السهو أو الغفلة لا يمكن الوثوق أو القطع بما يدعي تأديته عن الله عزوجل لاحتمال العصيان أو السهو أو الغفلة أو الخطأ منه، ولا مدفع لهذا الاحتمال.


(1) المدخل للفقه الاسلامي ص 225. (2) سلم الوصول ص 261. (*)

[ 129 ]

ومع وجود هذا الاحتمال لا يمكن تمامية الاحتجاج له أو عليه حتى في مجال دعواه النبوة، لما سبق أن قلنا من أن كل حجة لا تنتهي إلى القطع فهي ليست بحجة، لان العلم مقوم للحجية. فإذا ثبتت نبوته بالادلة العقلية، فقد ثبتت عصمته حتما للتلازم بينهما، وبخاصة إذا آمنا باستحالة اصدار المعجزة من قبل الله تعالى على يد من يمكن أن يدعي النبوة كذبا لقاعدة التحسين والتقبيح العقليين أو لغيرها على اختلاف في المبنى. اشكال ودفع: وقد يقال بعدم التلازم عقلا بين إثبات العصمة له وتحصيل الحجة على اعتبار - ما يصدر منه من قول أو فعل أو تقرير - من قبيل التشريع لان الدليل العقلي غاية ما يثبت امتناع كذبه في ادعاء النبوة لاستحالة صدور المعجزة على يد مدعي النبوة كذبا لا مطلق صدور الذنب منه فضلا عن الخطأ والسهو والنسيان. ودعوى عدم حصول العلم بكون ما يصدر عنه تشريعا، لاحتمال الخطأ، أو النسيان، أو الكذب في التبليغ، أو السهو، يدفعها الرجوع إلى اصالة عدم الخطأ، أو السهو، أو الغفلة ونظائرها، وهي من الاصول العقلائية التي يجري عليها الناس في واقعهم، ويكون حسابه حساب أئمة المذاهب، من حيث وجود هذه الاحتمالات فيهم، ومع ذلك فان الناس يثقون بأقوالهم ويدفعون الخطأ فيها أو السهو أو الغفلة، أو تعمد الكذب بأمثال هذه الاصول. وهذا الاشكال من أعقد ما يمكن ان يذكر في هذا الباب، ولكن

[ 130 ]

دفعه انما يتم إذا تذكرنا ما سبق ان قلناه من أن كل حجة لا تنتهي إلى العلم فهي ليست بحجة، لان القطع هو الحجة الوحيدة التي لا تحتاج إلى جعل، وبها ينقطع التسلسل ويرتفع الدور. وهذه الاصول العقلائية التي يفزع إليها الناس في سلوكهم مع بعضهم، لا تحدث علما بمدلولها ولا تكشف عنه أصلا لا كشفا واقعيا ولا تعبديا. أما نفي الكشف الواقعي عنها فواضح لعدم التلازم بين اجراء اصالة عدم الخطأ في سلوك شخص ما وبين اصابة الواقع والعلم به، ولو كان بينهما تلازم عقلي لامكن اجراء هذا الاصل مثلا في حق أي شخص واعتبار ما يصدر عنه من السنة ولا خصوصية للنبي في ذلك. وأما نفي الكشف التعبدي عنها فلانه مما يحتاج إلى جعل من قبل الشارع، ومجرد بناء العقلاء لا يعطيه هذه الصفة ما لم يتم امضاؤه من قبله. وشأنه في ذلك شأن جميع ما يصدرون عنه من عادات وتقاليد واعراف، والسر في ذلك ان القطع بصحة الاحتجاج به على الشارع لا يتم الا إذا تم تبنيه من قبله وعلم ذلك منه، وكل حجة لا تنتهي إلى القطع بصحة الاحتجاج بها، فهي ليست بحجة كما سبق بيان ذلك مفصلا. هذا إذا أعطينا هذه الاصول صفة الا مارية، اما إذا جردناها منها واعتبرناها وظائف عقلائية جعلوها عند الشك لينتظم سلوكهم في الحياة، فأمرها أوضح لعدم حكايتها عن أي واقع ليعتبر ما تحكى عنه من قبيل التشريع. والاعتماد عليها كوظائف لا يتم إلا إذا تم تبني الشارع لها بالامضاء أيضا لنفس السبب السابق. وعلى هذا فحجية هذه الاصول وأمثالها موقوفة على امضاء الشارع لها بقوله أو فعله أو تقريره، وكون هذا الامضاء حجة أي موقوفة على

[ 131 ]

حجية السنة، فلو كانت حجية السنة موقوفة عليها كما هو الفرض لزم الدور لبداهة ان حجية الاقرار من قبله (صلى الله عليه وآله) مثلا موقوفة على حجية اصالة عدم الخطأ أو اصالة الصحة أو اصالة عدم الغفلة أو السهو، وحجية هذه الاصول موقوفة على حجية اقراره لها لو كان هناك اقرار، ومع اسقاط المتكرر ينتح ان حجية اقراره موقوفة على حجية اقراره. والحقيقة ان القول بحجية السنة بشكلها الواسع، لا يلتئم مع انكار العصمة أو بعض شؤونها بحال. وليس المهم بعد ذلك ان ندخل في شؤون العصمة وأدلتها فان ذلك من بحوث علم الكلام. والكلمات بعد ذلك مختلفة ومشتتة، والتأمل فيما عرضناه يكشف فيما نعتقد وجه الحق فيها. ومهما قيل أو يقال في العصمة على صعيد علم الكلام فانهم في الفقه مجمعون على اعتبار حجية السنة قولا وفعلا وتقريرا، وهو حسبنا في مجال المقارنة. على ان حجيتها - كما سبق ان قلنا - ضرورة دينية لا يمكن لمسلم ان ينكرها وهو باق على الاسلام، والاعتراف بها ينطوي على الاعتراف بالعصمة حتما وعدم جواز الخطأ عليه خلافا للقاضي أبي بكر (1).


(1) راجع أقوال المسألة في ارشاد الفحول، ص 34. (*)

[ 133 ]

الباب الاول القسم الثاني السنة (2) سنة الصحابة الادلة على حجيتها: الكتاب، السنة، أخذ العلماء بأقوالهم، الروايات الآمرة بمحبتهم، مناقشات ذلك كله.

[ 135 ]

سنة الصحابة: يقول الشاطبي: (سنة الصحابة (رض) سنة يعمل عليها ويرجع إليها، والدليل على ذلك أمور (1)). والامور التي ذكرها لا تنهض باثبات ما يريده نعرضها ملخصة: أحدها: (ثناء الله عليهم من غير مثنوية، ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها كقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس (2))، وقوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا (3)، ففي الاولى إثبات الافضلية على سائر الامم، وذلك يقضي باستقامتهم على كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، وفي الثانية إثبات العدالة مطلقا، وذلك يدل على ما دلت عليه الاولى (4)). والجواب على الآية الاولى يقع من وجوه: أ - ان اثبات الافضلية لهم على سائر الامم، كما هو مفاد أفعل التفضيل في كلمة (خير أمة) لا تستلزم الاستقامة لكل فرد منهم على كل حال، بل تكفي الاستقامة النسبية لافرادها، فيكون معناها ان هذه الامة مثلا في مفارقات أفرادها، أقل من الامم التي سبقتها فهي خيرهم من هذه الناحية، هذا إذا لم نقل أن الآية انما فضلتهم من جهة تشريع الامر بالمعروف لهم والنهي عن المنكر، كما هو ظاهر تعقيبها بقوله تعالى: تأمرون


(1) ص 74، الموافقات ج / 4. (2) آل عمران / 110. (3) البقرة / 142. (4) ص 74، الموافقات ج / 4. (*)

[ 136 ]

بالمعروف وتنهون عن المنكر، فلا تكون واردة في مقام جعل الحجية لاقوالهم أصلا. ب - ان التفضيل الوارد فيها انما هو بلحاظ المجموع - ككل - لا بلحاظ تفضيل كل فرد منها على كل فرد من غيرها لنلتزم لهم بالاستقامة على كل حال، ولذا لا نرى أية منافاة بين هذه الآية وبين ما يدل - لو وجد - على تفضيل حواري عيسى مثلا على بعض غير المتورعين من الصحابة. ج - انها واردة في مقام التفضيل لا مقام جعل الحجية لكل ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال وتقريرات إذ هي أجنبية عن هذه الناحية، ومع عدم احراز كونها واردة لبيان هذه الجهة لا يمكن التمسك بها بحال. د - ان هذا الدليل لو تم فهو أوسع من المدعى بكثير لكون الامة أوسع من الصحابة ولا يمكن الالتزام بهذا التعميم. وقد تنبه الشاطبي لهذا الاشكال ودفعه بقوله: (ولا يقال ان هذا عام في الامة فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم). (لانا نقول أولا ليس كذلك بناء على انهم المخاطبون على الخصوص، ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل أخر، وثانيا على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب، فانهم أول من تلقى ذلك من الرسول عليه الصلاة والسلام، وهم المباشرون للوحي، وثالثا انهم أولى بالدخول من غيرهم إذ الاوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال الا هم، فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح (1)). ولكن هذه المناقشات لا يتضح لها وجه، أما الاولى فلأن اختصاص الخطاب بهم مبني على ما سبقت الاشارة إليه من اختصاص الحجية بخصوص المشافهين لامتناع خطاب المغدوم وقد تقدم ما فيه بالاضافة إلى ان هذا


(1) الموافقات، ج 4 ص 75. (*)

[ 137 ]

الاشكال لو تم فهو لا ينفع المستدل لاختصاصه بخصوص الحاضرين في مجلس الخطاب لامتناع خطاب غير الحاضر، واذن تختص الآية بخصوص من حضروا المجلس عند نزول الآية، وليس كل الصحابة، على ان دليل المشاركة وحده كاف في التعميم. وأما المناقشتان الثانية والثالثة، فهما واضحتا البطلان لانكار الاولية والاولوية في القضايا التي يكون مساقها مساق القضية الحقيقية لان نسبتها إلى الجميع تكون نسبة واحدة من حيث الدلالة اللفظية، على أن أولية الدخول أو أولويته لا يستلزم صرف الخطاب إليهم وقصره عليهم، لان مقتضاهما يوجب مشاركة الغير لهم في الدخول مع تأخر في الزمان أو الرتبة، فما ذكره من الاختصاص بهم من هذه الجهات لا يخلو من مؤاخذة. ومع ثبوت التعميم لا يمكن اثبات أحكام السنة لجميع الامة كما هو واضح. وما يقال عن هذه الآية يقال عن الآية الثانية فهي، بالاضافة إلى هذه المؤاخذات على الاستفادة منها والغض عن تسليم افادتها لعدالتهم جميعا، ان مجرد العدالة لا يوجب كون كل ما يصدر عنهم من السنة وإلا لعممنا الحكم إلى كل عادل سواء كان صحابيا أم غير صحابي، لورود الحكم على العنوان كما هو الفرض، وغاية ما تقتضيه العدالة هو كونهم لا يتعمدون الخطيئة، أما مطابقة ما يصدر عنهم للاحكام الواقعية ليكون سنة، فهذا أجنبي عن مفهوم العدالة تماما. (والثاني ما جاء في الحديث من الامر باتباعهم، وان سننهم في طلب الاتباع كسنة النبي (صلى الله عليه وآله) كقوله: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)، وقوله: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله ؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي. وعنه أنه قال: أصحابي مثل الملح لا

[ 138 ]

يصلح الطعام إلا به، وعنه أيضا: (ان الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار لي منهم أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، فجعلهم خير أصحابي وفي أصحابي كلهم خير). ويروى في بعض الاخبار: (وأصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، الى غير ذلك مما في معناه (1)). والجواب عن هذه الاحاديث ونظائرها - بعد التغافل عن أسانيدها وحساب ما جاء في بعضها من الطعون أمثال ما ذكره ابن حزم عن حديث أصحابي كالنجوم من أنه (حديث موضوع مكذوب باطل، وقال أحمد: حديث لا يصح، وقال البزار: لا يصح هذا الكلام عن النبي (صلى الله عليه وآله (2)) - ان هذه الروايات لا يمكن الاخذ بظاهر بعضها، ولا دلالة للبعض الآخر على المدعى. وأول ما يرد على الرواية الاولى ونظائرها من الروايات الآمرة بالاقتداء بهم استحالة صدور مضمونها من المعصوم لاستحالة ان يعبدنا الشارع بالمتناقضين، وتناقض سيرة الخلفاء في نفسها من أوضح الامور لمن قرأ تأريخهم واستقرأ ما صدر عنهم من أحداث. وحسبك ان سيرة الشيخين مما عرضت على الامام علي (عليه السلام) يوم الشورى، فأبى التقيد بها ولم يقبل الخلافة لذلك، وقبلها عثمان وخرج عليها بإجماع المؤرخين، وفي أيام خلافة الامام، نقض كل ما أبرمه الخليفة عثمان، وخرج على سيرته سواء في توزيع الاموال أم المناصب أم اسلوب الحكم، والشيخان نفسهما مختلفا السيرة، فأبو بكر ساوى في توزيع الاموال الخراجية وعمر فاوت فيها، وابو بكر كان يرى طلاق الثلاث


(1) الموافقات، ج / 4 ص 76. (2) اقرأ ما كتبه الشيخ عبد الله دراز في تعليقه على هذا الحديث في نفس المصدر، وما جاء فيه من تضعيف وتصحيح (*)

[ 139 ]

واحدا، وعمر شرعه ثلاثا، وعمر منع عن المتعتين، ولم يمنع عنهما الخليفة الاول ونظائر ذلك اكثر من أن تحصى. وعلى هذا، فأية هذه السير هي السنة ؟ وهل يمكن ان تكون كلها سنة حاكية عن الواقع، وهل يتقبل الواقع الواحد حكمين متناقضين ؟ ! وما أحسن ما ناقش الغزالي أمثال هذه الروايات بقوله: (فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ، وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة، وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف، وكيف يختلف المعصومان، كيف، وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه، فانتفاء الدليل على العصمة ووقوع الاختلاف بينهم وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة (1)). على أن بعض هذه الروايات أضيق من المدعى لاختصاصها بالخلفاء الراشدين كالرواية الاولى، فتعميمها إلى مختلف الصحابة لا يتضح له وجه، والروايات الباقية أجنبية عن إفادة إثبات جعل الحجية لما يصدر عنهم وغاية ما تدل عليه - لو صحت أسانيدها - مدحهم والثناء عليهم، والمدح والثناء لا يرتبطان بعالم جعل الحجية للممدوحين. على ان هذه الروايات - على تقدير تمامية دلالتها - مخصصة بما دل على ارتداد اكثرهم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: أين ؟ قال إلى النار والله، قلت: وما


(1) المستصفى، ج 1 ص 135. (*)

[ 140 ]

شأنهم ؟ قال: انهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين ؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم (1)) وفي روايته الاخرى عن سهل بن سعد قال: (قال النبي (صلى الله عليه وآله): إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال: هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت: نعم، فقال: اشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها، فأقول: انهم مني، فيقال انك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقا سحقا لمن غير بعدي (2)). وفي روايته الثالثة عن انس عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك (3)). إلى غير هذه الروايات مما عرضها البخاري في باب الحوض وغيره، كما عرضها غيره من اصحاب الصحاح وسائر السنن (4)، ولا يهم عرضها، وطبيعة الجمع بين الادلة تقتضي تقييد تلكم الادلة بغير المرتدين فمع الشك في ارتداد أحد الصحابة لا يمكن التمسك بتلكم العمومات لعدم احراز موضوعها وهو الصحابي غير المرتد، ويكون التمسك بها من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، والتحقيق انه لا يسوغ لان القضية لا


(1) البخاري، ج 8 ص 121. (2) البخاري، ج 8 ص 120. (3) البخاري، ج 8 ص 120. (4) أجوبة مسائل جار الله للامام شرف الدين، ص 14. (*)

[ 141 ]

تثبت موضوعها بل تحتاج إلى اثباته من خارج نطاق الدليل. وقد يقال ان المراد بالمرتدين هم اصحاب الردة الذين قاتلهم الخليفة أبو بكر، وهم معلومون فلا تصل النوبة إلى الشك والتوقف عن التمسك بتلكم العمومات، ولكن هذا الاحتمال بعيدا جدا لمنافاته بصراحة لرواية ابي هريرة السابقة التي صرحت بقولها: (فلا أراه يخلص إلا مثل همل النعم) وهي أبلغ كناية عن القلة، ومعنى ذلك أنها حكمت على أكثرهم بالارتداد، ومعلوم أن هؤلاء المرتدين الذين حاربهم الخليفة لا يشكلون إلا أقل القليل. ولولا أننا في مقام التماس الادلة إلى أحكام الله عزوجل، وهو يقتضينا ان لا نترك ما نحتمل مدخليته في مقام الحجية رفعا أو وضعا لكنا في غنى عن عرض هذه الاخبار والاحاديث والتحدث فيها. وما يقال عن هذه الاحاديث، يقال عن آية (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا (1)) وكأن هذه الاحاديث واردة مورد التفسير لهذه الآية، وموكدة لتحقق مضمونها بعد وفاته. الثالث (ان جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الاقاويل، فقد جعل طائفة قول أبي بكر وعمر حجة ودليلا، وبعضهم عد قول الخلفاء الاربعة دليلا، وبعضهم يعد قول الصحابة على الاطلاق حجة ودليلا، ولكن قول من هذه الاقوال متعلق من السنة، وهذه الآراء وإن ترجح عند العلماء خلافها ففيها تقوية تضاف إلى امر كلي هو المعتمد في المسألة، وذلك ان السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الائمة المعتبرين، فنجدهم إذا عينوا مذاهبهم قد ذكر من


(1) آل عمران / 144. (*)

[ 142 ]

ذهب إليها من الصحابة، وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم وقوة مآخذهم دون غيرهم وكبر شأنهم في الشريعة، وانهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فضلا عن النظر معهم فيما نظروا فيه، وقد نقل عن الشافعي أن المجتهد قبل ان يجتهد لا يمنع من تقليد الصحابة ويمنع من غيره وهو المنقول عنه في الصحابي كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته لحججته، ولكنه مع ذلك يعرف لهم قدرهم (1)). والجواب على هذا النوع من الاستدلال أنه أجنبي عن اعتبار ما يصدر عنهم من السنة، وغاية ما يدل عليه - لو صح - ان جمهور العلماء كانوا يرونهم في مجالات الرواية أو الرأي أوثق أو أوصل من غيرهم، والصدق والوثاقة واصالة الرأي شئ وكون ما ينتهون إليه من السنة شئ آخر، وقول الشافعي الذي نقله نفسه يبعدهم عن هذا المجال إذ كيف يمكن له ان يحج من كان قوله سنة، وهل يستطيع ان يقول مثل هذا الكلام عن النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ على ان هذا النوع من الترجيح لاقوالهم لا يعتمد أصلا من أصول التشريع، والعلماء لم يتفقوا عليه ليشكل اتفاقهم اجماعا يركن إليه. الرابع: (ما جاء في الاحاديث من ايجاب محبتهم، وذم من أبغضهم، وان من أحبهم فقد أحب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أبغضهم فقد أبغض النبي عليه الصلاة والسلام، وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه فقط إذ لا مزية في ذلك، وانما هو لشدة متابعتهم له وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته مع حمايته ونصرته، ومن كان بهذه المثابة حقيق ان يتخذ قدوة وتجعل سيرته قبلة (2)).


(1) الموافقات، ج 4 ص 77 وما بعدها. (2) الموافقات ج 4 ص 79 وما بعدها. (*)

[ 143 ]

والجواب عن هذا الاستدلال أوضح من سابقه لان ما ذكره من التعليل لا يكفي لاعطائهم صفة المشرعين أو الحاق منزلتهم بمنزلة النبوة، وغاية ما يصورهم أنهم أناس لهم مقامهم في خدمة الاسلام والالتزام بتعاليمه، ولكنه لا ينفي عنهم الخطأ أو السهو أو الغفلة، على ان لارباب الجرح والتعديل حسابا مع الكثير من روايات هذا الباب لا يهم عرضها الآن. هذا كله من حيث اعتبار ما يصدر عنهم من السنة، أما جعل الحجية لاقوالهم من حيث كونهم رواة ومجتهدين فلذلك حساب آخر يأتي موضعه في مبحث (مذهب الصحابي).

[ 145 ]

الباب الاول القسم الثاني السنة (3) سنة أهل البيت تمهيد ما يصلح للدليلية، أدلتهم من الكتاب: آية التطهير ودلالتها على العصمة، شبهات حول الآية ودفعها، آية أولي الامر، استدلال الرازي بها على العصمة، شبهات حول تعيين أولي الامر ودفعها، ادلتهم من السنة، حديث الثقلين، سند الحديث، دلالته على العصمة، مناقشات أبي زهرة للحديث، حديث حول المناقشات، من هم أهل البيت، الادلة العقلية ومدى دلالتها على ذلك.

[ 147 ]

تمهيد: وقد استدل الشيعة على حجية سنة أهل البيت بأدلة كثيرة، يصعب استعراضها جميعا واستيفاء الحديث فيها، وحسبنا ان نعرض منها الآن نماذج لا تحتاج دلالتها إلى مقدمات مطوية ليسهل استيعاب الحديث فيها. وأهم ما ذكروه من أدلتهم - على اختلافها - ثلاثة: الكتاب، السنة النبوية، العقل. والذي يهمنا من هذه الادلة التي عرضوها لاثبات مرادهم هو كل ما دل أو رجع إلى لزوم التمسك بهم، والرجوع إليهم، واعتبار قولهم حجة يستند إليها في مقام اثبات الواقع ومجرد مدحهم والثناء عليهم من قبل الله عزوجل أو النبي (صلى الله عليه وآله) لا يكفي في اعتبار الحجية لما يصدر عنهم وان قربت دلالته في كتب الشيعة الكلامية بعد ذكر مقدمات مطوية قد لا يخلو بعضها من مناقشة، وقد سبق ان تحدثنا فيما يشبه الموضوع مع الشاطبي عندما استدل على اعتبار سنة الصحابة بأخبار المدح والثناء عليهم، وما قلناه هناك نقوله هنا، وان كان نوع المديح يختلف لسانه، وربما كان في لسان بعضه هنا ما يشعر بالحجية، ولا يهم اطالة الحديث فيه. ثم إن الاحاديث التي وردت عن النبي (صلى الله عليه وآله) واستدلوا بها على الحجية، تختلف في أسانيدها، فبعضها يرجع إلى أهل البيت أنفسهم، وينفرد أو يكاد بروايته شيعة أهل البيت، وبعضها الآخر مما يتفق على روايته الشيعة وأهل السنة على السواء. والذي يحسن ان نذكره في أحاديثنا هذه منها هو خصوص ما اتفق

[ 148 ]

عليه الطرفان، ووثقوا رواته، اختصارا لمسافة الحديث وابعادا لشبهة من لا يطمئن إلى غير أحاديث أرباب مذهبه لاحتمال تحكم بعض العوامل الشعورية أو اللاشعورية في صياغتها، وتخلصا من شبهة الدور التي أثارها فضيلة الاستاذ الشيخ سليم البشري في مراجعاته القيمة مع الامام شرف الدين، فقد جاء في إحدى مراجعاته له: 1 - هاتها بينة من كلام الله ورسوله تشهد لكم بوجوب اتباع الائمة من أهل البيت دون غيرهم، ودعنا في هذا المقام من كلام غير الله ورسوله. 2 - فان كلام أئمتكم لا يصلح لئن يكون حجة على خصومهم والاحتجاج به في هذه المسألة دوري كما - تعلمون (1) -). وربما قرب الدور بدعوى ان حجية أقوال أهل البيت موقوفة على اثبات كونها من السنة، واثبات كونها من السنة موقوف على حجية أقوالهم، ومع إسقاط المتكرر ينتج ان اثبات كونها من السنة موقوف على إثبات كونها من السنة، ونظير هذا الدور ما سبق أن أوردناه على من استدل بالسنة النبوية على حجية السنة. ولكن الجواب عن هذا الدور هنا واضح إذا تصورنا أن حجية أقوال اهل البيت هذه لا تتوقف على كونها من السنة، وانما يكفي في إثبات الحجية لها كونها مروية من طريقهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) وصدورها عنهم باعتبارهم من الرواة الموثوقين، واذن يختلف الموقوف عن الموقوف عليه فيرتفع الدور، ويكون إثبات كون ما يصدر عنهم من السنة موقوفا على روايتهم الخاصة لا على أقوالهم كمشرعين. نعم لو أريد من أقوال الائمة غير الرواية عن النبي، بل باعتبارها نفسها سنة، وأريد إثبات


(1) المراجعات لشرف الدين، ص 19 المراجعة 13، ويحسن لكل مسلم ان يطلع على هذه المراجعات فان فيها من أدب المناظرة وعمق البحث ما يقل نظيره في هذا المجال. (*)

[ 149 ]

كونها سنة بنفس الاقوال لتحكمت شبهة الدور ولا مدفع لها. وعلى أي حال فان الذي يحسن بنا - متى أردنا لانفسنا الموضوعية في بحوثنا هذه - ان نتجنب هذا النوع من الاحاديث ونقتصر على خصوص ما اتفق الطرفان على روايته، ووجد في كتبهم المعتمدة لهم. أدلتهم من الكتاب: استدلوا من الكتاب بآيات عدة نكتفي منها بما اعتبروه دالا على عصمتهم لانه هو الذي يتصل بطبيعة بحوثنا هذه، وأهمها آيتان: الاولى آية التطهير وهي: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا). وتقريب الاستدلال بها على عصمة اهل البيت ما ورد فيها من حصر ارادة إذهاب الرجس - أي الذنوب - عنهم بكلمة (انما)، وهي من أقوى أدوات الحصر واستحالة تخلف المراد عن الارادة بالنسبة له تعالى من البديهيات لمن آمن بالله عزوجل، وقرأ في كتابه العزيز: (انما أمره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون)، وتخريجها على أساس فلسفي من البديهيات أيضا لمن يدرك أن إرادته هي العلة التامة أو آخر أجزائها بالنسبة لجميع مخلوقاته، واستحالة تخلف المعلول عن العلة من القضايا الاولية، ولا أقل من كونها من القضايا المسلمة لدى الطرفين كما سبقت الاشارة إلى ذلك، وليس معنى العصمة إلا استحالة صدور الذنب عن صاحبها عادة. شبهات حول الآية: 1 - وقد يقال ان الارادة - كما يقسمها علماء الاصول - إرادتان:

[ 150 ]

تكوينية وتشريعية، وهي وإن كانت من حيث استحالة تخلف المراد عنها واحدة - إلا انها تختلف بالنسبة إلى المتعلق، فإن كان متعلقها خصوص الامور الواقعية من أفعال المكلفين وغيرها سميت تكوينية، وان كان متعلقها الامور المجعولة على أفعال المكلفين من قبل المشرع سميت إرادة تشريعية. والارادة هنا لا ترتبط بالارادة التكوينية لان متعلقها الاحكام الواردة على أفعالهم فكأن الآية تقول: (إنما شرعنا لكم الاحكام يا أهل البيت لنذهب بها الرجس عنكم ولنطهركم بها تطهيرا). ولكن تفسير الارادة هنا بالارادة التشريعية يتنافى مع نص الآية بالحصر المستفاد من كلمة (إنما) إذ لا خصوصية لاهل البيت في تشريع الاحكام لهم، وليست لهم أحكام مستقلة عن أحكام بقية المكلفين، والغاية من تشريعه للاحكام إذهاب الرجس عن الجميع، لا عن خصوص أهل البيت على أن حملها على الارادة التشريعية يتنافى مع اهتمام النبي (صلى الله عليه وآله) بأهل البيت وتطبيق الآية عليهم بالخصوص، كما يأتي ذلك فيما بعد. 2 - وقد يقال أيضا ان حملها على الارادة التكوينية وإن دل على معنى العصمة فيهم لاستحالة تخلف المراد عن إرادته تعالى، إلا ان ذلك يجرنا إلى الالتزام بالجبر وسلبهم الارادة فيما يصدر عنهم من أفعال ما دامت الارادة التكوينية هي المتحكمة في جميع تصرفاتهم، ونتيجة ذلك حتما حرمانهم من الثواب لانه وليد إرادة العبد، كما تقتضيه نظرية التحسين والتقبيح العقليين، وهذا ما لا يمكن ان يلتزم به مدعو الامامة لاهل البيت. والجواب على هذه الشبهة يجرنا إلى الحديث حول نظرية الجبر والاختيار عند الشيعة.

[ 151 ]

وملخص ما ذهبوا إليه أن جميع أفعال العبيد وإن كانت مخلوقة لله عزوجل، ومرادة له بالارادة التكوينية لامتناع جعل الشريك له في الخلق، إلا أن خلقه لافعالهم إنما هو بتوسط إرادتهم الخاصة غالبا وفي طولها، وبذلك صححوا نسبة الافعال للعبيد ونسبتها لله فهي مخلوقة لله عزوجل حقيقة، وهي صادرة عن إرادة العبيد حقيقة أيضا، وبذلك صححوا الثواب والعقاب، وذهبوا إلى الحل الوسط الذي أخذوه من أقوال أئمتهم (عليهم السلام) لا جبر ولا تفويض، وانما هو أمر بين أمرين وبهذا سلموا من مخالفة الوجدان في نفي الارادة وسلبها عنهم، كما هو مفاد مذهب القائلين بالجبر، كما سلموا من شبهة المفوضة في عزل الله عن خلقه وتفويض الخلق لعبيده، كما هو مذهب المفوضة. وبناء على هذه النظرية يكون مفاد الآية ان الله عزوجل لما علم أن إرادتهم تجري دائما على وفق ما شرعه لهم من أحكام، بحكم ما زودوا به من إمكانات ذاتية، ومواهب مكتسبة نتيجة تربيتهم على وفق مبادئ الاسلام تربية حولتهم في سلوكهم إلى اسلام متجسد، ثم بحكم ما كانت لديهم من القدرات على أعمال ارادتهم وفق أحكامه التي استوعبوها علما وخبرة، فقد صح له الاخبار عن ذاته المقدسة بأنه لا يريد لهم بإرادته التكوينية إلا إذهاب الرجس عنهم، لانه لا يفيض الوجود إلا على هذا النوع من أفعالهم ما داموا هم لا يريدون لانفسهم إلا إذهاب الرجس والتطهير عنهم. وبهذا يتضح معنى الاصطفاء والاختيار من قبله لبعض عبيده في ان يحملوا ثقل النهوض برسالته المقدسة كما هو الشأن في الانبياء وأوصيائهم عليهم السلام. على أن الشبهة لو تمت فهي جارية في الانبياء جميعا، وثبوت العصمة

[ 152 ]

لهم - ولو نسبيا - موضع اتفاق الجميع، فما يجاب به هناك يجاب به هنا من دون فرق، والشبهة لا يمكن ان تحل إلا على مذهب اهل البيت في نظرية الامر بين الامرين على جميع التقادير. 3 - وشبهة ثالثة، أثاروها حول المراد من أهل البيت، فالذي عليه عكرمة ومقاتل - وهما من أقدم من تبنى ابعادها عن أهل البيت في عرف الشيعة - نزولها في نساء النبي (صلى الله عليه وآله) خاصة. وكان من مظاهر إصرار عكرمة وتبينه لهذا الرأي: انه كان ينادي به في السوق (1)، وكان يقول: (من شاء باهلته انها نزلت في أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) (2)) والذي يبدو ان الرأي السائد على عهده كان على خلاف رأيه كما يشعر فحوى رده على غيره (ليس بالذي تذهبون إليه إنما هو نساء النبي (صلى الله عليه وآله) (3)) وقد نسب هذا الرأي إلى ابن عباس، ويبدو أنه المصدر الوحيد في النسبة إليه وان كان في أسباب النزول للواحدي رواية عن ابن عباس يرويها سعيد بن جبير دون توسط عكرمة هذا (4)، إلا ان رواية ابن مردويه لها عن سعيد بن جبير عنه (5) - أي عن عكرمة - عن ابن عباس يقرب ان يكون في رواية الواحدي تدليس وهما رواية واحدة، وقد استدل هو أو استدلوا له بوحدة السياق، لان الآية إنما وردت ضمن آيات نزلت كلها في نساء النبي، ووحدة السياق كافية لتعيين المراد من أهل البيت. والحديث حول هذه الشبهة يدعونا إلى تقييم آراء كل من عكرمة ومقاتل، ومعرفة البواعث النفسية التي بعثت بعكرمة على كل هذا الاصرار


(1) الواحدي في أسباب النزول، ص 268. (2) الدر المنثور، ج 5 ص 198. (3) الدر المنثور، ج 5 ص 198. (4) أسباب النزول، ص 267. (5) الدر المنثور، ج 5 ص 198. (*)

[ 153 ]

والموقف غير المحايد، حتى اضطره الموقف إلى الدعوة إلى المباهلة والنداء في الاسواق، وهو موقف غير طبيعي منه، ولا الف في غير هذا الموقف المعين. والظاهر ان لذلك كله ارتباطا بعقيدته التي تبناها يوم اعتنق مذهب الخوارج (1) وبخاصة رأي نجدة الحروري (2). وللخوارج موقف مع الامام علي معروف، فلو التزم بنزول الآية في أهل البيت بما فيهم علي، لكان عليه القول بعصمته ولاهار على نفسه أسس عقيدته التي سوغت لهم الخروج عليه ومقاتلته، وبررت لهم - أعني الخوارج - قتله. وقد استغل علائقه بابن عباس وسيلة للكذب عليه، وكان ممن يستسيغون الكذب في سبيل العقيدة - فيما يبدو - ومن أولى من ابن عباس في الكذب عليه فيما يتصل بهذا الموضوع الحساس - وقد اشتهرت قصة كذبه على ابن عباس بين خاصته حتى كان يضرب المثل فيه، فعن ابن المسيب (انه قال لمولى له اسمه برد: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، وعن ابن عمر أنه قال ذلك أيضا لمولاه نافع (3)). وقد حاول علي بن عبد الله بن عباس صده وردعه عن ذلك، ومن وسائله التي اتخذها معه أنه كان يوثقه على الكنيف ليرتدع عن الكذب على أبيه، يقول عبد الله بن ابي الحرث: (دخلت على ابن عبد الله بن عباس وعكرمة موثق على باب كنيف، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم ؟ فقال: ان هذا يكذب على أبي (4))، وحقده فيما يبدو لم يختص بأهل


(1) وفيات الاعيان، ج 1 ص 320، ترجمة عكرمة. (2 - 3) راجع الكلمة الغراء لشرف الدين، ص 215 وما بعدها، نقلا عن ميزان الاعتدال وغيره، ففيه بالاضافة إلى ذلك آراء مختلف النقاد الرجاليين فيه. (4) وفيات الاعيان، ج 1 ص 320. (*)

[ 154 ]

البيت وانما تجاوزهم إلى جميع المسلمين عدا الخوارج، فعن خالد بن عمران قال: (كنا في المغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم، فقال: وددت أن بيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يمينا وشمالا، وعن يعقوب الحضرمي عن جده، قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلا كافر (1)). وأما مقاتل فحسابه من حيث العداء لامير المؤمنين حساب عكرمة، ونسبة الكذب إليه لا تقل عن نسبتها إلى زميله عكرمة، حتى عده النسائي في جملة الكذابين المعروفين بوضع الحديث (2). وقال الجوزجاني، كما في ترجمة مقاتل من ميزان الذهبي: كان مقاتل كذابا جسورا (3)) (وكان يقول لابي جعفر المنصور: أنظر ما تحب أن أحدثه فيك حتى أحدثه، وقال للمهدي: إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس، قال: لا حاجة لي فيها (4))، وإذا كان كل من مقاتل وعكرمة بهذا المستوى لدى أرباب الجرح والتعديل، فأمر روايتهما ورأيهما لا يحتاج إلى إطالة حديث وبخاصة في مثل هذه المسألة التي تمس مواقع العقيدة أو العاطفة من نفسيهما. ولكن هذه البواعث فيما يبدو، خفيت على بعض الاعلام، فأقاموا لرأيهما وروايتهما وزنا، ولذلك نرى ان نعود إلى التحدث عن ذلك بعيدا عن شخصيتهما لنرى قيمة هذه الرواية أو هذا الرأي. 1 - والذي لاحظته من قسم من الروايات: أن لفظة الاهل لم تكن تطلق في ألسنة العرب على الازواج إلا بضرب من التجوز، ففي


(1) الكلمة الغراء، ص 215 طبعة النجف، وهي ملحقة بكتابه الفصول المهمة. (2) دلائل الصدق، ج 2 ص 95. (3) الكلمة الغراء، ص 217. (4) اقرأ مصادرها في الغدير، ج 5 ص 266. (*)

[ 155 ]

صحيح مسلم: ان زيد بن أرقم سئل عن المراد بأهل البيت هل هم النساء ؟ (قال: لا وايم الله، ان المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومها (1)). وفي رواية أم سلمة، قالت: نزلت هذه الآية في بيتي (: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، وفي البيت سبعة: جبريل وميكائيل وعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم)، وانا على باب البيت، قلت: ألست من أهل البيت ؟ قال: إنك إلى خير إنك من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) (2) فدفعها عن صدق هذا العنوان عليها، وإثبات الزوجية لها: يدل على أن مفهوم الاهل لا يشمل الزوجة، كما ان تعليل زيد بن أرقم يدل على المفروغية عن ذلك ولا يبعد دعوى التبادر من كلمة أهل خصوص من كانت له بالشخص وشائج قربى ثابتة غير قابلة للزوال، والزوجة وان كانت قريبة من الزوج إلا ان وشائجها القربية قابلة للزوال بالطلاق وشبهه، كما ذكر زيد. 2 - ومع الغض عن هذه الناحية، فدعوى نزولها في نساء النبي شرف لم تدعه لنفسها واحدة من النساء، بل صرحت غير واحدة منهن بنزولها في النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين. (أخرج الترمذي، وصححه، وابن جرير وابن المنذر والحاكم، وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة (رضي الله عنها) قالت: في بيتي نزلت: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت)، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين، فجللهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكساء كان عليه، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، فاذهب عنهم


(1) صحيح مسلم، باب فضائل علي. (2) الدر المنثور ج 5 ص 198. (*)

[ 156 ]

الرجس وطهرهم تطهيرا (1)). وفي رواية أم سلمة الاخرى، وهي صحيحة على شرط البخاري (في بيتي نزلت: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت)، فأرسل رسول الله إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: هؤلاء أهل بيتي (2)). وحديث الكساء، الذي كاد أن يتواتر مضمونه لتعدد رواته لدى الشيعة والسنة في جميع الطبقات، حافل بتطبيقها عليهم بالخصوص، تقول عائشة: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي، فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (3)). والذي يبدو ان الغرض من حصرهم تحت الكساء، وتطبيق الآية عليهم، ومنع حتى أم سلمة من الدخول معهم، كما ورد في روايات كثيرة، هو التأكيد على اختصاصهم بالآية، وقطع الطريق على كل ادعاء بشمولها لغيرهم. وهناك روايات آحاد توسع بعضها في الجالسين تحت الكساء إلى ما يشمل جميع أقاربه وبناته وأزواجه، وبعضهم تخصهم بالعباس وولده حيث اشتمل النبي (صلى الله عليه وآله) (على العباس وبنيه بملاءة، ثم قال: يا رب هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم فامنت أسكفة الباب وحوائط البيت، فقالت امين وهي ثلاثا (4)).


(1) الدر المنثور، ج 5 ص 198. (2) الحاكم في المستدرك، ج 3 ص 146. (3) صحيح مسلم، ج 7 ص 130. (4) دلائل الصدق، ج 2 ص 72 نقلا عن الصواعق المحرقة. (*)

[ 157 ]

وهي لعدم طبعيتها وضعف أسانيدها، ومجافاتها لواقع الكثير منهم لا تستحق أن يطال فيها الحديث، ومن رغب في الاطلاع عليها فليقرأها مع محاكماتها في كتاب دلائل الصدق (1)، وحسبها وهنا أن لا يستدل بها أو يستند إليها أحد من اولئك أو أحد اتباعهم مع ما فيها من الشرف العظيم لامثالهم. وكأن النبي (صلى الله عليه وآله) وقد خشي ان يستغل بعضهم قربه منه فيزعم شمول الآية له، فحاول قطع السبيل عليهم بالتأكيد على تطبيقها على هؤلاء بالخصوص، وتكرار هذا التطبيق حتى تألفه الاسماع، وتطمئن إليه القلوب، يقول ابو الحمراء: (حفظت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى الى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب، ثم قال: الصلاة الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيرا (2)). وفي رواية ابن عباس، قال: شهدنا رسول الله تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) عند وقت كل صلاة، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اهل البيت، (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا (3)). ومع ذلك كله، فهل تبقى لدعوى عكرمة وروايته مجال لمعارضة هذه الصحاح وعشرات من أمثالها (4) حفلت بها كتب الحديث والكثير من صحاحها ؟ 3 - أما ما يتصل بدعوى وحدة السياق، فهي لو تمت لما كانت أكثر من كونها اجتهادا في مقابلة النص، والنصوص السابقة كافية لرفع


(1) ج 2 ص 72 وما بعدها. (2، 3) الدر المنثور، ج 5 ص 199. (4) يحسن لمن يرغب استيعاب رواية الباب ان يرجع إلى دلائل الصدق، ج 2 آية التطهير والكلمة الغراء. (*)

[ 158 ]

اليد عن كل اجتهاد جاء على خلافها، على أنها في نفسها غير تامة، لان من شرائط التمسك بوحدة السياق ان يعلم وحدة الكلام ليكون بعضه قرينة على المراد من البعض الآخر، ومع احتمال التعدد في الكلام لا مجال للتمسك بها بحال. ووقوع هذه الآية أو هذا القسم منها ضمن ما نزل في زوجات النبي، لا يدل على وحدة الكلام لما نعرف من أن نظم القرآن لم يجر على أساس من التسلسل الزمني، فرب آية مكية وضعت بين آيات مدنية وبالعكس فضلا عن اثبات ان الآيات المتسلسلة كان نزولها دفعة واحدة. ومع تولد هذا الاحتمال لا يبقى مجال للتمسك بوحدة السياق، وأي سياق يصلح للقرينية مع احتمال التعدد في أطرافه وتباعد ما بينها في النزول. على ان تذكير الضمير في آية التطهير وتأنيث بقية الضمائر في الآيات السابقة عليها واللاحقة لها يقرب ما قلناه، إذ ان وحدة السياق تقتضي اتحادا في نوع الضمائر، ومقتضى التسلسل الطبيعي ان تكون الآية هكذا، انما يريد الله ليذهب عنكن الرجس أهل البيت لا عنكم. والظاهر من روايات أم سلمة، وهي التي نزلت في بيتها هذه الآية أنها نزلت منفردة كما توحي به مختلف الاجواء التي رسمتها رواياتها لما أحاط بها من جمع أهل البيت وادخالهم في الكساء ومنعها من مشاركتهم في الدخول إلى ما هنالك. والحق الذي يتراءى لنا من مجموع ما رويناه من نزول الآية وحرص النبي (صلى الله عليه وآله) على عدم مشاركة الغير لهم فيها واتخاذه الاحتياطات بادخالهم تحت الكساء، ليقطع بها الطريق على كل مدع ومتقول، ثم تأكيده هذا المعنى خلال تسعة أشهر في كل يوم خمس مرات يقف فيها على باب علي وفاطمة، كل ذلك مما يوجب القطع بأن للآية شأنا يتجاوز المناحي

[ 159 ]

العاطفية، وهو مما يتنزه عنه مقام النبوة لامر يتصل بصميم التشريع من اثبات العصمة لهم، وما يلازم ذلك من لزوم الرجوع إليهم والتأثر والتأسي بهم في أخذ الاحكام، على ان الآية لا يتضح لها معنى غير ذلك كما أوضحناه في بداية الحديث. الآية الثانية قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (1). وقد قرب الفخر الرازي دلالتها على عصمة أولي الامر في تفسيره لهذه الآية بقوله: (ان الله تعالى أمر بطاعة أولي الامر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوما عن الخطأ إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير اقدامه على الخطأ، يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الامر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وانه محال، فثبت ان الله تعالى أمر بطاعة أولي الامر على سبيل الجزم، وثبت ان كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب ان يكون معصوما عن الخطأ، فثبت قطعا أن أولي الامر المذكور في هذه الآية لا بد وان يكون معصوما (2)) ولكن الفخر الرازي خالف الشيعة في دعواهم في ارادة خصوص أئمتهم من هذه الآية وقرب ان يكون المراد منها أهل الاجماع بالخصوص، واستدل على ذلك بقوله: (ثم نقول: ذلك المعصوم).


(1) النساء / 59. (2) التفسير الكبير، ج 10 ص 144. ويؤيد هذا التقريب مساواتهم لله والرسول في وجوب طاعتهم مما يدل على ان جعل الاطاعة لهم ليس من نوع جعلها للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بل هي من نوع اطاعة الله والرسول التي تجب على كل حال. (*)

[ 160 ]

أما مجموع الامة أو بعض الامة لا جائز ان يكون بعض الامة لانا بينا ان الله تعالى أوجب طاعة أولي الامر في هذه الآية قطعا، وايجاب طاعتهم قطعا مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم، ونحن نعلم بالضرورة أنا في زماننا عاجزون عن معرفة الامام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم، وإذا كان الامر كذلك، علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضا من أبعاض الامة ولا طائفة من طوائفهم، ولما بطل هذا، وجب ان يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله: وأولي الامر أهل الحل والعقد من الامة، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الامة حجة (1)). ثم استعرض بعد ذلك الاقوال الاخر في الآية وناقشها جميعا مناقشات ذات أصالة وجهد حتى انتهى إلى رأي من أسماهم بالروافض، فقال: (وأما حمل الآية على الائمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوه: أحدها ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الايجاب مشروطا، وظاهر قوله: أطيعوا الله وأطيعو الرسول وأولي الامر منكم يقتضي الاطلاق، وأيضا ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال وذلك لانه تعالى أمر بطاعة الله وطاعة الرسول، وطاعة أولي الامر في لفظة واحدة وهو قوله: وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم، واللفظة الواحدة لا يجوز ان تكون مطلقة ومشروطة معا، فلما كانت


(1) التفسير الكبير، ج 10 ص 144. (*)

[ 161 ]

هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب ان تكون مطلقة في حق أولي الامر. الثاني أنه تعالى أمر بطاعة أولي الامر وأولو الامر جمع، وعندهم لا يكون في الزمان إلا إمام واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر. وثالثها أنه قال: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول، ولو كان المراد بأولي الامر الامام المعصوم لوجب ان يقال: فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الامام، فثبت ان الحق تفسير الآية بما ذكرناه (1)). والذي يرد - على الفخر الرازي في استفادته وجوب إطاعة أهل الاجماع وانهم هم المراد من كلمة أولي الامر لا الائمة - بناؤه هذه الاستفادة على اعتبار معرفة متعلق الحكم من شروط نفس التكليف، وبانتفاء هذا الشرط لتعذر معرفة الائمة والوصول إليهم ينتفي المشروط. وهذا النوع من الاستفادة غريب في بابه، إذ لازمه ان تتحول جميع القضايا المطلقة إلى قضايا، مشروطة لانه ما من قضية الا ويتوقف امتثالها على معرفة متعلقها، فلو اعتبرت معرفة المتعلق شرطا فيها لزمت ان تكون مشروطة والظاهر ان الرازي خلط بين ما كان من سنخ مقدمة الوجوب وما كان من سنخ مقدمة الواجب، فلزوم معرفة المتعلق إنما هو من النوع الثاني أي من نوع ما يتوقف عليه امتثال التكليف لا اصله، ولذلك التزم بعضهم بوجوبه المقدمي، بينما لم يلتزم أحد فيما نعلم بوجوب مقدمات أصل التكليف وشروطه، إذ الوجوب قبل حصولها غير موجود ليتولد منه وجوب لمقدماته وبعد وجودها لا معنى لتولد الوجوب منه بالنسبة إليها


(1) التفسير الكبير، ج 10 ص 146. (*)

[ 162 ]

للزوم تحصيل الحاصل. وعلى هذا فوجوب معرفة المتعلق للتكاليف، لا يمكن أخذه شرطا فيها بما هو متعلق لها لتأخره رتبة عنها، ويستحيل أخذ المتأخر في المتقدم للزوم الخلف أو الدور. على ان هذا الاشكال وارد عليه نقضا، لان اجماع أهل الحل والعقد هو نفسه مما يحتاج إلى معرفة، وربما كانت معرفته أشق من معرفة فرد أو أفراد لاحتياجها إلى استيعاب جميع المجتهدين وليس من، السهل استقراؤهم جميعا والاطلاع على آرائهم، وعلى مبناه يلزم تقييد وجوب الاطاعة بمعرفتهم، ويعسر تحصيل هذا الشرط والاشكال نفس الاشكال. والغريب في دعواه بعد ذلك ادعاء العجز عن الوصول إلى الائمة ومعرفة آرائهم ! ! مع توفر أدلة معرفتهم وامكان الوصول إلى ما يأتون به من أحكام بواسطة رواتهم الموثوقين. ثم إن استفادة الاجماع من كلمة (أولي الامر) مبنية على ارادة العموم المجموعي منها وحملها على ذلك خلاف الظاهر، لان الظاهر من هذا النوع من العمومات هو العموم الاستغراقي المنحل في واقعه إلى أحكام متعددة بتعدد أفراده، ومن استعرض أحكام الشارع التي استعمل فيها العمومات الاستغراقية، يجدها مستوعبة لاكثر أحكامه وما كان منها من قبيل العموم المجموعي نادر نسبيا، فلو قال الشارع: اعطوا زكواتكم لاولي الفقر والمسكنة - مثلا - فهل معنى ذلك لزوم اعطائها لهم مجتمعين واعطاء الزكوات مجتمعة أم ماذا ؟ وعلى هذا فحمل (اولي الامر) في الآية على العموم المجموعي حمل على الفرد النادر من دون قرينة ملزمة وما ذكره من القرينة لا تصلح لذلك ما دام أهل الاجماع أنفسهم مما يحتاجون إلى المعرفة كالائمة،

[ 163 ]

ومعرفة واحد أو آحاد أيسر بكثير من معرفة مجموع المجتهدين - كما قلنا - وبخاصة بعد توفر وسائل معرفتهم وأخذ الاحكام عنهم. وقد اتضحت الاجابة بهذا على ما أورده على الشيعة من اشكالات. أما الاشكال الاول فهو بالاضافة إلى وروده نقضا عليه لان اطاعة الله والرسول وأهل الحل والعقد كلها مما تتوقف على المعرفة، ان المعرفة لا يمكن أخذها قيدا في أصل التكليف لما سبق بيانه، ولو أمكن فالوجوبات الواردة على اطاعة الله والرسول كلها مقيدة بها فلا يلزم التفرقة في التكليف الواحد كما يقول. والاشكال الثاني يتضح جوابه مما ذكرناه في اعتبار هذا النوع من الجموع من العمومات الاستغراقية التي ينال فيها كل فرد حكمه فإذا قال المشرع الحديث - مثلا -: حكم الحاكم نافذ في المحاكم المدنية، فان معناه ان حكم كل واحد منهم، نافذ لا حكمهم مجتمعين، نعم يظهر من اتيانه بلسان الجمع ان أولي الامر أكثر من فرد واحد وهذا ما تقول به الشيعة، ولا يلزمه ان يكونوا مجتمعين في زمان واحد لان صدق الجمع على الافراد الموزعين على الازمنة لا ينافي ظاهره. يبقى الاشكال الثالث وهو عدم ذكره لاولي الامر في وجوب الرد إليهم عند التنازع بل اقتصر في الذكر على خصوص الله والرسول، وهذا الاشكال أمره سهل لجواز الحذف اعتمادا على قرينة ذكره سابقا، وقد سبق في صدر الآية ان ساوى بينهم وبين الله والرسول في لزوم الطاعة، ويؤيد هذا المعنى ما ورد في الآية الثانية (ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستبطونه منهم). والاشكال الذي يرد على الشيعة - بعد تسليم دلالتها على عصمة أولي الامر كما قال الفخر - ان القضية لا تثبت موضوعها فهي لا تعين المراد

[ 164 ]

من أولي الامر وهل هم الائمة من اهل البيت أو غيرهم، فلا بد من إثبات ذلك إلى التماس أدلة أخرى من غير الآية، وسيأتي الحديث حول ذلك في جواب سؤال من هم اهل البيت. والآيات الباقية التي استدلوا بها على العصمة حساب ما يدل منها عليها حساب هذه الآية من حيث عدم تعيينها للامام المعصوم، فالمهم ان يساق الحديث إلى أدلتهم من السنة النبوية. أدلتهم من السنة: وأول أدلتهم من السنة وأهمها: حديث الثقلين: وهذا الحديث يكاد يكون متواترا بل هو متواتر فعلا، إذا لوحظ مجموع رواته من الشيعة والسنة في مختلف الطبقات، واختلاف بعض الرواة في زيادة النقل ونقيصته تقتضيه طبيعة تعدد الواقعة التي صدر فيها، ونقل بعضهم له بالمعنى وموضع الالتقاء بين الرواة متواتر قطعا. ومن حسنات دار التقريب بين المذاهب الاسلامية في مصر، أنها أصدرت رسالة ضافية ألفها بعض أعضائها في هذا الحديث أسمتها: (حديث الثقلين)، وقد استوفى فيها مؤلفها ما وقف عليه من أسانيد الحديث في الكتب المعتمدة لدى اهل السنة. وحسب الحديث لئن يكون موضع اعتماد الباحثين ان يكون من رواته كل من صحيح مسلم، وسنن الدارمي، وخصائص النسائي، وسنن أبي داود، وابن ماجة، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم، وذخائر الطبري، وحلية الاولياء، وكنز العمال، وغيرهم، وان تعنى بروايته كتب

[ 165 ]

المفسرين أمثال الرازي، والثعلبي، والنيسابوري، والخازن، وابن كثير، وغيرهم، بالاضافة إلى الكثير من كتب التأريخ، واللغة، والسير، والتراجم. وقد استقصت رسالة دار التقريب عشرات المؤلفين من هؤلاء وغيرهم (1)، وقد كنت أود نقلها بنصها لقيمة ما ورد فيها من رأي ونقل لولا انتشارها وتداولها، وما أظن أن حديثا يملك من الشهرة ما يملكه هذا الحديث، وقد أوصله ابن حجر في الصواعق المحرقة إلى نيف وعشرين صحابيا، يقول في كتابه: (ثم اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيا (2))، وفي غاية المرام وصلت أحاديثه من طرق السنة إلى (39) حديثا ومن طرق الشيعة إلى (82) حديثا (3). والظاهر أن سر شهرته تكرار النبي (صلى الله عليه وآله) له في أكثر من موضع يقول ابن حجر: (ومر له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنه قاله بالمدينة في مرضه، وقد امتلات الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه قال ذلك لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف). وقال: (ولا تنافي إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة (4)). ولسان الحديث كما في رواية زيد بن أرقم: (إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض،


(1) راجع ذلك في هذه الرسالة، ص 5 وما بعدها، مطبعة مخيمر مصر. (2) الصواعق المحرقة، ص 148. (3) أصول الاستنباط، ص 24. (4) الصواعق المحرقة. (*)

[ 166 ]

وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما (1)). وفي رواية زيد بن ثابت: (إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والارض، أو ما بين السماء إلى الارض، وعترتي اهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (2)). ورواية أبي سعيد الخدري: (إني أوشك ان أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزوجل، وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي اهل بيتي، وان اللطيف أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما (3)). وقد استفيد من هذا الحديث عدة أمور نعرضها بإيجاز: 1 - دلالته على عصمة اهل البيت: أ - لاقترانهم بالكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتصريحه بعدم افتراقهم عنه، ومن البديهي أن صدور أية مخالفة للشريعة سواء كانت عن عمد أم سهو أم غفلة، تعتبر افتراقا عن القرآن في هذا الحال وان لم يتحقق انطباق عنوان المعصية عليها أحيانا كما في الغافل والساهي، والمدار في صدق عنوان الافتراق عنه عدم مصاحبته لعدم التقيد بأحكامه وإن كان معذورا في ذلك، فيقال فلان - مثلا - افترق عن الكتاب وكان معذورا في افتراقه عنه، والحديث صريح في عدم افتراقهما حتى يردا الحوض. ب - ولانه اعتبر التمسك بهم عاصما عن الضلالة دائما وأبدا، كما هو مقتضى ما تفيده كلمة لن التأبيدية، وفاقد الشئ لا يعطيه. ج - على أن تجويز الافتراق عليهم بمخالفة الكتاب وصدور الذنب


(1، 2، 3) اقرأ أسانيدها مفصلة في كتاب المراجعات، ص 20، 21، وبقية ألسنتها متقاربة وأكثرها صحيحة الاسناد. (*)

[ 167 ]

منهم تجويز للكذب على الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي أخبر عن الله عزوجل بعدم وقوع افتراقهما، وتجويز الكذب عليه متعمدا في مقام التبليغ والاخبار عن الله في الاحكام وما يرجع إليها من موضوعاتها وعللها، مناف لافتراض العصمة في التبليغ، وهي مما أجمعت عليها كلمة المسلمين على الاطلاق حتى نفاة العصمة عنه بقول مطلق، يقول الشوكاني بعد استعراضه لمختلف مبانيهم في عصمة الانبياء: (وهكذا وقع الاجماع على عصمتهم بعد النبوة من تعمد الكذب في الاحكام الشرعية لدلالة المعجزة على صدقهم، وأما الكذب غلطا فمنعه الجمهور، وجوزه القاضي أبو بكر (1)). ولا إشكال أن الغلط لا يتأتى في هذا الحديث لاصرار النبي (صلى الله عليه وآله) على تبليغه في أكثر من موضع والزام الناس بمؤداه، والغلط لا يتكرر عادة. على ان الادلة العقلية على عصمة النبي، والتي سبقت الاشارة إليها، من استحالة الخطأ عليه في مقام التبليغ - وكلما يصدر عنه تبليغ - كما يأتي، تكفي في دفع شبهة القاضي أبي بكر، وتمنع من احتمال الخطأ في دعواه عدم الافتراق. 2 - لزوم التمسك بهما معا لا بواحد منهما منعا من الضلالة، لقوله (صلى الله عليه وآله): فيه ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، ولقوله: فانظروا كيف تخلفونني فيهما، وأوضح من ذلك دلالة ما ورد في رواية الطبراني في تتمتها: (فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم (2)). وبالطبع أن معنى التمسك بالقرآن، هو الاخذ بتعاليمه والسير على وفقها، وهو نفسه معنى التمسك بأهل البيت عدل القرآن. ومن هذا الحديث يتضح أن التمسك بأحدهما لا يغني عن الآخر (ما


(1) ارشاد الفحول، ص 34. (2) الصواعق المحرقة، ص 148. (*)

[ 168 ]

إن تمسكتم بهما)، (ولا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا). ولم يقل ما إن تمسكتم بأحدهما، أو تقدمتم أحدهما، وسيأتي السر في ذلك من أنهما معا يشكلان وحدة يتمثل بها الاسلام على واقعه وبكامل أحكامه ووظائفه. 3 - بقاء العترة إلى جنب الكتاب إلى يوم القيمة، أي لا يخلو منهما زمان من الازمنة ما داما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وهي كناية عن بقائهما إلى يوم القيمة. يقول ابن حجر: (وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة على عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيمة، كما ان الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أمانا لاهل الارض كما يأتي، ويشهد لذلك الخبر السابق: في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي (1)). 4 - دلالته على تميزهم بالعلم بكل ما يتصل بالشريعة وغيره، كما يدل على ذلك اقترانهم بالكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، ولقوله (صلى الله عليه وآله): ولا تعلموهم فانهم أعلم منكم. يقال ابن حجر: - وهو من خير من كتبوا في هذا الحديث فهما وموضوعية (تنبيه سمى رسول الله (صلى الله عليه وآله) القرآن وعترته، وهي بالمثناة الفوقية، الاهل والنسل والرهط الادنون الثقلين، لان الثقل كل نفيس خطير مصون، وهذان كذلك إذ كل منهما معدن العلوم اللدنية، والاسرار والحكم العلية، والاحكام الشرعية) (ولذا حث (صلى الله عليه وآله) على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت). (وقيل: سميا ثقلين، لثقل وجوب رعاية حقوقهما). (ثم إن الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله


(1) الصواعق المحرقة، ص 149. (*)

[ 169 ]

وسنة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض، ويؤيده الخبر السابق: ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، وتميزوا بذلك عن بقية العلماء لان الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وشرفهم بالكرامات الباهرة، والمزايا المتكاثرة، وقد مر بعضها (1)). مناقشة الحديث: وقد ناقش الاستاذ محمد أبو زهرة هذا الحديث بمناقشات مطولة بعد أن استعرض استدلال الشيعة به على وجوب الرجوع إليهم، نذكر كل ما يتصل بحديثنا منه، ثم نعقب عليه بما يتراءى لنا من أوجه المفارقة فيه. يقول: (ولكنا نقول: ان كتب السنة التي ذكرته بلفظ سنتي أوثق من الكتب التي روته بلفظ عترتي، وبعد التسليم بصحة اللفظ نقول: بانه لا يقطع بل لا يعين من ذكروهم من الائمة الستة المتفق عليهم عند الامامية الفاطميين وهو لا يعين أولاد الحسين دون أولاد الحسن، كما لا يعين واحدا من هؤلاء بهذا الترتيب، وكما لا يدل على أن الامامة تكون بالتوارث، بل لا يدل على إمامة السياسة، وإنه أدل على إمامة الفقه والعلم (2)). ومواقع النظر حول نصه هذا، تقع في ثلاث: 1 - مناقشته في الحديث من حيث سنده لتقديم ما ورد فيه من لفظ سنتي على ما ورد من لفظ عترتي، لكون رواته من كتب السنة بهذا اللفظ أوثق.


(1) هذا النص بطوله مستل من الصواعق المحرقة، ص 149، مطبعة دار الطباعة المحمدية بمصر. (2) الامام الصادق، ص 199. (*)

[ 170 ]

2 - كونه لا يعين المراد من الاهل، كما لا يعين الائمة المتفق عليهم لدى الشيعة أو غيرهم، وكأنه يريد ان يقول: إن القضية لا تثبت موضوعها، فكيف جاز الاستدلال به على إمامة خصوص الائمة ؟ ! 3 - دلالته على إمامة الفقه لا السياسة: أما المناقشة الاولى فهي غير واضحة لدينا، لان رواية وسنتي - لو صحت - فهي لا تعارض رواية العترة، واعتبار الصادر شيئا واحدا أما هذه أو تلك لا ملجئ له، وأظن ان الشيخ أبا زهرة تخيل التعارض بينهما، استنادا إلى مفهوم العدد، ولكنه نسي أن هذا النوع من مفاهيم المخالفة ليس بحجة - كما هو التحقيق لدى متأخري الاصوليين - على ان التعارض لا يلجأ إليه إلا مع تحكم المعارضة، ومع إمكان الجمع بينهما لا معارضة أصلا، وقد جمع ابن حجر بينهما في صواعقه، فقال: (وفي رواية كتاب الله وسنتي وهي المراد من الاحاديث المقتصرة على الكتاب لان السنة مبنية له، فأغنى ذكره عن ذكرها، والحاصل ان الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل البيت، ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الامور الثلاثة إلى قيام الساعة (1)) وان شئت ان تقول: إن ذكر أهل البيت معناه ذكر للسنة لانهم لا يأتون إلا بها، فكل ما عندهم مأخوذ بواسطة النبي، أي بواسطة السنة، وقد طفحت بذلك أحاديثهم، ويؤيده ما ورد في كنز العمال من جواب النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي عندما سأله: ما أرث منك يا رسول الله ؟ قال (صلى الله عليه وآله): ما ورث الانبياء من قبل: كتاب ربهم وسنة نبيهم (2)). واذن يكون ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر، وكلتا الروايتين


(1) الصواعق المحرقة ص 148. (2) السقيفة للمظفر، ص 49 عن كنز العمال (5: 41). (*)

[ 171 ]

يمكن ان تكونا صحيحتين ولا حاجة إلى تكذيب إحداهما وتعيين الصادرة منهما بالرجوع إلى المرجحات. ومع الغض عن ذلك وافتراض تمامية المعارضة، وان الصادر منه (صلى الله عليه وآله) لا يمكن أن يكون إلا واحدة منهما فتقديمه لكلمة وسنتي، لا أعرف له وجها. لان حديث التمسك بالثقلين متواتر من جميع طبقاته، والكتب التي حفلت به أكثر من أن تحصى، وطرقه إلى الصحابة كثيرة، ورواته منهم - أي الصحابة - كثيرون جدا، وفي رواياته عدة روايات كانت في أعلى درجات الصحة، كما شهد بذلك الحاكم وغيره. بينما نرى الحديث الآخر لا يتجاوز في اعتباره عن كونه من أحاديث الآحاد، ولقد كنت أحب للسيد أبي زهرة ان يتفضل بذكر الكتب السنية التي روت حديث وسنتي لنرى مدى ادعائه الاوثقية لها، وأي كتب أوثق من الصحاح والسنن والمسانيد ومستدركاتها التي سبق ذكرها وذكر روايتها للحديث لتقدم عند المعارضة ؟ ! وفي حدود تتبعي لكتب الحديث، واستعانتي ببعض الفهارس، لم أجد رواية وسنتي إلا في عدد من الكتب لا تتجاوز عدد الاصابع لليد الواحدة، وهي مشتركة في رواية الحديثين معا، اللهم إلا ما يبدو من مالك حيث اقتصر في الموطأ على ذكرها فحسب، ولم يذكر الحديث الآخر - إن صدق تتبعي لما في الكتاب - يقول راوي الموطأ: (وحدثني عن مالك: انه بلغه ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه (1))، ويكفي في توهين الرواية أنها مرفوعة ولم يذكر الكتاب رواتها، مما يدل


(1) الموطأ، ج 2 ص 208. طبعة مصطفى البابي الحلبي. (*)

[ 172 ]

على عدم اطمئنان صاحبها إليها ولسانها (عن مالك أنه بلغه ان رسول الله)، ولعل الموطأ هو أقدم مصادرها في كتب الحديث، كما أن ابن هشام هو أقدم رواتها في كتب السير (1) فيما يبدو. وما عدا هذين الكتابين، فقد ذكرها ابن حجر في صواعقه مرسلة، وذكرها الطبراني فيما حكي عنه (2). ومثل هذه الرواية - وهي بهذه الدرجة من الضعف لانها لا تزيد على كونها مرفوعة أو مرسلة، ولو قدر صحتها فهي لا تزيد على كونها من أخبار الاحاد - هل يمكن ان تقف بوجه حديث الثقلين مع وفرة رواته في كتب السنة وتصحيح الكثير من رواياته، كما سبق بيانه ؟ هذا كله من حيث سند الحديثين. أما من حيث المضمون، فأنا - شخصيا - لا أكاد أفهم كيف يمكن أن تكون السنة مرجعا يطلب إلى المسلمين في جميع عصورهم أن يتمسكوا بها إلى جنب الكتاب، وهي غير مجموعة على عهده (صلى الله عليه وآله) وفيها الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد. ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمدينة واصحابه كما يقول ابن حزم: (مشاغيل في المعاش، وتعذر القوت عليهم لجهد العيش بالحجاز، وانه كان يفتي بالفتيا ويحكم بالحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط، وأنه إنما قامت الحجة على سائر من لم يحضره (صلى الله عليه وآله) بنقل من حضره، وهم واحد أو اثنان (3)). وإذا صح هذا وهو صحيح جدا لان التاريخ لم يحدثنا عنه (صلى الله عليه وآله) أنه كان يجمع الصحابة جميعا، ويبلغهم بكل ما يجد من أحكام، ولو


(1، 2) حديث الثقلين، ص 18، دار التقريب. (3) تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية، ص 123 نقلا عنه. (*)

[ 173 ]

تصورناه في أقواله فلا نتصوره في أفعاله وتقريراته وهما من السنة، فماذا يصنع من يريد التمسك بسنته من بعده ولنفترضه من غير الصحابة ؟ أيظل يبحث عن جميع الصحابة وفيهم الولاة والحكام، وفيهم القواد والجنود في الثغور ليسألهم عن طبيعة ما يريد التعرف عليه من أحكام، أم يكتفي بالرجوع إلى الموجودين وهو لا يجزيه لاحتمال صدور الناسخ أو المقيد أو المخصص أمام واحد أو اثنين ممن لم يكونوا بالمدينة ؟ والحجية - كما يقول ابن حزم -: لا تتقوم إلا بهم. والعمل بالعام أو المطلق لا يجوز قبل الفحص عن مخصصه أو مقيده ما دمنا نعلم أن من طريقة النبي في التبليغ هو الاعتماد على القرائن المنفصلة، فالارجاع إلى شئ مشتت وغير مدون تعجيز للامة وتضييع للكثير من أحكامها الواقعية. وإذا كانت هذه المشكلة قائمة بالنسبة إلى من أدرك الصحابة وهم القلة نسبيا، فما رأيكم بالمشكلة بعد تكثر الفتوح، وانتشار الاسلام، ومحاولة التعرف على أحكامه من قبل غير الصحابة من رواتهم، وبخاصة بعد انتشار الكذب والوضع في الحديث للاغراض السياسية أو الدينية أو النفسية ؟ ومثل هذه المشكلة هل يمكن ان لا تكون أمامه (صلى الله عليه وآله) وهو المسؤول عن وضع الضمانات لبقاء شريعته ما دامت خاتمة الشرائع، وقد شاهد قسما من التنكر لسنته على عهده (صلى الله عليه وآله) كما مرت الاشارة إلى ذلك في سابق من الاحاديث. إن الشئ الطبيعي أن لا يفرض أي مصدر تشريعي على الامة ما لم يكن مدونا ومحدد المفاهيم، أو يكون هناك مسؤول عنه يكون هو المرجع فيه. وما دمنا نعلم أن السنة لم تدون على عهد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وان

[ 174 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) منزه عن التفريط برسالته، فلا بد أن نفترض جعل مرجع تحدد لديه السنة بكل خصائصها، وبهذا تتضح أهمية حديث الثقلين وقيمة إرجاع الامة إلى أهل البيت فيه لاخذ الاحكام عنهم، كما تتضح أسرار تأكيده على الاقتداء بهم (1)، وجعلهم سفن النجاة تارة (2)، وأمانا للامة أخرى (3)، وباب حطة ثالثة (4) وهكذا... وبخاصة إذا أدركنا مقام النبوة وما يقتضيه من تنزيه عن جميع المجالات العاطفية غير المنطقية، وإلا فما الذي يفرق أهل بيته عن غيرهم من الامة ليضفي عليهم كل هذا التقديس، ويلزمها بهذه الاوامر المؤكدة بالرجوع إليهم، والاقتداء بهم، والتمسك بحبلهم ؟ أما ما يتصل بعدم تعيينه المراد من اهل البيت، فهذا من أوجه ما أورده ابو زهرة من إشكالات على هذا الحديث. وكون القضية لا تشخص موضوعها بديهية، لذلك نرى ان نتعرف على المراد من اهل البيت من خارج نطاق هذا الحديث. من هم أهل البيت ؟ وأول ما يلفت النظر سكوت الامة عن استيضاح أمرهم من النبي (صلى الله عليه وآله) وبخاصة وقد سمعوه منه في نوب متفرقة وأماكن مختلفة، أما كان فيهم من يقول له: إنك عصمتنا من الضلالة بالرجوع إلى اهل بيتك، وجعلتهم قرناء القرآن، فمن هم اهل هذا البيت لنعتصم بهم ؟ أترى ان عصمتهم من الضلالة من الامور العادية التي لا تهم معرفتها والاستفسار عنها، أم ترى أنهم كانوا معروفين لديهم فما احتاجوا إلى استفسار وحديث ؟ والذي يبدو ان الصحابة ما كانوا في حاجة إلى استفسار وهم يشاهدون


(1 - 2 - 3 - 4) مضامين الاحاديث، إقرأها واسانيدها من كتب السنة في كتاب المراجعات للامام شرف الدين، ص 23 وما بعدها. (*)

[ 175 ]

نبيهم (صلى الله عليه وآله) في كل يوم يقف على باب علي وفاطمة، وهو يقرأ: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا، وتسعة أشهر وهي المدة التي حدث عنها ابن عباس، كافية لئن تعرف الامة من هم اهل البيت، ثم يشاهدونه وقد خرج إلى المباهلة وليس معه غير علي وفاطمة وحسن وحسين، وهو يقول: (اللهم هؤلاء أهلي (1))، وهم من أعرف الناس بخصائص هذا الكلام، وأكثرهم إدراكا لما ينطوي عليه من قصر واختصاص. وأحاديث الكساء التي سبقت الاشارة إليها فيما سبق، بما في بعضها من إقصاء حتى لزوجته أم سلمة، ما يغني عن إطالة الحديث معه في التعرف على المراد من اهل البيت على عهده، وأحاديثه على اختلافها يفسر بعضها بعضا، ويعين بعضها المراد من البعض. على أنا لا نحتاج في بدء النظر إلى أكثر من تشخيص واحد منهم يكون المرجع للقيام بمهمته من بعده، وهو بدوره يعين الخلف الذي يأتي بعده وهكذا... وليس من الضروري ان يتولى ذلك النبي بنفسه إن لم نقل أنه غير طبيعي لولا ان تقتضيه بعض الاعتبارات ومن هنا احتجنا إلى النص على من يقوم بوظيفة الامامة، لان استيعاب السنة والاحكام الشرعية وطبيعة الصيانة لحفظها التي تستدعي العصمة لصاحبها والعاصمية للآخرين، ليست من الصفات البارزة التي يدركها جميع الناس ليتركها مسرحا لاختيارهم وتمييزهم، ولو أمكن تركها لهم في مجال التشخيص فليس من الضروري أن يتفق الناس على اختيار صاحبها بالذات


(1) يقول مسلم في صحيحه، ج 7 ص 121: (لما نزلت هذه الآية (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم) دعا رسول الله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: (اللهم هؤلاء أهلي) وقد رواها بالاضافة إلى صحيح مسلم كل من: الترمذي، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم، انظر دلائل الصدق، ج 2 ص 86. (*)

[ 176 ]

مع تباين عواطفهم وميولهم. وطبيعة الصيانة والحفظ ومراعاة استمرارها منهجا وتطبيقا في الحياة، تستدعي اتخاذ مختلف الاحتياطات اللازمة لذلك. ولقد أغنانا (صلى الله عليه وآله) حين عين عليا في نفس حديث الثقلين وسماه من بين أهل بيته لينهض بوظائفه من بعده، ومما جاء في خطابه التاريخي في يوم غدير خم، وهو ينعى نفسه لعشرات الالوف من المسلمين الذين كانوا معه: (كأني قد دعيت فأجبت، اني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما اكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي، فانظروا كيف تخلفونني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: (إن الله عزوجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي، فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه (1)). ثم قال في مرض موته بعد ذلك مؤكدا: (أيها الناس يوشك ان أقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت اليكم القول معذرة اليكم، الا اني مخلف فيكم كتاب ربي عزوجل، وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي فرفعها، فقال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض فأسألهما ما خلفت فيهما (2)). على أن الاحاديث الدالة على عصمته كافية في تعيينه، أمثال قوله (صلى الله عليه وآله): (علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيثما دار (3)) وقوله (صلى الله عليه وآله) لعمار: (يا عمار، إن رأيت عليا قد سلك واديا وسلك الناس واديا غيره، فاسلك مع علي ودع الناس، إنه لن يدلك على ردى ولن يخرجك من هدى (4)). وقوله (صلى الله عليه وآله): (اللهم أدر الحق


(1) مستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي، ج 3 ص 109، وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله. (2) ابن حجر في الصواعق، ص 24. (3 - 4) دلائل الصدق، ج 2 ص 303، وفيه عشرات من أمثالها إقرأ مصادرها من كتب أهل السنة في الجزء نفسه. (*)

[ 177 ]

مع علي، حيث دار (1)) إلى غيرها من الاحاديث. ومن هنا قال أبو القاسم البجلي وتلامذته من المعتزلة: (لو نازع علي عقيب وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسل سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه، ولكنه مالك الامر وصاحب الخلافة، إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، وإذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من اغضى له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لانه قد ثبت عنه في الاخبار الصحيحة أنه قال: (علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيثما دار)، وقال له غير مرة: (حربك حربي، وسلمك سلمي (2)). وإذا كانت هذه الاحاديث التي مرت تعين عليا وولديه، فما الذي يعين بقية الائمة من أهل البيت ؟ هناك روايات مأثورة لدى الشيعة وأخرى لدى السنة، يذكرها صاحب الينابيع وغيره تصرح بأسمائهم جميعا (3). ولكن الروايات التي حفلت بها الصحاح والمسانيد لا تذكرهم بغير عددهم. ففي رواية البخاري عن (جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: يكون اثنا عشر أميرا، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: كلهم من قريش (4))، وفي صحيح مسلم بسنده عن النبي (صلى الله عليه وآله): (لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم


(1) المستصفى، ج 1 ص 136. (2) ابن ابي الحديد في شرحه للنهج، ج 1 ص 212. (3) ينابيع المودة، ج 3 ص 99. (4) البخاري، ج 9 ص 81. (*)

[ 178 ]

اثنا عشر خليفة كلهم من قريش (1)). وفي رواية احمد عن مسروق، قال: (كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كم يملك هذه الامة من خليفة ؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله، اثني عشر كعدة نقباء بني اسرائيل (2)). وفي نظير هذه الاحاديث مع اختلاف في بعض المضامين، حدث كل من أبي داود، والبزار والطبراني (3)، وغيرهم، وطرقها في هذه الكتب كثيرة وبخاصة في صحيح مسلم ومسند احمد. والذي يستفاد من هذه الروايات: 1 - ان عدد الامراء أو الخلفاء لا يتجاوز الاثني عشر، وكلهم من قريش. 2 - وان هؤلاء الامراء معينون بالنص، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني اسرائيل لقوله تعالى: (ولقد أخذنا ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا). 3 - ان هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الاسلامي، أو حتى تقوم الساعة، كما هو مقتضى رواية مسلم السابقة، وأصرح من ذلك روايته الاخرى في نفس الباب: (لا يزال هذا الامر في قريش ما بقي من الناس اثنان (4)).


(1) صحيح مسلم، ج 6 ص 4، وفي ص 3 - 4 روايات أخرى بمضمون رواية البخاري. (2) دلائل الصدق، ج 2 ص 316 نقلا عن مسند احمد وغيره. (3) أضواء على السنة المحمدية، ص 210 وما بعدها. (4) صحيح مسلم، ج 6 ص 3. (*)

[ 179 ]

وإذا صحت هذه الاستفادة فهي لا تلتئم إلا مع مبنى الامامية في عدد الائمة وبقائهم وكونهم من المنصوص عليهم من قبله (صلى الله عليه وآله)، وهي منسجمة جدا مع حديث الثقلين وبقائهما حتى يردا عليه الحوض. وصحة هذه الاستفادة موقوفة على ان يكون المراد من بقاء الامر فيهم بقاء الامامة والخلافة - بالاستحقاق - لا السلطة الظاهرية. لان الخليفة الشرعي خليفة يستمد سلطته من الله، وهي في حدود السلطنة التشريعية لا التكوينية، لان هذا النوع من السلطنة هو الذي تقتضيه وظيفته كمشرع، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطنة منهم في واقعها الخارجي لتسلط الآخرين عليهم. على ان الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلينا عن حملها على هذا المعنى لبداهة ان السلطنة الظاهرية قد تولاها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد، فضلا عن انقراض دولهم وعدم النص على أحد منهم - أمويين وعباسيين - باتفاق المسلمين. ومن الجدير بالذكر ان هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح والمسانيد قبل ان يكتمل عدد الائمة فلا يحتمل ان تكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد المذكور على ان جميع رواتها من أهل السنة ومن الموثوقين لديهم. ولعل حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الاحاديث وملاءمتها للواقع التأريخي، كان منشؤها عدم تمكنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الاقول في توجيهها وبيان المراد منها. والسيوطي (بعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الاحاديث المشكلة خرج برأي غريب نورده هنا تفكهة للقراء، وهو (وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر الخلفاء الاربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن

[ 180 ]

عبد العزيز وهؤلاء ثمانية، ويحتمل ان يضم إليهم المهدي من العباسيين لانه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، وكذلك الظاهر لما أوتيه من العدل وبقي الاثنان المنتظران أحدهما: المهدي لانه من أهل بيت محمد، ولم يبين المنتظر الثاني، ورحم الله من قال في السيوطي: إنه حاطب ليل (1)). وما يقال عن السيوطي، يقال عن ابن روزبهان في رده على العلامة الحلي وهو يحاول توجيه هذه الاحاديث (2). والحقيقة ان هذه الاحاديث لا تقبل توجيها إلا على مذهب الامامية في أئمتهم. واعتبارها من دلائل النبوة في صدقها عن الاخبار بالمغيبات، أولى من محاولة إثارة الشكوك حولها كما صنعه بعض الباحثين المحدثين متخطيا في ذلك جميع الاعتبارات العلمية وبخاصة بعد ان ثبت صدقها بانطباقها على الائمة الاثني عشر (عليهم السلام). على أنا في غنى عن هذه الروايات وغيرها بحديث الثقلين نفسه، فهو الذي ترك بأيدينا مقياسا لتشخيص العصمة في أصحابها، وقديما قيل: (اعرف الحق تعرف أهله). والمقياس في العصمة هو عدم الافتراق عن القرآن، فلنمسك بأيدينا هذا المقياس، ونسبر به الواقع السلوكي لجميع من تسموا بالائمة لدى فرق الشيعة، ونختار أجدرهم بالانطباق عليه لنتمسك بإمامته. وأظن ان الانسب والابعد عن الادعاء ان نهمل كتب الشيعة على اختلافها، وننزع إلى كتب إخواننا من أهل السنة ونجعلها الحكم في تطبيق هذا المقياس عليهم، فانها أقرب إلى الموضوعية عادة من كتب


(1) أضواء على السنة المحمدية، ص 212. (2) دلائل الصدق، ج 2 ص 315. (*)

[ 181 ]

قد يقال في حق أصحابها أن كل طائفة تريد التزيد لائمتها بالخصوص. ولنا من ابن طولون مؤرخ دمشق في كتابه (الائمة الاثنا عشر)، وابن حجر في صواعقه، والشيخ سليمان البلخي وغيرهم رادة لامثال هذه البحوث. ولنترك قراءة تراجمهم جميعا للاخ أبي زهرة ليرى أيهم أكثر انسجاما في واقعه مع المقياس الذي استفدناه من حديث الثقلين، يقول أحمد وهو يعلق على حديث الامام الرضا عن آبائه حين مر بنيسابور: (لو قرأت هذا الاسناد على مجنون لبرئ من جنته (1)). والذي نرجوه ونأمل أن لا ننساه ونحن نستعرض تراجمهم، ان هؤلاء الائمة الاثني عشر قد ادعوا لانفسهم الامامة في عرض السلطة الزمنية، واتخذوا من أنفسهم كما اتخذهم الملايين من أتباعهم قادة للمعارضة السلمية للحكم القائم في زمنهم، وكانوا عرضة للسجون والمراقبة، وكثير منهم قتل بالسم، وفيهم من استشهد في ميدان الجهاد على يد القائمين بالحكم. وفي هؤلاء الائمة من تولى الامامة وهو ابن عشرين سنة كالحسن العسكري، بل فيهم من تولى منصبها وهو ابن ثمان كالامامين الجواد والهادي. ومن المعروف عن الشيعة ادعاؤهم العصمة لائمتهم الملازمة لدعوى الاحاطة في شؤون الشريعة جميعها، بل ادعوا الاعلمية لهم في جميع الشؤون، وهم أنفسهم صرحوا بذلك. ومن كلمات أئمتهم في ذلك كله ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهجه الخالد (نحن شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم وينابيع الحكمة)، وقوله عليه السلام: (أين الذين زعموا أنهم


(1) الصواعق المحرقة، ص 203. (*)

[ 182 ]

الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا، ان رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى، ان الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم). وقول علي بن الحسين السجاد: (وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا واحتجوا بمتشابه القرآن فتأولوا بارائهم واتهموا مأثور الخبر فينا)، إلى ان يقول: (فإلى من يفزع خلف هذه الامة، وقد درست أعلام هذه الامة، ودانت الامة بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضا، والله تعالى يقول: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة، وتأويل الحكم الا أعدال الكتاب وأبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا (1)) ؟ ومع هذه الاقوال ونظيرها صادر عن اكثر الائمة، وهم مصحرون بمبادئهم، أما كان بوسع السلطة وهي تملك ما تملك من وسائل القمع أن تقضي على هذه الجبهة من المعارضة ذات الدعاوى العريضة من أيسر طرقها، وذلك بتعريض أئمتها لشئ من الامتحان العسير في بعض ما يملكه العصر من معارف وبخاصة ما يتصل منها بغوامض الفقه والتشريع ليسقط دعواها في الاعلمية من الاساس، أو يعرضهم إلى شئ من الامتحان في الاخلاق والسلوك ليسقط ادعاءهم العصمة.


(1) اقرأ هذه الاقوال وغيرها في المراجعات لشرف الدين مأثورة عن النهج والصواعق ص 18. (*)

[ 183 ]

وإذا كان في الكبار منهم عصمة وعلم، نتيجة دربة ومعاناة فما هو الشأن في ابن عشرين عاما أو ابن ثمان، فهل تملك الوسائل الطبيعية تعليلا لتمثلهم لذلك كله. ولو كان هؤلاء الائمة في زوايا أو تكايا، وكانوا محجوبين عن الرأي العام، كما هو الشأن في أئمة الاسماعيلية أو بعض الفرق الباطنية لكان لاضفاء الغموض والمناقبية على سلوكهم من الاتباع مجال، ولكن ما نصنع وهم مصحرون بأفكارهم وسلوكهم وواقعهم، تجاه السلطة وغيرها من خصومهم في الفكر، والتأريخ حافل بمواقف السلطة منهم ومحاربتها لافكارهم وتعريضهم لمختلف وسائل الاغراء والاختبار ومع ذلك فقد حفل التأريخ بنتائج اختباراتهم المشرفة وسجلها بإكبار. ولقد حدث المؤرخون عن كثير من هذه المواقف المحرجة وبخاصة مع الامام الجواد، مستغلين صغر سنه عند تولي الامامة (1). وحتى لو افترضنا سكوت التأريخ عن هذه الظاهرة، فان من غير الطبيعي ان لا تحدث أكثر من مرة تبعا لتكرر الحاجة إليها وبخاصة وان المعارضة كانت على أشدها في العصور العباسية. وطريقة اعلان فضيحتهم بأحراج أئمتهم فيما يدعونه من علم أو استقامة سلوك، وإبراز سخفهم لاحتضانهم أئمة بهذا السن وهذا المستوى لو أمكن ذلك أيسر بكثير من تعريض الامة إلى حروب قد يكون الخليفة نفسه من ضحاياها، أو تعريض هؤلاء الائمة إلى السجون والمراقبة أو المجاملة أحيانا. وإذا كان بوسع الاخ أبي زهرة ان يعلل هذه الظاهرة بتعليل منطقي


(1) اقرأ موقفه من امتحان الخليفة له على يد يحيى بن اكثم في الصواعق المحرقة، ص 204. (*)

[ 184 ]

يخضع لما نعرف من عوامل طبيعية - أعني ظاهرة تفوقهم في مجالات الاختبار والتمحيص - بالنسبة إلى الكبار من الائمة بإرجاعها إلى الجهد والدراسة والتجربة السلوكية سرا، فهل بوسع فضيلته ان يعللها في ابن عشرين سنة أو في ابن ثمان، كما هو الشأن في الائمة الثلاثة: الجواد، والهادي، والعسكري. وما لنا نبعد والاخ أبو زهرة، وهو من الاساتذة الذين عانوا مشاكل التدريس في الجامعات، هل يستطيع ان يعطي الضمانة لنجاح أي استاذ - لو عرض لامتحان عسير - في خصوص ما ألفه من كتب من دون سابق تحضير، فكيف إذا وسعنا الامتحان إلى مختلف مجالات المعرفة - وهي المدعاة لائمة اهل البيت في مذهب الشيعة الامامية - ودون سابق تحضير ؟ وإذا كان للصدفة - وهي مستحيلة - مجالها في امتحان ما بالنسبة إلى شخص ما فليس لها موقع بالنسبة إليه في مختلف المجالات فضلا عن تكررها بالنسبة إلى جميع الائمة صغارهم وكبارهم كما يحدث في ذلك التأريخ. وأظن ان في هذه الاعتبارات التي ذكرناها مجتمعة ما يغني عن استيعاب كل ما ذكر في تشخيص المراد من أهل البيت. أما الدعوى الثالثة وهي دلالته على إمامة الفقه لا السياسة، فهي ما لا أعرف لها وجها يمكن الركون إليه لافتراضها فصل السلطتين الدينية والزمنية عن بعضهما مع ان الاسلام لا يعترف بذلك لما فيه من تجاهل لوظائف الامامة وهي امتداد لوظائف النبي إلا فيما يتصل بعالم الاتصال بالسماء، وبخاصة فيما يتصل في الشؤون التطبيقية. لان الفكرة - أية فكرة - لا يكفي في تحقيق نفسها ان تشرع وتعيش على صعيد من الورق، بل لا بد ان تضمن لها تطبيقا تتلاءم فيه الوسائل والاهداف، وإلا لما صح نسبة النجاح لتجربتها بحال من الاحوال،

[ 185 ]

ولقد كتبت فصلا مطولا في البحث الذي يتصل بانبثاق فكرة الامامة والضرورات الداعية إليها في محاضراتي عن تأريخ التشريع الاسلامي في كلية الفقه، ومما جاء فيه مما يتصل بحديثنا هذا: (والذي اخاله ان من أوليات ما يقتضيه ضمان التطبيق ان يكون القائم على تطبيقها شخصا تتجسد فيه مبادئ فكرته تجسدا مستوعبا لمختلف المجالات التي تكفلت الفكرة تقويمها من نفسه. ولا نريد من التجسد أكثر من أن يكون صاحبها خليا عن الافكار المعاكسة لها من جهة، وتغلغلها في نفسه كمبدأ يستحق من صاحبه التضحية والفناء فيه من جهة أخرى، ومتى كان الانسان بهذا المستوى استحال في حقه من وجهة نفسية ان يخرج على تعاليمها مجال. وإذا لم يكن القائم بالحكم بهذا المستوى من الايمان بها وكانت لديه رواسب على خلافها لم يكن بالطبع أمينا على تطبيقها مائة بالمائة لاحتمال انبعاث إحدى تلكم الرواسب في غفلة من غفلات الضمير واستئثارها في توجيهه الوجهة المعاكسة التي تأتي على الفكرة في بعض مناحيها وتعطلها عن التأثير ككل، وربما استجاب الرأي العام له تخفيفا لحدة الصراع في أعماقه بين ما جد من تعاليم هذه الفكرة وما كان معاشا له ومتجاوبا مع نفسه من الرواسب. على ان الناس - كل الناس - لا يكادون يختلفون الا نادرا في قدرتهم على التفكيك بين الفكرة وشخصية القائم عليها، فالتشريع الذي يحرم الرشوة أو الربا أو الاستئثار لا يمكن ان يأخذ مفعوله من نفوس الناس متى عرف الارتشاء أو المراباة أو الاستئثار في شخص المسؤول عن تطبيقه ولو في ان ما، أو احتمل فيه ذلك). وبما ان الاسلام يعالج الانسان علاجا مستوعبا لمختلف جهاته داخلية

[ 186 ]

وخارجية، احتجنا لضمان تبليغه وتطبيقه إلى العصمة في الرسول ثم العصمة في الذي يتولى وظيفته من بعده، وعلى هذا يتضح سر إصرار النبي على تعيين أهل بيته الذين أعدهم الله لهذه المهمة إعدادا خاصا بالاضافة إلى مواهبهم الارادية للقيام بشؤونها. وما لنا نبعد بالاستاذ أبي زهرة وطبيعة النص الذي تحدث حوله تقتضيه، وهل وراء التعبير بلفظ مخلف ولفظ خليفتين ما يؤدي هذا المعنى. على ان الاخ أبا زهرة حاول ان يقتطع النص من اجوائه التي تسلط الاضواء على تحديد مفاهيمه، ويدرسه بعيدا عنها فوقع فيما وقع فيه. وهل نسي حضرته مجيئه في معرض التمهيد لحديث النص في يوم الغدير ومما جاء فيه: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وصفة الاولوية لا تكون إلا لمن له الولاية العامة على الامة ليستطيع التصرف بما تقتضيه مصلحتها ثم تعقيبها بإعطاء الولاية له بقوله: (من كنت وليه فهذا علي وليه) ولحوقها بالدعاء الذي لا يناسب إلا الولاية العامة (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره). ثم ورودها بعد ذلك في معرض تأكيد النص قبيل وفاته كما سبق التحدث في ذلك مما يوجب القطع بشمولها للجانب السياسي إذا لوحظت بمجموع ما لابسها من قرائن وأجواء. على ان شمولها للجانب السياسي وعدم شمولها لم يعد موضعا لحاجتنا اليوم لنطيل التحدث فيه. لان البحث في هذا الجانب لا يثمر ثمرة فقهية ومجاله التأريخ. واثباته هناك لا يتوقف على دلالة هذه الرواية فحسب لتظافر أدلة النص وتكثرها في التأريخ. وإنما الذي يتصل بصميم رسالتنا - كمقارنين - اثبات لزوم الرجوع

[ 187 ]

إليهم في الفقه وأصوله، والحديث واف في الدلالة عليه كما ذكر أبو زهرة وغيره. وأظن ان تحدثنا عن هذا الحديث وما انطوى عليه من عرض كثير من الاحاديث المعتبرة ذات الدلالة على حجية رأيهم يغني عن استعراض بقية الاحاديث ودراستها فليرجع إليها في مظانها من الكتب المطولة. الادلة العقلية: ودليل العقل على اعتبار العصمة لهم لا يختلف عما استدل به على اعتبارها في النبي لوحدة الملاك فيهما، وبخاصة إذا تذكرنا ما قلناه من ان الامامة امتداد للنبوة من حيث وظائفها العامة عدا ما يتصل بالوحي فانه من مختصات النبوة، وهذا الجانب لا يستدعي العصمة بالذات إلا من حيث الصدق في التبليغ، وهو متوفر في الامام. ولعل في شرحنا السابق لوظائف الامامة ما يغني عن معاودة الحديث فيها. وقد صور هذا الدليل على ألسنتهم بصور ننقلها عن دلائل الصدق بنصها الاولى: (إن الامام حافظ للشرع كالنبي لان حفظه من أظهر فوائد إمامته، فتجب عصمته لذلك، لان المراد حفظه علما وعملا، وبالضرورة لا يقدر على حفظه بتمامه إلا معصوم، إذ لا أقل من خطأ غيره، ولو اكتفينا بحفظ بعضه لكان البعض الآخر ملغى بنظر الشارع وهو خلاف الضرورة، فان النبي قد جاء لتعليم الاحكام كلها وعمل الناس بها على مرور الايام (1)). والثانية: (ان الحاجة إلى الامام في تلك الفوائد (يشير إلى ما ذكره


(1) للدليل تتمة مطولة فيها دفع شبه أوردها المصنف على نفسه وأجاب عليها، لا أرى حاجة لعرضها. (*)

[ 188 ]

العلامة من فوائد الامامة كإقامة الحدود وحفظ الفرائض وغيرها) يوجب عصمته وإلا لافتقر إلى إمام آخر وتسلسل). والثالثة: (ان الامام لو عصى لوجب الانكار عليه والايذاء له من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو مفوت للغرض من نصبه ومضاد لوجوب طاعته وتعظيمه على الاطلاق المستفاد من قوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم). الرابعة: (لو صدرت المعصية منه لسقط محله من القلوب فلا تنقاد لطاعته، فتنتفي فائدة النصب). الخامسة: (انه لو عصى لكان أدون حالا من أقل آحاد الامة، لان أصغر الصغائر من أعلى الامة وأولاها بمعرفة مناقب الطاعات ومثالب المعاصي أقبح وأعظم من أكبر الكبائر من أدنى الامة (1)). وهذه الادلة لو تمت جميعا فهي غاية ما تثبته عصمة الائمة ولازمها اعتبار كل ما يصدر عنهم موافقا للشريعة وهو معنى حجيته، إلا أنها لا تعين الائمة ولا تشخصهم فتحتاج إلى ضميمة الادلة السابقة من كتاب وسنة لتشخيصهم جميعا. والدخول في عرض ما أورد أو يورد عليها وما أجيب عنها من الشبه يخرج البحث من أيدينا إلى بحث كلامي لا نرى ضرورة الخوض فيه هنا، وهو معروض في جل كتب الشيعة الكلامية. والخلاصة ان دلالة الكتاب والسنة على عصمة أهل البيت وأعلميتهم وافية جدا. وان ما ورد من انسجام واقعهم التأريخي مع طبيعة ما فرضته أدلة حجيتهم من العصمة والاعلمية وبخاصة في الائمة الذين لا يمكن اخضاعهم


(1) دلائل الصدق، ج 2 ص 10 وما بعدها. (*)

[ 189 ]

للعوامل الطبيعية التي نعرفها كالائمة الثلاثة الجواد والهادي والعسكري خير ما يصلح للتأييد. فتعميم السنة اذن لهم في موضعه. وما أروع ما نسب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي من الاستدلال على إمامة الامام علي بقوله: (استغناؤه عن الكل واحتياج الكل إليه دليل إمامته (1))، وهو دليل يصلح للاستدلال به على إمامة جميع الائمة إذ لم يحدث التأريخ في رواية صحيحة عن احتياج أحد منهم إلى الاستفسار عن أي مسألة أو أخذها أو دراستها من الغير مهما كان شأنه عدا المعصوم الذي سبقه، ولو وجد لحفلت بذكره أحاديث المؤرخين كما هو الشأن في نظائره من الاهمية، وبخاصة وان الشيعة يفترضون لهم ذلك. وتمام ما انتهينا إليه من بداية الحديث عن السنة إلى هذا الموضع، ان حجية السنة في الجملة من ضروريات الاسلام، بل لا معنى للاسلام بدونها، فإطالة الحديث في التماس الحجج لها من التطويل غير المستساغ لوسط اسلامي، وان كنا محتاجين في الجملة لاطالة التحدث حول بعض ما ورد من التعميمات فيها إلى الصحابة، أو الائمة من أهل البيت.


(1) لم يسعني التأكد من صحة النسبة فعلا لعدم عثوري عليها في المصادر التي أملكها. (*)

[ 191 ]

الباب الاول القسم الثاني السنة (4) الطرق القطعية إليها تمهيد، الخبر المتواتر، الخبر المحفوف بقرائن قطعية، الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم، بناء العقلاء، سيرة المتشرعة، ارتكاز المتشرعة.

[ 193 ]

تمهيد: والسنة بما هي سنة، وإن كان حجيتها - كما قلنا - من الضروريات، إلا أن مجالات الاستفادة منها لبحوثنا الفقهية موقوفة على ركائز أخر بالنسبة الينا. وقد نكون في غنى عن هذه الركائز لو كان على عهد المعصومين، ولدينا من المؤهلات البيانية ما يرفعنا إلى فهم كلماتهم والاستفادة منها. ولكن بعدنا عن زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته ولد لنا بحوثا لا بد من اعتمادها ركيزة من ركائز الاستنباط الاساسية بعد دراستها والخروج منها بالثمرة المتوخاة. وهذه البحوث ذات أقسام: يقع بعضها في الطرق والوسائل المثبتة للسنة والموصلة إليها، وتقع الاخرى في كيفية الاستفادة منها، ثم معرفة مدى نسبتها للكتاب. ولعلنا نرى بعد حين أن اكثر ما أثير من الشبه حول حجية السنة على ألسنة بعض القدامى، فإنما هو منصب على الطرق الموصلة إليها، أو على كيفيات الاستفادة منها، وإن ضاق ببعضهم التعبير فأداه بما يشعر بإنكار حجية أصل السنة، وسيتضح ذلك من عرض حججهم ومناقشتها وعلى هذا، فالبحوث (حول السنة) إنما تقع في مواقع: (1) الطرق المثبتة لها بطريق القطع. (2) الطرق المثبتة لها بغير القطع. (3) كيفيات الاستفادة منها.

[ 194 ]

(4) موقع السنة من الكتاب. ولكل منها أقسام وفيه بحوث. تقسيم الطرق إلى السنة: والذي ينبغي أن يقال جريا على ما أصلناه في مباحث الحجة أن الطرق التي لها أهلية الايصال إليها ذات قسمين: 1 - قطعية. 2 - وغير قطعية. ولكل منها أقسام لا بد من استقراء المهم منها والتماس أدلته، وحججه، وفحصها وتقييمها على أساس مقارن. الطرق القطعية: وقد ذكروا لها أقساما أهمها ستة: 1 - الخبر المتواتر. 2 - الخبر المحفوف بقرائن توجب القطع بصدوره. 3 - الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم. 4 - بناء العقلاء الكاشف عن رأي المعصوم فيه. 5 - سيرة المتشرعة الكاشفة عن رأي المعصوم فيها. 6 - ارتكاز المتشرعة. (1) الخبر المتواتر: ويراد به إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب وصدورهم جميعا عن خطأ أو اشتباه أو خداع حواس، على ان يجري هذا المستوى في الاخبار

[ 195 ]

في جميع طبقات الرواة، حتى الطبقة التي تنقل عن المعصوم مباشرة. فلو تأخر التعدد في طبقة ما، أو فقد أحد تلكم الشروط، خرج عن كونه متواترا إلى أخبار الآحاد، لان النتائج - كما يقول علماء الميزان -: تتبع دائما أخس المقدمات. ومثل هذا الخبر - أعني المتواتر - مما يوجب علما بصدور مضمونه، والعلم - كما سبق بيانه -: حجة ذاتية لا تقبل الوضع والرفع. شروطه: وقد جعلوا له شروطا اختلفوا في تعددها، ويمكن انتزاعها جميعا من نفس التعريف: يقول المقدسي: (وللتواتر ثلاثة شروط): (الاول: أن يخبروا عن علم ضروري مستند إلى محسوس، إذ لو أخبرنا الجم الغفير عن حدوث العالم وعن صدق الانبياء، لم يحصل لنا العلم بخبرهم). (الثاني: أن يستوي طرف الخبر ووسطه في هذه الصفة وفي كمال العدد، لان كل عصر يستقل بنفسه فلا بد من وجود الشروط فيه، ولاجل ذلك لم يحصل لنا العلم بصدق اليهود مع كثرتهم في نقلهم عن موسى (ع) تكذيب كل ناسخ لشريعته). (الشرط الثالث: في العدد الذي يحصل به التواتر واختلف الناس فيه، فمنهم من قال: يحصل باثنين، ومنهم من قال: يحصل بأربعة، وقال قوم: بخمسة، وقال قوم: بعشرين، وقال آخرون: بسبعين، وقيل: غير ذلك). (والصحيح أنه ليس له عدد محصور (1)). ويقول زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني في درايته وهو يعرفه


(1) روضة الناظر، ص 50. (*)

[ 196 ]

ويشير إلى شروطه: (هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، واستمر ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدد، فيكون أوله كآخره، ووسطه كطرفيه، ولا ينحصر ذلك بعدد خاص (1)). ومثلهما غيرهما من أعلام الشيعة والسنة على غموض في أداء بعضهم ربما أو هم خلاف ذلك. على أن هذه التحديدات، ليست بذات ثمرة إلا في حدود تشخيص المصطلح للخبر المتواتر وتحديد مفهومه، وكل ما كتب في هذا الشأن، فانما هو لتشخيص صغريات ما يقع به العلم عادة، وهذه الشرائط وأشباهها من موجبات ما يحصل بها التشخيص، وإلا فإن المدار على العلم فإن حصل منها فهو الحجة، وإن لم يحصل احتجنا إلى التماس دليل على الحجية، وليس في هذه الشرائط ما يشير إليه. وأمثلة المتواتر كثيرة، وقد عدوا منها كل ما يتصل بضروريات الدين، كالفرائض اليومية وأعدادها وأعداد ركعاتها، وصوم شهر رمضان، وكالذي مر في حديث الثقلين، والغدير، وأشباههما. واعتبروا منها قوله (ع): (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (2)). (2) الخبر المحفوف بالقرائن القطعية: ويراد به الخبر غير المتواتر، سواء كان مشهورا أم غير مشهور،


(1) الدراية، ص 12، مطبعة النعمان، النجف. (2) سلم الوصول، ص 255. (*)

[ 197 ]

على ان يحتف بقرائن توجب القطع بصدوره عن المعصوم. والمدار في حجية هذا النوع من الاخبار هو حصول العلم منه كالخبر المتواتر، والعلم بنفسه - كما سبق بيانه - حجة ذاتية، فلا نحتاج بعده إلى التماس أدلة الحجية. (3) الاجماع: والبحث في الاجماع له استقلاله، وليس موضعه هنا نظرا لاعتباره لدى الاكثر مصدرا مستقلا من مصادر التشريع في مقابل الكتاب والسنة. نعم في بعض المباني وبخاصة لدى الاكثر من علماء الشيعة هو كشفه عن رأي المعصوم على نحو القطع، فيكون من حقه على هذا المبنى ان يبحث عنه في هذا الموضع، ولا يعتبر من الادلة المستقلة. وقد آثرنا تأخير البحث عنه إلى موضعه جريا على ما سلكه الاكثر في عده من مصادر التشريع. (4) بناء العقلاء: ويراد به صدور العقلاء عن سلوك معين تجاه واقعة ما صدورا تلقائيا، ويتساوون في صدورهم عن هذا السلوك على اختلاف في أزمنتهم وأمكنتهم، وتفاوت في ثقافتهم ومعرفتهم، وتعدد في نحلهم وأديانهم.

[ 198 ]

وأمثلته كثيرة منها: صدور العقلاء جميعا عن الاخذ بظواهر الكلام، وعدم التقيد بالنصوص القطعية منه، على نحو يحمل بعضهم بعضا لوازم ظاهر كلامه، ويحتج به عليه، ومنها: صدور العقلاء جميعا عن الرجوع إلى أهل الخبرة - فيما يجهلونه من شؤونهم الحياتية وغيرها فالمريض يرجع إلى الطبيب، والجاهل يرجع إلى العالم، وهكذا... وحجية مثل هذا البناء إنما تتم إذا تم كشفه عن مشاركة المعصوم لهم في هذا الصدور فيما تمكن فيه المشاركة، أو إقراره لهم على ذلك فيما لم تمكن فيه. وسر احتياجنا إلى الكشف عن مشاركة المعصوم، أو إقراره ولو من طريق عدم الردع فيما يمكنه الردع عنه مع اطلاعه عليه، أن هذا البناء ليس من الحجج القطعية في مقام كشفه عن الواقع، لجواز تخطئة الشارع لهم في هذا السلوك. والفرق بينه وبين حكم العقل، أن حكم العقل فيما يمكنه الحكم فيه وليد اطلاع على المصلحة أو المفسدة الواقعية، كما يأتي بيانه، وهذا البناء لا يشترط فيه ذلك لكونهم يصدرون عنه، - كما قلنا - صدورا تلقائيا غير معلل، فهو لا يكشف عن واقع متعلقه من حيث الصلاح والفساد، ولعل قسما كبيرا من الظواهر الاجتماعية منشؤه هذا النوع من البناء. ومع عدم كشفه عن الواقع فهو لا يصلح للاحتجاج به على المولى لكونه غير ملزم له، ومع اقراره أو عدم ردعه أو صدوره هو عنه يقطع الانسان بصحة الاحتجاج به عليه. وسيأتي مزيد حديث عنه بما أسموه (بالعرف) واعتبروه من الادلة المستقلة مع رجوع قسم كبير منه إلى حجية هذا البناء.

[ 199 ]

(5) سيرة المتشرعة: وهي صدور فئة من الناس ينتظمها دين معين أو مذهب معين عن عمل ما أو تركه، فهي من نوع بناء العقلاء مع تضييق في نوع من يصدر عنهم ذلك البناء، وحجية مثل هذه السيرة إنما تكون بعد اثبات امتدادها تأريخيا إلى زمن المعصوم واثبات مشاركته لهم في السلوك فيما يمكن صدوره منه أو إقرارها من قبله، ولو من قبيل عدم ردعه عنها مع امكان الردع والاطلاع عليها فيما لم يمكن صدورها منه. ومع عدم اثبات ذلك لا مجال للتمسك بها بحال، وما أكثر السير المنقطعة من وجهة تأريخية لكونها حادثة، أو لا يمكن اثبات امتدادها لذلك الزمن. والمقياس في حجيتها كشفها عن فعل المعصوم أو إقراره كشفا قطعيا ليصح الاحتجاج بها. وبهذا ندرك قيمة ما يحتج به أحيانا من ادعاء قيام السيرة القطعية على فعل شئ أو تركه مع عدم إمكان اثبات امتدادها تأريخيا إلى زمن المعصوم، وقد يكون منشؤها فتوى سائدة يمر عليها جيل أو جيلان، تتخذ طابع السيرة لدى الناس. وكثير من الاعراف والعادات التي تشيع في بلد ما، أو بيئة معينة حسابها نفس هذا الحساب، وإن أصبح لها في نفوس العوام طابع الشعار المقدس. وسيأتي في مبحث العرف ان قسما من الفتاوى التي سادت في بعض المذاهب لا منشأ لها إلا هذا العرف المستحدث، وهو ما لا يصلح ان يكون حجة.

[ 200 ]

وربما عرضنا في مبحث العرف جملة من أقوال العلماء بما يكشف عن التقاء في وجهات النظر في مناشئ اعتبار الحجية لها وعدمها. وعلى أي حال فما كشف عن السنة منها قولا أو فعلا أو إقرارا، كان حجة، وإلا فلا دليل على حجيته قطعا لما سبق ان قلنا في التمهيد الثاني من أن كل حجة لا تنهي إلى القطع فهي ليست بحجة، وان الشك في حجية شئ ما كاف للقطع بعدمها. (6) ارتكاز المتشرعة: وقد شاع استعمال هذا الاصطلاح على السنة عند بعض أساتذتنا المتأخرين، والظاهر انهم يريدون به بالاضافة إلى توفر السيرة على الفعل أو الترك، بالنسبة إلى شئ ما، شعور معمق بنوع الحكم الذي يصدر عن فعله أو تركه المتشرعون لا يعلم مصدره على التحقيق. الفارق بينه وبين سيرة العقلاء أو المتشرعة: ان سيرة العقلاء أو المتشرعة بحكم كونها فعلا أو تركا لا لسان لها، فهي مجملة من حيث تعيين نوع الحكم، وإن دلت على جوازه بالمعنى العام عند الفعل أو عدم وجوبه عند الترك، لكن ارتكاز المتشرعة يعين نوعه من وجوب أو حرمة أو غيرهما.

[ 201 ]

حجيته: وحجيته مثل هذا الارتكاز لا تتم الا إذا علمنا بوجوده في زمن المعصومين وإقرارهم لاصحابه عليه، ومثل هذا العلم يندر حصوله جدا، وتكوين الارتكاز في نفوس الرأي العام لا يحتاج من وجهة نفسية إلى أكثر من إمرار فتوى ما في جيلين أو ثلاث على الحرمة مثلا، ليصبح ارتكازا في نفوس العاملين عليها.

[ 203 ]

الباب الاول القسم الثاني السنة (5) الطرق غير القطعية خبر الواحد تحديده، أدلة حجيته: الكتاب، السنة، الاجماع، العقل، أدلة المانعين ومناقشتها، شرائط العمل به، تقسيمات. الشهرة تحديدها، أقسامها: الشهرة في الرواية، الشهرة في الاستناد، الشهرة في الفتوى، أدلة حجيتها: الكتاب، السنة، القياس، ومناقشتها. مطلق الظن في السنة تحديده، أدلة حجيته ومناقشتها.

[ 205 ]

الطرق غير القطعية: ونريد بها خصوص ما كان له قابلية الكشف عن السنة كشفا ناقصا، وهي على قسمين: 1 - ما قام على اعتباره دليل قطعي. 2 - ما لم يقم على اعتباره دليل. ويكاد ينحصر الاول منهما باخبار الآحاد على تفصيل فيها. (1) خبر الواحد: وقد عرفوه بتعريفات متعددة ترجع في جوهرها إلى ما يقابل الخبر المتواتر والخبر المحفوف بقرائن توجب القطع واحدا كان أو أكثر الاختلاف في حجيته: وقد اختلفوا في حجيته على أقوال لا تكاد تلتقي، فمنهم من منع العمل به مطلقا، ومنهم من أجازه (1). والمانعون يختلفون في سبب المنع فمنهم من يعزوه إلى حكم العقل، وينسب ذلك إلى ابن علية والاصم، ومنهم من ينسبه إلى الشرع كالقاشاني من أهل الظاهر (2). والمجوزون مختلفون بدورهم أيضا فمنهم من يستند في حجيته إلى حكم العقل، وينسب ذلك إلى أحمد بن حنبل وابن شريح وأبو الحسن البصري والصيرفي من الشافعية (3)، وزاد أحمد بن حنبل: (ان خبر الواحد يفيد


(1 - 2 - 3) ارشاد الفحول، ص 49. (*)

[ 206 ]

بنفسه العلم، وحكاه ابن حزم في كتاب الاحكام عن داود الظاهري والحسين ابن علي الكرابيسي والحارثي المحاسبي، قال: وبه نقول، وحكاه ابن خواز منداد عن مالك بن انس، واختاره وأطال في تقريره (1). وأكثر علماء الاسلام على حجيته على اختلاف بينهم في شروط الحجية ومناشئها. ويعرف الوجه في حجيته وعدمها من عرض أدلتها إثباتا ونفيا، فلا حاجة إلى الدخول في تفصيل الاقوال فيها ومناقشتها بجميع ما لها من خصوصيات. أدلة المثبتين: وقد استدل المثبتون - على اختلاف أدلتهم - بعد ضم بعضها إلى بعض بالادلة الاربعة: الكتاب، السنة، الاجماع، حكم العقل. وأهم أدلتهم من الكتاب آيتان: أولاهما قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (2)). والظاهر من الآية بقرينة مورد نزولها أنها واردة مورد الردع عن بناء عقلائي قائم إذ ذاك، وهو الاعتماد على خبر الواحد وان كان غير مؤتمن على النقل. وقد صبت الآية ردعها على خصوص الفاسق - بما أنه غير مؤتمن على طبيعة ما ينقله بقرينة تعليقها التبيين على نبئه بالخصوص. وتخصيص التبين بخبر الفاسق، يكشف بمفهوم الشروط عن إقرارهم على الاخذ بخبر غيره.


(1) ارشاد الفحول، ص 48. (2) الحجرات / 6. (*)

[ 207 ]

وليست القضية هنا واردة لبيان الموضوع - كما قد يتخيل ذلك - لكون الجزاء معلقا على المجئ، وانتفاء التبين لانتفائه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع وهي لا تدل على المفهوم. وذلك لان الموضوع في القضية الشرطية إذا كان مؤلفا من جزءين (أحدهما مما يتوقف عليه الجزاء عقلا دون الآخر، كما إذا قيل: إن ركب الامير، وكان ركوبه يوم الجمعة، فخذ بركابه، فان توقف الجزاء على أصل الركوب عقلي، وعلى كونه يوم الجمعة شرعي مولوي، ففي ذلك يثبت لها المفهوم بالاضافة إلى خصوص الجزء الذي لا يتوقف عليه تحقق الجزاء عقلا ولا يكون لها مفهوم بالاضافة إلى الجزء الآخر (1)). والموضوع الذي ركز عليه التبين هنا، كان مركبا من النبأ ومجئ الفاسق به، فإذا انتفى مجئ الفاسق به، انتفى لزوم التبين عنه، فكأنه قال النبأ الذي لا يجئ به الفاسق لا يجب التبين عنه، وهو معنى حجية النبأ الذي يجئ به غير الفاسق، والظاهر أن انطواء الآية على تخصيص الردع بقسم من الاخبار التي قام بناؤهم على الاخذ بها مطلقا واقرار الباقي مما لا ينبغي ان يكون موضعا لكلام، وظهورها في ذلك لا تزعزعه كثرة ما أورد عليها من إشكالات قد يخضع أكثرها لفلسفة لغوية، ولكنه لا يقوى مهما كانت قيمته على زلزلة ما لها من ظهور عرفي وهو الاساس في الحجية، وبخاصة إذا لاحظنا اسلوب عرضها للفكرة وألقينا عليها الاضواء من أسباب النزول. ولكن الآية في ظاهرها واردة لاقرار بناء عقلائي ورادعة عن قسم منه، وهو الاخذ بأخبار الفاسق - بما أنه غير مؤتمن على خبره كما تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع، ويقتضيه التعليل - فهي من مكملات


(1) دراسات الاستاذ المحقق الخوئي، ص 97. (*)

[ 208 ]

الدليل القادم، أعني بناء العقلاء. الآية الثانية وهي قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (1)). والذي يبدو لي من صدر الآية أن شبهة عرضت لبعض من هم خارج المدينة من المسلمين في أن لزوم التفقه المباشر من النبي صلى الله عليه وآله انما هو من قبيل الواجبات العينية التي لا يسقطها قيام البعض بها عنهم، ففكروا بالنفر جميعا إلى المدينة ليأخذوا الاحكام عنه مباشرة، فنزلت هذه الآية لتفهمهم بأن هذا النوع من النفر الجماعي لا ضرورة له، وليس هو مما ينبغي أن يكون لما ينطوي عليه من شل لحركتهم الاجتماعية وتعطيل لاعمالهم، فاكتفى الشارع بمجئ طائفة من كل فرقة منهم للتفقه في الدين والقيام بمهمة تعليمهم إذا رجعوا إليهم. والظاهر من أمثال هذه الآيات التي يقع فيها تقابل الجمع بالجمع انها واردة على نحو الجموع الانحلالية لا المجموعية، بمعنى أن كل واحد من هذه الطائفة مسؤول عن تعليم بعض المكلفين لا ان المجموع مسؤولون عن تعليم المجموع، ونظيره في تعبيراتنا المتعارفة ما لو أصدرت وزارة التعليم مثلا بيانا إلى المعلمين في الدولة في ان يكافحوا الامية بتعليم المواطنين الاميين، فليس معنى ذلك ان يجتمع المعلمون جميعا ليعلموا دفعة واحدة مجموع الاميين، بل معناه أن على كل واحد ان يجند نفسه لتعليم غيره فردا كان أو أكثر. والعمومات المجموعية نادرة فلا يصار إليها إلا بدليل. والذي أتصوره أن الطريقة السائدة في عصورنا من الهجرة إلى مراكز


(1) التوبة / 122. (*)

[ 209 ]

التفقه كالنجف الاشرف، وقم، والقاهرة من بعض من يسكنون بعيدا عنها، ثم العودة إلى بلادهم ليعلموا إخوانهم أحكام دينهم هي نفس الطريقة التي دأبوا عليها في عصر النبي صلى الله عليه وآله ودعت إليها الآية. وليس في هذه الطريقة اجتماع المبلغين والمرشدين في مقام الاداء ليكونوا لمستمعيهم مقدار ما يتحقق به التواتر، بل يكتفون بالواحد الموثوق به منهم، فالآية على هذا واردة في مقام جعل الحجة لاخبار آحاد الطائفة، وإن شئت ان تقول انها واردة لامضاء بناء عقلائي في ذلك كسابقتها. وإذا صحت هذه الاستفادة لم تبق حاجة بعد إلى استعراض ما يراد من كلمة (لعل) في الآية، أو كلمة (الحذر) فيها، لعدم توقف دلالة الآية عليها، ويكفي في الالزام بالرجوع إليهم لاخذ الاحكام تشريع ذلك، وان كان بلسان الترخيص ومن لوازم الترخيص في مثله جعل الحجية لما يحدثون به فلا يسوغ تجاهلها مع قيامها بداهة. واحتمال ان يراد بالطائفة ما يبلغ به حد التواتر على أن يجتمع الكل لتبليغ كل واحد منهم احتمال يأباه ظاهر الآية، وكيفية الاستفادة من نظائرها كما يأباه الواقع العملي لما درج عليه المبلغون في جميع العهود بما فيها عهد الرسول صلى الله عليه وآله على أن لفظ طائفة أوسع منه فتضييقها إلى ما يخصه بالخصوص لا ملجأ له ولا شاهد عليه. وبهذا يتضح واقع ما أثاره الآمدي وغيره من التشكيكات حول دلالة الآية على حجية خبر الواحد (1)، فلا حاجة إلى الدخول في تفصيلاته.


(1) اقرأ ما كتبه الآمدي، ج 1 ص 171 من الاحكام وما ورد في الكفاية وشروحها ورسائل الشيخ حول هذه التشكيكات. (*)

[ 210 ]

أدلتهم من السنة: وقد استغرقت أدلتهم من السنة جوانبها الثلاث قولا وفعلا وتقريرا. السنة القولية: أما السنة القولية فهناك طوائف من الروايات عن أهل البيت إذا لوحظت مجتمعة فهي متواترة المضمون. اولاها: ما ورد عنهم (ع) من إرجاعهم بعض أصحابهم إلى البعض كارجاعه (ع) إلى زرارة بقوله: (إذا أردت حديثا فعليك بهذا الجالس وأشار إلى زرارة) وقوله (ع) (العمري ثقة، فما أدى اليك، فعني يؤدي) وكثير من أمثالها. ثانيها: ما دل على وجوب الرجوع إلى الرواة كخبر الاحتجاج: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم). ثالثها: ما ورد عنهم (ع) من الحث على كتابة الحديث وإبلاغه كقوله صلى الله عليه وآله: (من حفظ على أمتي أربعين حديثا، بعثه الله فقيها عالما يوم القيامة) وقوله عليه السلام لاحد الرواة: (واكتب وبث علمك في بني عمك، فانه يأتي زمان هرج لا يأنسون إلا بكتبهم). رابعها: ما دل على ذم الكذب عليهم والتحذير من الكذابين، مثل الحديث المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله: (من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار) مما يدل على المفروغية عن حجية خبر الآحاد، إذ لو كانوا مقتصرين في مجال الحجية على خصوص الخبر المتواتر لما كان مجال للكذب عليهم، ولما كان أثر لاولئك الكذابين يخشى منه. خامسها: الاخبار الواردة في باب التعارض من الاخذ بالمرجحات

[ 211 ]

كالاعدلية، والاصدقية، والشهرة، والقول بالتخيير عند التساوي، ومع فرض عدم حجية خبر الآحاد لا يتصور فرض التعارض في أخبار المعصومين. سادسها: الاخبار الواردة في تسويغ الرجوع إلى كتب الشلمغاني وبني فضال والاخذ بروايتها وترك آرائهم (1). ومن استعراض جميع هذه الطوائف نرى أن الحجية مجعولة فيها لخبر الثقة بما أنه ثقة، وليس لنحلته أو مذهبه أثر في الاخذ بحديثه أو تركه كما هو الشأن في كتب بني فضال والشلمغاني، وهم من غير الشيعة الامامية، ومناسبة الحكم والموضوع تقتضيه لذلك فلا خصوصية للعدالة أو غيرها من الشروط. السنة العملية: وحسبنا منها (ما تواتر من انفاذ رسول الله صلى الله عليه وآله أمراءه وقضاته ورسله وسعاته إلى الاطراف، وهم آحاد، ولا يرسلهم إلا لقبض الصدقات، وحل العهود وتقريرها، وتبليغ أحكام الشرع (2)). وشواهده أكثر من ان تحصى، فلو كان خبر الثقة ليس بحجة لما كان معنى لهذا الارسال الملازم لتكليف المسلمين بالاخذ عنهم وإلزامهم بذلك، ودعوى أن أحاديث أمثال هؤلاء مما يكتنفها من القرائن ما يوجب القطع بمطابقتها للواقع، لا تعتمد على دليل، لان رسله ليسوا كلهم بهذا المستوى، ولا الاحاديث التي يحدثون بها كذلك.


(1) تلاحظ هذه الاحاديث - بمختلف طوائفها - ولعلها تبلغ العشرات في الوسائل - كتاب القضاء - وفي رسائل الشيخ في مبحث حجية خبر الواحد. (2) المستصفى، ح 1 ص 96. (*)

[ 212 ]

السنة التقريرية: وهي قائمة بإقراره لبناء العقلاء على الاخذ بأخبار الآحاد إذا كانوا ثقات في النقل، يقول شيخنا النائني: (وأما طريقة العقلاء فهي عمدة أدلة الباب بحيث لو فرض أنه كان سبيل إلى المناقشة في بقية الادلة فلا سبيل إلى المناقشة في الطريقة العقلائية القائمة على الاعتماد بخبر الثقة، والاتكال عليهم في محاوراتهم، بل على ذلك يدور رحى نظامهم، ويمكن ان يكون ما ورد من الاخبار المتكفلة لبيان جواز العمل بخبر الثقة من الطوائف المتقدمة كلها إمضاء لما عليه بناء العقلاء وليست في مقام تأسيس جواز العمل به لما تقدم من أنه ليس للشارع في تبليغ أوامره طريق خاص بل طريق تبليغها هو الطريق الجاري (1)) لدى الناس جميعا، وهم يعتمدون أخبار الآحاد، ويرتبون عليها جميع آثار العلم وإن لم تكن علما في واقعها. وامتداد هذا البناء إلى زمن النبي صلى الله عليه وآله من الواضحات، وقد حكى الغزالي في المسلك الاول (ما تواتر واشتهر من عمل الصحابة بخبر الواحد في وقائع شتى لا تنحصر (2))، وقد ضرب لها بعشرات الامثلة، وبالطبع انه لو كانت للنبي طريقة خاصة في تبليغ الاحكام لا تعتمد أخبار الآحاد لبينها ولردع صحابته عن العمل بغيرها، وهذا ما لم يتحدث فيه التأريخ، ومثله ما يشتهر عادة ويطول الحديث فيه. الاجماع: وقد حكاه في إرشاد الفحول عن الصحابة والتابعين (3)، وحكاه الشيخ الطوسي عن الامامية وغيرهما.


(1) فوائد الاصول، ج 3 ص 68. (2) المستصفى للغزالي، ج 1 ص 95. (3) إرشاد الفحول، ص 49. (*)

[ 213 ]

ولكن الاستدلال بالاجماع لا يتضح له وجه لعدم الطريق إليه بالنسبة الينا غير أخبار الآحاد لبداهة عدم إمكان تحصيله من قبلنا، ولعدم إمكان استيعاب الصحابة والتابعين كما هو الشأن في الدعوى الاولى، وعدم إمكان التعرف على آراء الامامية جميعا بالنسبة للدعوى الثانية، والاجماع المنقول متوقفة حجيته على حجية خبر الناقل له، فلو كانت حجية خبر الناقل له موقوفة عليه لزم الدور، وهناك مناقشات أخرى له لا داعي للاطالة في عرضها فلتراجع في المطولات (1). العقل: وقد صور بصور عدة، نذكر بعضها، ونحيل البعض الآخر على الكتب المطولة لعدم الجدوى بعرضها ومناقشتها جميعا. أولاها: ما ذكره الغزالي من أن (المفتي إذا لم يجد دليلا قاطعا من كتاب أو إجماع أو سنة متواترة، ووجد خبر الواحد، فلو لم يحكم به لتعطلت الاحكام، ولان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان مبعوثا إلى اهل عصر يحتاج إلى إنفاذ الرسل إذ لا يقدر على مشافهة الجميع، ولا إشاعة جميع أحكامه على التواتر إلى كل أحد، إذ لو أنفذ عدد التواتر إلى كل قطر لم يف بذلك اهل مدينته (2)). وقد أجاب الغزالي على الشق الاول بأن (المفتي إذا فقد الادلة القاطعة، يرجع إلى البراءة الاصلية والاستصحاب، كما لو فقد خبر الواحد أيضا (3))، ولكن هذا الجواب غير واضح لان الرجوع إلى البراءة الاصلية في غير ما يقطع فيه محق للرسالة من أساسها، لبداهة أن


(1) اقرأ حقائق الاصول، ج 2 ص 136، وغيره. (2) المستصفى، ج 1 ص 94. (3) المستصفى، ج 1 ص 94. (*)

[ 214 ]

الاحكام القطعية محدودة جدا إن لم تكن معدومة. والاحكام المعروفة بضروريات الدين كالصوم، والصلاة، والحج، وأمثالها، وإن ثبتت لها الضرورة القطعية، إلا أن ثبوتها لها إنما هو ثبوت في الجملة لا في جميع الخصوصيات، ولو جردت من الخصوصيات الثابتة بالامارات المعتبرة لتحولت إلى واقع لا تقره جميع المذاهب الاسلامية، فضلا عن إنكار كونه من الضروريات، على أن الاسلام ليس هو هذه الضروريات فحسب كما هو ثابت بالبداهة. والرجوع إلى الاستصحاب وهو في رتبة سابقة على البراءة كما سبق بيانه، ويأتي مناقش صغرى وكبرى، أما الصغرى فلاحتياجه إلى حالة سابقة معلومة وشك طارئ عليها، وهو نادر ما يقع في الاحكام الكلية الثابتة بالضرورة، وفي غيرها لا علم بحالة سابقة، كما هو الفرض، وأما الكبرى فللشك في حجية مثل هذا الاستصحاب لرجوعه إلى ما يدور أمره بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، لان الحكم المجعول إن كان واسع المنطقة إلى هذا الزمان، فهو مقطوع البقاء، وإن كان ضيق المنطقة فهو مقطوع الارتفاع، فما هو الحكم المعلوم اذن ليستصحب بقاؤه ؟ وأصالة عدم النسخ إن رجعت إلى الاستصحاب فحسابها نفس هذا الحساب، وسيأتي فيها الكلام مفصلا. اللهم إلا ان يدعي أن مراده هنا من الاستصحاب استصحاب عدم الجعل قبل البعثة، أو استصحاب عدم الحكم المجعول في حقه حال الصغر، ولكن الاشكال في جريان هذين الاستصحابين جار أيضا إما لعدم الموضوع فعلا لعدم مشاهدتنا للحالتين: حالة ما قبل البعثة، وحالة ما بعدها، لنجري في حقنا استصحاب الحالة السابقة، لو أريد استصحاب العدم بالنسبة لحكمنا الخاص، أما لو أريد استصحاب عدم

[ 215 ]

الجعل الكلي فهو مثبت بالنسبة الينا، واستصحاب عدم الجعل حال الصغر يشكل جريانه للشك في تبدل الموضوع، فنحن حال الصغر غيرنا عندما نقع تحت التكاليف، وللاعلام في هذه الانواع من الاستصحابات حديث يأتي في موضعه ولعل لنا في بعضها رأيا. على أن استصحاب عدم الجعل هنا، لا يجري في جميع المشكوكات للعلم الاجمالي بجعل الكثير منها لبداهة أن الاسلام لم يأت بهذه المقطوعات أو الضروريات فحسب، ومع قيام العلم الاجمالي لا يمكن جريان الاستصحاب ولا البراءة الاصلية في أطرافه، إما لعدم إمكان جريانها أصلا، أو انها تجري وتتساقط للمعارضة، وسيأتي إيضاح ذلك في مبحث الاحتياط العقلي. والانسب ان يجاب عنه بأن هذا الدليل لو تم فهو لا يعين العمل بأخبار الآحاد إلا بضميمة مقدمات أجنبية عن حكم العقل لجواز ان تكون هناك طرق مجعولة من قبله تؤمن هذا الغرض الخاص أو الايكال إلى الاحتياط فيها مثلا. وأجاب عن الشق الثاني بقوله: (أما الرسول صلى الله عليه وسلم، فليقتصر على من يقدر على تبليغه، فمن الناس في الجزائر من لم يبلغه الشرع فلا يكلف به، فليس تكليف الجميع واجبا (1)). وهذا الجواب غريب في بابه أيضا لمنافاته للشمولية التي جاءت بها رسالة النبي صلى الله عليه وآله، وعمومها لجميع البشر (وما أرسلناك الا كافة للناس (2)) ولان فرض الاقتصار على البعض يوجب اختصاص الرسالة بهم وحرمان غيرهم مع فرض احتياجهم إلى مثلها، وأين قاعدة اللطف منها إذن ؟


(1) المستصفى، ج 1 ص 94. (2) سبأ / 28. (*)

[ 216 ]

ولماذا لا يبعث لكل أمة نبيا يفي بحاجتها إذا تعذر قيام نبي واحد بهذه المهمة ؟ فلا بد إذن أن يفرض - بعد ثبوت الجانب الشمولي فيها - أن طرق التبليغ المعتمدة لدى النبي صلى الله عليه وآله كافية بأيصال صوته إليها بالوسائل المتعارفة، وبذلك يتم ما قال المستدل. ثم عقب - أعني الغزالي - بعد ذلك بقوله: (نعم لو تعبد نبي بان يكلف جميع الخلق، ولا يخلي واقعة عن حكم الله تعالى، ولا شخصا عن التكليف، فربما يكون خبر الواحد ضرورة في حقه (1)). وهذا الاستدراك عين ما أراده المستدل لتحدثه عن نبينا صلى الله عليه وآله بالخصوص ورسالته، لانها موضع حاجتنا الفعلية. ومن البديهي ان شريعتنا عامة لجميع البشر، وما من واقعة إلا ولها فيها حكم، إلا أن قوله: (فربما يكون الاكتفاء بخبر الواحد ضرورة) لا يتم إلا بضميمة مقدمات أخرى تحصر الطريق فيه، وهو ما لم يذكر في الدليل، كما لم يذكره في استدراكه عليه. الصورة الثانية: ما ذكره صاحب الوافية (وحاصله إنا نعلم تفصيلا ببقاء التكليف بالصلاة والصوم ونحوهما من الضروريات، وليس لنا علم تفصيلي بأجزائها وشرائطها، فإذا تركنا العمل بمؤديات الامارات، واقتصرنا على خصوص ما علمناه من الاجزاء والشرائط، خرجت هذه الامور عن حقائقها، لان الضرورية من الاجزاء والشرائط ليست إلا أمورا معدودة بحيث نقطع بعدم صدق العناوين المزبورة على ما هو المتفق دخله فيها. فلا مناص من الرجوع إلى الاخبار المودعة في الكتب المعتبرة (2)).


(1) المستصفى، ج 1 ص 94. (2) دراسات الاستاذ المحقق الخوئي، ص 125. (*)

[ 217 ]

ولكن هذا الدليل أضيق من المدعى لعدم اقتضائه اثبات الحجية لمطلق الاخبار بل لخصوص ما اثبت منها الاجزاء والشرائط للتكاليف المعلومة. أما الاخبار النافية التي ورد على خلافها عموم مثبت للتكليف أو اطلاق أو اصل عملي فلا تتعرض لها باثبات، ومقتضاه عدم الحجية فيها، والتحقيق ان العقل لا يلزم باخبار الآحاد، وحسبنا في ذلك ما مر من الادلة السمعية (فما ذهبت إليه الجماهير من سلف الامة من الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين، إنه لا يستحيل التعبد بخبر الواحد عقلا، ولا يجب التعبد به عقلا، وإن التعبد واقع به سمعا (1) هو الحق في المسألة، وهو الذي اختاره جل علماء الشيعة كما يظهر مما أوردوه في كتبهم المطولة. ادلة المانعين: أما المانعون فقد استدلوا على المنع بالادلة السمعية، كالآيات الناهية عن العمل بالظن أو بغير العلم، باعتبار أن أخبار الآحاد لا تفيد علما بمدلولها. والجواب على ذلك ان هذه الآيات مخصصة بما دل على جواز العمل باخبار الآحاد لانها أخص منها إن لم تكن هذه الادلة حاكمة عليها. وقد اعتبروا هذه الآيات أيضا رادعة عن بناء العقلاء بعد التغافل عن تخصيصها بما دل على الجواز. وأجيب عن ذلك أيضا بحكومة بناء العقلاء عليها لاعتبار العقلاء هذا النوع من أخبار الآحاد علما من حيث ترتيب جميع آثار العلم عليه، ومع اعتباره علما، فهو خارج عن الآيات الناهية عن العمل بغير العلم


(1) المستصفى، ج 1 ص 95. (*)

[ 218 ]

موضوعا، فلا يكون مشمولا لها بحال. واستدلوا أيضا بالاجماع على المنع من العمل بها، وهو مناقش صغرى وكبرى، أما الصغرى فلعدم حصوله لما سمعت من أن جل العلماء يذهبون إلى جواز العمل بها، فأين موقع الاجماع منها ؟ وأما الكبرى فلمعارضته بمثله، وهو ما سبق حكايته عن الشيخ الطوسي، على ان هذا النوع من الاجماع يستحيل أن يكون حجة لانه يلزم من اثبات حجيته عدمها بداهة أن معنى قيامه على عدم العمل بأخبار الآحاد أن لا يكون هو بنفسه حجة لانه منقول بأخبار الآحاد، وما يلزم من وجوده عدمه لا يصلح للدليلية أصلا. أما أدلتهم من العقل، فأركزها ما سبق ان عرضناه من دعوى استحالة جعل الاحكام الظاهرية من قبل الشارع للزوم تناقضها أو تماثلها مع الاحكام الواقعية، وقد عرفت في البحوث التمهيدية مناقشتها فلا نعيد. وكأن بعض المانعين لهذه الاسباب أو ما يشبهها أو همت كلماتهم نفي الحجية عن نفس السنة، وهم لا يريدون ذلك قطعا، وكان ذلك من نتائج الضيق في الاداء كما يوحي به تفصيل كلماتهم وضم بعضها إلى بعض (1). شرائط العمل به: وقد اختلفوا في الشرائط المعتبرة للعمل بأخبار الآحاد، وفي مقدار اعتبارها، على أقوال قد لا يكون في عرضها وتعدادها والاستدلال عليها أي جدوى ما دمنا قد انتهينا في استدلالنا السابق إلى أن المدار في الحجية وعدمها هي وثاقة الراوي والاطمئنان بعدم كذبه، كما هو مقتضى ما يدل عليه بناء العقلاء، وبعض الادلة اللفظية التي تسأل عن


(1) راجع تاريخ الفقه الاسلامي، لمحمد يوسف موسى، ص 227 وما بعدها. (*)

[ 219 ]

وثاقة الراوي، ومناسبات الحكم والموضوع، وما سبق من إرجاع الائمة إلى كتب بني فضال. فالظاهر أن الحديث في هذه الشرائط كالحديث عن اعتبار العدالة أو البلوغ أو الذكورية أو غيرها، إنما هو من قبيل اتخاذ الاحتياطات من قبل بعض الاصوليين للحد من الفوضى والتسامح في قبول جميع الاخبار، أو هي من قبل بعضهم اعتقاد بعدم إمكان تشخيص الصغريات لما هو حجة من الاخبار إلا من هذه الطريق. وعلى هذا فافتقاد بعض شرائط العدالة في الراوي وعلى الاخص فيما تختلف المذاهب في اعتباره منها، لا يضر باعتماد الخبر إذا كان راويه من الثقات. واختلاف المذاهب في الرواة إذا عرف من حالهم عدم التأثر والانفعال بمسبقات مذهبهم في مجال النقل، لا يمنع من اعتماد خبرهم والاخذ به ما لم تكن هناك قرائن أخر توجب التوقف عن العمل به. ومن هنا اعتبر الشيعة الامامية - خلافا لما نقل عنهم من قبل بعض المتأخرين من الكتاب غير المتورعين - أخبار مخالفيهم في العقيدة حجة إذا ثبت أنهم من الثقات، وأسموا أخبارهم بالموثقات، وهي في الحجية كسائر الاخبار وقد طفحت بذلك جل كتب الدراية لديهم، فلتراجع في مظانها المختلفة. وما يقال عن اعتبار هذه الشرائط ونظائرها، يقال عن تقسيماتهم للخبر غير المتواتر. تقسيمات فقد قسموه إلى مشهور، أو مستفيض، وغير مشهور، وقسموا غير

[ 220 ]

المشهور إلى صحيح، وحسن، وموثق، وضعيف، ثم قسموه إلى مرسل، ومقطوع، ومرفوع، ومسند. وجل هذه التقسيمات منصب على تشخيص صغريات ما يحصل به الاطمئنان بالصدور. وقسم منها لا يجدي إلا في مجال الترجيح عند تعارض الاخبار، ولا يهم فعلا الدخول في تفصيلاتها ما دمنا نملك المقياس في الحجية، وهو التوثق والاطمئنان بصدور الخبر من قبل المعصوم. وحتى اعتبارهم هجر الاصحاب للخبر الصحيح من قبيل الموهنات له، وعمل الاصحاب بالخبر الضعيف جابرا له انما هو من قبيل تشخيص الصغرى لما يوجب الثقة بالصدور لا للتعبد المحض بذلك. وعلى هذا فالدخول هنا في الاقسام وتحديدها لا يهم الآن بحثه، وهو من شؤون علماء الحديث، وموضعا في كتب الدراية، فلتراجع في مظانها الخاصة. (2) أما ما لم يقم عليه دليل قطعي فأهمه أمران، أولهما: الشهرة: وربما عللت حجيتها بما لها من كشف عن رأي المعصوم مما اقتضى ان تعرض ضمن الادلة الكاشفة عن رأيه. ويراد من الشهرة انتشار الخبر، أو الاستناد، أو الفتوى، انتشارا مستوعبا لجل الفقهاء أو المحدثين، فهي دون مرتبة الاجماع من حيث

[ 221 ]

الانتشار، وقد قسموها إلى ثلاثة أقسام قد تختلف من حيث الحجية وعدمها. اولاها: الشهرة في الرواية. ومؤداها انتشار رواية ما، وتدوالها بين الرواة على نحو مستوعب في الجملة ومقابلها الندرة والشذوذ. وقد اعتبروها من مرجحات باب التعارض بين الروايات، وأدلتها من السنة كثيرة، بالاضافة إلى ان كثرة النقل عن حس مما يوجب الوثوق بالصدور بخلاف الندرة والشذوذ، فالقول بحجيتها وصلوحها للترجيح مما لا ينبغي ان يكون موضعا لكلام. ثانيها: الشهرة في الاستناد. ويراد بها انتشار الاستناد في مقام استنباط الحكم إلى رواية ما من قبل أكثر المجتهدين. وهذه الرواية قد لا تكون مستوفية لشرائط القبول، الا ان استناد الفقهاء إليها يكون جابرا لضعفها، كما ان إعراضهم عن رواية ما، وان كانت صحيحة، يكون من موجبات تركها وعدم العمل بها. وهذا النوع من الاستناد أو الاعراض لا دليل على اعتباره من المرجحات، اللهم الا أن يولد وثوقا للانسان بصدور ما استندوا إليه وعدم صدور ما هجروه أو صدروه لا لغاية بيان الحكم الواقعي باعتبار أن إصرار أكثرية الفقهاء على الاخذ برواية مع ضعفها، أو هجر رواية وهي بأيديهم مع صحتها، لا يكون بلا مستند جابر أو موهن عادة. وعلى أي فالمدار - كما سبقت الاشارة إليه - في ذلك كله على حصول الوثوق بالصدور وعدمه، ولا خصوصية للاستناد أو الهجران، ولا يبعد ان يكون الوثوق بالصدور حاصلا في أكثر ما استندوا إليه وبعدم صدوره فيما هجروه من الروايات وهو العمدة في مقام الحجية للاخبار وعدمها.

[ 222 ]

ثالثها: الشهرة في الفتوى. ومضمونها انتشار فتوى ما بين الفقهاء انتشارا يكاد يكون مستوعبا دون ان يعلم لها أي مستند. وقد استدلوا على حجيتها بأدلة ثلاثة: الكتاب، السنة، والقياس. أدلتهم من الكتاب: وأهمها التعليل الوارد في آية النبأ السابقة (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) حيث ركزت الآية في وجوب التبين على التعليل بإصابة قوم بجهالة، ومقتضى ذلك دوران هذا الحكم مدارها وجودا وعدما، وبما أن الاستناد إلى الشهرة الفتوائية لا يعد من الجهالة والسفه، فلا يجب التبين معه في هذا الحال وهو معنى حجيته. والجواب على ذلك: أن دوران حكم مع علة ما وجودا وعدما، لا يكون إلا مع فرض انحصار العلة، ولا دليل على انحصارها في أمثال هذه التعابير، فإذا قال الشارع - مثلا -: حرمت الخمرة لاسكارها، فغاية ما يدل عليه هذا التعبير تعميم العلة في الحرمة إلى غير الخمر من المسكرات لا ارتفاع الحرمة عن شئ عند ارتفاع الاسكار لجواز ثبوتها له لعلة أخرى كالنجاسة، أو الغصبية، أو غيرهما من موجبات التحريم، وانما التزمنا بدوران التبين مدار خبر الفاسق وجودا وعدما في صدر الآية، لدلالة مفهوم الشرط عليها لا أخذا بهذا التعليل، فارتفاع السفاهة هنا لا يدل على ارتفاع التبين لجواز ثبوته بعلة أخرى غيرها.

[ 223 ]

أدلتهم من السنة: وهي كثيرة، وقد وردت رواياتها في باب تعارض الخبرين كمرفوعة زرارة، قال: (قلت: جعلت فداك ! يأتي عنكما الخبران، والحديثان المتعارضان، فبأيهما نعمل ؟ قال عليه السلام: خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر). وقد قربوا الاستدلال بها أن الموصول في قوله (ما اشتهر) مبهم، وصلته معرفة له، وبما أن الشهرة التي اعتبرت في الصلة مطلقة، فهي شاملة للشهرة في الفتوى بمقتضى ذلك الاطلاق. وقد أجيب عليها بأن المراد من الشهرة هنا، الشهرة بمدلولها اللغوي، وهي الوضوح والابانة، أخذا من شهر السيف إذا جرده من غمده وأبانه، وهي مختصة بهذا المعنى بما علم صدوره من الشارع، لا ما ظن أو شك فيه، فكأنه قال (ع): خذ بما وضح وبان انتسابه الينا لدى أصحابك، على أن طبيعة السؤال والجواب تقتضي أن يكون الجواب على قدر السؤال ولا يتجاوزه إلى غيره، والمسؤول عنه هنا هو خصوص الخبرين المتعارضين، فلا معنى للاجابة بما يعمهما ويعم الشهرة الفتوائية، لانها غير داخلة في السؤال، ومن شرائط الاطلاق أن يعلم أن الشارع كان في مقام البيان من هذه الجهة ولم يقم قرينة على الخلاف ليصح التمسك به، فكونه في مقام البيان من حيث التعميم لها، تأباه طبيعة التطابق بين السؤال والجواب الذي يقتضي السنخية بينهما حتى مع فرض التعميم لغير المورد. ولو تنزلنا فلا محرز له إن لم نقل ان التطابق يصلح للقرينية على الخلاف.

[ 224 ]

ثالثها - القياس: وقد قربوه بما ادعى استفادته في خبر الواحد من كون العلة في حجيته هو حصول الظن بمدلوله، وهي متوفرة في الشهرة الفتوائية، بل هي فيها أقوى منها في خبر الآحاد. وهذا الاستدلال من أمتنها لو كان المنشأ في حجية أخبار الآحاد هو الظن الحاصل منه. ولكن سبق لنا ان استعرضنا جل أدلة أخبار الآحاد، فلم نجد فيها ما يشير إلى هذه العلة، وهي اعتبار الظن، لذلك عممنا حجيته إلى ما لم يفد الظن منه، ولم نجعل الظن مقياسا لنلجأ إليه، فأركان القياس إذن لم تتوفر في هذا الموضع ليصح الاخذ به. وعلى هذا، فالشهرة الفتوائية لا مستند لها ليؤخذ بها، فهي ليست بحجة كما ذهب إلى ذلك كثير من الفقهاء. (3) حجية مطلق الظن بالسنة: ويراد به العمل بكل ظن يتولد للانسان من أي سبب كان، إذا كان متعلقا بحكم شرعي يظن انه ثبت بالسنة. وقد استدل له بأدلة كلها عقلية، وليس فيها ما ينهض بالدليلية، وجل أدلته مما ترجع إلى ما يسمى بدليل (الانسداد الكبير) وقد عرضناه وناقشناه في مبحث القياس لاستدلال بعضهم به على حجيته باعتباره من مصاديق ما يحصل به الظن، والذي يرتبط من أدلته ببحوثنا هذه

[ 225 ]

ما ذكره صاحب الحاشية من عده في جملة ما تثبت به السنة بمقتضى فحوى دليله، وحاصل ما استدل به: (إنا نعلم علما قطعيا بلزوم الرجوع إلى السنة بحديث الثقلين وغيره مما دل على ذلك، فيجب علينا العمل بما صدر عن المعصومين، فإن أحرز ذلك بالقطع فهو، وإلا فلا بد من الرجوع إلى الظن في تعيينه، ونتيجة ذلك وجوب الاخذ بما يظن بصدوره (1))، ومن الواضح ان الظن هنا لم يقيد بكونه حاصلا من الاخبار ليكون دليلا على حجية ما يفيد الظن منها كما أفيد، بل أطلق لما يشمل كل ظن بالسنة ومن أي سبب كان، لذلك آثرنا عده من أدلة مطلق الظن بالسنة. والجواب على هذا أن دعوى القطع بالعمل بمطلق الظن بالسنة مع عدم إحرازها بالقطع - كما هو مقتضى مفاد دليله - لا تخلو من مصادرة، لان الظن بما هو ظن ليس من الحجج الذاتية التي لا تحتاج إلى جعل أو إمضاء، وهذا الدليل لا يثبت جعلا ولا إمضاء شرعيا له بل لا تعرض فيه لهذه الجهة أصلا. ووجوب العمل بالسنة - وإن كان ضروريا - إلا أنه لا يتنجز على الملكف إلا بعد إحرازها بمحرز ذاتي أو مجعول، وهذا الترديد الذي ورد في الدليل لا يتم إلا إذا ثبت من الخارج أن الظن محرز للسنة في عرض القطع أو في طوله على الاقل، وإثبات محرزتيه بهذا الدليل دوري كما هو واضح. وحسبنا من الادلة الرادعة عن العمل بالظن حجة في الردع عن مثله ما دام لم يثبت لنا بهذا الدليل ما يخصصها أو يحكم عليها لعدم تماميته وصلوحه لاثبات ما أريد له.


(1) الدراسات، ص 125. (*)

[ 227 ]

الباب الاول القسم الثاني السنة (6) السنة وكيفية الاستفادة منها السنة كلها تشريع، كيفيات الاستفادة منها: دلالة القول: حجية أقوال أهل الفن، الاصول اللفظية، دلالة الفعل، دلالة الترك، دلالة التقرير.

[ 229 ]

(1) السنة كلها تشريع: والحديث حول كيفيات الاستفادة منها يدعونا ان نمهد له بالحديث عن تشخيص نفس السنة التي تقع موقع التشريع، فهي وإن اتفقوا على تعريفها بقول المعصوم وفعله وتقريره إلا أنهم قيدوا حجيتها بما أحرز أنها واردة مورد التشريع، ولذا قسموها إلى أقسام، يقول في سلم الوصول - وهو كلام جار نظيره على السنة الكثير -: (ليس كل ما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام، من أقواله وأفعاله وتقريراته تشريعا يطالب به المكلفون، لان الرسول بشر كسائر الناس اصطفاه الله رسولا لهداية الناس وإرشادهم، قال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي (1)) فما صدر منه ينتظم الاقسام الآتية: (1) ما صدر منه بحسب طبيعته البشرية كالاكل، والشرب، والنوم، وما إلى ذلك من الامور التي مرجعها طبيعة الانسان وحاجته. (2) ما صدر منه بحسب خبرته وتجاربه في الحياة وفي الامور الدنيوية، وبحسب تقديره الشخصي للظروف والاحوال الخاصة، وذلك مثل شؤون التجارة والزراعة والمسائل المتعلقة بالتدبيرات الحربية، وما إلى ذلك من الامور التي يعتمد فيها على مقتضيات الاحوال ومراعاة الظروف. وهذان القسمان ليسا تشريعا، لان مرجع القسم الاول الطبيعة والحاجة البشرية، ومرد القسم الثاني الخبرة والتجارب في الحياة والتقدير الشخصي


(1) الكهف / 110. (*)

[ 230 ]

للظروف الخاصة من غير ان يكون هناك دخل للوحي الالهي ولا للنبوة والرسالة. (3) ما صدر منه على وجه التبليغ عن الله تعالى، بصفته رسولا يجب الاقتداء به والعمل بما سنه من الاحكام مثل تحليل شئ أو تحريمه، والامر بفعل أو النهي عنه، وكبيان العبادات، وتنظيم المعاملات، والحكم بين الناس. فهذا القسم الاخير تشريع عام يجب على كل مكلف العمل به. والاحاديث الواردة في هذا القسم تسمى بأحاديث الاحكام. وبالجملة فإن أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته إنما تكون دليلا من الادلة، ومصدرا من المصادر التشريعية التي تستمد منها الاحكام الشرعية ذا صدرت منه بمقتضى رسالته لسن القوانين وتشريع الاحكام أو بيانها (1)). ولكن هذه التفرقة بين أقسام ما يصدر عنه من قول أو فعل أو تقرير، لا تخلو من غرابة إذا علمنا أنه ما من واقعة إلا ولها حكم في الشريعة الاسلامية كما هو مقتضى شموليتها، ولا يفرق في ذلك بين ما تقتضيه طبيعته البشرية كالاكل والشرب وغيره، إذا كان صادرا منه عن إرادة، وبين غيره من تجارب. وإذا تم ما سبق أن عرضناه من أدلة العصمة له، فإن كل ما يصدر عنه بطبيعة الحال يكون موافقا لاحكام الشريعة ومعبرا عنها، وما دام الاكل والنوم والشرب من أفعاله الارادية، فهي محكومة حتما بأحد الاحكام، فأصل الاكل محكوم بالجواز بالمعنى العام، وأكله لنوع معين يدل على جوازه، كما أن تركه لانواع أخرى يدل على جواز الترك لها،


(1) سلم الوصول، ص 262 وما بعدها. (*)

[ 231 ]

فالقول بأن ما كان من شؤون طبيعته البشرية لا يعبر عن حكم، لا يتضح له وجه. كما أن ما يتصل بالقسم الثاني من شؤون خبرته وتجاربه هو الآخر معبر عن حكمه، وحكمه هنا جواز التعبير عنه - وإن أخطأ الواقع لو صح جواز خطئه في الموضوعات، ولنا التأسي به في الاخبار عن تجاربنا وخبراتنا في حدود ما نعلم منها، وحتى قوله - لو صح عنه -: أنتم أعلم بشؤون دنياكم، فهو إمضاء لهم على جواز إعمال تجاربهم وخبراتهم الخاصة، فهو لا يخرج عن الدلالة على التشريع. نعم ما كان من مختصات النبي صلى الله عليه وآله كالزواج بأكثر من أربع، أو ما كان من أفعاله الطبيعية غير الارادية، فهو لا يعبر عن حكم عام. والخلاصة ان تقييد السنة بما صدر عنه على وجه التشريع كما صنع غير واحد في غير موضعه، لان كل ما يصدر عنه من أفعاله الارادية فهو تشريع عام عدا مختصاته الخاصة، اللهم إلا ان يريدوا به الايضاح لا الاحتراز وهو بعيد عن مساق كلامهم. اقصاه ان بعض افعاله تختلف عن البعض الآخر من حيث دلالتها على الحكم بعنوانه الاولي أو العنوان الثانوي، ودلالتها أحيانا على جواز العمل بالحكم الظاهري، وهكذا... (2) كيفيات الاستفادة منها: وما دمنا قد علمنا أن السنة هي القول والفعل والتقرير، فلا بد من التحدث عن مدى دلالة كل منها.

[ 232 ]

دلالة القول: واستفادة ما له من دلالة انما تكون بحسب ما تدل عليه الالفاظ بمفاهيمها اللغوية - أو الاصطلاحية فيما ثبتت فيه الحقيقة الشرعية من قبله - لما سبق ان أكدناه من أن الشارع لم يخترع لنفسه ولاتباعه طريقة جديدة خاصة للتفاهم، وانما جرى على وفق ما عند العرب منها. وهذه الالفاظ إن كانت نصا في مدلولها أو ظاهرة فيه أخذ بها، وإلا فلا بد من الاستعانة - في غوامض اللغة وغرائبها - بالرجوع إلى اهل الفن في ذلك كاللغويين في المفرادت اللغوية، والنحويين، والصرفيين، والبلاغيين في الهيئات وتراكيب اللغة وخصائص الاساليب، واستشارتهم في هذه الجوانب والصدور عما يقولون. حجية أقوال أهل الفن: والظاهر أن المنشأ في حجية أقوالهم، هو البناء العقلائي في رجوع الجاهل إلى العالم الممضي من قبل الشارع قطعا، وربما اعتبره بعضهم من الاحكام العقلية التي تطابق عليها العقلاء بما فيهم الشارع المقدس. نعم يعتبر في هؤلاء ان يكونوا خبراء في فنهم، وأن يكونوا موثوقين في أداء ما ينتهون إليه، لانه هو المتيقن من ذلك البناء أو الحكم العقلي. فالتشكيك اذن في حجية أقوال اللغويين أو غيرهم من أهل الفن في غير موضعه. الاصول اللفظية: وهناك أصول لفظية يرجع إليها عند الشك في المراد بسبب بعض الطوارئ التي تولد احتمالا على خلاف الظاهر كأصالة عدم التخصيص عند

[ 233 ]

الشك في طرو مخصص على العام، وأصالة عدم التقييد عند الشك في طرو المقيد على المطلق، وأصالة عدم القرينة عند الشك في إقامتها على خلاف الحقيقة وتجمعها اصالة الظهور، وهذه الاصول ونظائرها، انما تجري لدى أهل العرف - وهم منشأ حجيتها مع العلم باقرار الشارع لهم عليها، لما قلناه من عدم اختراعه طريقة للتفاهم خاصة به - عند الشك في تعيين المراد، ولا تجري فيما إذا علم المراد وشك في كيفية الارادة، فأصالة عدم القرينة - مثلا - لا تجري فيما إذا علم باستعمال لفظة ما في أحد المعاني، وشك في كون الاستعمال كان على نحو الحقيقة أو المجاز لتثبت أنه على نحو الحقيقة باعتبار أن المجاز مما يحتاج إلى قرينة، وأصالة عدم القرينة تدفعها بل تجري إذا احتملنا إرادة أحد معنيين حقيقي ومجازي ولم نستطع تعيينه بالذات، فأصالة عدم القرينة تعين المعنى الحقيقي منهما. دلالة الفعل: وقد اختلفوا في مقدار ما يستفاد من افعاله، فالذي عليه أبو اليسر هو التفصيل بين أن يكون الفعل معاملة، فالاباحة إجماعا، وبين ان يكون قربة فهو محل الخلاف، والذي نقل عن مالك: (الوجوب عليه وعلينا، وقال الكرخي: مباح في حقه لتيقنها بالفعل، وليس للامة اتباعه إلا بدليل، وقال جمع من الحنفية: الاباحة في حقه، ولنا اتباعه إلا بدليل (1)). (وهذان المذهبان، يعكران على نقل أبي اليسر إلاجماع على الاباحة في المعاملات، فانهما لم يفرقا بين قربة ومعاملة، وقال المحققون: إن الخلاف إنما هو بالنسبة إلى الامة، فمن قائل بالوجوب، ومن قائل بالندب، ومن قائل بالاباحة، ومن قائل بالوقف (2)).


(1 - 2) أصول الفقه للخضري، ص 232 وما بعدها. (*)

[ 234 ]

والذي عليه من نعرف من محققي الشيعة عدم دلالته على أكثر من الاباحة بالمعنى العام لا الاباحة في مقابل الوجوب والحرمة باستثناء ما كان قريبا منه، لان التقرب يصلح للقرينية على رجحان ما أتى به، ولا يعين نوعه من وجوب أو استحباب إذ لا معنى للتقرب بالمكروه أو المباح. وعمدة ما يصلح للدليلية لهم هو كون الفعل مجملا بنفسه لا لسان له ليتعبد بمقتضى ما يدل عليه لسانه، وغاية ما تدل عليه أدلة العصمة أن المعصوم لا يرتكب الذنب، فمجرد صدور الفعل منه، يدل على أن ما أتى به ليس بمحرم عليه وإنما هو مباح بالمعنى الاعم للاباحة، وأوامر الاقتداء به تدل على مشاركتنا له في جميع الاحكام إلا ما كان من مختصاته، فهو إذن مباح لنا ايضا، ودعوى أن النبي صلى الله عليه وآله لا يصدر منه إلا ما كان راجحا، فلا يعمل المكروه ولا المباحات مع توفر العناوين الثانوية التي يمكن أن تحول ما كان مباحا بالاصل إلى مستحب بالعنوان الثانوي - وإن كان مما يقتضيها مقام النبوة - إلا أن أدلة العصمة لا تلزم بها أصلا. واستدلال بعضهم على الوجوب علينا بأوامر الاقتداء - الدالة على لزوم متابعته صلى الله عليه وآله في كل ما يفعله حتى المباحات حيث تتحول مباحاته إلى واجبات في حقنا بحكم لزوم المتابعة - لا يخلو من غرابة لان أوامر الاقتداء لا تقتضي أكثر من الاتيان بالافعال على الوجه الذي أتى به، فإذا افترضناها مباحة أو مستحبة، فتحويلها إلى الوجوب في حقنا ينافي طبيعة الاقتداء والالتزام بما التزم به الرسول صلى الله عليه وآله لان معنى اقتدائنا به في المباحات، هو كوننا مخيرين بين الفعل والترك كما هو مخير بينهما، فاضفاء صفة الوجوب عليها، ينهي بنا إلى الخلف طبعا.

[ 235 ]

والظاهر ان الآمدي، وابن الحاجب، والخضري من المتأخرين، ممن تبنوا هذا الرأي الذي انتهى إليه المحققون من الشيعة، يقول الخضري: (ومختار الآمدي وابن الحاجب ما ذكرنا أولا وهو الظاهر، لان المتيقن من صدور الفعل منه اباحته فلا يثبت الزائد على ذلك إلا بدليل). (وظهور قصد القربة دليل على أن الفعل مطلوب، والمتيقن من الطلب الندب، فلا يثبت ما زاد عنه). (أما ادعاء ان الفعل يثبت بنفسه مع جهل صفته حكما شرعيا فوق الاباحة، فهو قول بلا دليل، وكل ما ذكروه من أدلتهم إنما يتجه إذا علمت صفة الفعل، وفرض المسألة انها مجهولة (1)). إلا أن الذي يؤخذ على الخضري عدم تقييده الاباحة بكونها بالمعنى العام مما يوهم ارادة الاباحة الاصطلاحية، أي تساوي الطرفين، وهي لا معين لها أيضا، كما ان تعبيره بعد ذلك ان المتيقن من الطلب الندب، لا يخلو من من مسامحة أيضا، لان الندب نوع من أنواع الطلب في مقابل الوجوب وله فصله الخاص، فتعيينه بالذات يحتاج إلى معين لان نسبة الطلب اليهما نسبة واحدة ما دام معتبرا من قبيل الجنس لهما. نعم لو كان هو مرتبة من الوجوب لامكن ان يقال بالقدر المتيقن بالنسبة له، ولكنه ليس كذلك بداهة، بل هو نوع في مقابله له حدوده الخاصة فلا معنى لاعتباره قدرا متيقنا له. دلالة الترك: ولا يستفاد منها أكثر من عدم الوجوب، أما تعيين الحرمة أو


(1) أصول الفقه، ص 233. (*)

[ 236 ]

الاستحباب أو الكراهة أو الاباحة، فلا معين لها لان القدر المتيقن من أدلة العصمة انه لا يرتكب الذنب، فتركه للشئ إذن لا يكون تركا لواجب كما هو مقتضى ما تدل عليه وتلزم به، وإن كان في ما يقتضيه مقام النبوة ان لا يواظب النبي صلى الله عليه وآله على ترك مستحب، كما سبقت الاشارة إليه. دلالة التقرير: والظاهر أن ما يفيده الاقرار على الشئ لا يدل على أكثر من الجواز بالمعنى العام سواء كان متعلقه فعلا عابرا، أم عادة متحكمة، أم عرفا خاصا، أم بناء عقلائيا، اللهم إلا ان يكون البناء أو العرف قائما على حجة ملزمة فإقراره يستلزم ثبوت حجيتها عند الشارع المساوق للالزام بها في مواقع الالزام كما هو الشأن في الاخذ بأخبار الثقات وبالبناء العقلائي على الاخذ بالظواهر والعمل بالاستصحاب وأمثالها. هذا إذا لم تكن هناك قرينة تبين نوع الحكم المقر كما لو كانت بعض العادات مثلا قد اتخذت طابع الحكم الالزامي عندهم، فإقرارهم عليه يدل على الالزام به، أما الاقرار على عدم الفعل فهو لا يدل على أكثر من عدم وجوبه. والقول بأن التقرير يدل (على الاباحة (1)) إذا أريد من الاباحة تساوي الطرفين مشكل إذ لا معين لها من بين أنواع الجواز والتقرير كالفعل لا لسان له فهو مجمل، والقدر المتيقن منه الاباحة بالمعنى العام فتعيين فصلها يحتاج إلى معين.


(1) أصول الفقه، ص 233. (*)

[ 237 ]

وقد اشترط غير واحد اعتبار القدرة على الانكار في حجية التقرير وهو شرط سار في جميع أنواع السنة، لان القدرة على التبليغ شرط فيها جميعا. نعم يستفاد من السكوت مع عدم القدرة على الانكار أن ذلك - أعني السكوت - مشروع للتقية، بل هو من أدلة مشروعية التقية التي لا مدفع لها.

[ 239 ]

الباب الاول القسم الثاني السنة (7) السنة والكتاب السنة وعلائقها بالكتاب، نوعية أحكامها، تخصيص الكتاب بها وعدمه، نسخ الكتاب بالسنة، رتبة السنة من الكتاب.

[ 241 ]

السنة وعلائقها بالكتاب: وإذا عرفنا مفهوم السنة وتعرفنا على حجيتها، واستطعنا التوصل إليها من طرقها الذاتية أو المجعولة، وعرفنا مضامينها حسب الكيفيات المجعولة لذلك كان علينا بعدها ان نبحث علائقها بالكتاب العزيز والحديث حول ذلك يقع في مواقع أهمها أربعة: 1 - نوعية ما ترد به من أحكام ونسبته إلى الكتاب العزيز. 2 - امكان تخصيص الكتاب بها وعدمه. 3 - امكان نسخ الكتاب بها وعدمه. 4 - رتبتها من الكتاب عند الاستدلال والمعارضة. 1 - نوعية أحكامها: أما نوعية أحكامها فهي حسبما يدل عليه استقراؤها في مصادرها لا تخرج عن احد ثلاثة: أ - تأكيد ما ورد في الكتاب من أحكام عامة كالاحاديث الآمرة بأصل الصلاة والصيام والزكاة والحج، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وكالاحاديث الناهية عن الخمر والميسر والانصاب والازلام وما أهل به لغير الله، وحسابها حساب الآيات المتعددة الدالة على حكم واحد. ب - شرح ما ورد من آيات عامة في القرآن، وبيان أساليب ادائها وامتثالها والتعرض لكل ما يتصل بها من أجزاء وشرائط وموانع، كالاحاديث المحددة للمراد من الصلاة والصيام والحج، والمبينة لاجزائها

[ 242 ]

وشرائطها وموانعها وكل ما يرتبط بها من شؤون الاداء. ج - تأسيس أحكام جديدة لم يتعرض لها الكتاب فيما نعرف من آيات أحكامه مثل حرمان القاتل من الميراث إذا قتل مورثه، وتحريم الجمع بين نكاح العمة وابنة أخيها أو الخالة وابنة أختها إلا باذنهما، وكتحريم لبس الحرير للرجال وأمثالها، يقول ابن القيم: (والسنة مع القرآن ثلاثة أوجه: احدها ان تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الادلة وتظافرها، والثاني ان تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له، والثالث ان تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن ايجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه (1)). 2 - تخصيص الكتاب بها وعدمه: ومن اعتبار صفة الشرح والبيان لها يتضح أنه ليس هناك ما يمنع من تخصيص الكتاب بها ما دام المخصص بمنزلة القرينة الكاشفة عن المراد من العام، والظاهر أنه بهذا المقدار موضع اتفاق المسلمين، ولذلك أرسلوا - إرسال المسلمات - إمكان تخصيص الكتاب بما تواتر من السنة، ولكن موضع الخلاف في السنة التي تثبت باخبار الآحاد، فالذي عليه الجمهور ان (خبر الواحد يخص عام الكتاب كما يخصه المتواتر (2)) وفصل الحنفية بين ان يكون العام الكتابي قد خصص من قبل بقطعي حتى صار بذلك التخصيص ظنيا، وبين ما لم يخصص فجوزوه في الاول ومنعوه في الثاني (3)، وذهب البعض إلى المنع مطلقا. وعمدة ما استدلوا به دليلان: أولهما دعوى ان الخبر الواحد لا


(1) سلم الوصول، ص 259 نقلا عن أعلام الموقعين، ج 2 ص 232. (2 - 3) أصول الفقه للخضري، ص 184. (*)

[ 243 ]

يقوى على معارضة الكتاب، لان الكتاب قطعي وخبر الواحد ظني. وثانيهما موقف عمر بن الخطاب من حديث فاطمة بنت قيس: (حينما روت انه عليه الصلاة والسلام لم يجعل لها نفقة، ولا سكنى وهي بائن فقال عمر: لا نترك كتاب ربنا، ولا سنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصابت أم أخطأت (1)) وكلاهما لا يصلحان للدلالة على المقصود، أما الاول منهما فلأن نسبة الخاص إلى العام نسبة القرينة إلى ذي القرينة، وليس بينهما تعارض كما هو فحوى الدليل، وحيث يمكن الجمع بين الدليلين لا مجال لطرح أحدهما وإلغائه ولو فرض التعارض، وعدم إمكان الجمع بينهما عرفا لما أمكن رفع اليد عن الكتاب بالتخصيص حتى في السنة المتواترة بينما لم يلتزم أحد منهم بذلك، بل لما أمكن ورود الخاص من الشارع أصلا لاستحالة تناقضه على نفسه كما هو الشأن في المتباينين أو العامين من وجه عندما يلتقي الحكمان في موضع التقائهما حيث حكموا بالتساقط في الاخبار الحاكية لذلك فيهما. وبعد افتراض حجية الخاص في نفسه وإن كان مرويا بأخبار الآحاد، فأي مانع من إعطائه صفة الشرح لما أريد من العام الكتابي ؟ ومع التنزل فان التعارض في الحقيقة ليس بين سنديهما ليقدم القطعي على الظني، وإنما هو بين ظنية الطريق في خبر الآحاد، وظنية الدلالة في العام الكتابي، فالكتاب وإن كان قطعي الصدور إلا أنه ظني الدلالة بحكم ما له من ظهور في العموم، ولا موجب لاسقاط أحدهما بالآخر. نعم لو كان العموم الكتابي مما لا يقبل التخصيص لكونه نصا في مدلوله لا يحتمل الخلاف، ولا يتقبل قرينة عليه، لتعين القول بإسقاط


(1) أصول الفقه للخضري، ص 184. (*)

[ 244 ]

الخبر وتكذيبه لاستحالة صدور التناقض من الشارع، وحيث ان الكتاب مقطوع الصدور ومقطوع الدلالة، فلا بد ان يكون الكذب منسوبا إلى الخبر ويتعين لذلك طرحه. وبهذا العرض يتضح معنى الاخبار الواردة عن المعصومين في اعتبار ما خالف كتاب الله زخرفا، أو يرمى به عرض الجدار، وجعل الكتاب مقياسا لصحة الخبر عند المعارضة في الاحكام التي تعرض لها الكتاب. واتهام الزنادقة بوضع هذا الاخبار - كما ورد على لسان الاصوليين - منشؤه عدم إدراك معنى الحديث. نعم قد يقال ان النسخ يقتضي أحيانا مصادمة الحديث الناسخ للكتاب، فكيف يجعل الكتاب مقياسا لصحته، وهذا الاشكال صحيح لو كانت هذه الاحاديث واردة في غير أبواب التعادل المستدعي لتعارض الاخبار، والتعارض لا يكون إلا في أخبار الآحاد، وسيأتي أن النسخ لا يكون بخبر الواحد إجماعا على أن النسخ - لولا الاجماع على عدم وقوعه بخبر الآحاد - لامكن القول به هنا أيضا، لحكومة الدليل الناسخ على الدليل المنسوخ، ولا تصادم بين الدليل الحاكم والدليل المحكوم فلا تصدق المخالفة مع عدم التصادم، وسيأتي إيضاح ذلك عما قليل. أما الدليل الثاني - أعني رأي الخليفة عمر - فإن أريد من الاستدلال به أنه سنة واجبة الاتباع أخذا بما ذهب إليه الشاطبي، فقد عرفت ما فيه في مبحث سنة الصحابة، وإن أريد الاستدلال به بما أنه (مذهب الصحابي) واجتهاده، فسيأتي ما فيه، وأنه لا يصلح ان يكون حجة إلا عليه وعلى مقلديه لا على المجتهدين، كما هو التحقيق، على أن الذي يبدو من الرواية المذكورة تشكيك الخليفة في قيمة روايتها وهو أجنبي

[ 245 ]

عن جواز التخصيص بخبر الثقة وعدمه، فلا تصلح للاستدلال بها أصلا، والذي يظهر من إقرار الخليفة عمر للخليفة الاول في تخصيصه لآية المواريث بخبره الذي انفرد بنقله: (نحن معاشر الانبياء لا نورث)، وعدم الانكار عليه أنه من القائلين بجواز التخصيص بخبر الآحاد. ودعوى الخضري (1) أن هذا الحديث ونظائره قد يكون مستفيضا إلى درجة توجب القطع غريبة لانها تصادم كلما صح نقله في هذا الباب من انفراد الخليفة بنقله (2). وما يقال عن التخصيص يقال عن التقييد بأخبار الآحاد لمطلقات الكتاب، والحديث فيهما واحد. وإذا صح هذا لم نعد بحاجة إلى استعراض - ما طرأ - على آية (وأحل لكم ما وراء ذلكم)، ونظائرها من الآيات - من التخصيصات المأثورة بأخبار الآحاد، والمقرة من قبل الصحابة، كما أنا لم نعد بحاجة إلى مناقشة الحنفية في تفصيلهم الذي لا يعرف له مأخذ يمكن الركون إليه. 3 - نسخ الكتاب بالسنة: ويراد من النسخ على ما هو التحقيق في مفهومه - رفع الحكم في مقام الاثبات عن الازمنة اللاحقة مع ارتفاعه في مقام الثبوت لارتفاع ملاكه، وهو لا يتأتى إلا في الاحكام التي تؤدي بصيغ العموم، أو كل ما يدل عليه - ولو بمعونة القرائن - من حيث التعميم لجميع الازمنة. وارتفاع الاحكام التي تقيد بوقت معين لانتهاء وقتها لا يسمى نسخا اصطلاحا، وقد أحاله فريق لادلة عقلية لا تنهض بذلك وسرها الجهل


(1) أصول الفقه للخضري، ص 184. (2) راجع مصادره في النص والاجتهاد في قصة فدك وغيره. (*)

[ 246 ]

بحقيقته بتخيل ان الرفع واقع في مقام الثبوت بعد وضع الحكم على الازمان اللاحقة للعلم الحادث بتبدل المصلحة مما يوجب نسبة الجهل إلى الله تعالى وتقدس عما يتخيلون، بينما هو في واقعه لا يتجاوز مقام الاثبات لمصلحة التدرج في التبليغ، والحكم ابتداء لم يجعل إلا على قدر توفر الملاك فيه، والمصلحة والمفسدة اللذان هما ملاكا الاحكام مما يتأثران بعوامل الزمان والمكان قطعا، وسيأتي ايضاح أنهما ليسا من قبيل الحسن والقبح الذاتيين دائما ليلزم الخلف والحكم في الازمنة اللاحقة لم يثبت في مقام الجعل ليقال كيف يرتفع الحكم الثابت مع ما يلزم من فرض اثبات صفة الثبوت له. والحقيقة ان النسخ لا يتجاوز الاخبار عن عدم تحقق الملاك في الازمنة اللاحقة، الملازم لارتفاع الحكم ثبوتا وان أدي بصيغ الرفع في مقام التبليغ. ولقد أشار القرآن الكريم إلى امكانه وأجمع المسلمون على وقوعه، ولم ينقل الخلاف الا عن أبي مسلم الاصفهاني (ولم يحقق الناقلون مذهبه (1)) وقد استظهر الخضري (ان خلاف أبي مسلم انما هو في نسخ نصوص القرآن، فهو يرى أن القرآن كله محكم لا تبديل لكلمات الله (2)) وما أدري ما قيمة هذا الكلام بعد تصريح القرآن بامكان النسخ في آياته (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها (3)) على ان النسخ المدعى هنا ليس هو تبديلا لكلمات الله وانما هو شرح للمراد منها وتقييد أو تخصيص لظهوراتها، ثم ليس فيها مصادمة لنص لا يحتمل الخلاف، وحاشا لله ان يكذب نفسه أو وليا من أوليائه المبلغين عنه (4)، وما قلناه أو قالوه عن التخصيص يقال عن النسخ.


(1) أصول الفقه للخضري، ص 246. (2) أصول الفقه، ص 246. (3) البقرة / 105. (4) ومن هنا صرحوا ان أمثال هذه الآيات لا تقبل نسخا (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) كما صرحوا ان الآيات المخبرة عن أمور تقع لا تقبل النسخ لانتهائها إلى التكذيب، راجع سلم الوصول، ص 337. (*)

[ 247 ]

وهذا من الامور التي تكاد تكون بديهية بين المسلمين فلا تحتاج إلى اطالة حديث، والظاهر ان النسخ واقع في الكتاب من الكتاب ومن السنة على خلاف في قلة وكثرة الاحكام التي يدعى لها النسخ، وقد استعرض استاذنا الخوئي في كتابه (البيان) كل ما قيل عن الآيات المنسوخة وحاكمه بجهد ولم يجد فيها ما يصلح ان يكون منسوخا الا أقل القليل. والخلاف الذي وقع انما هو في امكان نسخ الاحكام - المقطوعة أسانيدها كالاحكام الكتابية والمتواترة من السنة - بأخبار الآحاد، وأكثرية المسلمين على المنع وربما ادعي عليه الاجماع، وأهم ما لديهم من الشبه هي شبهة ان الظني لا يقاوم القطعي فيبطله، وهي شبهة عرفت قيمتها في الحديث عن التخصيص لعدم المعارضة بينهما، لان الدليل الناسخ لا يزيد على كونه شارحا للمراد من الدليل المنسوخ، وقرينة على عدم ارادة الظهور وحاله حال التخصيص، على ان الخبر وان كان ظنيا في طريقة، الا أنه مقطوع الحجية للادلة السابقة ومع الغض وافتراض المعارضة فانها في الحقيقة قائمة بين ظنين لا بين قطعي وظني، أي بين ظنية الدلالة في مقطوع السند وظنية الطريق. ولعل منشأ الاجماع المدعى أو اتفاق الاكثرية، انما هو في وضع حد لما يمكن ان يقع من التسامح في دعوى النسخ وإبطال الاحكام لمجرد ورود خبر ما، وهو عمل في موضعه وربما استدعته صيانة الشريعة عن عبث المتلاعبين بأحكام الله والوقوف دون تصرفاتهم، وعلى الاخص وان في الدخلاء على الاسلام من تمثل بصورة القديسين ليتسنى له هدم الاسلام وتقويض قواعده.

[ 248 ]

4 - رتبة السنة من الكتاب: من الكلمات المألوفة على السنة كثير من الاصوليين ان رتبة السنة متأخرة عن رتبة الكتاب في الاعتبار. وهو كلام لا أعرف له مدلولا يمكن الاطمئنان إليه لاضطراب في تحديد معنى الرتبة هنا، فالذي يظهر من بعض أقوالهم ان مرادهم بها ان تقدم الكتاب على السنة من قبيل تقدم الحاكم على المحكوم، أي مع وجود دليل من الكتاب لا ينظر إلى السنة ولا تلتمس كدليل، وهي أشبه بما ذكرنا من التقدم الرتبي لادلة الامارات على الاصول ولكن بعضها الآخر يبدو منه ان المراد منها هو السبق الرتبي من حيث الشرف والاهمية، ووجودها أقرب إلى الوجود الظلي بالنسبة للكتاب، وفي ثالث من الاقوال ان الكتاب يقدم عليها عند التعارض فسبقه الرتبي من حيث أرجحيته في هذا الباب. ومن أدلتهم على هذا السبق الرتبي تتضح وجهات النظر، وان كان قد جمع بعض المتأخرين بين هذه الادلة وكأنها مساقة لمبنى واحد، في تفسيرها لا لمباني متعددة. وأول هذه الادلة قولهم: (ان الكتاب مقطوع والسنة مظنونة، والقطع فيها انما يصح على الجملة لا على التفصيل بخلاف الكتاب، فانه مقطوع به على الجملة والتفصيل والمقطوع به مقدم على المظنون، ولعله لا يوجد من متواترها القولي شئ (1)). وهذا الدليل يصلح للقول الثالث أي تقديم الكتاب على السنة عند المعارضة لا مطلقا، إذ لا معنى لرفع اليد عن المظنون بالمقطوع مع عدم


(1) أصول الفقه، ص 237 للخضري. (*)

[ 249 ]

المعارضة، وكلاهما حجة كما هو الفرض. والمعارضة لا تتعقل بين الكتاب والسنة بما هي قول أو فعل أو تقرير، لاستحالة تناقض الشارع على نفسه، وإنما تمكن في الاخبار الحاكية لها، وعليها يقتضي أن تحرر المسألة في تقدم الكتاب على أخبار الآحاد لا على السنة. وقد سبق أن أيدنا دعوى من يذهب إلى طرح الاخبار، إذا خالفت الكتاب ولم يمكن الجمع بينها وبينه لنفس هذا الدليل وللاخبار الآمرة بطرح ما يخالف الكتاب. ثانيها: قولهم: (إن السنة، إما بيان للكتاب أو زيادة على ذلك، فإن كانت بيانا فالبيان تال للمبين في الاعتبار، إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان لا العكس، وما شأنه هذا فهو أولى بالتقدم وإن لم يكن بيانا فلا يعتبر إلا بعد ألا يوجد في الكتاب، وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب (1))، وهذا الدليل يصلح للاستدلال به على التقديم من حيث الشرف والاولوية، لا من حيث الاقتصار على الكتاب، مع وجوده لعدم إمكان الاستغناء عن البيان بحال، وما دامت السنة بيانا للكتاب فهي متممة للاستدلال به، بل كلاهما يكونان دليلا واحدا لبداهة أن ما يحتاج إلى البيان لا ينهض بالدليلية إلا به، ولكن اعتبار التقدم في الرتبة على أساس التفاضل في المكانة، لا معنى لادراجه في مباحث الاصول والتماس الادلة له لعدم إعطائه أية ثمرة عملية في مجالات الاستنباط. ثالثها: (ما دل على ذلك من الاخبار كحديث معاذ وأثر عمر، اللذين تقدم ذكرهما، ومثله عن ابن مسعود: (من عرض له منكم قضاء


(1) أصول الفقه للخضري، ص 237. (*)

[ 250 ]

فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك عن ابن عباس وهو كثير في كلام السلف والعلماء وهو الوجه في تفرقة الحنفية بين الفرض والواجب (1)) وهذا الدليل صالح للدلالة على المبنى الاول في التقدم الرتبي، أي مع قيامه لا ينظر إلى السنة، ولا تعتبر دليلا. وهذا المذهب من أغرب المذاهب إذ كيف يعقل الاستغناء بالكتاب عن السنة ومنها بيانه وشروحه وشروط أحكامه وأدلتها، فهل يكتفي ابن مسعود أو عمر أو ابن عباس، لو صح عنهم ذلك، بالرجوع إلى الكتاب والاكتفاء به في حكم واحد من الاحكام فضلا عن جميع ما ورد فيه منها، وهم يعلمون من طريقة الكتاب في البيان هي الاتكال على القرائن المنفصلة، والسنة هي الكفيلة ببيانها، وكيف يسوغ لهم العمل بظواهره مع هذا الاحتمال ؟ على أن هذه الاقوال لا تصلح للاستدلال بها لانها لا تمثل أكثر من رأى أصحابها لو أرادوا ظواهرها، وهو بعيد وهم ليسوا بمعصومين ليجب علينا التعبد بها نعم في اقرار النبي (صلى الله عليه وآله) لمعاذ ما يصلح للاستدلال، باعتباد ان الاقرار من السنة، فالاستدلال بها استدلال بالسنة، إلا أن الكلام في صحة رواية معاذ، وسيأتي في مبحث القياس إثبات أنها من الموضوعات. فالحق ان السنة في مجالات الاستدلال صنو للكتاب وفي رتبته، بل هما واحد من حيث انتسابهما إلى المشرع الاول وهو الله عزوجل، ولا


(1) أصول الفقه للخضري، ص 237. (*)

[ 251 ]

يمكن الاستغناء به عنها، وما أروع ما قاله الاوزاعي: (الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب، وذلك لانها تبين المراد منه (1)). وقال رجل لمطرف بن عبد الله: لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال: (والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا (2)). ومن هذا العرض ندرك أن هذه الادلة لا تصلح ان تكون لمبنى واحد.


(1 - 2) أصول الفقه للخضري، ص 234. (*)

[ 253 ]

الباب الاول القسم الثالث الاجماع تعريفه، هل الاجماع أصل ؟ الاختلاف في حجيته، أدلة الحجية: الكتاب، السنة، العقل، حكم منكري حجية الاجماع، إمكان الاجماع وعدمه، الاجماع المحصل، الاجماع المتواتر، الاجماع المنقول بأخبار الآحاد.

[ 255 ]

الاجماع تعريفه: الاجماع في اللغة لفظ مشترك بين العزم والتصميم - فيقال على سبيل المثال أجمع القوم على النهوض بالعمل الفلاني، أي عزموا وصمموا عليه، - وبين الاتفاق فيقال أجمعوا على القيام بعمل ما أي اتفقوا عليه. وهو في اصطلاح الاصوليين موضع خلاف، وان اتفقوا على دلالته على الاتفاق. وموقع الخلاف منه متعلق بالاتفاق فقيل انه مطلق الامة، وقيل خصوص المجتهدين منهم في عصر، وفي رأي مالك اتفاق أهل المدينة (1)، وقال بعضهم اتفاق أهل الحرمين (مكة والمدينة)، (أو أهل المصرين الكوفة والبصرة) وربما ضيق إلى اتفاق الشيخين أو (الخلفاء الاربعة (2))، وفي بعض المذاهب اتفاق خصوص مجتهديهم إلى ما هنالك من أقوال لا تعكس أكثر من اختلافهم في تحديد هذا المصطلح تبعا لاختلافهم في مقدار ما ثبتت له الحجية من ذلك الاتفاق. ولذلك لا نرى وجها لالتماس تحديد المراد من هذه اللفظة كمصطلح عام بعد ان كانت لا تتولى الحكاية عن مضمون موحد، فلا معنى للاشكال على تعاريفهم بعدم الاطراد والانعكاس. والمهم في الموضوع ان يبحث عن اعتباره أصلا من الاصول في مقابل


(1) عدة الاصول للشيخ الطوسي، ص 232، وأصول الفقه للخضري، ص 270. (2) المصدر السابق وغيره. (*)

[ 256 ]

الكتاب والسنة ودليل العقل، ثم عن حجيته وما يصلح للدلالة عليها من الادلة، ومنها يلتمس مدى وجه الحق في هذه الاقوال وغيرها مما عرض في الكتب المطولة. هل الاجماع أصل أو حكاية عن أصل ؟ ونريد بالاصل هنا أن يكون له كيان مستقل في الحكاية عن الحكم الواقعي، أي لا يحتاج إلى توسط في عالم الحكاية من قبل أصل من الاصول الثلاثة، فهو لا يحكي عن الكتاب أو السنة أو العقل، وإنما هو مستقل في مقابلها في عوالم الحكاية عن الاحكام. والظاهر أن الكثير منهم يرى أنه لا استقلال له، يقول الخضري: (لا ينعقد الاجماع إلا عن مستند (1)). وفي حكايته عن الآمدي وغيره عن بعض الاصوليين: (انه لا يشترط المستند، بل يجوز صدوره عن توفيق بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب (2)). وقد ذكرت أدلة لكل من وجهتي النظر في كثير من الكتب وليس في استعراضها ومناقشتها أية جدوى، لكون أكثرها واردة بمنأى عن أدلة الحجية. والذي يقتضي التركيز عليه استعراض أدلة الحجية، والنظر في حدود ما تقتضيه مضامينها من استقلال وعدمه. وسيأتي أن بعضها يبدو منه استقلاله في الحجية لظهوره بإعطاء العصمة للامة، وجعل ذلك من مزاياها على ان يكون لاتفاقها خصوصية في اصابة الحكم الواقعي بمنأى عن بقية الادلة، وإذا وجد هناك دليل


(1 - 2) أصول الفقه، ص 275. (*)

[ 257 ]

على وفق الاجماع، فهو من باب تعدد الادلة على الحكم الواحد كبعض الادلة السمعية والعقلية، ولكن بعضها الآخر يبدو منه اعتبار المستند باعتبار حكايته عن رأي المعصوم، ومن استعراضها والتماس وجه الحق فيها تبدو نتائج ما ننتهي إليه. الخلاف في حجيته: (ذهب المتكلمون بأجمعهم والفقهاء بأسرهم على اختلاف مذاهبهم، إلى أن الاجماع حجة، وحكي عن النظام وجعفر بن حرب وجعفر بن مبشر أنهم قالوا: الاجماع ليس بحجة، واختلف من قال انه حجة، فمنهم من قال انه حجة من جهة العقل وهم الشذاذ، وذهب الجمهور الاعظم والسواد الاكثر إلى أن طريق كونه حجة السمع دون العقل (1)). أدلة الحجية: وقد استدلوا على الحجية بالادلة الثلاثة، وأقصوا الاجماع عن الاستدلال به على حجيته لانتهائه إلى الدور. الكتاب: وأهم أدلتهم من الكتاب هذه الآيات: الاولى: قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (2))، وقد قرب دلالتها على مذهب الجمهور صاحب سلم الوصول


(1) عدة الاصول، ص 232. (2) النساء / 115. (*)

[ 258 ]

بقوله: (ان الله تعالى جمع بين مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم، واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد حيث قال: (نوله ما تولى ونصله جهنم)، فيلزم ان يكون اتباع غير سبيل المؤمنين محرما مثل مشاقة الرسول، لانه لو لم يكن محرما لما جمع في الوعيد بينه وبين المحرم الذي هو مشاقة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يحسن الجمع بين حلال وحرام في الوعيد، وإذا حرم اتباع غير سبيل المؤمنين وجب اتباع سبيلهم إذ لا واسطة بينهما، ويلزم من اتباع سبيلهم ان يكون الاجماع حجة لان سبيل الشخص هو ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد (1)). ويرد على هذا التقريب: أ - إن ظهور تعدد الشرط مع وحدة الجزاء، اشتراكهما في علة التحريم ولازمه ان اتباع غير سبيل المؤمنين من دون مشاقة للرسول لا يدل على الحرمة فلا يتم المطلوب، وقد استظهر الغزالي ما يقرب من هذا المعنى من مساق الآية، وبعد لذلك دلالتها على الاجماع، يقول: (والظاهر ان المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاقه ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ودفع الاعداء عنه، نوله ما تولى فكأنه لم يكتف بترك المشاقة، حتى تنضم إليه متابعة سبيل المؤمنين في نصرته والذب عنه والانقياد له فيما يأمر وينهى، وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم (2)). ب - وفي عقيدتي أن الآية لا يمكن أن تحمل على إرادة الاجماع منها لما فيها من كلمة (نوله ما تولى) إذ لا معنى للقول: بأن من يتبع غير


(1) سلم الوصول، ص 272، والظاهر أن هذا التقريب لصاحب نهاية السول وان لم يقومه كما يوحي إرجاعه في الهامش إليه. (2) أصول الفقه للخضري، ص 279 نقلا عنه. (*)

[ 259 ]

ما أجمعوا عليه من الاحكام نجعل ما اتبعه من الحكم غير المجمع عليه واليا عليه يوم القيمة، وأي معنى لمثل هذا النوع من الكلام. والظاهر أن مضمون الآية: أن من يشاقق الرسول ويخالف المؤمنين في اتباعه، ويتبع غيره من رؤساء الاديان والنحل الاخرى، نوله ما تولى، أي أننا نربط مصيره يوم القيمة بمصير من تولاه، فيكون مساقها أشبه بمساق الآية الاخرى (يوم ندعو كل أناس بإمامهم (1))، وحينئذ تكون أجنبية عن مفاد جعل الحجية للاجماع. وأظن أننا بهذا المقدار، نكتفي عن مناقشة المراد من كلمة: غير والالف واللام في المؤمنين، وغير ذلك مما ذكروه في مناقشة هذه الآية وأكثرها غير تام (2). الثانية: قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس (3))، بتقريب: (ان الوسط هو العدل والخيار والعدل والخيار لا يصدر عنه إلا الحق، والاجماع صادر عن هذه الامة، العدول الخيار فليكن حقا (4)) وهذه الدلالة لو تمت للآية، فهي لا تزيد على اكثر من اثبات العدالة لهم لا العصمة، والذي ينفع في المقام إنما هو اثبات العصمة لهم لا العدالة، ليتم حكايتها عن الحكم الواقعي. إذ العدل لا يمتنع صدور غير الحق منه ولو فرض فانما (يلزم صدور الحق منه بطريق الظاهر فيما طريقه الصدق والكذب، وهو نقل الاخبار واداء الشهادات، أما فيما طريقه الخطأ والصواب في استخراج الاحكام


(1) الاسراء / 71. (2) راجع الطوفي في مناقشاته لها، ص 100 وما بعدها من رسالته المنشورة في مصادر التشريع الاسلامي، والشيخ الطوسي في العدة، ص 234 وما بعدها. (3) البقرة / 143. (4) الطوفي في رسالته السابقة، ص 103. (*)

[ 260 ]

والاجتهاد فيها فلا (1)). الآية الثالثة: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (2)) وقد قربت دلالتها بما نقله الشيخ الطوسي في تقريبها، يقول في العدة: (قالوا وصف الله تعالى الامة بأنها خير الامة، وأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فلا يجوز ان يقع منها خطأ لان ذلك يخرجها من كونها خيارا، ويخرجها من كونها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر إلى ان تكون آمرة بالمنكر وناهية عن المعروف، ولا ملجأ من ذلك إلا بالامتناع من وقوع شئ من القبايح من جهتهم (3)) وقد سبق الحديث عن هذه الآية في مبحث (سنة الصحابة) وذكرنا هناك عدم دلالتها على أكثر من التفضيل النسبي وهو لا يستدعي العصمة وعدم الوقوع في الخطأ، على أنا لا نعرف وجها للملازمة التي ذكروها هنا في تقريب دلالة الآية بين عدم جواز وقوع الخطأ منهم وبين ما علل به من لزوم خروجها عن كونها خيارا، لان الخيار يخطأون وان كانوا معذورين كما هو الشأن في غير المعصومين من العدول، فإثبات العصمة للامة بهذه الآية لا يتضح له وجه. الآية الرابعة: قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا (4)) بتقريب ان الاجماع حبل الله فيجب الاعتصام به ولا يجوز التفرق عنه. وتمام دلالة الآية موقوف على ان يكون الاجماع مصداقا لهذا المفهوم والآية لا تتكفل باثبات ذلك لانها لا تثبت موضوعها بداهة.


(1) الطوفي في رسالته السابقة، ص 103. (2) آل عمران / 110. (3) عدة الاصول، ص 242. (4) آل عمران / 103. (*)

[ 261 ]

والآيات الباقية - وهي أضعف منها دلالة - تتضح مناقشتها مما عرضناه هنا فلا نطيل بعرضها والتحدث عنها. السنة: وقد استدلوا منها بطوائف من الاحاديث مأثورة عن (عمر، وابن مسعود وأبي سعيد الخدري، وانس بن مالك، وابن عمر، وأبي هريرة، وحذيفة ابن اليمان وغيرهم، من نحو قوله: لا تجتمع أمتي على الضلالة - لم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة - سألت الله ان لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيها - من سره ان يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فان دعوتهم تحيط من ورائهم - ان الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد - يد الله مع الجماعة، ولا يبالي الله بشذوذ من شذ - لا تزال طائفة من امتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم، (وروي لا يضرهم خلاف من خالفهم) إلا ما أصابهم من الاداء - من خرج عن الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه - من فارق الجماعة ومات، فميتته جاهلية (1)) إلى غيرها من الروايات. وهذه الروايات على طوائف، بعضها أجنبي عن عوالم جعل العصمة لرأي الامة كالاخبار الداعية إلى الالفة والتجمع أمثال يد الله مع الجماعة، ان الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، وكالاخبار الحاثة على إطاعة السلطان ولزوم جماعته، أمثال (اتبعوا السواد الاعظم فانه من شذ شذ في النار، ويد الله مع الجماعة)، يقول الطوفي: (فأما نحو قوله (عليه السلام) اتبعوا السواد الاعظم فانه من شذ شذ في النار ويد الله مع الجماعة، فانما المراد به طاعة الائمة والامراء وترك الخروج عليهم بدليل قوله (عليه السلام):


(1) الخضري اصول الفقه، ص 279 وما بعدها. (*)

[ 262 ]

اسمعوا وأطيعوا وان تأمر عليكم عبد حبشي، وقوله (عليه السلام): من مات تحت راية عصبية مات ميتة جاهلية (1)). وهناك قسم يذكر في الحث على صلاة الجماعة، ولم يبق إلا أحاديث لا تجتمع أمتي على الضلالة وأمثالها. يقول المحقق الكاظمي: (وأقوى ما ينبغي ان يعتمد عليه من النقل حديث لا تجتمع أمتي على الخطأ وما في معناه لاشتهاره وقوة دلالته، وتعويل معظمهم ولا سيما أوائلهم عليه وتلقيهم له بالقبول لفظا ومعنى، وادعاء جماعة منهم تواتره معنى، وموافقة العلامة من أصحابنا لهم على ذلك في أوائل المنتهى، وادعائه في آخر المائة الاول من كتاب الالفين أنه يتفق عليه أي بين الفريقين وتعداده في القواعد من خصائص نبينا (صلى الله عليه وآله) عصمة أمته بناء على ظاهرها، وكذا في التذكرة مع التصريح بعصمتهم من الاجتماع على الضلالة ووروده من طرقنا أيضا (2)). والروايات التي ذكرها - من طرقنا - ليست جامعة لشرائط الحجية في أخبار الآحاد ولا جدوى بعرضها، ويمكن الرجوع إليها في كتابه المذكور (3). وأهم ما اورد على هذه الروايات من اعتراضات ما ذكره الطوفي من (ان هذا الخبر وإن تعددت ألفاظه ورواياته لا نسلم أنه بلغ رتبة التواتر المعنوي لانه إذا عرضنا هذا الخبر على أذهاننا، وسخاء حاتم، وشجاعة علي، ونحوهما من المتواترات المعنوية، وجدناها قاطعة بثبوت الرأي الثاني غير قاطعة


(1) رسالة الطوفي، ص 106. (2) كشف القناع عن وجوه حجية الاجماع، للشيخ أسد الله المعروف بالمحقق الكاظمي، ص 6. (3) كشف القناع عن وجوه حجية الاجماع، ص 6 وما بعدها. (*)

[ 263 ]

بالاول، فهو إذن في القوة دون سخاء حاتم وشجاعة علي وهما متواتران، وما دون المتواتر ليس بمتواتر، فهذا الخبر ليس بمتواتر لكنه في غاية الاستفاضة، فإن قيل تلقته الامة بالقبول فدل على ثبوته، فجوابه من وجوه: أحدها: لا نسلم تلقيها له بالقبول إذ منكرو الاجماع كالنظام والشيعة (1) والخوارج والظاهرية - فيما عدا إجماع الصحابة - لو تلقوه بالقبول لما خالفوه. الثاني: ان الاحتجاج بتلقي الامة له بالقبول احتجاج بالاجماع، وهو إثبات الشئ بنفسه (2))، إلى آخر ما ناقش به. ولكن الظاهر ان هذه المناقشات غير واردة، لان المراد بتلقي الامة له بالقبول ليس كل الامة بل أغلبيتها، ولو سلم فربما كان خلاف الخوارج والظاهرية من جهة الدلالة، فلا يؤثر في صحة السند، والاستدلال بالتلقي له بالقبول ليس استدلالا بالاجماع ليلزم اثبات الشئ بنفسه، وإنما هو من عوامل احداث الاطمئنان بصحة صدوره، وهو أشبه بما سبق ان ذكرناه من أن اعراض المشهور عن الرواية يوجب وهنها حتى إذا كانت صحيحة، وأخذهم بالرواية الضعيفة يوجب الوثوق بصدورها، وقد قلنا هناك أن المدار على حصول الوثوق بالصدور فإن أحدث تلقي الامة له بالقبول ذلك كان هو الحجة وإلا فلا. تبقى مناقشة واحدة وهي واردة على جملة ما ذكر من الادلة السمعية


(1) عد الطوفي الشيعة من جملة منكري الاجماع لا يعرف له وجه إذا أريد بهم الاثني عشرية لانهم من القائلين نوعا بحجيته، ولعل سر الاشتباه في النسبة ما اطلع عليه من انكارهم الاجماع في يوم السقيفة، ولكن مناقشتهم له هنا من وجهة صغروية لعدم انعقاده بمخالفة جماعة كبيرة من كبار الصحابة أمثال بني هاشم، وابي ذر، وعمار، وغيرهم. (2) رسالة الطوفي، ص 105. (*)

[ 264 ]

لا على خصوص هذا الحديث، وهي ورود لفظ الامة فيها أو ما يؤدي مؤداها والاخذ بظاهره لا يفيد إلا من قال بأن اجماع الامة حجة، أما بقية الاقوال كإجماع المجتهدين أو اهل الحرمين أو الصحابة أو اهل طائفة ما، فإن هذه الادلة لا تصلح لاثباتها. والقول بأن الامة ليست هي إلا مجتهديها واهل الحل والعقد فيها، فلا عبرة بغيرهم قول لا يعتمد سوى الخطابة والاستحسان، وهما لا يصلحان في مقام التمسك بالادلة على الحجج الشرعية، فالخروج على النص فيها لا مبرر له، وأوضح من ذلك في الاشكال قصرها على الصحابة أو اهل المدينة، وهكذا... العقل: وقد صور دليلهم بصور عدة لعل أهمها ثلاث: أولاها: ما ذكر من: (ان الجم الغفير من أهل الفضل والذكاء مع استفراغ الوسع في الاجتهاد وإمعان النظر في طلب الحكم، يمتنع في العادة اتفاقهم على الخطأ (1))، وقد أشكل على هذا الدليل (بالنقض بإجماع اليهود والنصارى وسائر أهل الملل على ضلالتهم، مع كثرتهم، وفضلهم واجتهادهم وإمعانهم في النظر (2))، وما أكثر ما يقع الاشتباه في الامور الحدسية أو البرهانية، وكم اتفق الفلاسفة على أمر برهاني، ثم انكشف خطؤه بعد ذلك، وتاريخ العلماء ملئ بذلك. ثانيها: ما ذكره الشيخ الطوسي من الاستدلال بقاعدة اللطف، وقد قربت هذه القاعدة بتقريب أن الله سبحانه يجب عليه، من باب اللطف بالعباد: (أن لا يمنعهم عن التقرب والوصول إليه، بل عليه أن يكمل


(1) مصادر التشريع، ص 106 (رسالة الطوفي). (2) مصادر التشريع، ص 106 (رسالة الطوفي). (*)

[ 265 ]

نفوسهم القابلة، ويرشدهم إلى مناهج الصلاح، ويحذرهم عن مساقط الهلكة، وهذا هو السبب في لزوم بعث الرسل وإنزال الكتب، وعليه فلو اتفقت الامة على خلاف الواقع في حكم من الاحكام، لزم على الامام المنصوب حجة على العباد إزاحة الشبهة بإلقاء الخلاف بينهم، فمن عدم الخلاف نستكشف موافقة رأي الامام (عليه السلام) دائما، ويستحيل تخلفه (1)). وهذه القاعدة - لو تمت - فهي إنما تتم على رأي الشيعة فحسب لاعتقادهم بوجود الامام المعصوم، وهو ما نؤمن به - كمقارنين - إذا تم ما سبق أن انتهينا إليه في مبحث (سنة أهل البيت). على أن القاعدة لا تتم في نفسها بالنسبة إلى موضع حديثنا، لان القاعدة غاية ما تقتضيه أن يصدر تبليغ الاحكام للناس على النحو المتعارف لا أن يوصلها إلى كل فرد، وربما يكون الامام قد بلغ، ولم يصل إلى هؤلاء المجتهدين لبعض العوامل التي اقتضت الاختفاء. والمصلحة التي تقتضي اختفاء الامام نفسه، قد تكون متوفرة في اختفاء أحد الاحكام، فلا يلزم اظهاره على كل حال، على أن ايقاع الخلاف من شخص مجهول لا يؤثر الاثر المطلوب في بلورة الحكم وإظهاره، فما قيمة هذا الخلاف ؟ ثالثها: ما ذكر من أن الاجماع يكشف عن دليل معتبر عند المجمعين بحيث لو وصل الينا لكان معتبرا عندنا. ويرد على هذا الوجه، أن الدليل إما ان يكون كتابا أو سنة أو حكم عقل أو قياسا، ولا يمكن أن يكون إجماعا، إذ لا معنى لئن يكون الاجماع على حكم مستندا للاجماع عليه. أما الكتاب فآياته محدودة وهي بأيدينا، ومع قيامها لدينا، لا معنى لالتماس الحجة من الاجماع


(1) دراسات، ص 88. (*)

[ 266 ]

لكفاية المستند، على أن مفروض الدليل ان المستند غير واصل الينا فلا يحتمل أن يكون آية، كما لا يحتمل أن يكون حكم عقل، لان الاحكام العقلية - كما يتضح من مفهومها الآتي لا تتوفر، إلا إذا تطابق عليها العقلاء، والمفروض أننا منهم، فلا يمكن ان تختفي عنا لنحتاج إلى استكشافها من اتفاق الفقهاء، ومع فرض اختفائها عنا، فلا تطابق بين العقلاء الملازم لانتفاء الحكم عقلا. وأما السنة فالمتواتر منها لا يختفي عنا، وغير المتواتر لا يكشف عن الحجة سندا ودلالة لاحتمال اعتماد المجمعين على ما لا نتفق معهم على صحة الاعتماد عليه في روايته لو اطلعنا عليها، ولاحتمال اختلافنا معهم في كيفية استفادة الحكم منها، وقد رأينا في أخبار البئر ما كان متفقا على دلالته في يوم ما، ثم تبدلت وجهة نظر الفقهاء في العصور المتأخرة فيها ومن هنا قيل ان فهم المجتهدين لا يكون حجة على غيرهم من العلماء. والقياس لما كان نفسه موضع خلاف كبير بين العلماء - كما يأتي تحقيقه - لا يمكن ان يكون مستندا للاجماع بل لا يمكن ان ينعقد اجماع من غير القائلين به لعدم امكان استنادهم إليه مع انتهائهم إلى عدم حجيته، وما قيمة اجماع لا يشترك فيه ما يقرب من نصف الامة. وقد ضربوا له من الامثلة اجماع الصحابة على امامة ابي بكر قياسا على تقديمه في الصلاة (1) والمناقشة في هذا المثال واردة صغرى وكبرى. أما من حيث الصغرى فلعدم انعقاده مع خلاف عشرات من الصحابة أمثال علي والعباس وولده وبقية بني هاشم وعمار وأبي ذر والزبير والمقداد وسلمان وسعد بن أبي عبادة وأتباعه إلى غيرهم من أهل الحل والعقد. وأما الكبرى فلان نسبة الاعتماد إليهم جميعا على القياس لا تخلو من


(1) الخضري في أصول الفقه، ص 277، وغيره. (*)

[ 267 ]

تخرص لعدم تصريح الجميع بذلك بالاضافة إلى عدم حجية نفس القياس - كما يأتي الحديث عنه. - والغريب ان تفهم أحداث التاريخ الكبرى بهذا المقدار من الفهم الساذج حيث يعتقد ان الصحابة كانوا على درجة من الغفلة بحيث يسكتون عن التساؤل عن معرفة مصيرهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو الذي عاش ما بين ظهرانيهم مدة من الزمن مريضا ينعى إليهم نفسه، أما كان فيهم من يجرؤ على سؤاله عن وظيفتهم في تعيين الحكم وأسلوبه من بعده، وهل يعتمد الاختيار ؟ وكيف ؟ وما هي شروط الناخب أو المنتخب ؟ أو يعتمد النص ؟ ومن هو المنصوص عليه ؟ والنبي نفسه هل يمكن ان يغفل هذا الامر الخطير ويعرض الامة إلى رجة قد تأتي - في أيسر خلافاتها حول اسلوب الحكم وتعيين الحاكم - على الاسلام نفسه ؟ وبخاصة إذا لوحظ ظروفها الخارجية من تعرضها لغزو الروم وخروج مسيلمة وارتداد كثير من الاعراب، إلى ما هنالك مما يعرض الامة لاشد الاخطار لو تعرضت إلى أية خلافات داخلية حول الحكم، أمن الحق ان نفترض ان الصحابة كانوا على هذه الدرجة من الغفلة، ثم استيقظوا بعد وفاة نبيهم دفعة واحدة فلم يجدوا أمامهم من الادلة في تعيين الحاكم الا هذا النوع من القياس المظنون ليجعلوه مصدرا لاهم حدث في تاريخهم الاجتماعي، أهكذا تفهم أحداث التاريخ وبعقلية أبناء هذا القرن بما جد فيه من تطورات ألقت كثيرا من الاضواء على دراسة وفهم احداث التاريخ وربطها بأسبابها الحقيقية بيئية وزمانية ونفسية ؟ ! ولنا من هذا الحدث موقف طويل في كتابنا عن (عبد الله بن عباس) حبر الامة، وليس موضع عرضه هنا، وطبيعة مناقشة المثال لا تستدعي أكثر من هذا الكلام. وهناك أدلة نظرية تعود إلى ضرورة دخول الامام في حملة المجمعين،

[ 268 ]

قولا أو اقرارا بحكم كونه رئيسهم، فهم لا يخالفونه عادة أو لا يقرهم على المخالفة. وهي أدلة لا تتجاوز الحدس وقد نوقشت في كتب الشيعة الامامية جميعا وبخاصة المتأخرين منهم (1)، فلا جدوى باطالة الحديث فيها. بقيت دعوة من يدعي ان الاجماع مما يحصل بسببه القطع بوجود دليل لو اطلعنا عليه لوافقنا المجمعين على الحكم، وهي دعوى لا تنفع الا من يحصل لديه القطع، ولا يبعد ان يحصل غالبا مثل ذلك في كثير من الاحكام الاجماعية، وبخاصة تلك التي لا تتصل بمنابع العاطفة أو العقيدة. ومن هنا يتضح ان هذه الادلة مختلفة في ألسنتها، فبعضها يعطي الاجماع قيمة كبرى تجعله في مقابل الكتاب والسنة وحكم العقل، أي تجعله دليلا مستقلا في مقابل بقية الادلة، كالادلة السمعية التي عرضناها مفصلا وبخاصة حديث (ما اجتمعت امتي على ضلال) لاعطائها فضيلة العصمة وعدم الخطأ، فكان لاجتماعها على الحكم خصوصية في بلوغ الواقع ولو من غير الطرق المعروفة، كالكتاب والسنة. وبعضها تعتبره كاشفا عن رأي المعصوم، أو عن دليل معتبر من الكتاب والسنة، أو القياس على اختلاف في المباني، ومثل هذه الادلة لا تعتبر الاجماع دليلا مستقلا، فعده في مقابلها في غير موضعه. وعلى المبنى الاول ان الاجماع متى قام أخذ به، ولا يعارضه دليل سمعي له ظاهر على الخلاف ويستحيل ان يعارض القطعي سندا، ودلالة منها - أي الادلة - لان الشارع لا يتناقض على نفسه، وعلى المبنى الثاني متى عرف المستند من كتاب أو سنة نقل الحديث إليه، ولا معنى للتعبد به بالخصوص،


(1) راجع الدراسات، ص 88 وما بعدها، وأصول الفقه للشيخ المظفر، ج 3 ص 92 وما بعدها. (*)

[ 269 ]

بل متى احتمل منه الاستناد إلى دليل ظني لم يحصل القطع بحجيته، ينقل الحديث إلى نفس ذلك المستند. ومن هذا العرض لهذه الادلة يتضح ان الحجية منوطة باجماع الامة لا الصحابة ولا أهل المدينة ولا الحرمين ولا مجموع المجتهدين ولا أهل المصرين، فتخصيص غير الامة بالحجية على أي دعوى من هذه الدعاوى، لا يتضح له وجه وليس عليه دليل، نعم ما ذهب إليه القائلون باكتشاف رأي المعصوم من دخوله ضمن المجمعين لا يعين الامة جميعا بل يكفي منها ما يعتقد فيه بدخول المعصوم. قال المحقق في المعتبر، وهو ممن يذهبون إلى ان مناط الحجية هو دخول المعصوم: (فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين، كان قولهما حجة (1) وقال السيد المرتضى (إذا كان علة كون الاجماع حجة كون الامام فيهم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان الامام في أقوالها، فاجماعها حجة (2)) إلى ما هنالك من التصريحات بذلك. حكم منكري حجية الاجماع: ومن هذه الادلة التي عرضناها - وهي قابلة للمناقشة - لا نرى مبررا لمن يذهب إلى تكفير منكري حجية الاجماع كما ذهب إلى ذلك بعض الاصوليين بدعوى (ان انكاره متضمن انكار دليل قاطع وهو يتضمن انكار صدق الرسول (صلى الله عليه وآله) وذلك كفر (3)) وما اجمل ما قاله امام الحرمين، وهو يفصل القول في المسألة ويرد على هؤلاء دعواهم: (فشا في لسان الفقهاء ان خارق الاجماع يكفر، وهو باطل قطعا، فان منكر


(1) المعتبر، ص 6. (2) أصول الفقه للمظفر، ج 3 ص 93. (3) أصول الفقه للخضري، ص 281. (*)

[ 270 ]

أصل الاجماع لا يكفر، والقول في التكفير والتبري ليس بالهين) ثم قال: (نعم من اعترف بالاجماع وأقر بصدق المجمعين في النقل ثم أنكر ما أجمعوا عليه، كان التكذيب آئلا إلى الشارع، ومن كذب الشارع كفر، والقول الضابط فيه ان من أنكر طريقا في ثبوت الشرع لم يكفر، ومن اعترف بكون الشئ من الشرع ثم جحده، كان منكرا للشرع وانكاره جزءا من الشرع كانكاره كله (1))، وهذا التفصيل من امام الحرمين في موضعه لوضوح ان انكار الطريق لا يستلزم انكار حكم شرعي ثبت بالضرورة بخلاف الاعتراف به وجحوده والتنكر له لانتهائه الى انكار ما ثبت من الشريعة قطعا. إمكان الاجماع وعدمه: تحدثوا حول إمكان الاجماع وعدمه وأطالوا الحديث في ذلك، فقال قوم منهم النظام: ان ذلك مستحيل (2). والظاهر أن وجه الاستحالة لديهم قياسهم هذا النوع من الاتفاق على امتناع (اتفاقهم في الساعة على المأكول الواحد والتكلم بالكلمة الواحدة (3)). وهذا الوجه لا يصلح لاثبات الاستحالة لعدم توفرها - عقلا - في المقيس عليه، بالاضافة إلى الفارق الكبير بينهما، فالاكل وغيره مما هو وليد الحاجة الفعلية لتقوم الاجسام، أو وليد الرغبة العابرة لا بد ان يتفاوت زمانا ومكانا بحسب العادة تبعا لاختلاف تكون الحاجات أو الرغبات بخلاف قضايا الفكر أو القضايا المحسة، فإن التفاوت فيها ينعدم


(1) أصول الفقه للخضري، ص 281. (2 - 3) إرشاد الفحول، ص 72. (*)

[ 271 ]

أو يقل عادة لتقارب الناس في إدراك أولياتها، وفي اشتمالهم على قواها المدركة نوعا، وما أكثر ما اتفق العقلاء في آرائهم المحمودة على الكثير من القضايا، فهذه الشبهة اذن لا تستند على أساس لعدم المانع العقلي من الاتفاق في بعض الوقائع أو القضايا ولو على سبيل الموجبة الجزئية. ولكن الكلام كل الكلام - بعد فرض امكان الاتفاق - في وقوعه والطرق إلى إثبات ذلك. ودعاوى الوقوع كثيرة على ألسنة الفقهاء، ولهم إلى إثبات ذلك طريقان: أولاهما: تحصيل الاجماع بالمباشرة، وبحثوا هذه الطريق فيما أسموه ب‍: الاجماع المحصل: و (هو ما ثبت واقعا وعلم بلا واسطة النقل) كما جاء في تعريفه لدى المحقق الكاظمي (1)، وأراد بهذا التعريف ان يتولى المجتهد نفسه مؤنة البحث عن هؤلاء المجمعين والتعرف على هوياتهم وآرائهم في المسألة التي يريد معرفة حكمها حتى يحصل له العلم بالاتفاق على الحكم. وقد نوقش هذا الاجماع من وجهة صغروية، وأهم ما جاء في مناقشته ما عرضه الشوكاني في تعبيره عن وجهة نظر المنكرين لامكانه بقوله: (قالوا لا طريق لنا إلى العلم بحصوله، لان العلم بالاشياء إما ان يكون وجدانيا أو لا يكون وجدانيا). أما الوجداني فكما يجد أحدنا من نفسه من جوعه وعطشه ولذته وألمه، ولا شك أن العلم باتفاق أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس من هذا الباب


(1) كشف القناع عن وجوه حجية الاجماع، ص 4. (*)

[ 272 ]

وأما الذي لا يكون وجدانيا فقد اتفقوا على أن الطريق إلى معرفته لا مجال للعقل فيها، إذ كون الشخص الفلاني قال بهذا القول أو لم يقل به ليس من حكم العقل بالاتفاق، ولا مجال أيضا للحس فيها لان الاحساس بكلام الغير لا يكون إلا بعد معرفته. فإذا العلم باتفاق الامة لا يحصل الا بعد معرفة كل واحد منهم وذلك متعذر قطعا. ومن ذلك الذي يعرف جميع المجتهدين من الامة في الشرق والغرب وسائر البلاد الاسلامية، فان العمر يفنى دون مجرد البلوغ إلى كل مكان من الامكنة التي يسكنها أهل العلم فضلا عن اختبار أحوالهم ومعرفة من هو من أهل الاجماع منهم ومن لم يكن من أهله ومعرفة كونه، قال بذلك أو لم يقل به. والبحث عمن هو خامل من أهل الاجتهاد بحيث لا يخفى على الناقل فرد من أفرادهم فان ذلك قد يخفى على الباحث في المدينة الواحدة فضلا عن جميع الاقاليم التي فيها أهل الاسلام. ومن أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب والعكس، فضلا عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل وبكيفية مذهبه وبما يقوله في تلك المسألة بعينها. وأيضا قد يحمل بعض من يعتبر في الاجماع على الموافقة وعدم الظهور بالخلاف، التقية والخوف على نفسه، كما أن ذلك معلوم في كل طائفة من طوائف أهل الاسلام، فإنهم قد يعتقدون شيئا إذا خالفهم فيه مخالف خشي على نفسه من مضرتهم. وعلى تقدير امكان معرفة ما عند كل واحد من أهل بلد واجماعهم على أمر فيمكن ان يرجعوا عنه أو يرجع بعضهم قبل ان يجمع اهل بلدة أخرى، بل لو فرضنا حتما اجتماع العالم بأسرهم في موضع واحد ورفعوا أصواتهم

[ 273 ]

دفعة واحده قائلين قد اتفقنا على الحكم الفلاني فان هذا مع امتناعه لا يفيد العلم بالاجماع لاحتمال ان يكون بعضهم مخالفا فيه وسكت تقية وخوفا على نفسه (1)). وهذا الاشكال - على فجوات في بعض فقراته وخطابية في اسلوب عرضه - يكاد لا يكون له مدفع نعرفه إذا أخذنا في مفهوم الاجماع اتفاق مجتهدي أمة محمد على اختلاف في مذاهبهم وآرائهم أو اتفاق أمة محمد (صلى الله عليه وآله) على اختلاف طوائفها كما هو مقتضى أدلة حجيته السمعية التي عرضناها في البحث السابق. أما إذا ضيقنا في مفهومه إلى ما يخص مجتهدي مذهب معين أو جماعة يعلم بدخول الامام في ضمنهم، فقد يقال بامكانه مع جهد الفحص والقطع بعدم الاتقاء، ولا يبعد وقوع ذلك أحيانا. فالمباني على هذا فيه مختلفة، والمسألة تتبع المباني في إمكان العلم به وعدمه. نعم ما يتصل منه بضروريات الدين أو بعض المدركات العقلية التي يقطع باتفاق العقلاء وتطابقهم عليها بما أنهم عقلاء، فانكار وقوعه مصادرة لا تعتمد على أساس. ولكن الحكم فيها لا يستفاد من الاجماع ولا تتوقف حجيته عليه. فالحق ان تحصيل الاجماع بمفهومه الواسع أمر متعذر فيما عدا الضروريات الدينية أو العقلية. وأكثر منه تعذرا تحصيل الاجماع من الاجماع السكوتي، لان السكوت لا يكون كاشفا عن الموافقة على الحكم واختياره لاحتمال التقية أو الجهل بالحكم وعدم اعتقاده بضرورة اعلانه أمام الآخرين أو غفلته عنه، وهكذا


(1) إرشاد الفحول، ص 72. (*)

[ 274 ]

فمجرد السكوت لا يكشف عن الموافقة ليتحقق بها الاجماع والاتفاق، ومن هنا نعرف قيمة الاجماع السكوتي الذي ذهب إلى اعتباره بعض الاصوليين. وثاني الطريقين: بلوغه من طريق النقل، وهذا الطريق ينقسم بدوره إلى متواتر ونقل آحاد، وقد بحثوا هذه الطريق بقسميها بما أسموه بالاجماع المنقول. 1 - الاجماع المتواتر: وهذا التواتر في النقل للاجماع وان كان من شأنه ان يفيد القطع بمدلوله، الا أن حساب تحصيله لكل واحد منهم هو نفس ذلك الحساب السابق، والخلاف من حيث الامكان وعدمه هو نفس ذلك الخلاف، فإذا جوزنا تحصيل الاجماع بأن أخذنا بدعوى من يقول بأنه يكفي فيه اجتماع جماعة يعلم بدخول المعصوم في ضمنهم، كان هذا التواتر حجة لتحصيله القطع بمدلوله، وإلا فمع احتمال اشتباه كل واحد منهم في دعوى الاجماع لا يمكن ان يحصل من اخبارهم القطع فلا يكون حجة. 2 - الاجماع المنقول بأخبار الآحاد: وهذا النوع من الاجماع لا يمكن الايمان بحجيته إلا بعد معرفة مبنى الناقل للاجماع في منشأ حجيته، وملاحظة موافقة المنقول إليه في المبنى ثم التعرف على ما إذا كان من الممكن تحصيله لمثله أو لا، ومع فرض امكانه معرفة ما إذا كان نقله له مستلزما لنقل الحجة في حق المنقول إليه، أي ان المبنى متحد في مدرك حجية الاجماع بينهما، أو انه يعطي نفس النتيجة التي يعطيها المبنى الآخر من حيث استلزام الحجية لو قدر لهما الاختلاف.

[ 275 ]

والمقياس ان يكون نقل الاجماع نقلا للحجة الشرعية، ليدخل في كبرى حجية أخبار الآحاد. ومع عدم التوفر على هذه الامور لا يمكن الايمان بحجية الاجماع المنقول. وقد أطال أعلامنا في تقريب حجيته، وجل ما قالوه يرجع إلى ما ذكرناه، فلا حاجة إلى الاطالة في عرضه والتحدث فيه مفصلا.

[ 277 ]

الباب الاول القسم الرابع دليل العقل الاختلاف في تحديد العقل، ما يصلح من حدوده أن يكون أصلا، العقل مدرك وليس بحاكم، تقسيم المدركات العقلية: أقسام الحسن والقبح، اتفاق واختلاف، رأي الاشاعرة، أدلة ونقاش، ذاتية الحسن والقبح وعدمها، رأي المعتزلة، أقسام الحسن والقبح عندهم، أدلة ونقاش، حجية العقل، مذهب الماتريدية ومناقشته، مذهب بعض الاخباريين من الشيعة ومناقشته. خلاصة البحث.

[ 279 ]

الاختلاف في تحديد العقل: والحديث حول العقل واعتباره من القواعد التي يستند إليها المجتهدون في مجالات استنباط أحكامهم كثر لدى الاصوليين، إلا أنه لم يتحدد المراد منه عند الجميع. وكلماتهم في ذلك مختلفة جدا، وفي بعضها خلط بين العقل كمصدر للحجية في كثير من الاصول المنتجة للحكم الشرعي الفرعي الكلي أو الوظيفة وبين كونه أصلا بنفسه يصلح أن يقع كبرى لقياس استنباط الاحكام الفرعية الكلية كالكتاب والسنة على حد سواء. وقد عقدت في كتب بعض الشيعة والسنة أبواب لما أسموه بدليل العقل، وعند فحص هذه الابواب تجد المعروض فيها التماس العقل كدليل على ما ينتج الوظائف أو الاحكام الظاهرية، أي أنك تجده دليلا على الاصل المنتج، لا أنه بنفسه أصل منتج لها، يقول الغزالي في مبحث دليل العقل، وهو الاصل الرابع لديه: (دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل عليهم السلام، وتأييدهم بالمعجزات، وانتفاء الاحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع (1)). فالعقل عنده هنا من الادلة على البراءة، وهي أصل منتج للوظيفة، فهو دليل على الاصل لا دليل على الوظيفة مباشرة.


(1) المستصفى، ج 1 ص 127. (*)

[ 280 ]

وفي الحدائق الناضرة: (المقام الثالث في دليل العقل، وفسره بعض بالبراءة والاستصحاب، وآخرون قصروه على الثاني، وثالث فسره بلحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب، ورابع بعد البراءة الاصلية والاستصحاب بالتلازم بين الحكمين المندرج فيه مقدمة الواجب، واستلزام الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص، والدلالة الالتزامية (1)) والذي يتصل من كلامه هذا بدليل العقل كأصل، هو خصوص ما يتصل بالتلازم بين الحكمين وإن كان اتصاله من حيث تشخيص الصغريات له، أما الباقي منها فحسابه حساب ما ذكره الغزالي وغيره. ما يصلح منها لئن يكون أصلا: وعلى أي حال فان الذي يرتبط ببحوثنا هذه من المدركات العقلية، هو الادراك الذي يتعلق بالحكم الشرعي مباشرة، وقد عرفه في القوانين المحكمة بأنه (حكم عقلي يوصل به إلى الحكم الشرعي، وينتقل من العلم بالحكم العقلي إلى العلم بالحكم الشرعي (2)). والذي يؤخذ على هذا التعريف من وجهة شكلية تعبيره بالحكم العقلي مع أنه ليس للعقل أكثر من وظيفة الادراك وهو مقصوده حتما، وأظن ان التعبير بالحكم وانتشاره هو الذي أوجب ان يلتبس على بعض الباحثين في ان القائلين باعتبار العقل من الاصول يرونه هو الحاكم في مقابل الله عزوجل. العقل مدرك وليس بحاكم: والتعبير بالحكم العقلي - في المجالات التشريعية - وان أوهم ذلك إلا


(1) ج 1 ص 40. (2) أصول الفقه للمظفر، ج 3 ص 108. نقلا عنه. (*)

[ 281 ]

اننا لا نعرف من يذهب إلى القول به من المسلمين على الاطلاق، وقد نسب ذلك على ألسنة بعض المشايخ إلى المعتزلة، ففي مسلم الثبوت (لا حكم إلا من الله تعالى باجماع الامة، لا كما في كتب بعض المشايخ ان المعتزلة يرون ان الحاكم هو العقل، فان هذا مما لا يجترئ عليه أحد ممن يدعي الاسلام (1)) وفي محيط الزركشي (ان المعتزلة لا ينكرون ان الله هو الشارع للاحكام والموجب لها، والعقل عندهم طريق إلى العلم بالحكم الشرعي (2)) نعم هناك مدركات عقلية لا تكشف عن حكم شرعي لاستحالة جعله من قبله وستأتي الاشارة إليها. والخلاف الذي وقع في الحقيقة انما هو في قابلية العقل لادراك الاحكام الشرعية من غير طريق النقل، أي ان الخلاف واقع في خصوص المستقلات العقلية لا غير، ولايضاح هذا الجانب نعرض للمسألة بشئ من الحديث. تقسيم المدركات العقلية: لقد قسموا مدركات العقل إلى مستقلة وغير مستقلة، وأرادوا بالمستقلة ما تفرد العقل بإدراكه لها دون توسط بيان شرعي، ومثلوا له بادراك العقل الحسن والقبح المستلزم لادراك حكم الشارع بهما، وفي مقابلها غير المستقلة وهي التي يعتمد الادراك فيها على بيان من الشارع كإدراكه وجوب المقدمة عند الشارع بعد اطلاعه على وجوب ذيها لديه، أو إدراكه نهي الشارع عن الضد العام بعد اطلاعه على إيجاب ضده، إلى ما هنالك مما ذكروه من الامثلة وأكثرها موضع نقاش. والظاهر ان ما يدركه العقل من اللوازم على اختلافها من بينة بالمعنى الاخص أو الاعم، أو غير بينة إذا كانت لازمة لدليل لفظي، أي


(1 - 2) مباحث الحكم عند الاصوليين، ج 1 ص 162 وما بعدها. (*)

[ 282 ]

ان ما لا يستقل العقل به من المدركات، لا موضع لخلاف فيه لدى علماء الاسلام لا من حيث قابلية الادراك العقلي، ولا من حيث حجية مدركاته. وإذا كانت هناك خلافات فإنما هي في تشخيص صغريات القاعدة، كما يستفاد ذلك من عرضهم لمباحث غير المستقلات العقلية، وانتهائهم في الكثير منها إلى إثبات هذه اللوازم واعتبارها حجة من دون مناقشة في صلاحية العقل لهذا الادراك. والخلاف بعد ذلك إنما هو في خصوص المستقلات العقلية، أو قل في خصوص مسألة التحسين والتقبيح العقليين، والظاهر أنها هي المصدر الوحيد لجل المدركات العقلية المستتبعة لادراك الاحكام الشرعية. والامثلة التي أوردوها (كوجوب قضاء الدين ورد الوديعة، والعدل والانصاف، وحسن الصدق النافع، وقبح الظلم وحرمته، والكذب مع عدم الضرورة، وحسن الاحسان واستحبابه (1)..)، انما هي من صغريات هذه القاعدة. وبما أن الحديث في هذه القاعدة، صغرى وكبرى يشكل أهم ما يتصل بمبحث العقل كدليل، فلا بد من صرف الحديث إليها وتشخيص مواقع النزاع فيها، ثم البحث عن حجيتها وعدمها. أقسام الحسن والقبح: يطلق الحسن والقبح على معاني ثلاثة، اثنان منها موضع اتفاق الكلاميين والفلاسفة من المسلمين في إمكان إدراك العقل لها، وواحد منها موضع الخلاف.


(1) أعيان الشيعة، ج 1 ق 2 ص 18. (*)

[ 283 ]

اتفاق واختلاف: أما موضع الاتفاق منهما فهما: 1 - الحسن بمعنى الملاءمة للطبع والقبح بمعنى عدمها، فيقال مثلا: هذا المنظر حسن جميل، وذلك المنظر قبيح، أو هذا الصوت حسن وذلك قبيح، ويريدون بذلك أنها ملائمة للطبع أو غير ملائمة. 2 - الحسن بمعنى الكمال والقبح بمعنى عدمه، فيقال بأن العلم حسن وان الجهل قبيح، يعني أن العلم فيه كمال النفس بخلاف الجهل. وهذان المعنيان، هما اللذان كانا موضع الاتفاق، فالاشاعرة والمعتزلة وغيرهما، يؤمنون جميعا بإمكان إدراك العقل لهما. وموضع الخلاف بعد ذلك هو في المعنى الثالث وهو: 3 - الحسن بمعنى إدراك أن هذا الشئ أو ذاك مما ينبغي ان يفعل بحيث لو أقدم عليه الفاعل لكان موضع مدح العقلاء بما هم عقلاء، والقبح بخلافه، ولا ينافي ذلك أن يكون منشأ هذا الادراك - أعني - إدراك أن هذا مما ينبغي أن يفعل أو لا يفعل هو أحد الادراكين السابقين، بمعنى أن العقل بعد أن يدرك ملاءمة الشئ للنفس أو مجافاته لها أو يدرك كمال الشئ أو نقصه، يدرك مع ذلك انه مما ينبغي أن يفعل أو لا يفعل. والادراك بالمعنى الثالث، هو الذي يسمى على ألسنة الفلاسفة (بالعقل العملي) ويقابله ما يسمى (بالعقل النظري) كأدراك العقل أن الكل أعظم من الجزء، وان النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وهما من حيث انتمائهما للعقل متحدان، إلا أنهما يختلفان بلحاظ متعلق إدراكهما، فإن كان مما ينبغي أن يعلم سمي بالعقل النظري، وإن كان مما ينبغي أن يعمل سمي بالعقل العملي (1).


(1) أصول الفقه للمظفر، ج 2 ص 18. (*)

[ 284 ]

رأي الاشاعرة، أدلة ونقاش: من رأي الاشاعرة أنه (ليس للفعل نفسه حسن ولا قبح ذاتيان ولا لصفة توجبهما، وإنما حسنه ورود الشرع بالاذن لنا فيه على سبيل الوجوب أو الندب أو الاباحة، وقبحه وروده بحظر من الشارع لنا منه على سبيل التحريم أو الكراهة، وإذا ورد الشرع بإطلاق الفعل لنا أو منعنا منه، فقلنا: أن ما أذن لنا فيه الشارع فحسن وما منعنا عنه فقبيح، فإن هذا الوصف بالنسبة لافعال المكلفين ليس منشؤه العقل وإنما منشؤه حكم الشارع، فمقياس الحسن والقبح عندهم هو الشرع لا العقل). (فالصلاة والصوم وأمثالهما مما أمر الله به حسن، وليس حسنه إلا من جهة أمر الشارع به فقط، والزنا والسرقة والقتل عدوانا بغير حق، وأكل أموال الناس بالباطل، كل ذلك قبيح لنهي الشارع عنه فقط، فلو لم يكن أمر الشارع بما أمر، ونهي الشارع عما نهى، لما كان حسنا أو قبيحا (1)). وهذا الرأي الذي تبناه الاشاعرة يشبه إلى حد بعيد مذهب بعض علماء الاخلاق في دعواهم بأن الخير والشر لا مقياس لهما غير القانون، فما منع منه القانون كان شرا محضا، وما أجازه أو ألزم به كان خيرا كذلك. وقد استدل الاشاعرة على ذلك بعدة أدلة نذكر منها أهمها: 1 - قولهم: (لو كان الحسن والقبح عقليين، لاختلف الحكم على الافعال من ناحية تحسينها وتقبيحها، إذ العقول متفاوتة في حكمها على الافعال، فقد يعقل البعض حسنا فيما يقبحه الآخر والعكس، بل ان


(1) مباحث الحكم عند الاصوليين، ج 1 ص 168. (*)

[ 285 ]

العقل الواحد قد يحكم على الفعل تارة بالقبح وتارة بالحسن، تحت تأثير الهوى والغرض أو مؤثرات أخرى (1)). والجواب على هذا: ان العقول بما هي عقول لا تتفاوت في إدراكاتها وانما يقع التفاوت بين الناس بتأثير الهوى والغرض والمؤثرات الاخرى. والمدركات العقلية المدعاة هي التي يتطابق عليها العقلاء بما أنهم عقلاء، ومع فرض تطابقهم من حيث كونهم عقلاء، فانه لا مسرح لافتراض الهوى والغرض والمؤثرات الاخرى، والا للزم الخلف. وما أكثر ما تتطابق آراء العقلاء على شئ، وأمثلتها من العقل النظري كثيرة كالاوليات التي عرضناها في مبحث اصول الاحتجاج، وكون الكل أكبر من الجزء ومن العقل العملي ادراكهم لحسن النظام وقبح الفوضى وحسن الاستقامة في السلوك، وقبح الاستهتار والتعدي على الآخرين إلى عشرات أمثالها. ودليل تطابق العقلاء فيها اننا لا يمكن ان نتصور أمة من الامم مهما كان شأنها من البداءة أو التحضر تستطيع أن تتبنى في دساتيرها الفوضى والكذب والاستهتار كمبدأ من مبادئ الدولة. وأظن ان المستدل قد اختلطت عليه الكبريات العقلية بمجالات تطبيقها فوقع فيما وقع فيه من الخلط. والظاهر ان تأثير الهوى والغرض والمؤثرات الاخرى انما يكون في الغالب في مجالات التطبيق والتماس الصغريات لحكم العقل، وبها يكون الاختلاف، ولعل ادراك الكثير من هذه الصغريات يكون بقوى أخرى غير العقل وبخاصة إذا كانت جزئية لان العقل لا يدرك غير الكليات. 2 - قولهم: (لو كان الحسن والقبح من الصفات الذاتية لكان ذلك


(1) مباحث الحكم عند الاصوليين، ج 1 ص 169. (*)

[ 286 ]

مضطردا فيه ولما تخلف عنه، بل يبقى الفعل حسنا دائما أو قبيحا دائما، والواقع غير ذلك لان الكذب قد يكون قبيحا وقد يكون حسنا بل يكون واجبا إذا ترتب عليه خير محقق كانقاذ برئ من يد سلطان جائر، أو من يد ظالم له بطش ونفوذ، ويقابل ذلك ان الصدق يكون قبيحا في هذا المقام (1)). والجواب على هذا يدعونا ان نتحدث قليلا في واقع هذا القسم من الحسن والقبح وموقعه من الذاتية وعدمها ليتضح لنا الجواب على هذا الاستدلال. ذاتية الحسن والقبح وعدمها: ذكرنا فيما سبق ان للحسن والقبح بالمعنى الثالث - أعني ادراك العقلاء بأن هذا الشئ مثلا مما ينبغي ان يفعل - مناشئ تعود في واقعها إلى الحسن والقبح بمعنييهما السابقين أعني الكمال والنقص أو الملاءمة وعدمها. ونسبة هذه المناشئ إلى الحسن والقبح بالمعنى الثالث تختلف من حيث ما لها من قابلية في التأثير، ويمكن تقسيمها استنادا لهذا السبب إلى ثلاثة أقسام: أولها: ما كان علة تامة في التأثير (ويسمى الحسن والقبح فيه بالذاتيين مثل العدل والظلم، فان العدل بما هو عدل لا يكون إلا حسنا أبدا، أي أنه متى ما صدق عنوان العدل فانه لا بد ان يمدح عليه فاعله عند العقلاء ويعد عندهم محسنا، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلا قبيحا، أي انه متى ما صدق عنوان الظلم، فان فاعله مذموم عندهم ويعد مسيئا (2)).


(1) مباحث الحكم عند الاصوليين، ج 1 ص 169. (2) أصول الفقه للمظفر، ج 2 ص 24. (*)

[ 287 ]

ثانيها: ما فيه اقتضاء التأثير أي لو خلي وطبعه لكان مؤثرا، ومثاله الصدق والكذب، فالصدق بما هو صدق فيه اقتضاء التأثير في إدراك العقلاء بأنه مما ينبغي ان يفعل ويمدحون فاعله عليه بخلاف الكذب فإنه مذموم لديهم، ولكن هذا التأثير لا يتم عادة مع وجود مزاحم له يمنع من تأثيره نظرا لاهميته كأن يكون في الصدق ما يوجب قتل النفس المحترمة، أو انتهاك عرض، أو تسلط ظالم على مؤمن وهكذا. ثالثها: ما ليس فيه اقتضاء ولا علية، فهو فاقد للتأثير لو خلي ونفسه، ولكنه يتقبل العناوين الاخر فقد يأخذ عنوانا له علية التأثير في الحسن فيكون حسنا أو القبح فيكون قبيحا، وأكثر المباحات الشرعية من هذا القبيل، فشرب الماء مثلا لو لوحظ بمعزل عن أي عنوان آخر قد لا يكون له التأثير في إدراك العقلاء لحسنه أو قبحه لا على نحو العلية ولا على نحو الاقتضاء، فوجوده لدى العقلاء كعدمه، ولكنه إذا عرض عليه عنوان انقاذ حياة صاحبه أو عرض عليه عنوان هلاكه، كما لو كان ممنوعا عن شربه يكون علة في إدراك العقلاء لحسنه أو قبحه. وعلى هذا فمعنى (كون الحسن أو القبح ذاتيا: ان العنوان المحكوم عليه بأحدهما بما هو في نفسه وفي حد ذاته، يكون محكوما به لا من جهة اندراجه تحت عنوان آخر، فلا يحتاج إلى واسطة في اتصافه بأحدهما (1)). ومعنى العلية والاقتضاء هنا هو (أن المراد من العلية أن العنوان بنفسه هو تمام موضوع حكم العقلاء بالحسن أو القبح، وأن المراد من الاقتضاء أن العنوان لو خلي وطبعه، يكون داخلا فيما هو موضوع لحكم العقلاء بالحسن أو القبح، وليس المراد من العلية والاقتضاء


(1) أصول الفقه للمظفر، ج 2 ص 25. (*)

[ 288 ]

ما هو معروف من معناهما انه بمعنى التأثير والايجاد، فإنه من البديهي انه لا علية ولا اقتضاء لعناوين الافعال في أحكام العقلاء إلا من باب علية الموضوع لمحموله (1)). وبهذا العرض - فيما اعتقد - يتضح الجواب على استدلالهم هذا بأنه (لو كان الحسن والقبح من الصفات الذاتية، لكان ذلك مضطردا)، لان هذا الاشكال لا يتم إلا على مبنى من يذهب إلى أن الحسن والقبح لا يكونان إلا ذاتيين - ولست أعرف قائلا به على التحقيق - ومثل هذا الدليل يصلح للنقض إذا أريد اثبات الذاتية لهما على سبيل الموجبة الكلية. أما على ما ذكرناه من التقسيم فلا يبقى له موضوع، والامثلة التي ذكرها مما تنتظم في القسم الثاني، أي ما فيه اقتضاء التأثير لا عليته. والذي يبدو أن المستدل ينطوي في أعماقه على الايمان بالحسن والقبح العقليين وإن لم ينتبه لذلك تفصيلا وتعبيره بأن (الكذب قد يكون قبيحا وقد يكون حسنا بل يكون واجبا) من إمارات ذلك الانطواء، وإلا فما معنى حكمه على الكذب بالقبح أو الحسن إن لم يكن هناك حسن وقبح عقليان !. 3 - قولهم: (لو قيل: إن الحسن والقبح عقليان للزم أن يكون الشارع الحكيم مقيدا في تشريعه للاحكام بهذه الاوصاف وإلا لكان التشريع مخالفا للمعقول، وهذا نفسه قبح ينزه الله عنه (2)). وبطلان اللازم في هذا الكلام لا أكاد أفهم له وجها ولا أعرف السر في نسبته إلى القبح. وما هو المحذور في ان تكون تشريعاته - عزوجل - جارية على وفق المعقول ؟ ! وهل ينتظر المستدل أن يجري في تشريعه على غير المعقول مع نسبته إلى الحكمة في لسان الدليل.


(1) أصول الفقه للمظفر، ج 2 ص 24. (2) مباحث الحكم، ج 1 ص 170. (*)

[ 289 ]

والظاهر أن لفظة التقيد التي ورد مضمونها في تعبيره هي التي أوهمته ببطلان اللازم. وربما كان الوجه في ذلك شعوره أن طبيعة التقيد تنافي الاختيار فيمن تنسب إليه لانطوائها على ضرورة السير وفق ما تقيد به وفي نسبة عدم الاختيار إليه تعالى قبح ينزه عنه. والحقيقة أن لفظة التقييد لم ترد على لسان العدلية - في حدود ما قرأت من كلماتهم - وإنما ورد ما يعطي نتيجتها، وهو السير على وفق المعقول واستحالة تخطي الشارع له. وهذا النوع من السير والسلوك لا ينافي طبيعة الاختيار في صاحبه، فالعاقل السوي مثلا لا يقدم على التضحية جزافا وهو مختار، وإحجامه عنها لا ينافي اختياره بل هو بنفسه اختار ذلك الاحجام. وبما أن الله عزوجل - وهو خالق العقل وواهبه القدرة - بل هو العقل المحض - لو صح هذا التعبير - فسيره على وفق مخططه هو الذي يقتضيه اختياره، وليس من الممكن بالنسبة إليه اختيار المرجوح وترك الراجح، بل ليس من الممكن لاي عاقل مهما كان شأنه ان يختار المرجوح وهو سليم معافى - فكيف بخالق العقل ومدبره - ؟ فالالتزام بتقيده في تشريعاته على وفق العقل إن أريد به التقيد السالب للاختيار فليس بصحيح وهو - تعالى - مما ينزه عنه، وإن أريد نتيجة التقيد وهو ما يقتضيه عمل العاقل المختار، فليس فيه أي محذور. 4 - قولهم: (لو لم يكن الحسن والقبح في الافعال بحكم الشارع نفسه، وكان بحكم العقل، لاستحق تارك الحسن وفاعل القبح قبل بعثة

[ 290 ]

الرسل العقاب، وهذا مخالف لصريح الكتاب، يقول الله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (1))، ويقول: (ولولا ان تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى (2))، فإن احتجاج الكافرين برسالة محمد على إيقاع العذاب من غير إرسال رسل، لو فرض وقوعه، وعدم النكير من الله تعالى دليل على أنه لا عقاب ولا ثواب دون إرسال الرسل كما يدل على قوله تعالى: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (3)) (4)). وللاجابة على هذا الدليل وهو من أهم أدلتهم نحتاج إلى تمهيد أمور: 1 - التذكير بما سبق أن ذكرناه من ان موضع الخلاف في معنى الحسن والقبح هو المعنى الثالث، وهو إدراك العقل أن هذا الشئ مما ينبغي أن يفعل أو لا ينبغي، ومدح الفاعل أو ذمه على ذلك. ولازم هذا الادراك الصادر منه - بما أنه عقل - هو تطابق العقلاء - بما أنهم عقلاء - على ذلك بما فيهم الشارع المقدس. 2 - إن إدراكنا لهذا اللازم وتصديقنا به، ليس هو من القضايا الضرورية، وإنما هو من الآراء المحمودة والتأديبات الصلاحية. والقضايا التأديبية لا يجب أن يحكم بها العقل إذا لم يتأدب بقبولها والاعتراف بها بخلاف القضايا الضرورية التي يكفي في الحكم بها تصور طرفيها، ومقتضى ذلك ان الحكم بتطابق العقلاء في مسألة ما، يحتاج إلى تأدب به، ولا يجب ان يحكم به كل عاقل لو خلي ونفسه. 3 - التفرقة بين مدح الشارع وذمه - بما أنه سيد العقلاء - وبين ثوابه


(1) الاسراء / 15. (2) القصص / 47. (3) النساء / 164. (4) مباحث الحكم، ج 1 ص 170 وقد آثرنا نقل أدلتهم عن هذا المصدر نظرا لوفائه بالتأدية مع يسر التعبير وسهولته. (*)

[ 291 ]

على الفعل وعقابه، فالذم والمدح يكفي فيهما صدور نفس الفعل من الفاعل بمنأى عن أي انتساب إلى جهة، والثواب والعقاب لا يكفي فيهما ذلك بل يحتاجان إلى ان يكون صدور الفعل أو تركه منتسبا إلى المولى ليتحقق فيهما معنى الاطاعة أو العصيان، وهما لا يكونان عادة بدون أن تتنجز التكاليف بالوصول، وتوفر شرائطها بما فيها القدرة على الاداء، ومن هنا حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان واصل من المشرع. فالثواب والعقاب، وليدا إطاعة أو عصيان التكاليف الواصلة من المشرع كما هو واضح بالبداهة. 4 - إن العقل وان كانت له وظيفة الادراك، إلا ان إدراكه محدد بحدود خاصة لا تتجاوز الكليات من ناحية، ولا تعنى كثيرا بمجالات التطبيق والقضايا الجزئية من ناحية أخرى. وفي البشر قوى أخرى كالحواس، والغرائز، وغيرها، مسؤولة عن ذلك، وهذه القوى عرضة لكثير من الاخطاء، وكثير من تصرفاتها لا منطقية. ومن هنا نرى كثرة الاخطاء في مجالات التطبيق لبعض المدركات العقلية، فالعدالة مثلا مما تطابق على حسنها العقلاء، وأقاموا عليها دساتيرهم وأنظمتهم وشرائعهم، ولكنك لو حاولت التعرف عليها في مجالات التطبيق، لرأيت التفاوت الكبير بينهم، فالشيوعية - مثلا - ترى ان العدالة لا تتحقق إلا إذا ألغيت الملكية الفردية إلغاء تاما، وعوضت بالملكية الجماعية، بينما يرى دعاة الحرية الاقتصادية فسح المجال للفرد في ان يتملك ما يشاء ويعمل مواهبه في إنماء ملكيته دون تعرض لتحكم السلطات في شأنه، وكل يدعي تحقيق العدل فيما تبناه من تشريعات، وقد يكون بعضهم مخلصا في ذلك. ولكن النظرة التجزيئية للانسان وتركيز النظر على بعض جوانبه

[ 292 ]

الفردية أو الاجتماعية مع غفلة أو تغافل عن بقية الجوانب، وقصور عن استيعاب النظرة وشمولها، كل ذلك مما أوقعه بهذه التناقضات. ومن هنا كان احتياج الانسان إلى من يضمن له العدل في تشريعاته على أن تستوعب مختلف ابعاده المتشابكة، سواء ما يتصل منها بتحديد علائق الفرد بربه، أم بنفسه، أم بمجتمعه، أم المجتمعات بعضها ببعض. وبالطبع لا يمكن أن يضمن ذلك غير خالق الانسان، لان خالق الشئ أخبر بمخلوقاته، وأعرف من غيره بمتطلبات حياتها. فالاحكام - كما يقول العدلية بل جميع المسلمين على اختلاف في منشأ القول ومبناه - وليدة مصالح ومفاسد في المتعلقات والعقول لو استشرفتها واطلعت على واقعها لاقرتها حتما. ولكن قصورها عن ذلك الادراك وتطفلها على ما لا تحسن القول فيه، هو الذي أوقع بعض أربابها في كثير من المفارقات. ومن هنا ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) أن دين الله لا يصاب بالعقول، أي ما ثبت أنه من الدين لا يمكن للعقول أن تدرك فلسفته ككل لقصور إمكاناتها عنها في مجالات الادراك. ولكن هذا لا يمنع، من أن يدرك العقل شيئا - على سبيل الموجبة الجزئية - ومن إدراكه يدرك حكم الشارع فيه إذا كان إدراكه على سبيل القطع. وإذا تمت هذه التمهيدات اتضح عدم الوجه في دعوى التلازم بين المقدم والتالي في قولهم: (لو لم يكن الحسن والقبح في الافعال بحكم الشارع نفسه وكان بحكم العقل، لاستحق تارك الحسن وفاعل القبح قبل بعثة الرسول العقاب).

[ 293 ]

إذ لا تنافي بين القول بأن الحسن بحكم العقل وبين عدم استحقاق العقاب. فالعقول وإن قلنا بأن لها قابلية الادراك إلا أن إدراكها منحصر في الكليات ولا يتناول الامور الجزئية كما لا يتناول مجالات التطبيق إلا نادرا، والكليات لا تستوعب شريعة ولا تفي بحاجات البشر ومع ذلك فالعقاب والثواب انما يتولدان عن التكاليف الواصلة، ومجرد إدراك العاقل أن هذا الشئ مما ينبغي ان يفعل أو لا يفعل، لا يستكشف منه رأي الشارع إلا إذا انتبه إلى أن العقلاء متطابقون على هذا المعنى بما فيهم الشارع، وإدراكه لتطابق العقلاء ليس من الامور البديهية كما سبق أن قلنا، وإنما هو من الآراء المحمودة التي تحتاج إلى تنبه وتأدب، وأين التأدب في أمثال هذه القضايا قبل بعثة الرسل ؟ ! فالتكليف اذن، بالنسبة إلى نوع الناس غير واصل قبل البعثة، ولا تتم الحجة إلا بوصوله (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا). ومن أوليات العقل تقبيحه للعقاب قبل وصول البيان، وعلى هذا فليس هناك ما يمنع من الالتزام بإدراك العقل للحسن وعدم الالتزام بالعقاب والثواب. والذي يبدو من بعض الاحاديث أن هناك من أدرك حكم الشارع من طريق العقل وخالفه فاستحق لذلك العقاب، ففي بعض الاحاديث: (امرؤ القيس قائد الشعراء إلى النار)، وفي بعضها الآخر (رأيت عمر بن لحي يجر قصبه - أي أمعاءه - في النار) لانه أول من بحر البحائر وسيب السوائب. ومن المعلوم انه لا عقاب بلا تكليف واصل اللهم إلا ان يدعى وصول التكليف إليهم من الرسل السابقين على الاسلام. وعلى أي حال فالثواب والعقاب وليدا وصول التكاليف وإدراك تطابق

[ 294 ]

العقلاء الكاشف عن رأي المولى والموصل للتكاليف ليس من البديهيات وكونه من الآراء المحمودة مما يحتاج إلى التأدب، وهو غير حاصل نوعا في تلكم العصور السابقة على بعثة الرسل قطعا، فلا تلازم اذن بين ادراك العقل وعدم العقاب، والقول بأن مدح الشارع ثوابه وذمه عقابه لا أعرف له وجها، فمدحه وذمه باعتباره سيد العقلاء شئ، وباعتباره مشرعا شئ آخر، فالاول لا يتوقف على وصول حكمه بخلاف الثاني، إذ الثواب والعقاب موقوف على وصوله وامتثاله أو عصيانه، ولا يكتفي فيه بصدور الفعل وعدمه. رأي المعتزلة: والمعتزلة في الوقت الذي اتفقوا فيه على أن للافعال في أنفسها حسنا وقبحا اختلفوا في كونهما ذاتيين فيها أو لصفة عارضة عليها، فالذي عليه قدامى المعتزلة هو الاول منهما. وذهب الجبائية، وهم أتباع أبي علي الجبائي إلى الثاني، وقد عرفت من مناقشة الاشاعرة وجه الحق في المسألة، فقد ذكرنا أن ادراكنا للشئ بأنه مما ينبغي ان يفعل أو لا ينبغي يختلف باختلاف مناشئه من حيث العلية والاقتضاء وعدمهما، وان كلا من القولين هنا له منشأ سليم ولكن لا على سبيل الموجبة الكلية، وانما يصدقان على سبيل الموجبة الجزئية فقط. أقسام الحسن والقبح عندهم: ولقد قسموا الحسن والقبح من حيث نوعية الادراك إلى أقسام ثلاثة: 1 - (ما يدرك بضرورة العقل كحسن انقاذ الغرقى والهلكى، وشكر المنعم، ومعرفة حسن الصدق وكقبح الكفران، وإيلام البرئ، والكذب

[ 295 ]

الذي لا غرض فيه (1)). 2 - (ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذي فيه ضرر، وقبح الكذب الذي فيه نفع (2)). 3 - (ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة والحج وسائر العبادات (3)) واعتبروها (متميزة لصفة ذاتها عن غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء الداعي إلى الطاعة، لكن العقل لا يستقل بدركه (4)). أدلة ونقاش: واستدلوا - أو استدل لهم - على نظريتهم في الحسن والقبح بعدة أدلة نذكر أهمها. 1 - قولهم: (ان الحسن والقبح لو لم يكونا عقليين لجاز الكذب على الله وأنبيائه، لان الكذب ليس قبيحا في ذاته وانما صفة القبح ثبتت له بالشرع، وهذا باطل ويترتب عليه فساد الرسالات والاحكام (5)). وقد أجاب الاستاذ سلام على هذا الاستدلال بقوله: (ويمكن رد هذا الدليل، بأن الصدق والكذب ليسا من الحسن والقبح بالاطلاق الثالث الذي وقع فيه الخلاف، وانما هو يدخل في الاطلاق الثاني وهو متفق عليه فالملازمة غير صحيحة (6)). والسؤال الذي يوجه إلى سلام، هل ان الكذب مما ينبغي صدوره من المولى مهما كانت مناشئه أو لا ينبغي، أو ان العقل لا يقول كلمته في ذلك، والظاهر ان القول بأن العقل لا يستطيع ان يقول كلمته في ذلك لا يخلو من مصادرة، وإذا افترضنا له القول فقد تمت الملازمة وصح الاستدلال لان الحسن والقبح بالمعنى الثالث ليس هو الا ادراك ان هذا


(1 - 2 - 3 - 4) المستصفى، ج 1 ص 36. (5 - 6) مباحث الحكم، ج 1 ص 173. (*)

[ 296 ]

الشئ مما ينبغي صدوره أو لا ينبغي من الفاعل كما سبقت الاشارة إليه. 2 - ما استدل به الماتريدية على ذلك من: (ان الحسن والقبح لو كانا شرعيين، ولم يكن ذلك وصفا في الفعل، لكانت الصلاة والصوم والزنا والسرقة وغير ذلك أمورا متساوية قبل ورود الشرع فجعل الشارع بعضها مأمورا به، والآخر منهيا عنه ترجيح لاحد المتساويين دون مرجح (1))، وقالوا (إنهما لو كانا شرعيين لكانت بعثة الرسل والاديان بلاء على الناس ومثار نزاع، وسببا في المتاعب والمشاق والصد عن بعض الامور والالزام بالاخرى وترتب الثواب والعقاب على ذلك. وقد كان الناس قبلها في حرية مطلقة، يفعلون ما يرغبون في فعله ويحجمون عما لا يشتهون دون مخافة عقاب أو ترتب ثواب، وكون بعثة الرسل ضارة بالناس باطل منقوض. بقول الله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (2)). ولكن هذا النوع من الاستدلال - بعد الغض عما يوهمه من الخلط بين اقسام الحسن والقبح - لا يتم إلا إذا افترض المفروغية عن ان فساد الرسالات أو الاحكام أو كونها ضارة بالناس، وليست رحمة لهم، والكذب وأمثالها مما لا ينبغي صدوره منه بحكم العقل وإلا فلا يبطل اللازم بداهة. ولعل محاولة اثبات ذلك بهذه الادلة لا يخلو من شبهة الدور. نعم، هذه الادلة إنما تصلح لالزام الاشاعرة ببطلان ما انتهوا إليه من المبنى في اعتبار الحسن والقبح شرعيين لبطلان اللوازم الفاسدة التي تترتب عليها، لا في اثبات أصل المبنى لدى المعتزلة، ولعلها سيقت لهذا الغرض كما هو غير بعيد.


(1) مباحث الحكم، ج 1 ص 174. (2) مباحث الحكم، ج 1 ص 174. (*)

[ 297 ]

3 - وأكثر منها إلزاما لهم ما ذكره العلامة المظفر وهو يصحح للعدلية بعض أدلتهم فيقول: (انه من المسلم عند الطرفين وجوب طاعة الاوامر والنواهي الشرعية وكذلك وجوب المعرفة، وهذا الوجوب عند الاشاعرة وجوب شرعي حسب دعواهم، فنقول لهم: من أين يثبت هذا الوجوب، لا بد ان يثبت بأمر من الشارع فننقل الكلام إلى هذا الامر فنقول لهم: من أين تجب طاعة هذا الامر، فان كان هذا الوجوب عقليا فهو المطلوب وان كان شرعيا أيضا فلا بد له من أمر ولا بد له من طاعة فننقل الكلام إليه وهكذا نمضي إلى غير النهاية ولا نقف حتى ننتهي إلى طاعة وجوبها عقلي لا تتوقف على أمر الشارع وهو المطلوب. بل ثبوت الشرائع من أصلها يتوقف على التحسين والتقبيح العقليين، ولو كان ثبوتها من طريق شرعي لاستحال ثبوتها لانا ننقل الكلام إلى هذا الطريق الشرعي فيتسلسل إلى غير النهاية، والنتيجة ان ثبوت الحسن والقبح شرعا يتوقف على ثبوتهما عقلا (1)). وخير ما يستدل به على أصل المبنى هو البداهة العقلية، وكل شبهة في مقابلها فهي شبهة في مقابل البديهة، وقد رأيت مثار الشبهة لدى الاشاعرة فيما عرضوه من دليل وعرفت الجواب عليه، وما أحسن ما قاله الشوكاني بعد عرضه لادلتهم، وبالجملة (فالكلام في هذا البحث يطول، وانكار مجرد إدراك العقل لكون الفعل حسنا أو قبيحا، مكابرة ومباهتة (2)). حجيته: وإذا صح ما عرضناه من إمكان إدراك العقل للحسن والقبح - بما أنه عقل - الملازم لادراكه لتطابق العقلاء عليه - بعد تأدبه بذلك -


(1) أصول الفقه، ج 2 ص 29. (2) إرشاد الفحول، ص 9. (*)

[ 298 ]

- بما فيهم سيدهم - فقد أدركنا قطعا حكم الشارع فيها، وليس وراء القطع حجة كما سبق التأكيد على ذلك ولا حاجة لاعادة الكلام فيه. وبهذا يتضح الجواب على: مذهب الماتريدية: وهم أتباع أبي منصور محمد الماتريدي من الاحناف حيث أنكروا (ترتب حكم الشرع على حكم العقل لان العقول مهما نضجت قد تخطئ، ولان بعض الافعال مما تشتبه فيه العقول (1))، وذلك لان العقول - بما هي عقول - لا تخطئ ولا تشتبه. نعم هناك تخيلات لاحكام عقلية وهي صادرة عن قوى أخرى في النفس وفيها يقع الخطأ والاشتباه. على أن القطع مصدر الحجج ومنتهاها ومع فرض قيامه فلا يعقل تصور الخطأ والاشتباه من القاطع إذ ليس وراء الرؤية الكاملة شك أو احتمال اشتباه - نعم ربما أرادوا بذلك المناقشة من حيث تحقق الصغرى، أي انكار حصول القطع بحكم الشارع على الدوام، وهذا صحيح كما سبق بيانه مفصلا - ولكن ضيق التعبير هو الذي أدى بهم إلى نسبة الخطأ والاشتباه إلى العقول، وما يقال عن مذهب الماتريدية يقال عن: مذهب بعض الاخباريين من الشيعة: من القول: (بعدم جواز الاعتماد على شئ من الادراكات العقلية في اثبات الاحكام الشرعية، وقد فسر هذا القول بأحد وجوه ثلاثة حسب اختلاف عبارات الباحثين منهم): (1 - إنكار إدراك العقل للحسن والقبح الواقعيين...) (2 - بعد الاعتراف بثبوت إدراك العقل انكار الملازمة بينه وبين حكم الشرع).


(1) مباحث الحكم، ج 1 ص 174. (*)

[ 299 ]

(3 - بعد الاعتراف بثبوت إدراك العقل وثبوت الملازمة انكار وجوب إطاعة الحكم الشرعي الثابت من طريق العقل، ومرجع ذلك إلى انكار حجية العقل (1)). لان انكار الادراك العقلي للحسن والقبح مصادرة، كما سبق بيانه، وانكاره الملازمة بينه وبين حكم الشرع بعد فرض تطابق العقلاء بما فيهم الشارع مصادرة أخرى. وانكار حجية العقل إن كان من طريق العقل لزم من وجوده عدمه، لان الانكار - لو تم - فهو رافع لحجية العقل فلا يصلح العقل للدليلية عليه ولا على غيره، وان كان من غير العقل فما هو المستند في حجية الدليل، فان كان من غير العقل لزم التسلسل، وإن كان من العقل لزم من وجوده عدمه لانتهائه إلى انكار حجيته ايضا، لفرض قيامه بالاخرة على انكار ثبوت الحجية له، هذا بالاضافة إلى ما سبق ان ذكرناه من ذاتية حجية القطع وعدم امكان تصرف الشارع فيها رفعا أو وضعا. والاحكام العقلية - موضع الحديث - كلها مقطوعة. خلاصة البحث: وخلاصة ما انتهينا إليه من مجموع البحث: 1 - ان العقل مصدر الحجج واليه تنتهي، فهو المرجع الوحيد في أصول الدين وفي بعض الفروع التي لا يمكن للشارع المقدس ان يصدر حكمه فيها كأوامر الاطاعة وكالانقسامات اللاحقة للتكاليف من قبيل العلم والجهل بها أو اعتبار التقرب بها إذا أريد اعتبارها بجعل واحد شروطا


(1) أصول الفقه للمظفر، ج 2 ص 30، ويحسن الرجوع إلى هذا الكتاب لاستعراض حججهم والاجابة عليها فهو من خير ما كتب في موضوعه استيعابا وعمق نظر. (*)

[ 300 ]

للتكاليف للزوم الدور أو التسلسل فيها بداهة ان اطاعة أوامر الاطاعة مثلا اما ان ترجع إلى العقل أو تتسلسل إلى غير النهاية، إذ لو كانت شرعية لتوجه السؤال عن لزوم اطاعتها، فان كان شرعيا توجه السؤال عن لزوم اطاعته، وهكذا فلا بد ان يفترض فيها ان تكون عقلية، وما ورد من الاوامر الشرعية بالاطاعة فإنما هو إرشاد وتأكيد لحكم العقل، لا انها أوامر تأسيسية. 2 - قابليته لادراك الاحكام الكلية الشرعية الفرعية بتوسط - نظرية التحسين والتقبيح العقليين - ولكن على سبيل الموجبة الجزئية وعدم قابليته لادراك جزئياتها وبعض مجالات تطبيقها، لعجزه عن إدراك الجزئيات وتحكم بعض القوى الاخرى وتأثيرها في مجالات التطبيق. 3 - عدم إدراكه - وحده - لكثير من الاحكام الكلية كالعبادات وغيرها لعدم ابتناء ملاكاتها - على نحو الموجبة الكلية - على ما كان ذاتيا من معاني الحسن والقبح. وما كان فيه اقتضاء التأثير أو ليس فيه حتى الاقتضاء لا طريق له غالبا إلى احراز عدم المانع فيه أو احراز عروض بعض العناوين الملزمة عليه ومع عدم الاحراز لا يحصل له القطع فلا يسوغ له الاعتماد عليه لعدم توفر عنصر الحجية فيه على ان هناك ما لا يمكن ان يدركه العقل من الملاكات لاتصاله بتنظيم قوى أخرى لا تسلط له عليها في مجالات الادراك. 4 - الالتزام بالتحسين والتقبيح لا ينهي إلى انكار الشرائع بل الاحتياج قائم على أتم صوره إليها لتدارك ما يعجز العقل عن الولوج إليه وهو أكثر الاحكام بل كلها مع استثناء القليل على اختلاف سبق عرضه في سبب هذا العجز.

[ 301 ]

الباب الاول القسم الخامس القياس تعريف القياس لغة واصطلاحا، اصطلاح آخر في القياس، أركان القياس، تعريف العلة، تعريف السبب، تعريف الحكمة، تعريف الشرط، تقسيمات العلة: تقسيمها باعتبار المناسبة، تقسيم الاجتهاد في العلة: تحقيق المناط، تنقيح المناط، تخريج المناط، تقسيم مسالك العلة، حجية القياس، الاحالة العقلية وأدلتها، الوجوب العقلي وأدلته، أدلة الامكان والوقوع، المسالك المقطوعة، المسالك غير المقطوعة من قيام الدليل القطعي عليها، المسالك التي لم يقم عليها دليل قطعي، أدلتهم من الكتاب، أدلتهم من السنة، استدلالهم بالاجماع، أدلتهم من العقل، خلاصة البحث.

[ 303 ]

والحديث حول القياس كثر بين الفقهاء كثرة غير متعارفة، وكتبت عنه المجلدات، وكان موضع خلاف كثير، ونظرا لما يترتب عليه من ثمرات فقهية واسعة، اقتضانا أن نطيل الحديث فيه عارضين مختلف وجهات النظر وأدلتها على أساس من المقارنة وفق ما انتهينا إليه سابقا من نهج. - وأول ما يواجهنا منها اختلافهم في تعريفه. تعريف القياس لغة واصطلاحا: القياس في اللغة (التقدير، ومنه قست الثوب بالذراع إذ قدرته به، قال الشاعر يصف جراحة أو شجة: إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت * غثيتها أو زاد وهيا هزومها (1) وقد عرف في اصطلاحهم بالاجتهاد تارة، كا ورد ذلك عن الشافعي، وببذل الجهد لاستخراج الحق (2) أخرى. ويرد على هذين التعريفين أنهما غير جامعين ولا مانعين، أما كونهما غير جامعين فلخروج القياس الجلي عنهما، إذ لا جهد ولا اجتهاد فيه في استخراج الحكم، وأما كونهما غير مانعين فلدخول النظر في بقية الادلة كالكتاب، والسنة، وغيرهما من مصادر التشريع ضمن هذا التعريف مع أنها ليست من القياس المصطلح بشئ. ولهذين التعريفين نظائر لا تستحق إطالة الكلام فيها لبعدها عن فنية التعريف، وهي أقرب إلى الشروح اللفظية منها إلى الحد المنطقي. والذي يقرب من الفن ما ذكره القاضي أبو بكر الباقلاني من أنه


(1) روضة الناظر وجنة المناظر، ص 145 (2) الاحكام للآمدي، ج 3 ص 3. (*)

[ 304 ]

(حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة (1)) يقول في المحصول: (واختاره جمهور المحققين منا (2)) وقريب منه ما عرفه به الغزالي (3). وقد سجلت على هذا التعريف عدة مفارقات، لعل أهمها ما أورده الآمدي عليه من لزوم الدور (لان الحكم في الفرع نفيا وإثباتا متفرع على القياس إجماعا، وليس هو ركنا في القياس، لان نتيجة الدليل لا تكون في الدليل لما فيه من الدور الممتنع (4)). وتقريب الدور، هو أن إثبات الحكم للفرع موقوف على ثبوت القياس، وثبوت القياس موقوف على تمام كل ما اعتبر فيه، ومنه إثبات الحكم للفرع، فهو إذن موقوف على إثبات الحكم للفرع، ومع إسقاط المتكرر تكون النتيجة هي أن إثبات الحكم للفرع موقوف على إثبات الحكم للفرع، على أن هذا التعريف مشعر بأن إثبات حكم الاصل إنما هو من نتائج القياس مع أن القياس لا يتكفل أكثر من إثبات حكم الفرع، والمفروض فيه هو المفروغية عن معرفة حكم الاصل، إذ هي من متممات الدليل إلى إثبات الحكم في الفرع كما هو واضح. ولهذا السبب وغيره، عدل كل من الآمدي وابن الهمام عن ذلك التعريف إلى تعاريف أبعد عن المؤاخذات، فقد عرفه الآمدي بأنه عبارة (عن الاستواء بين الفرع والاصل في العلة المستنبطة من حكم الاصل (5))، وتعريف ابن الهمام له (هو مساواة محل لآخر في علة حكم له شرعي لا تدرك بمجرد فهم اللغة (6)).


(1 - 2) إرشاد الفحول، ص 198. (3) المستصفى، ج 2 ص 54. (3) الاحكام، ج 3 ص 4. (5) الاحكام، ج 3 ص 4. (6) سلم الوصول، ص 274. (*)

[ 305 ]

وقد سلم هذان التعريفان من مؤاخذة عامة وردت على أكثر التعاريف التي أخذت في مفهومه، أمثال هذه الكلمة (تسوية فرع لاصله)، أو حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به على الاصل، أو حملك الفرع على أصله، وما شابه ذلك من الالفاظ التي تبعد القياس عن كونه دليلا للمجتهد لبداهة أن حمل المجتهد الفرع على أصله وإثبات الحكم له، إنما هو وليد إجراء القياس، فهو متأخر رتبة عن أصل القياس، فكيف يؤخذ في تعريفه ولزوم الخلف أو الدور فيه واضح ؟ هذا، بالاضافة إلى سلامتها من الاشكالات السابقة. لكن أخذهما كلمة المستنبطة أولا تفهم من مجرد اللغة في التعريفين لا يتضح له وجه لاخراجه القياس الجلي أو منصوص العلة عن تعريف القياس، مع أنهما داخلان في التعريف اصطلاحا، والآمدي نفسه يأتي بعد ذلك فيقسم القياس إلى جلي وخفي، أي منصوص العلة ومستنبطها (1). والذي يبدو لنا أن أسلم التعاريف من الاشكالات ما ورد من أنه (مساواة فرع لاصله في علة حكمه الشرعي) لسلامته من المؤاخذات السابقة، وصلوحه بعد إقامة الادلة على حجيته لاستنباط الاحكام الشرعية منه. والغريب ان يعتبر الاستاذ خلاف هذا التعريف من أبعد التعريفات، معللا ذلك بأن (التعريف إنما هو للعملية التي يجريها القائس، وتساوي الاصل والفرع في العلة ليس من عمله، وكذلك القياس المقصود به الوصول إلى حكم الفرع لا إلى مجرد تساوي الاصل والفرع في العلة (2)).


(1) راجع الاحكام، ج 3 ص 63. (2) مصادر التشريع فيما لا نص فيه، ص 19. (*)

[ 306 ]

وما أدري كيف تكون عملية الاستنباط من الدليل هي الدليل نفسه مع أنها متأخرة في الرتبة عنه ؟ والظاهر أن منشأ ما ذهب إليه اختلاط مفهوم الدليل عليه بكيفية الاستفادة منه وعدم التفرقة بينهما، فاستكشاف حكم الفرع إنما يكون من مساواتهما واقعا في العلة لا من تسويتنا لهما فيها. هذا كله في القياس الذي يدخل ضمن ما يصلح للدليلية، وهو الذي يدار عليه الحديث لدى المتأخرين. اصطلاح آخر في القياس: وهناك اصطلاح آخر للقياس، شاع استعماله على ألسنة أهل الرأي قديما، وفحواه: التماس العلل الواقعية للاحكام الشرعية من طريق العقل، وجعلها مقياسا لصحة النصوص التشريعية فما وافقها فهو حكم الله الذي يؤخذ به، وما خالفها كان موضعا للرفض أو التشكيك. وعلى هذا النوع من الاصطلاح، تنزل التعبيرات الشائعة، ان هذا الحكم موافق للقياس وذلك الحكم مخالف له... وقد كان القياس بهذا المعنى مثار معركة فكرية واسعة النطاق على عهد الامام الصادق (عليه السلام) وأبي حنيفة (1)، وستأتي الاشارة إليها في موضعها من هذه الاحاديث، وعلى أساس من هذا المصطلح ألفت كتب للدفاع عن الشريعة وبيان أن أحكامها موافقة للقياس أي موافقة للعلل المنطقية، وفي رسالة (القياس في الشرع الاسلامي) لابن القيم وابن تيمية مثل على ذلك، ولكن هذا المصطلح تضاءل استعماله على ألسنة المتأخرين، وأصبحت لفظة القياس لا تطلق غالبا إلا على ما عرضناه من المعنى الاول


(1) عرضنا لهذه المعركة الفكرية مفصلا في محاضراتنا عن (تاريخ التشريع الاسلامي) الملقاة على طلاب السنة الثالثة في كلية الفقه. (*)

[ 307 ]

له، وكاد ان يهجر المعنى الثاني على السنتهم، وإنما أشرنا إليه ما يترتب على تأريخ هذه الكلمة (القياس) ومعناها، عبر الازمان، من ثمرات في مجالات المناقشة في حجيته ستأتي الاشارة إليها في موضعها. أركان القياس: وللقياس بمعناه الاول أركان أربعة، يمكن انتزاعها من نفس التعريف: 1 - الاصل أو المقيس عليه: وهو المحل الذي ثبت حكمه في الشريعة، ونص على علته، أو استنبطت بإحدى المسالك الآتية. 2 - الفرع أو المقيس: وهو الموضوع الذي يراد معرفة حكمه من طريق مشاركته للاصل في علة الحكم 3 - الحكم: ويراد به الاعتبار الشرعي الذي جعله الشارع على الاصل، والذي يطلب إثبات نظيره للفرع. 4 - العلة: وهي على نحو الاجمال الجهة المشتركة بينهما التي بنى الشارع حكمه عليها في الاصل. فإذا قال الشارع - مثلا -: حرمت الخمر لاسكارها، فالخمر أصل، والحرمة حكمه، والاسكار علتها، فإذا وجد الاسكار في النبيذ (وهو الفرع) فقد ثبتت الحرمة له بالقياس. وقد ذكروا لهذه الاركان شرائط، وأطالوا في التحدث عنها وأكثرها انما ذكر للوقاية عن الوقوع فيما أسموه بالقياسات الفاسدة، وليس من المهم عرضها الآن عدا ما يتصل منها بالعلة وملابساتها، لانها هي المنطلق للتحدث عن حجية القياس وعدمها، فالانسب قصر الكلام عليها. وقبل ان نبدأ الحديث فيها لا بد من التعرض إلى المراد من لفظ العلة وما يرجع إليها على نحو التفصيل.

[ 308 ]

تعريف العلة: عرف كل من المقدسي والغزالي العلة بمناط الحكم (1)، وفسر الغزالي مناط الحكم بقوله: (ما أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به ونصبه علامة عليه (2)). ومن هذا التعريف، يعلم أن غرضهم من العلة ليس مدلولها الفلسفي، أعني ما أوجبت معلولها لذاتها ولم يتخلف عنها، وهي المؤلفة من المقتضى والشرط وعدم المانع، بل غرضهم منها ما جعله الشارع علامة على الحكم، وبهذا صرح الغزالي بقوله: (لان العلة الشرعية علامة وإمارة لا توجب الحكم بذاتها، إنما معنى كونها علة، نصب الشارع إياها علامة، وذلك وضع من الشارع (3))، وأضاف بعضهم إلى كونها إمارة وعلامة، اعتبار المناسبة بينها وبين الحكم. وأرادوا بالمناسبة ان تكون مظنة لتحقيق حكمة الحكم (أي أن ربط الحكم بها وجودا وعدما من شأنه ان يحقق ما قصده الشارع بتشريع الحكم من جلب نفع أو دفع ضرر (4)). وقد فضل بعض الاصوليين ان يعرف العلة بقوله: هي (الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم مع مناسبته له (5)). وقد انتزعوا من هذا التعريف أمورا أسماها خلاف بالشرائط المتفق عليها، والانسب تسميتها بالاركان لانها جماع ما أخذ في تعريف العلة وتحديدها، وهي: 1 - ان تكون وصفا ظاهرا، أي مدركا بحاسة من الحواس


(1) روضة الناظر، ص 146، والمستصفى، ج 2 ص 54. (2) المستصفى، ج 2 ص 54. (3) المستصفى، ج 2 ص 72. (4) علم أصول الفقه لخلاف، ص 77. (5) مباحث الحكم، ج 1 ص 136. (*)

[ 309 ]

الظاهرة ليمكن اكتشافه في الفرع. 2 - ان يكون وصفا منضبطا، أي محددا بحدود معينة يمكن التحقق من وجودها في الفرع. 3 - ان يكون وصفا مناسبا، ومعنى مناسبته ان يكون مظنة لتحقيق حكمة الحكم. وأضافوا إلى ذلك أمرا رابعا، وهو: 4 - ان لا يكون الوصف قاصرا على الاصل، وهذا الاخير كان موضعا لخلاف بينهم، ومن رأي خلاف - والحق معه - أنه لا ينبغي ان يكون موضعا لخلاف (لانه لا تكون العلة أساسا للقياس إلا إذا كانت متعدية (1)). وبهذه الشروط المنتزعة من التعريف، حاولوا إقصاء العبادات عن كونها مجرى للقياس، لانها مما لا تدرك عللها بالعقل كعدد ركعات كل صلاة، وعدد أيام الصيام، وغيرهما من العبادات، كما ألحقوا بها العقوبات المقدرة كعدد الجلد في الزنا، وقذف المحصنات (2)، وهكذا... وسيتضح فيما بعد أن قسما من هذه القيود إنما اتخذ على ألسنة المتأخرين منعا عن الوقوع في مفارقات السابقين عندما توسعوا في التماس العلل حتى في العبادات وغيرها. ولزيادة تحديد المراد من العلة، نعرض لما عرضوا لذكره من التفرقة بينها وبين السبب والحكمة والشرط، وهي ألفاظ شائعة الاستعمال على ألسنة الاصوليين، ويتضح الفرق بينها إذا عرضنا لكل منها بشئ من التحديد.


(1) علم أصول الفقه، ص 78. (2) مصادر التشريع الاسلامي، ص 21. (*)

[ 310 ]

تعريف السبب: و (هو معنى ظاهر منضبط، جعله الشارع إمارة للحكم (1)) وهو بهذا المعنى أعم من العلة لعدم أخذ المناسبة من تعريفه، وقيد بعضهم السبب بما ليس بينه وبين المسبب مناسبة ظاهرة، فيكون مباينا للعلة، وقيل: انهما مترادفان، يقول خلاف: (وبعض الاصوليين فرقوا بين علة الحكم وسببه بأن الامر الظاهر - الذي ربط الحكم به لان من شأن ربطه به تحقيق حكمة الحكم - إن كان يعقل وجه كونه مظنة لتحقيق الحكمة يسمى علة الحكم، وإن كان لا يعقل وجه هذا الارتباط يسمى سبب الحكم، فشهود شهر رمضان سبب لايجاب صومه لا علة له، لان العقل لا يدرك وجه كون هذا الشهر دون سواه مظنة لتحقيق الحكمة لايجاب الصوم، ودلوك الشمس أي زوالها أو غروبها، سبب لايجاب إقامة الصلاة لا علة له، لان العقل لا يدرك وجه كون هذا الوقت دون غيره مظنة لتحقيق الحكمة من إيجاب إقامة الصلاة، فكل علة سبب وليس كل سبب علة، وبعض الاصوليين لم يفرقوا بين لفظي العلة والسبب (2))، وهذه التفرقة التي ذكرها بين السبب والعلة تنتهي إلى التباين بينهما، فتفريعه بعد ذلك عليها بقوله: (فكل علة سبب، وليس كل سبب علة) أي بكون النسبة بينهما هي العموم المطلق لا يتضح له وجه. تعريف الحكمة: و (هي المصلحة المقصودة للشارع من تشريع الحكم (3)) أي (ما قصد إليه الشارع من جلب نفع ودفع ضرر (4)) والفارق بينها وبين


(1) مباحث الحكم، ص 135. (2 - 3 - 4) مصادر التشريع الاسلامي، ص 42. (*)

[ 311 ]

العلة أن العلة أخذ فيها قيد الانضباط، والحكمة لم يؤخذ فيها ذلك القيد، ولذا لم يجعلها الشارع إمارة على حكمه، ولم يدر الحكم معها وجودا وعدما بخلاف العلة والسبب في حدود تعريفيهما السابقين. تعريف الشرط: أما الشرط فقد أخذ في تعريفه بالاضافة إلى ما اعتبر في السبب عدم الافضاء إلى المشروط، أي عرفوه بأنه (الوصف الظاهر المنضبط الذي يتوقف عليه وجود الشئ من غير إفضاء إليه (1)) أي من غير اقتضاء لوجود المشروط عند وجوده، وان استلزم انعدام المشروط عند عدمه فيكون الفارق بينه وبينهما أن الحكم يدور معهما وجودا وعدما بخلاف الشرط، فان وجوده لا يستلزم وجود المشروط، فلا يدور مداره وجودا وإن استلزم انعدامه انعدام ما أخذ فيه ذلك الشرط. تقسيمات العلة: 1 - تقسيمها باعتبار المناسبة: وقد قسموا العلة من حيث اعتبار الشارع لمناسبتها وعدمه ونوعية ذلك الاعتبار إلى أربعة أقسام: أ - ما أسموه بالمناسب المؤثر، وهو الذي اعتبره الشارع علة بأتم وجوه الاعتبار، ودلل صراحة أو إشارة على ذلك و (ما دام الشارع دل على أن هذا المناسب هو علة الحكم فكأنه دل على أن الحكم نشأ عنه وأنه أثر من آثاره، ولهذا سماه الاصوليون المناسب المؤثر وهو العلة المنصوص عليها (2))، يقول خلاف: (ولا خلاف بين العلماء في بناء


(1) مباحث الحكم، ص 144. (2) مصادر التشريع فيما لا نص فيه، ص 45. (*)

[ 312 ]

القياس على المناسب المؤثر، ويسمون القياس بناء عليه قياسا في معنى الاصل (1))، ولكن دعوى عدم الخلاف سينقضها ما يرد عن ابن حزم وغيره من عدم الاخذ به أصلا، اللهم إلا ان يريد من عدم الخلاف هو عدم الخلاف بين خصوص الاخذين بالقياس كدليل من الادلة الشرعية، وهو خلاف ظاهر كلامه. ب - المناسب الملائم: وهو الذي لم يعتبره الشارع بعينه علة لحكمه في المقيس عليه وان كان قد اعتبره علة لحكم من جنس هذا الحكم في نص آخر، ومثلوا له بالحديث القائل: (لا يزوج البكر الصغيرة إلا وليها) ففي رأي أصحاب القياس أن الحديث اشتمل على وصفين كل منهما صالح للتعليل وهو الصغر والبكارة، وبما أنه علل ولاية الولي على الصغيرة في المال في آية (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم (2))، (وما دام الشارع قد اعتبر الصغر علة للولاية على المال، والولاية على المال والولاية على التزويج نوعان من جنس واحد هو الولاية، فيكون الشارع قد اعتبر الصغر علة للولاية على التزويج بوجه من وجوه الاعتبار، ولهذا يقاس على البكر الصغيرة من في حكمها من جهة نقص العقل وهي المجنونة أو المعتوهة وتقاس عليها أيضا الثيب الصغيرة (3)) وبذا أسقطوا دلالة لفظ البكارة من الحديث مع امكان ان تكون جزءا من التعليل كما هو مقتضى جمعها مع الصغر لو أمكن استفادة التعليل من أمثال هذه التعابير، وستأتي المناقشة في المسألة كبرويا، فلا تهم المناقشة في الصغرى. ج - المناسب الملغى: وهو الذي ألغى الشارع اعتباره مع أنه مظنة


(1) مصادر التشريع فيما لا نص فيه، ص 45. (2) النساء / 6. (3) مصادر التشريع ص 46. (*)

[ 313 ]

تحقيق المصلحة (أي إن بناء الحكم عليه من شأنه ان يحقق مصلحة، ولكن دل دليل شرعي على إلغاء اعتبار هذا المناسب ومنع بناء الحكم الشرعي عليه (1))، ومثلوا له بفتوى من أفتى أحد الملوك بأن كفارته في إفطار شهر رمضان هو خصوص صيام شهرين متتابعين، لانه وجد أن المناسب من تشريع الكفارات ردع أصحابها عن التهاون في الافطار العمدي، ومثل هذا الملك لا تهمه بقية خصال الكفارة لتوفر عناصرها لديه، فإلزامه بالصيام أكثر مناسبة لتحقيق مظنة الحكمة من التشريع، ولكن هذا الاستنتاج ينافي إطلاق التخيير، فكأن الشارع المقدس ألغى بإطلاقه التخيير وعدم تقييده بالاخذ بالاشق هذا المناسب، ولذلك لم يصوبوا هذا المفتي بفتياه. د - المناسب المرسل: وهو الذي يظهر للمجتهد أن بناء الحكم عليه لا بد ان يحقق مصلحة ما مع أن الشارع لم يقم على اعتباره أو إلغائه أيما دليل وسنطيل الوقوف عند هذا القسم في مبحث المصالح المرسلة، إن شاء الله تعالى. 2 - تقسيم الاجتهاد في العلة: ذكروا للاجتهاد في العلة أقساما ثلاثة: أ - تحقيق المناط: وقد قسمه المقدسي إلى نوعين: أولاهما: (أن تكون القاعدة الكلية متفقا عليها أو منصوصا عليها،


(1) مصادر التشريع، ص 46. (*)

[ 314 ]

ويجتهد في تحقيقها في الفرع (1))، ومثل له بالاجتهاد في القبلة وهو معلوم بالنص، والاجتهاد إنما يكون في تشخيص القبلة من بين الجهات، وكذلك تعيين الامام، والعدل، ومقدار الكفايات في النفقات ونحوها. ثانيهما: (ما عرف علة الحكم فيه بنص أو إجماع، فيبين المجتهد وجودها في الفرع باجتهاده مثل قول النبي (صلى الله عليه وآله) في الهرة انها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات جعل الطواف علة، فيبين المجتهد باجتهاده وجود الطواف في الحشرات من الفأرة وغيرها ليلحقها بالهر في الطهارة، فهذا قياس جلي قد أقر به جماعة ممن ينكر القياس (2)). والاول من النوعين موضع اتفاق المسلمين على الاخذ به، إلا أن اعتباره من قبيل تحقيق المناط مما لا يعرف له وجه، لانه لا يزيد على كونه اجتهادا في مقام تشخيص صغريات موضوع الحكم الكبروي، وليس هو اجتهادا في تشخيص علة الاصل في الفرع لينتظم في هذا القسم، فعده قسما من تحقيق المناط لا يبدو له وجه، ولقد استدرك بعد ذلك فنفى هذا القسم من تحقيق المناط عن القياس لان (هذا متفق عليه، والقياس مختلف فيه (3)) والانسب تعليله بعدم انطباق مفهوم القياس عليه، لان الاتفاق والاختلاف لا يغير من واقع الاشياء إذا كان مفهومها متسعا له، ثم علل سر الاتفاق عليه - فيما يبدو - بأن (هذا من ضرورة كل شريعة، لان التنصيص على عدالة كل شخص وقدر كفاية الاشخاص لا يوجد (4))، وكأن مراده أن جميع القضايا الشرعية إنما وردت على سبيل القضايا الحقيقية لا القضايا الخارجية، فلا تتكفل تشخيص وتعيين موضوعاتها خارجا، وإنما يترك تشخيص الموضوعات إلى المكلفين أنفسهم بالطرق والقواعد المجعولة من قبل الشارع لذلك، ومن


(1 - 2 - 3 - 4) روضة الناظر، ص 146 وما بعدها. (*)

[ 315 ]

هنا قيل: ان القضية لا تعين موضوعها خارجا إذا كانت قضية حقيقية، فالدليل الذي يأمرك بالصلاة خلف العادل، لا يعين لك أن فلانا مثلا عادل أو غير عادل وهذا من الواضحات. ب - تنقيح المناط: (وهو ان يضيف الشارع الحكم إلى سببه فتقترن به أوصاف لا مدخل لها في الاضافة فيجب حذفها عن الاعتبار ليتسع الحكم (1)) ومثلوا له بقصة الاعرابي الذي قال للنبي (صلى الله عليه وآله): (هلكت يا رسول الله ! فقال له: ما صنعت ؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان، قال: اعتق رقبة) حيث استفادوا عدم الخصوصية في كونه أعرابيا، فألحقوا به جميع المكلفين، ولا في كون المرأة التي وقع عليها أهلاله فألحقوا به الزنا، ولا خصوصية لخصوص شهر رمضان الذي وقع فيه على اهله فألحقوا به جميع أشهر الصيام، إلى ما هنالك من الخصوصيات التي يعلم بعدم مدخليتها. وهذه التعميمات وأمثالها مما تقتضيها مناسبة الحكم والموضوع، وهناك تعميمات مظنونة وقعت موقع الخلاف، كالقول بأن النكاح لا خصوصية له، فلا بد ان يعمم إلى كل مفطر، وهي مبنية على حجية القياس المظنون. ج - تخريج المناط: (وهو ان ينص الشارع على حكم في محل دون ان يتعرض لمناط أصلا (2)) كتحريمه الربا في البر فيعمم إلى كل مكيل من طريق استنباط


(1) روضة الناظر: ص 146 وما بعدها. (2) روضة الناظر، ص 147. (*)

[ 316 ]

علته بدعوى استفادة أن العلة في التحريم هو كونه مكيلا. 3 - تقسيم مسالك العلة: ويراد بمسالك العلة الطرق المفضية إليها والكاشفة عنها، وقد قسمها الغزالي إلى قسمين: صحيحة وفاسدة، نظرا لارتباط أهم مباحث القياس وهو حجيته بها، فان من الحق ان نطيل نسبيا في التحدث عنها تبعا لمن سبقنا من الباحثين وان كنا سنخالف الكثير منهم في نهج الحديث ابعادا لما وقعوا فيه من تداخل بعض أقسامها في بعض، وقد آثرنا نهج الغزالي في تقسيمها وان لم نقتفه في جملة ما جاء به من خصوصيات احتفاظا بجدة ما جد عليه من تنظيم. لقد قسم الغزالي مسالك العلة إلى قسمين: صحيحة وفاسدة. المسالك الصحيحة: وقسم المسالك الصحيحة إلى ثلاثة أقسام (1): أولاها: ما كانت العلة مدلولة للادلة اللفظية وينتظم في هذا القسم منها: أ - ما كان دالا عليها بالدلالة المطابقية أي دلالة اللفظ على تمام معناها كدلالة لفظ العلة ومشتقاتها، ودلالة حروف التعليل كاللام والفاء وما شاكلهما مما نص اللغويون أو النحاة على وضعها لهذا المعنى أو استعمالها فيه مع توفر القرائن المعينة في المشترك منها، أو الصارفة فيما استعمل فيها مجازا على ان يفهم - نصا أو إطلاقا - استقلالها في العلية، وعدم قصرها على موضوعها. ب - ما كانت مدلولة بالدلالة الالتزامية، وهي التي ينتقل الذهن


(1) المستصفى، ج 2 ص 74 وما بعدها. (*)

[ 317 ]

فيها إلى المعنى لمجرد سماعه اللفظ أي ما كان اللازم فيها بينا بالمعنى الاخص ويدخل ضمن هذا القسم: 1 - مفهوم الموافقة أو قياس الاولوية: وهو ما كان اقتضاء الجامع فيه للحكم بالفرع أقوى وأوكد منه في الاصل (1)، ومثاله ما ورد في الكتاب من النهي عن التأفف من الوالدين (ولا تقل لهما أف) القاضي بتحريم ضربهما، وتوجيه الاهانة اليهما. 2 - مفهوم المخالفة: كمفاهيم الشرط والحصر والوصف والغاية بناء على ثبوتها المستلزم لثبوت الحجية لها، شريطة ان يفهم أن العلة فيها مستقلة ومتعدية ليستفاد الاطراد منها - وهو الذي يهمنا في حديثنا هذا - وان كان استفادة نفي الحكم منها لا يحتاج إلى اكثر من إثبات انحصارها في العلية، وهو معنى ظهورها في مفهوم المخالفة. 3 - دلالة الاقتضاء: (وهي الدلالة المقصودة للمتكلم التي يتوقف صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعا أو لغة عليها (2)) إذا كان المحذوف هو العلة، واستكملت شرائطها بالقرائن، ومثاله ان يسأل سائل ما عن علة جواز الصلاة خلف العالم العادل أهي العدالة ؟ فيجيبه الشارع بلى، وعندها يستفاد تعميم الحكم إلى كل عادل من هذا الجواب أخذا بعموم العلة. 4 - دلالة الايماء والتنبيه: وهي الدلالة المقصودة للمتكلم أيضا، إلا أن الكلام لا يتوقف صدقه أو صحته عليها، وانما يقطع أو يستبعد عدم إرادتها، ومثالها قول الشارع مثلا: طهر فمك لمن قال: شربت ماء متنجسا مما يستكشف منه ان العلة في التطهير هو استعمال المتنجس وأنه منجس ولا خصوصية للفم.


(1) القوانين المحكمة، ج 2 ص 87. (2) أصول الفقه للمظفر، ج 1 ص 118. (*)

[ 318 ]

ج - ان لا تكون مدلولة بالدلالة البينة بالمعنى الاخص، بل بالدلالة غير البينة، أو البينة بالمعنى الاعم، كأن تستفاد العلة المنحصرة المستقلة من الجمع بين دليلين أو اكثر، ويسمى هذا النوع بدلالة الاشارة وتسميتها دلالة لا يخلو من مسامحه. ولقد وقع الخلط والتداخل بين هذه الاقسام على ألسنة أكثر الباحثين ولا يهم الدخول في تفصيل ما دخلوا فيه، لعدم ترتب ثمرات على ذلك. ثانيها: الاجماع ولا يقع ذلك إلا إذا قام على معقد له معلل بعلة خاصة فهم منها الاطراد والاستقلال بالعلية، أو قام الاجماع على نفس العلة المطردة المستقلة، يقول في القوانين المحكمة: (التعدي من قوله (عليه السلام): اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه إلى وجوب غسل البدن والازالة عن المسجد والمأكول والمشروب وغيرها، إنما هو لاجل استفادة ان علة وجوب الغسل عن الثوب هي النجاسة، ودليله الاجماع فيجب الاحتراز عنه في كل ما يشترط فيه الطهارة (1)). ثالثها: إثباتها من طريق الاستنباط وهو أنواع أهمها: أ - طريقة السبر والتقسيم، ويراد بالسبر الاختبار، وبالتقسيم استعراض الاوصاف التي تصلح ان تكون علة في الاصل وترديد العلة بينها. (وخلاصة هذا المسلك ان المجتهد عليه ان يبحث في الاوصاف الموجودة في الاصل، ويستبعد ما لا يصح ان يكون علة منها، ويستبقي ما هو علة حسب رجحان ظنه وهاديه في الاستبعاد والاستبقاء تحقق شروط العلة بحيث لا يستبقي إلا وصفا ظاهرا منضبطا متعديا مناسبا معتبرا بنوع من أنواع الاعتبار (2)). وفي هذا المسلك تتفاوت عقول المجتهدين في مجالات الاستنباط وتختلف


(1) ج 2 ص 84. (2) علم أصول الفقه لخلاف، ص 87. (*)

[ 319 ]

اختلافا كبيرا، وعلى سبيل المثال نرى ان (الحنفية رأوا المناسب في تعليل التحريم في الاموال الربوية القدر مع اتحاد الجنس، والشافعية رأوه الطعم مع اتحاد الجنس، والمالكية رأوه القوت والادخار مع اتحاد الجنس (1). ب - إثبات العلة بابداء مناسبتها للحكم كأن يقال - مثلا - ان هذا الوصف في الاصل هو الذي يناسب ان يكون مظنة لتحقيق الحكمة من هذا الحكم وعليه فيجب ان يكون هو العلة، وقد مضى منا الحديث في أقسام المناسب وتعيين ما يدخل منها في موضع النزاع من غيره فلا نعيده هنا. هذا كله في المسالك التي اعتبرها الغزالي صحيحة، أما المسالك الفاسدة فقد حصرها في ثلاثة (2): 1 - أن يستدل على علة الاصل بسلامتها عن علة تعارضها وتقتضي نقيض حكمها بدعوى أن دليل صحتها هو انتفاء المفسد، وقد رد هذا الدليل بإمكان قبله فيقال عنه ان دليل فساده هو عدم الدليل على صحته، إذ لا يكفي للصحة انتفاء المفسد، بل لا بد من قيام الدليل على الصحة. 2 - ان يستدل على علية أحد الاوصاف باطراده مع الحكم، ولكن مجرد الاطراد لا يكفي لاثبات عليته له لاحتمال ان يكون الوصف من لوازمها غير المنفكة عنها، فقد يلزم الخمر - على سبيل المثال - لون أو طعم يقترن به التحريم، مع أن العلة مثلا هي الشدة. 3 - ان يستدل على العلية بالاطراد والانعكاس معا، وهذا كسابقه لا يدل على أكثر من الاقتران بالحكم وهو اعم من كونه علة له أو ملازما مساويا لها يدور معها وجودا وعدما، وزيادة العكس على الاطراد لا يدل على أكثر من هذا المعنى.


(1) علم أصول الفقه لخلاف، ص 87. (2) المستصفى، ج 2 ص 80. (*)

[ 320 ]

واعتبار هذه المسالك من المسالك الفاسدة صحيح جدا إذا أريد اعتبارها طرقا لاثبات العلة على نحو الجزم واليقين. أما إذا اكتفي منها بإفادة الظن فإنكار ذلك لا يخلو من مصادرة، وهذه التشكيكات العقلية لا ترفع أكثر من اليقين، ولا أقل من تحول النزاع فيها إلى نزاع صغروي لا جدوى من تحريره. والذي ينبغي ان يقال أن هذه المسالك كغيرها مما لا يفيد علما من المسالك السابقة وبخاصة الاخير منها، فإن قام عليها دليل بالخصوص كانت حجة، وإلا فلا يمكن اعتمادها في ذلك. حجية القياس: والحديث حول حجية القياس متشعب جدا بتشعب أقوالهم وتباينها، وطبيعة البحث تدعونا إلى ان نقف منها موقفا لا يخلو من صبر وأناة نظرا لما يعطيه البحث من ثمار في مجالات استنباط الاحكام نفيا وإيجابا، وعمدة أحاديث القياس هو هذا الحديث. ويكفي ان يطلع الانسان على أية موسوعة أصولية ليعرف مدى التشعب والتباين في الآراء. فالغزالي وغيره، نسبوا إلى الشيعة - بقول مطلق - وبعض المعتزلة القول باستحالة التعبد بالقياس عقلا (1)، كما نسب المقدسي ذلك إلى اهل الظاهر والنظام وقال: (وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله، فقال: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الاصلين: المجمل والقياس، وتأوله القاضي على قياس يخالف به نصا (2)).


(1) المستصفى، ج 2 ص 56. (2) روضة الناظر، ص 147. (*)

[ 321 ]

(وقال قوم في مقابلتهم يجب التعبد به عقلا (1)). وذهب آخرون إلى أنه (لا حكم للعقل فيه بإحالة ولا إيجاب، ولكنه في مظنة الجواز، ثم اختلفوا في وقوعه فأنكر اهل الظاهر وقوعه بل ادعوا حظر الشرع له (2)). ولكن بعض الشافعية أوجبوا التعبد به شرعا، وإن لم يوجبوه من وجهة عقلية (3). والذي عليه أئمة المذاهب السنية وغيرهم من أعلام السنة (4)، هو الجواز العقلي ووقوع التعبد الشرعي به كما هو فحوى أدلتهم التي سنعرضها، وإن كان في استدلال بعضهم ما يوجبه عقلا لو تمت أدلته العقلية. ومن هذا العرض الموجز، تدركون مدى اختلاف العلماء في نسبة بعض الآراء إلى أصحابها، فالمقدسي يعتبر اهل الظاهر من محيلي القياس عقلا، بينما يعتبرهم الغزالي من مجوزيه عقلا ومانعيه شرعا. وربما كان سر اختلاف النسبة، هو وقوف كل منهما على ما نسب إليهم من أدلة يشعر بعضها بالاحالة العقلية وبعضها بالحظر الشرعي، فاستند إلى ما وقف عليه، وهذه الادلة - مجتمعة - معروضة في كتاب ابن حزم (ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل) ومقدمة كتابه (المحلى). والشئ الذي لم أجده من هذه النسب - في حدود تتبعي - هو نسبة الاحالة العقلية - بقول مطلق - إلى الشيعة، وربما وجدوه في بعض كتب الاصول الشيعية كرأي لصاحب الكتاب، فاعتبروه رأي مذهب بأجمعه.


(1) المستصفى، ج 2 ص 56. (2) المستصفى، ج 2 ص 56. (3) روضة الناظر، ص 147. (4) الاحكام للآمدي، ج 3 ص 64. (*)

[ 322 ]

ومن الاخطاء التي تكررت على ألسنة كثير من الباحثين هو نسبة رأي إلى مجموع الشيعة لمجرد عثورهم على ذهاب مجتهد من مجتهديهم إليه ناسين أن الشيعة قد فتحوا على أنفسهم أبواب الاجتهاد فأصبح كل مجتهد له رأيه الخاص ولا يتحمل الآخرون تبعته. نعم، ما كان من ضروريات مذهبهم فإن الجميع يؤمنون به والشئ الذي لا أشك فيه، هو ان المنع عن العمل بقسم من أقسام القياس، يعد من ضروريات مذهبهم لتواتر أخبار أهل البيت في الردع عن العمل به (1)، لا ان العقل هو الذي يمنع التعبد به ويحيله، ولذلك احتاجوا إلى بذل جهد في توجيه ترك العمل به مع افادته للظن على تقدير تمامية مقدمات دليل الانسداد المقتضية للعمل بمطلق الظن، وسيأتي انها غير تامة، فلو كانوا يؤمنون بالاحالة العقلية في العمل به لما احتاجوا إلى ذلك التوجيه (2). وعلى أي فإن حجية القياس وعدمها، تعود إلى ثلاثة أقوال رئيسة: 1 - قول بالاحالة العقلية. 2 - قول بالوجوب العقلي. 3 - قول بالامكان، وهو ذو شقين إمكان مع القول بالوقوع، والقول بعدمه، فلابد من التماس هذه الاقوال واستعراض أدلتها، وبيان أوجه المفارقة فيها لو كانت. الاحالة العقلية وأدلتها: والذين ذهبوا إلى هذا القول لا تختص أدلتهم بالقياس، بل تعم جميع الطرق والامارات الظنية لوحدة الملاك فيها.


(1) انظر (المعالم)، ص 213 مبحث القياس. (2) اقرأ ما أفاده الشيخ الانصاري في رسائله، ص 220 (أواخر مبحث دليل الانسداد). (*)

[ 323 ]

وأهم ما يمكن ان يستدل لهم به ما سبق عرضه من الشبه حول جعل الاحكام الظاهرية من لزوم اجتماع المثلين أو النقيضين، وقد سبق الجواب عليها في تقسيمات الحكم من هذا الكتاب (1). (1). ولكن الآمدي صور إشكالهم بصورة أخرى، ودفعه على مبناه في التصويب، يقول: (إذا اختلفت الاقيسة في نظر المجتهدين فإما أن يقال بأن كل مجتهد مصيب فيلزم منه ان يكون الشئ ونقيضه حقا وهو محال، وأما ان يقال بأن المصيب واحد وهو أيضا محال فانه ليس تصويب أحد الظنين مع استوائهما دون الآخر أولى من العكس (2))، ثم دفع هذا الاشكال على مبناه في التصويب، ورفع التناقض باختلاف الموضوع، لان موضوع أحد الحكمين هو ظن أحد المجتهدين، وموضوع الحكم الآخر هو ظن المجتهد الثاني ومع اختلاف الموضوع لا تناقض لاشتراطهم في امتناع اجتماع النقيضين وحدة الموضوع بالاضافة إلى الوحدات الاخر (3)، وهذا الجواب صحيح بناء على صحة القول بالتصويب، وستأتي مناقشتنا لهذا المبنى في مبحث الاجتهاد والتقليد، أما على مبنى المخطئة القائلين بأن الاحكام تابعة لواقعها التي قد يصيبها أحد القائسين وقد لا يصيبها، كما إذا كانت العلة في واقعها غير ما انتهيا إليها فإن الاشكال يحتاج إلى جواب. وأظن أن الجواب يتضح مما انتهينا إليه من إنكار جعل الاحكام الظاهرية، وأن المجعول فيها ليس هو إلا المعذرية أو المنجزية، ولا علاقة لها بإصابة الواقع وعدمها ليسلم لهم هذا الترديد، وعلى فرض جعل الاحكام الظاهرية فهي مجعولة في طول الاحكام الواقعية، ولا تدافع


(1) راجع ص 74 وما بعدها. (2) الاحكام، ج 3 ص 66. (3) راجع هذه الوحدات في هذا الكتاب، ص 24 (هامش). (*)

[ 324 ]

بينهما كما سبق إيضاحه في هذا الكتاب (1). وإذا استثنينا من أدلتهم هذا الدليل، فإن أكثرها لا يستحق ان يعرض ويجاب عليه. الوجوب العقلي وأدلته: أما الموجبون له عقلا فأدلتهم لو تمت، فهي لا تشخص القياس ولا تعينه، وسيأتي عرضها عند الاستدلال على حجية القياس من طريق العقل، وإنما تشمل جميع الظنون، وربما كان مفادها أقرب إلى مفاد أدلة انسداد باب العلم. أدلة الامكان والوقوع: والذي يستحق ان يطال فيه الكلام، هو القول الثالث لما له من أهمية تشريعية واسعة، والتحقيق فيه ان يقال: إن القياس في حدود ما انتهينا إليه من تعريفه وأنه (مساواة محل لآخر في علة حكمه) لا يقتضي ان يكون موضعا لحديث حول حجيته وصحة استنباط الحكم الفرعي الكلي منه، لان العلة التي أخذت في لسان الدليل إن أريد بها العلة الواقعية التامة للحكم، استحال تخلف معلولها عنها في الفرع لاستحالة تخلف المعلول عن العلة، وإن أريد بها الوصف الظاهر المنضبط المناسب غير القاصر الذي أناط به الشارع حكمه وجعله إمارة عليه، استحال تخلف الحكم في الفرع عنه أيضا وإلا للزم الخلف لان معنى إناطته به وجودا وعدما عدم تخلفه عنه، فإذا فرض إمكان التخلف - كما هو مفاد عدم الحجية - كان معناه عدم الاناطة، وهو خلاف الفرض.


(1) ص 75 وما بعدها. (*)

[ 325 ]

ولكن موضع الشبهة ومواقع التأمل إنما هو في استنباط الحكم من هذا الدليل لا في أصله - فيما نعتقد - وإن بدا التشكيك على ألسنة الكثير في ثبوت الحجية له نفسه، والظاهر أن ذلك ناشئ إما من عدم تحديد مفهوم القياس، أو من الخلط بين الدليل وعملية الاستنباط منه. وعملية الاستنباط هذه موقوفة على تمامية مقدمتين: أولاهما: معرفة العلة التي أناط بها الشارع حكمه في الاصل. وثانيهما: معرفة توفرها في الفرع بكل شرائطها وقيودها، وكلتا المقدمتين موقوفة على حجية الطرق والمسالك اليهما، ومع إثبات الحجية لها وثبوت العلة بها فلا بد من استنباط حكم الفرع وإثباته بها. ومسالك العلة التي سبق عرضها، تنقسم إلى قسمين: قطعية، وغير قطعية، وغير القطعية تنقسم إلى قسمين: ما قام على اعتبارها دليل قطعي، وما لم يقم. وعلى هذا فالاقسام المتصورة ثلاثة: 1 - المسالك المقطوعة. 2 - المسالك غير المقطوعة، ولكن قام عليها دليل قطعي. 3 - المسالك غير المقطوعة مع عدم قيام الدليل القطعي عليها. ولكل منها حديث يقتضينا استيفاؤه بكل ما يتصل به نظرا لما يترتب عليه من ثمرات. المسالك المقطوعة: وحجيتها أوضح من أن يقام عليها دليل، لما سبق ان قلنا: من ان طريقية غير العلم لا بد وان تنتهي إلى العلم، وطريقية العلم ذاتية لا تقبل الرفع والوضع، وقلنا: إن الحجية من لوازمه العقلية القهرية التي

[ 326 ]

لا تقع تحت إرادة المشرع وتشريعه، فإذا صح هذا، اتضح عدم إمكان تصرف الشارع في هذا القسم من القياس، لان الحجية له من الامور العقلية التكوينية - إن صح هذا التعبير - وهي غير واقعة ضمن نطاق قدرته كمشرع وان وقعت ضمن نطاقها كمكون، واذن لا بد من تأويل ما ورد من الردع عن الاخذ بالقياس حتى إذا أنهى إلى القطع. ولعل اجمل ما يمكن ان يذكر في هذا المجال من التوجيه، هو ان الشارع إن لم يمكنه التصرف في حجية العلم أو طريقتيه، إلا أنه يمكنه التصرف بحكمه فيرفعه عن المكلف على تقدير المصادفة للواقع كأن يقول: إن أحكامي التي تنتهون إليها من طريق القياس، لا أريدها منكم ولا أؤاخذكم على تركها، وتكون أشبه بالاحكام التي يبدل واقعها إذا طرأ عليها عنوان ثانوي، وذلك لما يعلم الشارع المقدس من كثرة تفويت الاقيسة لمصالح المكلفين وحرمانهم منها. والذي يهون الامر أنه ليس في الادلة الرادعة عن الاخذ بالقياس ما هو صريح الردع عن هذا القسم من الاقيسة، اللهم إلا ما يبدو من رواية أبان، يقول أبان: (قلت لابي عبد الله: ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع امرأة كم فيها ؟ قال: عشرة من الابل، قلت: قطع اثنين ؟ قال: عشرون. قلت قطع ثلاثا ؟ قال: ثلاثون. قلت قطع أربعا ؟ قال: عشرون. قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قال، ونقول: ان الذي قاله الشيطان، فقال (عليه السلام) مهلا يا أبان ! هذا حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنك أخذتني بالقياس والسنة

[ 327 ]

إذا قيست محق الدين (1)). وقد ناقشها بعض أساتذتنا بمناقشات جد متينة ننقلها نصا من تقريرات بعض تلامذته (وأما ما أفاده - يعني استاذه - من ثبوت المنع عن العمل بالقطع الحاصل من القياس لرواية أبان، ففيه أولا: أن رواية أبان ضعيفة السند (2) لا يمكن الاعتماد عليها، وثانيا: أنه لا دلالة فيها على كونه قاطعا بالحكم، نعم يظهر منها أنه كان مطمئنا به، ولذا قال: كنا نسمع ذلك بالكوفة، ونقول: ان الذي جاء به شيطان، وثالثا: ليس فيها إشعار بالمنع عن العمل بالقطع، وانما أزال الامام قطعه ببيان أن السنة إذا قيست محق الدين نعم ظهورها في المنع عن الغور في المقدمات العقلية لاستنباط الاحكام الشرعية غير قابل للانكار، بل لا يبعد ان يقال: انه إذا حصل منها القطع وخالف الواقع، ربما يعاقب على ذلك في بعض الوجوه (3)). وفي هذا القسم - أعني القياس المقطوع العلة - تنتظم بعض القياسات الجلية كقياس الاولوية، وما يقطع به لمناسبة الحكم والموضوع كمثال الاعرابي السابق، وما شابه ذلك من الاقيسة. المسالك غير المقطوعة مع قيام الدليل القطعي عليها: وينتظم في هذا القسم كلما يرجع إلى حجية الظواهر من المسالك السابقة، أي ما كانت العلة فيها مستفادة من دليل لفظي سواء كانت مدلولة له بالدلالة المطابقية، أم الدلالة الالتزامية.


(1) القوانين المحكمة، ج 2 ص 89. (2) بلغنا ان الاستاذ عدل عن تضعيف الرواية لثبوت صحتها لديه، ولم تسعني مراجعته للتأكد من ذلك. (3) دراسات في الاصول العملية، ص 29. (*)

[ 328 ]

وهذه المسألة تعد من صغريات مسألة حجية الظهور، والادلة الدالة على حجية الظهور - والتي سبق عرضها دالة عليها، وحالها حال بقية الظهورات التي هي المستند في استنباط أكثر الاحكام الشرعية. والحقيقة أن عدها في مقابل السنة في غير موضعه، فالانسب كما يقول الاستاذ خلاف وغيره: إبعادها عن مباحث القياس وإلحاقها بمباحث السنة (1). وكل ما وقع فيها من نقاش من بعض نفاة القياس أمثال السيد المرتضى (2)، وابن حزم (3)، إنما هو من قبيل النقاش في الصغرى، أي إنكار الظهور لا التشكيك بحجيته بعد ثبوته. وما يقال عن هذه المسالك، يقال عن الاجماع المثبت للعلة بعد القول بحجيته، وقد سبق الحديث عنها مفصلا. والاشكال الذي يرد على هذا القسم منه، شمول الادلة الرادعة عن العمل بالقياس من قبل اهل البيت له. والادلة الرادعة عن العمل به على نوعين: 1 - نوع منها منصب على القياس المتعارف، وهو الذي يلتمس فيه حكم الفرع من حكم الاصل لوحدة العلة فيهما، ومفاد رواياته أن علل الاحكام لا تبلغ بالظنون وتنتظم في هذا النوع الكثير من احتجاجات الامام الصادق (عليه السلام) على أبي حنيفة 2 - والنوع الآخر منصب على القياس بالاصطلاح الثاني، وهو الذي تتخيل فيه العلل للاحكام، وتنزل النصوص عليها، يقول ابن جميع:


(1) مصادر التشريع الاسلامي، ص 24. (2) القوانين المحكمة، ج 2 ص 8. (3) ابطال القياس والاستحسان، ص 29. (*)

[ 329 ]

(دخلت على جعفر بن محمد أنا، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، فقال لابن ابي ليلى: من هذا معك ؟ قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين. قال: لعله يقيس أمر الدين برأيه، - إلى أن يقول والحديث طويل نقتصر منه على موضع الحاجة -: يا نعمان، حدثني أبي عن جدي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أول من قاس أمر الدين برأيه ابليس، قال الله تعالى له: اسجد لآدم، فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين، فمن قاس الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيمة بإبليس، لانه أتبعه بالقياس (1)). ثم قال له جعفر - كما في رواية ابن شبرمة - (أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا ؟ قال: قتل النفس. قال: فإن الله عزوجل، قبل في قتل النفس شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، ثم قال: أيهما أعظم: الصلاة أم الصوم ؟ قال الصلاة، قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فكيف ويحك يقوم لك قياسك ؟ اتق الله ولا تقس الدين برأيك (2)). وهذه الرواية مع تتمتها منصبة على الردع عن نوعي القياس، فمن استشهاده بقياس إبليس وهو الذي تمرد على الامر بالسجود لانه - على خلاف قياسه - لتخيله أن الامر بالسجود يقتضي ان يبتنى على أساس التفاضل العنصري، وخطأ الحكم الشرعي على هذا الاساس لاعتقاده بأنه أفضل في عنصره من آدم لكونه مخلوقا من نار وهو مخلوق من طين. أقول: من هذا الاستشهاد ندرك الردع عن النوع الثاني من القياس، كما أن رواية أبان السابقة منصبة في ردعها على هذا النوع بقرينة تكذيبه للحديث ونسبة مضمونه إلى الشيطان، لانه ورد على خلاف قياسه، وهذا النوع هو


(1 - 2) حلية الاولياء، ج 3 ص 197. (*)

[ 330 ]

الذي يشكل الخطر على الدين لفسحه المجال للتلاعب بالشريعة، ومسخ أحكامها باسم مخالفة القياس، ومن الطبيعي ان يقف منه أهل البيت وبخاصة الامام الصادق الذي انتشر هذا النوع من القياس على عهده موقفهم المعروف، والحق كما يقول الامام: (ان السنة إذا قيست محق الدين) وقد سبق أن قلنا في مبحث العقل: أن مسرحه في إدراك علل الاحكام محدود جدا، ففتح الباب له على مصراعيه يشكل الخطر العظيم على الشريعة، وهذا معنى قول الامام (عليه السلام) أن دين الله لا يصاب بالعقول، أي ما ثبت أنه دين لا يمكن ان تدرك جميع علله العقول، والشق الثاني من الرواية - ولعلها رواية أخرى - وهي التي تكفل ذكرها ابن شبرمة، منصب على تعجيز العقل عن التعرف على علل الاحكام بعيدا عن الشرع كما يتضح من النقوض التي ذكرها الامام عليه، وهو الذي يناسب القياس بالمعنى الاول، ونظائر هذه الرواية كثيرة، وهي معروضة في جل كتب الاصول الشيعية الباحثة عن القياس. ونسبة ما دل على حجية الظواهر إلى الادلة الرادعة عن النوعين معا، هي نسبة العموم والخصوص من وجه، لان الادلة الرادعة تشمل القياس المنصوص العلة ومستنبطها، وأدلة حجية الظواهر تشمل القياس المنصوص العلة وغير القياس، فمورد الاجتماع هو القياس المنصوص على علته، ومقتضى القاعدة التعارض والتساقط فيه ثم الرجوع إلى اصالة عدم الحجية، لان الشك في الحجية كاف للقطع بعدمها، كما سبق القول فيه. ولكن التعارض إنما يتم إذا لم يمكن الاخذ بالدليلين معا وتم تدافعهما في مورد الاجتماع، أما إذا أمكن الاخذ بهما فلا مجال للتعارض والتساقط. والذي أعتقده أنه لا تدافع بين هذين النوعين من الادلة، لان القياس المنصوص العلة إن قلنا بأنه ليس بقياس، كما ذهب إلى ذلك كثير من

[ 331 ]

الاعلام، كان خارجا عن موضوع الادلة الرادعة عنه على نحو التخصص. وإن قلنا أنه من القياس فلا بد من صرف الادلة الرادعة إلى غيره، بل لا يمكن أن تكون متناولة له كما يدل على ذلك ما في بعضها من التعليل بأن دين الله لا يصاب بالعقول، إذ مع فرض كون العلة مستفادة من النص لظهوره فيها، يكون المشرع هو الذي دل عليها لا ان العقول أصابتها بمنأى عنه كما أن ما في بعضها الآخر من القول بأن السنة إذا قيست محق الدين ظاهر في ذلك، إذ لا معنى لئن تمحق السنة نفسها، إذ المفروض أنها هي التي صرحت بالعلل أو كانت ظاهرة فيها، فلا بد أن تكون واردة في خصوص ما لم تدلنا هي على علله، بل كان الدليل عليها هو عقولنا التي اثبتت لها هذه الروايات في الجملة العجز والقصور. المسالك التي لم يقم عليها دليل قطعي: وهي المسالك إلى العلة من طريق الاستنباط بوسائله التي عرضناها سابقا كالسبر، والتقسيم، وإثبات المناسبة، وسلامة العلة عن النقيض، واطراد العلة، واطرادها وانعكاسها، إلى غيرها من المسالك التي لا تفيد غير الظن على أكثر التقادير. والظن كما سبق شرحه مرارا، ليست طريقيته ذاتية لنقصان الكشف فيه، كما ان حجيته ليست من اللوازم العقلية القهرية التي لا تحتاج إلى جعل من قبل الشارع، ولذلك احتجنا إلى الاستدلال عليه بالادلة القطعية - شرعية كانت أو عقلية - وهذه الادلة ان تمت أخذنا بها، وإلا فحسبنا من القطع بعدم الحجية عدم ثبوتها، والشك وحده فيها كاف للقطع بعدمها. ولهذا، لا ترانا بحاجة إلى التماس أدلة على النفي، بل لا نحتاج إلى عرض

[ 332 ]

الادلة التي ذكرها النافون، بما فيها الادلة الرادعة وتقييمها وبيان مقدار صلوحها للدلالة، اللهم إلا إذا تمت أدلة حجية هذا القسم من القياس، فاننا محتاجون إلى فحصها ومعرفة مدى صلوحها لمعارضة الادلة المثبتة. والادلة التي ذكرها المثبتون لهذا النوع من القياس كثيرة نعرض نماذج من كل قسم منها، ويعرف حساب الباقي من هذه النماذج، وسنختار أقواها وأظهرها في الدلالة: وهذه الادلة تعتمد الادلة الاربعة: الكتاب، السنة الاجماع، العقل. أدلتهم من الكتاب: وقد استدلوا من الكتاب بعدة آيات هي: 1 - قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا). وخير ما تقرب به دلالة هذه الآية: ان القياس بعد استنباط علته بالطرق الظنية من الكتاب والسنة، يكون ردا إلى الله والرسول، ونحن مأمورون بالرجوع اليهما بهذه الآية، ومعناه اننا مأمورون بالرجوع إلى القياس عند التنازع، وليس معنى الامر بذلك إلا جعل الحجية له، وهذا التقريب منتزع من مختلف الصور المعروضة لدى المثبتين في توجيهها مع إكمال نقص بعضها ببعض. ولكن هذا التوجيه لم يتضح بعد لما أورد أو يرد عليه من مؤاخذات وهي:

[ 333 ]

أ - ان دلالة الآية متوقفة على أن يكون القياس الظني ردا إلى الله والرسول، وهو موضع النزاع، ولذلك احتجنا إلى هذه الآية ونظائرها لاثبات كونه ردا. والمقياس في الرد وعدمه قيام الدليل عليه، فإن كان هذه الآية لزم الدور بداهة أن دلالتها على حجية القياس المظنون موقوفة على كونه ردا، وكونه ردا موقوف على دلالتها على حجيته، على أن القضية لا تثبت موضوعها بالضرورة وإن كان الدال على كونه ردا غير هذه الآية تحول الحديث إلى حجيته، ومع قيامها لا نحتاج إلى الاستدلال بهذه الآية. ب - ومع الغض عن هذه المناقشة، فالآية إنما وردت في التنازع والرجوع إلى الله والرسول لفض النزاع والاختلاف، ومن المعلوم أن الرجوع إلى القياس لا يفض نزاعا ولا اختلافا لاختلاف الظنون، بل الرجوع إلى الكتاب والسنة، كذلك لما يقع فيه المتنازعون عادة من الاختلاف في فهم النصوص، ومن هنا رأينا أعاظم العلماء والصحابة يختلفون في فتاواهم مع وحدة مصادرهم، واذن فلا بد ان يكون المراد من الآية هو تشريع الرجوع في مقام التخاصم إلى الرسول باعتباره منصوبا من الله عزوجل، ومن ينصبه الرسول من أولي الامر لفض خصوماتهم، أي إلى أشخاص القائمين بالحكم بأمر الله، أو قل إلى أشخاص الولاة ومن يعينونهم لفض الخصومات. ومن هنا أعطي لحكم الحاكم أهمية كبرى في الاسلام، حتى جعل الراد عليه رادا على الله، وهو على حد الشرك بالله كما طفحت بذلك كثير من الروايات. وعلى هذا، فالآية أجنبية عن جعل الحجية لاي مصدر من مصادر التشريع قياسا أو غير قياس، وموردها الرجوع إلى من له حق القضاء

[ 334 ]

والحكم باسم الاسلام لفض الخصومات. ج - ومع تناسي هذه الناحية والتي قبلها، فان الآية لا تدل على حجية القياس بقول مطلق إلا بضرب من القياس، وذلك لورودها في خصوص باب التنازع، فتعميمها إلى مقام الافتاء والعمل الشخصي، لا يتم إلا من طريق السبر والتقسيم أو غيره، وإذن يكون ظهور الآيه في حجية القياس مطلقا موقوف على حجية القياس، فإذا كانت حجية القياس موقوفة على هذا الظهور لزم الدور. 2 - قوله تعالى: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الابصار). وموضع الدلالة منها كلمة اعتبروا الظاهرة في جعل الوجوب للاعتبار، وقد اختلفت كلمتهم في المراد من الاعتبار، فقال بعضهم: إن المراد منه الاتعاظ، وقيل كما - عن ابن حزم - إن معناه التعجب، وقيل: إنه مأخوذ من العبور والمجاوزة، والذي يرتبط بالقياس هو المعنى الاخير بدعوى ان في القياس عبورا من حكم الاصل ومجاوزة عنه إلى حكم الفرع، فإذا كنا مأمورين بالاعتبار فقد أمرنا بالعمل بالقياس، وهو معنى حجيته، بل حتى لو أريد من الآية الامر بالاتعاظ وقلنا: ان المراد من الاعتبار هو هذا المعنى، فالآية - فيما يرى خلاف - ظاهرة في جعل الحجية للقياس لانها (تقرير لان سنة الله في خلقه أن ما جرى على النظير يجري على نظيره (1)).


(1) مصادر التشريع الاسلامي، ص 26. (*)

[ 335 ]

ولكن هذه الاستفادة كسابقتها لا يتضح لها وجه وذلك: أ - لان إثبات الحجية لمطلق الاعتبار بحيث يشمل المجاوزة القياسية، موقوف على أن يكون المولى في مقام البيان من هذه الجهة، والمقياس في كونه في مقام البيان هو أننا لو صرحنا بالمعنى الذي يراد بيانه لكان التعبير سليما، وظاهر الدلالة على كونه مرادا لصاحبه، فلو قال الشارع: أحل الله البيع، وأردنا ان نصرح بمختلف البيوع بدلا من الاطلاق لساغ الكلام، وليس ما يمنع من ذلك إلا التطويل كأن نقول: أحل الله البيع العقدي والبيع المعاطاتي، وهكذا حتى نستوفي جميع انواع البيوع... وإذا صح هذا المقياس عدنا إلى الآية لنرى هل ان سياقها يتسع لهذا النوع من التفصيل كأن نقول: وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فقيسوا يا أولي الابصار انفسكم عليهم، والنبيذ على الخمر، والضرب على التأفف والذرة على البر، في الربا، وهكذا أمثل هذا مما يسيغه كلام عربي لتصح نسبة مدلوله إلى قائله. ومن هنا يعلم ان الآية ليست واردة لبيان هذا المعنى، فلا يسوغ الاستدلال بها عليه. ب - ومع التنزل وافتراض مجيئها لبيان هذا المعنى ولو بإطلاقها إلا أنها واردة لجعل الحجية لاصل القياس كدليل، وأصل القياس لا ينبغي ان يكون موضعا لنقاش جذري لما سبق أن قلنا: من أن حجيته يقتضي ان تكون من الضروريات العقلية، وإنما الخلاف الجذري في الطرق والمسالك الكاشفة عن توفر العلة في الاصل والفرع. والدليل الوارد لجعل الحجية لاصل الدليل لا يتعرض إلى طرق إثباته، فكما أن الادلة الدالة على أن السنة النبوية من مصادر التشريع لا تتكفل جعل الحجية لخبر الواحد الحاكي لها، بل نحتاج في الاستدلال عليه إلى

[ 336 ]

أدلة أخرى، فكذلك هنا. 3 - قوله تعالى: (قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة). وقد قرب دلالتها صاحب مصادر التشريع بقوله: (إن الله عز وجل، استدل بالقياس على ما أنكره منكرو البعث، فإن الله عز وجل قاس إعادة المخلوقات بعد فنائها على بدأ خلقها وإنشائها أول مرة، لاقناع الجاحدين بأن من قدر على بدأ خلق الشئ قادر على ان يعيده بل هذا أهون عليه، فهذا الاستدلال بالقياس إقرار لحجية القياس وصحة الاستدلال به، وهو قياس في الحسيات، ولكنه يدل على أن النظير ونظيره يتساويان (1)). والجواب على هذا التقريب: أ - ان هذه الآية لو كانت واردة لبيان الاقرار على حجية القياس، لصح ان يعقب بمضمون هذا الاقرار، ولسلم الكلام كأن نقول: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة، فقيسوا النبيذ على الخمر، والذرة على البر، ولكم بعد ذلك ان تقدروا قيمة هذا النوع من الكلام - لو صدر - من وجهة بلاغية، وهل يتسع هذا النوع من الكلام لمثله. ب - ولو سلم ذلك - جدلا - فالآية غاية ما تدل عليه، هو مساواة النظير للنظير، أي جعل الحجية لاصل القياس لا لمسالكه، والدليل الذي يتكفل حجية الاصل لا يتكفل بيان ما يتحقق به كما سبق تقريبه. ج - ولو سلمنا أيضا دلالته على حجية مسالكه، فهي لا تدل عليها بقول مطلق إلا بضرب من القياس، لان الآية إنما وردت في قياس


(1) انظر ص 27 منه. (*)

[ 337 ]

الامور المحسوسة بعضها على بعض، فتعميمها إلى الامور الشرعية موقوف على السبر والتقسيم أو غيره فيلزم الدور، وقول خلاف: إنها تدل على أن النظير ونظيره يتساويان، غير صحيح على إطلاقه، إذ غاية ما تدل عليه هي: مساواة النظير للنظير في الامور التكوينية، فتعميمها للغير لا يتم إلا بضرب من القياس الظني. 4 - قوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم (1))، وهي التي استدل بها الشافعي على حجيته حيث قال: (فهذا تمثيل الشئ بعدله وقال يحكم به ذوا عدل منكم، وأوجب المثل، ولم يقل أي مثل، فوكل ذلك إلى اجتهادنا ورأينا، وأمر بالتوجه إلى القبلة بالاستدلال، وقال: وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره (2). انتهى (3)). والجواب: أن الشارع وان ترك لنا أمر تشخيص الموضوعات، إلا أنه على وفق ما جعل لها الشارع أو العقل من الطرق، وكون القياس الظني من هذه الطرق كالبينة هو موضع الخلاف، والآية أجنبية عن إثباته. ثم ان عد تشخيص صغريات الموضوع أو المتعلق من القياس لو أراد الشافعي ذلك في كلامه، لا يعرف له وجه، لان القياس بجميع تعاريفه لا ينطبق عليه فتشخيص ان هذا مثل أو ان هذه قبلة بالطرق الاجتهادية انما هو من تحقيق المناط بمعناه الاول، وقد قلنا: انه ليس بقياس بالبرهان الذي سبق أن ذكرناه. 5 - قوله تعالى: (ان الله يأمر بالعدل والاحسان (4))، وقد استدل بها ابن تيمية على القياس بتقريب (ان العدل هو التسوية، والقياس هو


(1) المائدة / 95. (2) البقرة / 150. (3) إرشاد الفحول، ص 201. (4) النحل / 90. (*)

[ 338 ]

التسوية بين مثلين في الحكم، فيتناوله عموم الآية (1)) وقد أجاب عنه الشوكاني: (بمنع كون الآية دليلا على المطلوب بوجه من الوجوه، ولو سلمنا لكان ذلك في الاقيسة التي قام الدليل على نفي الفارق فيها لا في الاقيسة التي هي شعبة من شعب الرأي، ونوع من أنواع الظنون الزائفة، وخصلة من خصال الخيالات المختلة (2)). والانسب ان يقال: ان هذه لو تمت دلالتها على الامر بالقياس بما أنه عدل فهي إنما تدل على أصل القياس، لا على مسالكه المظنونة، والكلام إنما هو في القياس المعتمد على استنباط العلل بالطرق السالفة. وهذه المؤخذات كلا أو بعضا واردة على كل ما استدل به من الآيات من أمثال: إن نحن إلا بشر مثلكم (3)، (ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الامر منهم (4))، فلا نطيل الكلام بعرض ما ذكروه لها من كيفيات الاستدلال والمناقشة، وهي تتضح من جملة ما عرضناه في أجوبة الاستدلال بهذه الآيات. أدلتهم من السنة: أما ما استدل به من السنة، فروايات تكاد تنتظم في طائفتين تتمثل: أولاهما: بحديث معاذ بن جبل وما يعود إليه من الاحاديث، ونظرا لما أعطاه مثبتو القياس من أهمية لهذا الحديث، فإننا سنحاول ان نطيل التحدث فيه نسبيا. والحديث كما رواه (أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، من حديث الحارث بن عمر بن أخي المغيرة بن شعبة، قال: حدثنا ناس من أصحاب معاذ عن معاذ قال لما بعثه (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن، قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فان لم تجد في


(1) إرشاد الفحول، ص 202. (2) إرشاد الفحول، ص 202. (3) ابراهيم / 11. (4) النساء / 82. (*)

[ 339 ]

كتاب الله ؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فان لم تجد في سنة رسول الله، ولا في كتاب الله ؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو، قال فضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله (1)). وخير ما يقرب به هذا الحديث - من وجهة دلالية - أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقر الاجتهاد بالرأي في طول النص باقراره لاجتهاد معاذ، وهو شامل باطلاقه للقياس، ويرد على الاستدلال بالرواية: 1 - انها ضعيفة بجهالة الحارث بن عمرو حيث نصوا على أنه مجهول وباغفال راويها لذكر من أخذ عنهم الحديث من الناس من أصحاب معاذ (قال في عون المعبود: وهذا الحديث أورده الجوزقاني في الموضوعات وقال هذا حديث باطل رواه جماعة عن شعبة، وقد تصفحت هذا الحديث في أسانيد الكبار والصغار، وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه، فلم أجد له طريقا غير هذا، والحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة مجهول، وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون، ومثل هذا الاسناد لا يعتمد عليه في أصل الشريعة، فان قيل ان الفقهاء قاطبة أوردوه واعتمدوا عليه، قيل هذا طريقه والخلف قلد فيه السلف، فان أظهروا طريقا غير هذا مما يثبت عند أهل النقل رجعنا إلى قولهم، وهذا مما لا يمكنهم البتة (2)). وما أدري من من السلف تلقاه بالقبول غير مثبتي القياس ؟ ! وهم لا يصلحون لتقوية حديث هذا سنده لكونهم من المتأخرين، وأخذهم به لا يكشف عن قوة في سنده خفيت علينا عادة وبخاصة وقد أوردوه كغيره


(1) إرشاد الفحول، ص 202. (2) هامش الاحكام السلطانية، ص 46. (*)

[ 340 ]

من الاحاديث دليلا على الاخذ بالقياس، فلو كان مجرد أخذهم به يوجب تقويته له، لكان حال ما أخذوا به من الاحاديث الضعيفة حاله في التقوية وهو ما لم يدعوه لها على الاطلاق. 2 - إن هذا الحديث غير وافي الدلالة على ما سيق لاثباته وذلك: أ - لان إقرار النبي (صلى الله عليه وآله) لمعاذ - لو صحت الرواية - ربما كان لخصوصية يعرفها النبي (صلى الله عليه وآله) فيه تبعده عن الوقوع في الخطأ ومجانبة الواقع، وإلا لما خوله هذا التخويل المطلق في استعمال الرأي، ومن عدم الاستفصال والاستفسار عن أقسام الرأي التي يستعملها في مجالات اجتهاده مع كثرة ما في هذه الاقسام من الآراء التي سلم عدم حجيتها حتى من قبل القائلين بالقياس ندرك هذه الخصوصية ولا أقل من احتمالها. ومع هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال به إلا بعد دفع الخصوصية، وهي لا تدفع إلا بضرب من القياس الظني، ولزوم الدور به في هذا النوع من الاستدلال واضح بداهة ان دلالة الحديث تكون موقوفة على حجية هذا النوع من القياس، فإذا كانت حجية هذا النوع من القياس موقوفة عليها لزم الدور. ب - ان هذا الحديث وارد في خصوص باب القضاء، وربما اختص باب القضاء بأحكام لا تسري إلى عالم الافتاء، لما تقتضيه لوازم فض الخصومات من استعمال بعض العناوين الثانوية أحيانا، فتعميمه إلى عوالم الافتاء والعمل الشخصي للمجتهد موقوف على إلغاء هذه الفوارق ولا يكون إلا من طريق السبر والتقسيم، أو غيرها من مسالك العلة المظنونة، فيلزم الدور أيضا بنفس التقريب السابق. ج - إننا نعلم ومعنا مثبتو القياس أن هذا الحديث معارض بما دل على الردع عن إعمال الرأي (1)، ولا أقل من تخصيصه بخروج الآراء


(1) راجع إبطال القياس، لابن حزم، ص 56. (*)

[ 341 ]

الفاسدة جمعا بين هذه الادلة - على طريقة أخذ بعضهم بالجموع التبرعية أو أخذا بالضرورة من أن هذا الحديث لم يبق على عمومه، بالنسبة إلى كل رأي. فإذا علمنا بأن عندنا نوعين من الرأي أحدهما فاسد، وهو المردوع عنه، والآخر صحيح، وهو الذي أقر عليه معاذ، فمع الشك بحجية القياس الظني - والمفروض أننا شاكون، ولذلك احتجنا إلى هذه الادلة - لا يصح الرجوع فيها إلى هذا الحديث، وإلا لزم التمسك بالعام في الشبهة المصداقية بداهة أن الحكم في القضايا الحقيقية، لا يمكن أن يثبت موضوعه، فالدليل الدال على حجية الرأي الصحيح لا يشخص لك أن هذا الرأي صحيح بل عليك بتشخيصه من الخارج وتطبيق الحكم عليه، وإذن فالقياس الظني لا يكون مدلولا للحديث حتى يثبت من الخارج أنه من القياس الصحيح، ومع اثباته لا نحتاج بعد إلى هذا الحديث لنتمسك به كدليل على الحجية. وقد تكون أصرح من هذه الرواية ما أثر عنه (صلى الله عليه وآله) من أنه قال لمعاذ وأبي موسى الاشعري: (بم تقضيان ؟ فقالا: إن لم نجد الحكم في الكتاب ولا السنة، قسنا الامر بالامر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به (1))، (حيث صرحوا بالقياس والنبي (صلى الله عليه وآله) أقرهما عليه، فكان حجة (2)). ولكن هذه الرواية - بالاضافة إلى ضعفها سندا، وعدم طبعيتها في صدور الجواب المشترك عنهما بلسان واحد في آن واحد، وكأنهما كانا على اتفاق مسبق بالنسبة له - يرد عليها الاشكالان السابقان على رواية معاذ من لزوم الدور فيهما لتوقفهما على دفع احتمال الخصوصية فيهما من


(1 - 2) الاحكام للآمدي، ج 3 ص 77. (*)

[ 342 ]

ناحية، دفع احتمال خصوصية القضاء من ناحية ثانية بطريق القياس الظني. ومع الغض عن ذلك وافتراض تماميتها، فإن مقتضى لسانها جعل الحجية لاصل القياس لا لمسالكه المظنونة التي هي موضع النزاع. وقد قلنا فيما سبق: ان الدليل الدال على أصل الشئ لا يدل بنفسه على الطرق المثبتة له. ثانيهما: ما ورد من الاحاديث المشعر بعضها باستعمال النبي (صلى الله عليه وآله) للقياس، وبما أن عمله حجة باعتباره سنة واجبة الاتباع، فان هذه الطائفة من الاحاديث دالة على حجية القياس. والاحاديث التي ذكروها كثيرة، نجتزئ بذكر بعضها، ثم نعقب عليها بما يصلح ان يكون جوابا عن الجميع. منها حديث الجارية الخثعمية أنها قالت: (يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا زمنا لا يستطيع أن يحج، إن حججت عنه أينفعه ذلك ؟ فقال لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك ؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء (1)). ووجه الاحتجاج به كما قربه الآمدي (انه الحق دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه، وهو عين القياس (2)). ومنها الحديث الذي جاء فيه (انه قال لام سلمة وقد سئلت عن قبلة الصائم: هل أخبرته أني أقبل وأنا صائم (3)) وإنما ذكر ذلك فيما يقول الآمدي تنبيها على قياس غيره عليه. ومنها قوله لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: (أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا: نعم، فقال: فلا إذن (4)).


(1 - 2 - 3 - 4) الاحكام للآمدي، ج 3 ص 78. (*)

[ 343 ]

والجواب على هذه الاحاديث ككل ومعها غيرها مما لم نذكره من أحاديث الباب: 1 - إن هذه الاحاديث لو كانت واردة في مقام جعل الحجية للقياس، فغاية ما يستفاد منها جعل الحجية لمثل أقيسته (صلى الله عليه وآله) مما كان معلوم العلة لديه كما هو مقتضى ما تلزم به رسالته من كونه لا يعدو في تشريعاته ما أمر بتبليغه من الاحكام. ومثل هذا العلم بالحكم لا يتوفر إلا عند العلم بالعلة في الفرع، على ان نسبة ما يصدر منه للقياس موقوف على إمكان صدور الاجتهاد منه، أما إذا نفينا ذلك عنه، وقصرنا جميع تصرفاته على خصوص ما يتلقاه من الوحي (ان هو إلا وحي يوحى) فتشبيه قياساتنا بقياساته وإثبات الحجية لها على هذا الاساس قياس مع الفارق الكبير، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذه الفارق في بعض خطبه بقوله: (يا أيها الناس، ان الرأي إنما كان من رسول الله مصيبا، لان الله كان يريه، وإنما هو منا الرأي والتكلف (1)). ومع هذا الفارق، كيف يمكن لنا أن نسري الحكم إلى قياساتنا المظنونة، أليست صحة هذه التسرية إليها مبنية على ضرب من القياس المظنون، وهو موضع الخلاف ! ! والقياس المعلومة علته تعبدا أو وجدانا مما لا ينبغي أن يكون موضعا لخلاف، كما سبق الحديث فيه. 2 - إن هذه الانواع من الاحاديث ليست من القياس في شئ فرواية الخثعمية واردة في تحقيق المناط من قسمة الاول، أي تطبيق الكبرى على صغراها.


(1) إبطال القياس لابن حزم، ص 58. (*)

[ 344 ]

فالكبرى - وهي مطوية -: (كل دين يقضى) هي في واقعها أعم من ديون الله وديون الآدميين، وقد طبقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) على دين الله لابيها، فحكم بلزوم القضاء، وأين هذا من القياس المصطلح على أنا لو سلمنا أنه منه، فهو من قبيل قياس الاولوية بقرينة قوله (صلى الله عليه وآله): (فدين الله أحق)، أي أولى بالقضاء، وهو ليس من القياس موضع النزاع في شئ كما مر تحقيقه. وما يقال عن رواية الخثعمية، يقال عن الرواية الثالثة حيث نقح (صلى الله عليه وآله) بسؤاله صغرى لكبري كلية، وهي كلما ينقص لا يجوز بيعه - لو أمكن نسبة الجهل بالموضوعات إليه لتصحيح مثل هذا السؤال منه -، اللهم إلا أن يكون سؤاله هذا من قبيل ما نبه عليه الشاعر: (وكم سائل عن أمره وهو عالم) والرواية الثانية، لا أعرف كيف أقحمت في هذا المجال مع انها صريحة - بحكم ما فيها من استفسار وسؤال لام سلمة - في ورودها لتنبيهها على لزوم ذكر السنة النبوية لامثال هذه السائلة لتأخذ بها، والاخذ بالسنة ليس من القياس في شئ، على أن لسان الرواية يأبى نسبة مضمونها إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فهو أسمى من أن يشهر بشئ يعود إلى شؤونه وعوالمه الخاصة مع نسائه، وحسبه من تبليغ الحكم غير هذه الطريق. استدلالهم بالاجماع: والاجماع المحكي هنا، هو إجماع الصحابة، وقد اعتبره الآمدي (1) أقوى أدلتهم، وكذلك جملة من الاعلام، (قال ابن عقيل الحنبلي وقد


(1) راجع الاحكام، ج 3 ص 81. (*)

[ 345 ]

بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعماله وهو قطعي، وقال الصفي الهندي: دليل الاجماع هو المعول عليه لجماهير المحققين من الاصوليين، وقال الرازي في المحصول: مسلك الاجماع هو الذي عول عليه جمهور الاصوليين (1))، وأمثال هؤلاء في التصريح بأهمية الاستدلال به، كثيرون. وتقريب الاستدلال به هو: (أن الصحابة اتفقوا على استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من احد منهم (2)). وتوجيه اتفاقهم - مع أنه لم ينقل ذلك عنهم تاريخيا - هو أن آحادا منهم، افتوا استنادا إلى القياس، وسكت الباقون فلم ينكروا عليهم، وسكوتهم يكون إجماعا، أو ان بعضهم صرح بالاخذ بالرأي من دون إنكار عليه، ومن ذلك قول أبي بكر في الكلالة: (أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وان يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه (3)). ومنه (حكم أبي بكر بالرأي في التسوية في العطاء، حتى قال له: كيف تجعل من ترك دياره وأمواله وهاجر إلى رسول الله كمن دخل في الاسلام كرها، فقال أبو بكر: إنما أسلموا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ، وحيث انتهت النوبة إلى عمر فرق بينهم (4)) ومنه قول عمر: (أقضي في الجد برأيي، وأقول منه برأيي (5)). وعن ابن مسعود (رض) (سأقول فيها بجهد رأيي، فإن كان صوابا


(1) ارشاد الفحول، ص 203. (2) الاحكام، ج 3 ص 81. (3) روضة الناظر، ص 148، والكلالة ما عدا الوالد والولد. (4 - 5) الاحكام، ج 3 ص 81. (*)

[ 346 ]

فمن الله وحده، وان كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله برئ (1)) ولم يرد في رواية عن أحدهم لفظ الاخذ بالقياس إلا نادرا كقول عمر في رسالته إلى أبي موسى الاشعري: (اعرف الاشباه والامثال وقس الامور (2))، وهي رسالة قال عنها ابن حزم: إنها موضوعة مكذوبة عليه، وراويها عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، وهو ساقط بلا خلاف، وأبوه أسقط منه، أو من هو مثله في السقوط (3)). والنقاش في هذا الاجماع واقع صغرى وكبرى، أما الصغرى فبإنكار وجود مثله عادة لان مثل هذه الروايات - لو تمت دلالتها على القياس - فإنما هي صادرة من أفراد من الصحابة امام أفراد، فكيف اجتمع عليها الباقون منهم، واتفقوا على فحواها ؟ ولعل الكثير منهم لم يكن في المدينة عند صدورها. ومن المعلوم ان ميادين الجهاد والبلدان المفتوحة والثغور وغيرها، أخذت كثيرا من الصحابة ولاة وعمالا وجندا وقادة، فكيف عرف اتفاقهم على هذه المضامين حتى كونوا إجماعا، ومن هو الجامع لكلمتهم، وما يدرينا ان بعضهم سمع بشأن هذه الاحكام وأنكرها ولم يصل الينا ؟ ومجرد عدم العلم بإنكاره لعدم النقل، لا يخلق لنا علما بالعدم، وهو الذي يفيدنا في الاجماع لتصحيح نسبة السكوت إليهم المستلزم للاطلاع وعدم الانكار. وأما المناقشة من حيث الكبرى، فبالمنع من حجية مثل هذا الاجماع، وذلك لامور: 1 - ان السكوت - لو شكل إجماعا - لا يدل على الموافقة على المصدر الذي كان قد اعتمده المفتي أو الحاكم بفتياه أو حكمه وبخاصة


(1 - 2 - 3) المحلى، ج 1 ص 59 وص 61. (*)

[ 347 ]

إذا كان هو نفسه غير جازم بسلامة مصدره كقول أبي بكر السابق: (أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان). وكذلك قول ابن مسعود المتقدم، إذ لو كانا عالمين بسلامة مصدرهما وصحته لقيام الدليل القطعي على حجيته لديهما، لما صح نسبة استنادهما عليه حتى مع الخطأ إلى الشيطان، وأصرح من ذلك ما ذكره عمر في هذا المجال حيث قال: (اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله برأيي أجتهد ولا آلو وذلك يوم ابي جندل والكتاب يكتب، فقال رسول الله: اكتبوا باسم الله الرحمن الرحيم، فقال: تكتب باسمك اللهم، فرضي رسول الله وأبيت، فقال: يا عمر تراني قد رضيت وتأبى (1)). على أن منشأ السكوت قد يكون هو المجاملة أو الخوف أو الجهل بالمصدر، فدفع هذه المحتملات وتعيين الايمان بالمصدر وهو حجية الرأي من بينها، لا يتم إلا بضرب من القياس المستند إلى السبر والتقسيم أو غيره من مسالك العلة، وهو موضع الخلاف، ولا يمكن إثباته بالاجماع للزوم الدور بنفس ما مر من التقريب في نظائره من الادلة السابقة. 2 - ان هذا الاجماع معارض - لو تم - بإجماع مماثل على الخلاف ادعاه بعضهم (2)، ويمكن تقريبه بمثل ما قربوا به ذلك الاجماع من أن الصحابة أنكروا على العاملين بالرأي والقياس أمثال قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه (3). وفي رواية أخرى (لو كان الدين بالقياس لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره (4)). وقول ابن مسعود: (إذا قلتم في


(1) ابن حزم في إبطال القياس، ص 58. (2) المحلى، ج 1 ص 59. (3) المحلى، ج 1 ص 61. (4) الآمدي في الاحكام، ج 3 ص 83. (*)

[ 348 ]

دينكم بالقياس، أحللتم كثيرا مما حرم الله، وحرمتم كثيرا مما حلل الله (1))، وقول ابن عباس (إياكم والمقاييس، فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس (2))، إلى عشرات من أمثالها من الروايات، وهى معروضة في كتاب اعلام الموقعين، وكتاب إبطال القياس، وغيرهما من الكتب التي عنيت بالافاضة في أمثال هذه المواضيع. وسكوت الصحابة بنفس تقريبهم السابق يكون إجماعا على إبطاله. وقد حاول غير واحد من مثبتي القياس ان يوفقوا بين هذه المضامين وسابقاتها بحمل هذا النوع من الروايات النافية (على ما كان من ذلك صادرا عن الجهال، ومن ليس له رتبة الاجتهاد، وما كان مخالفا للنص، وما كان ليس له أصل يشهد بالاعتبار، وما كان على خلاف القواعد الشرعية، وما استعمل من ذلك فيما تعبدنا فيه بالعلم دون الظن جمعا بين النقلين (3)). وهذه الجموع كلها جموع تبرعية، لا تعتمد على ظهور عرفي يقتضيها، وكل جمع لا يقتضيه الظاهر لا يسوغ الرجوع إليه، وإلا لما تعذر جمع بين أمرين مختلفين، فإذا ورد - مثلا - حديث يأمر بوجوب الصلاة وآخر يحرمها، فإن لنا ان نجمع بينهما - على هذا المبنى - بحمل الامر على خصوص الصلاة في الليل، والدليل المحرم على خصوص الصلاة في النهار، أو حمل إحداهما على صلاة الشاب، والاخرى على صلاة الشيخ، وهكذا... والحق أن الجمع بين الادلة - إذا لم يكن له ظاهر من نفس الادلة أو ما يحيط بها من أجواء وملابسات - لا يسوغ الركون إليه.


(1 - 2) الآمدي في الاحكام، ج 3 ص 83. (3) الآمدي في الاحكام، ج 3 ص 85. (*)

[ 349 ]

ومجرد كونها (منقولة عما نقلنا عنهم القول بالرأي والقياس) لا يستدعي هذا النوع من الجموع. والقاعدة تقتضي الحكم بالتساقط عند تحكم المعارضة. ودعوى - (أن الشخص لا يتناقض مع نفسه، فيذهب إلى القياس تارة والى عدمه أخرى) ولازمها المدعى تكذيب الطائفة الثانية من الاحاديث - بعيدة عن تفهم طبيعة الاجتهاد، وما أكثر ما تتبدل آراء المجتهدين فيعدلوا عن فتاوى سبق لهم فيها رأي. وما الذي يمنع من وقوع ذلك من الصحابة مع الايمان بعدم عصمتهم، بل إن مقتضى العدالة ان ينبهوا على أخطائهم بعد تبين وجه الخطأ فيها لئلا يتكرر وقوع خطأ العاملين بها من أتباعهم. على أن بعض هذه الروايات صريحة في تسجيل الخطأ على أنفسهم لعملهم بالرأي كما سبق في رواية عمر (اتهموا الرأي على الدين). ومن تتبع هذه الفتاوي التي يبدو أن أصحابها عملوا فيها بالرأي، يجد الكثير منها جاريا على خلاف النصوص لا ضمن إطارها (1) كما يراد حملها عليه من قبل بعض المؤلفين. ومع إمكان وقوع الاختلاف منهم والتناقض مع أنفسهم لا ملجأ لتكذيب احدى الطائفتين، على أن تكذيب إحداهما ليس بأولى من تكذيب الثانية للزوم الترجيح لا مرجح، وما ذكر من المرجحات لا يصلح لذلك كما سبق بيانه. 3 - ومع الغض عن تحكم المعارضة والاخذ بما ذكروه من الجمع بينها وبين الطائفة الاولى بحمل الثانية على الردع عن القياس الفاسد، فإن


(1) اقرأ كتاب النص والاجتهاد لشرف الدين، والغدير للاميني، ففيهما نماذج كثيرة لذلك. (*)

[ 350 ]

مقتضى هذا الجمع، هو حمل الطائفة الاولى على القياس الصحيح. فإذا شككنا في حجية القياس الظني، فهل نتمكن من إثباته بأحد الاجماعين ؟ وهل ذلك إلا من قبيل إثبات القضية لموضوعها، وهو مما تأباه جميع القضايا الحقيقية كما سبق ذكره أكثر من مرة. 4 - ومع تسليم حجية هذا النوع من الاجماع والتغاضي عن كل ما أورد عليه، إلا ان ما قام عليه الاجماع هو نفس القياس لا مسالكه المظنونة، إذ ليس في هذه الفتاوي ما يشير إلى الاخذ بمسلك من هذه المسالك موضع الخلاف ليصلح للتمسك به على إثباته، والاجماع - كما هو التحقيق فيه - من الادلة اللبية التي يقتصر فيها على القدر المتيقن، إذ لا إطلاق أو عموم لها ليصح التمسك به - لو أمكن - والقدر المتيقن هو خصوص ما كان معلوم العلة منه فلا يصح التجاوز عنه إلى غيره. وهذه المناقشات إنما تحسن وتكون ذات جدوى إذا صح صدور هذه الروايات على اختلافها - في النفي والاثبات - من قبل أصحابها بهذه الالفاظ: (الرأي، القياس) وبما لها من مداليل ومسالك وفق ما حددوها بعد أكثر من قرن. ولقد أنكر كل من الاستاذ سخاو، والدكتور جولد تسيهر، أن يكون القياس بمفهومه المحدد لدى المتأخرين كان مستعملا لدى الصحابة (1)، ورد عليهما الدكتور محمد يوسف موسى بقوله: (حقا ان الرأي في هذه الفترة من فترات تأريخ الفقه الاسلامي، ليس هو القياس الذي عرف فيما بعد في عصر الفقهاء وأصحاب المذاهب الاربعة المشهورة، ولكن الرأي الذي استعمله بعض الصحابة لا يبعد كثيرا عن هذا القياس ان لم يكنه، وان كانوا لم يؤثر عنهم في العلة ومسالكها، وسائر البحوث التي لا بد


(1) تأريخ الفقه الاسلامي، ص 26 (*)

[ 351 ]

منها لاستعمال القياس شئ مما عرفناه في عصر أولئك الفقهاء (1)). وما أدري كيف علم ان الرأي الذي استعملوه لا يبعد عن قياس المتأخرين ان لم يكنه إذا كان لم يؤثر عنهم شئ عن العلة ومسالكها وسائر بحوثها، وإذا صح ما يقوله الدكتور موسى من أنه لم يؤثر عنهم فيها شئ - وهو صحيح - في حدود ما تقتضيه طبيعة زمنهم، وفي حدود ما قرأناه من مأثوراتهم، فكيف يتم لنا الاجماع منهم على حجية السبر والتقسيم وغير السبر والتقسيم من المسالك المظنونة ؟ والذي يبدو من مجموع ما تتبعت من أسانيد بعض الروايات المتعرضة للرأي والقياس على اختلافها في النفي والاثبات، شيوع الضعف والوهن فيها مما يدل على أن الكثير منها كان وليد الصراع الفكري بين مثبتي القياس ونفاته من المتأخرين، وما كانت للقدامى من أبناء صدر الاسلام وبخاصة كبار الصحابة فيها يد تذكر، وليس في هذا ما يمنع من استعمال كلمة رأي وورودها على ألسنتهم، ولكن في حدودها الغامضة غير المفصحة، فالحق - فيما يبدو - هو ما ذكره الاستاذ سخاو وجولد تسيهر في هذا المجال. أدلتهم من العقل: وقد صوروها بصور عدة تعود في أصولها إلى أربعة: أ - ما ذكره خلاف من: (أن الله سبحانه ما شرع حكما إلا لمصلحة، وأن مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الاحكام، فإذا ساوت الواقعة المسكوت عنها الواقعة المنصوص عليها في علة الحكم التي هي مظنة المصلحة، قضت الحكمة والعدالة أن تساويهما في الحكم تحقيقا


(1) تأريخ الفقه الاسلامي لمحمد يوسف موسى، ص 29. (*)

[ 352 ]

للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع، ولا يتفق وعدل الله وحكمته ان يحرم الخمر لاسكارها محافظة على عقول عباده، ويبيح نبيذا آخر فيه خاصية الخمر وهي الاسكار، لان مآل هذا المحافظة على العقول من مسكر وتركها عرضة للذهاب بمسكر (1)). وهذا الدليل إنما يتم - لو فرض له التمام - على خصوص مبنى العدلية في التحسين والتقبيح العقليين، وإلا فأي ملزم للشارع المقدس - بحكم العقل - أن لا يخالف بين الحكمين ما دام لا يؤمن العقل بحسن أو قبح عقليين. ودعوى اتفاق غير العدلية من المسلمين مع العدلية في أن احكامه لا تصدر إلا عن مصلحة أو مفسدة لا تجدي في تتميم حكم العقل ما دام هو لا يلزم بذلك ولا يؤمن به. وموضع المفارقة - في هذا الدليل - حتى على مبنى العدلية - هو ما أخذه في العلة من كونها مظنة المصلحة، فالعقل لا يحكم بالمساواة بين الفرع وأصله في الحكم إذا لم يدرك المساواة بينهما في العلة المحققة للمصلحة لا التي هي مظنة تحقيقها، وما هي علاقة ظنون المجتهدين بأحكام الله الواقعية ليتقيد بها الشارع المقدس في مقامات الجعل والتشريع وبخاصة على مبنى من ينكر التصويب. والحقيقة ان حكم العقل غاية ما يدل عليه، هو حجية أصل القياس لا حجية مسالك علله وطرقها، فمع المساواة في العلة التامة الباعثة على الحكم، لا بد أن يتساوى الحكم أي مع إدراك العقل لمقتضى التكليف وشرائطه، وكل ما يتصل به لا بد ان يحكم بصدور حكمه على وفق ما يقتضيه، لما قلناه من استحالة تخلف المعلول عن العلة التامة، أو لزوم


(1) مصادر التشريع، ص 29. (*)

[ 353 ]

الخلف على اختلاف في معنى العلة سبق عرضه. أما أن يحكم لمجرد ظنه بالعلة وتوفرها في الفرع فهذا ما لا يلزم به العقل أصلا. نعم إذا ظن العقل بوجود العلة فقد ظن بوجود الحكم إلا ان مثل هذا الظن لا دليل على حجيته، ما دامت طريقيته ليست ذاتية، وحجيته ليست عقلية، كما مرت البرهنة على ذلك في بحوث التمهيد تفصيلا. 2 - ما ذكره الشهرستاني من أنا (نعلم قطعا ويقينا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعا انه لم يرد في كل حادثة نص ولا يتصور ذلك ايضا، والنصوص إذا كانت متناهية وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى علم قطعا، ان الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد (1)). وهذا الاستدلال يبتني في تماميته على مقدمتين: الاولى: دعوى تناهي النصوص وعدم تناهي الحوادث. الثانية: دعوى أن ما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى. والدعوى الاولى ليست موضعا لشك ولا شبهة ليطال فيها الكلام، فالنصوص بالوجدان متناهية، والحوادث بالوجدان أيضا غير متناهية. ولكن الكلام في تمامية الدعوى الثانية وهي دعوى أن ما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى. وذلك ان الذي لا يتناهى هي الجزئيات لا المفاهيم الكلية والجزئيات يمكن ضبطها - بواسطة كلياتها - وقضايا الشريعة انما تتعرض للمفاهيم الكلية غالبا، وهي كافية في ضبط جزئيات ما يجد من أحداث وبخاصة


(1) سلم الوصول، ص 295. (*)

[ 354 ]

إذا ضم إليها ما يكتشفه العقل من أحكام الشرع على نحو القطع. وما جعل لها من الطرق والامارات والاصول المؤمنة يغني عن اعتبار القياس بطرقه المظنونة كضرورة عقلية، لا بد من اللجوء إليها وهي وافية بحاجات الناس على اختلاف عصورهم وبيئاتهم. على أن حكم العقل هذا - لو تم - فهو لا يشير ولا يعين القياس المظنون فكيف يكون حجة فيه، لان تعيينه أو غيره مما يحتاج إلى مقدمات أخرى وهي مفقودة في الدليل، وستأتي الاشارة إليها في دليل الانسداد. 3 - قولهم: (ان القياس دليل تؤيده الفطرة السليمة والمنطق الصحيح، ويبني عليه العقلاء أحكامهم، فمن نهي عن شراب لانه سام يقيس بهذا الشراب كل سام، ومن حرم عليه تصرف لان فيه اعتداء وظلما لغيره، يقيس بهذا كل تصرف فيه اعتداء وظلم لغيره، ولا يعرف بين الناس اختلاف في أن ما جرى على أحد المثلين يجري على الآخر، وان التفريق بين المتساويين في أساسه ظلم (1)). وهذا الدليل - بعد الغض عما فيه من الخلط بين الفطرة السليمة وحكم العقل وبناء العقلاء ولكل منها منبع يستقى منه وهو يختلف عن البقية - انه لا يتعرض إلى أكثر من حجية أصل القياس لا طرقه المظنونة، وحجية أصل القياس لا تقبل المناقشة كما سبق الحديث في ذلك. ومن الواضح انه لا تلازم بين حرمة شئ وحرمة ما ظن وجود علتها فيه، وان لم تكن موجودة واقعا لان الظن بالعلية لا يسري إلى الواقع فيغيره عما هو عليه. 4 - ما ذكر من ان حكم العقل بحجية مطلق الظن المبتني على


(1) مصادر التشريع، ص 29. (*)

[ 355 ]

مقدمات الدليل المعروف بين العلماء بدليل الانسداد الكبير شامل - بعد تماميته - لجميع الظنون بما فيها الظنون القياسية. وتقريبه يقتضي التعرض لهذه المقدمات، وقد بلغ بها صاحب كفاية الاصول إلى خمسة (1) وهي: 1 - علمنا إجمالا بتوجه تكاليف من الشارع لنا. 2 - انسداد باب العلم التفصيلي بالكثير منها وكذلك انسداد باب العلمي، أي الطرق والامارات المجعولة من قبل الشارع عليها، والتي تثبت حجيتها أو طريقيتها بأدلة قطعية. 3 - القطع بعدم تسامح الشارع عنها على نحو يسوغ اهمالها وعدم امتثالها. 4 - عدم وجوب الاحتياط في أطراف العلم للزوم العسر والحرج أو عدم جوازه كما إذا لزم منه اختلال النظام وربما كان غير ممكن أصلا كما في دوران الامر بين المحذورين، ومع عدم جعل الاحتياط لا يسوغ العقل الرجوع إلى الاصول في أطرافه لمنافاتها لمقتضى العلم، كما لا يسوغ العقل الالتجاء إلى التقليد، لان مبنى التقليد قائم على رجوع الجاهل إلى العالم، ومع اعتقاد المكلف بانسداد باب العلم والعلمي لا يرى غيره عالما ليسوغ لنفسه الرجوع إليه وتقليده. 5 - امتناع ترجيح المرجوح على الراجح، وبما ان الظن في الحكم في بعض الاطراف أرجح من الشك أو الوهم، فإنه يتعين بحكم العقل الرجوع إليه واعتباره حجة سواء كان منشؤه القياس أم غيره، واستثناء القياس من الحجية يلزم منه تخصيص الحكم العقلي، والاحكام العقلية لا تقبل التخصيص. وهذا الدليل من أمتن الادلة نسبيا وأقربها إلى الفن لو تمت جميع مقدماته.


(1) راجعها في حقائق الاصول، ج 2 ص 156 (متن). (*)

[ 356 ]

ولكن الاشكال في تمامية بعض هذه المقدمات وبخاصة ما يتصل منها بالمقدمة الثانية من دعوى انسداد باب العلم والعلمي، فقد مر لدينا قيام الادلة القطعية على حجية كثير من الامارات، بالاضافة إلى الادلة الموجبة للقطع بالحكم الشرعي، فباب العلم والعلمي اذن غير منسد لنلجأ إلى التعويض بمطلق الظنون، وإذا انهارت واحدة من المقدمات فقد انهار الدليل على نفسه من الاساس وانحل العلم الاجمالي بما قام عليه العلم والعلمي وأمكن الرجوع في الاطراف المشكوكة إلى الاصول، وبهذا المقدار نكتفي عن مناقشة بقية المقدمات. واعتقادي شخصيا أنه ليس بين المسلمين اليوم من يذهب إلى انسداد باب العلم والعلمي عليه وان كان فيهم من يسد على نفسه أبواب الاجتهاد. على ان هذا الدليل لا يلزم نفاة القياس ابتداء، لان حكم العقل لو تمت جميع المقدمات - لا يكون متناولا للظنون القياسية - وعلى الاخص بعد افتراض قيام الادلة القطعية على عدم جواز العمل به لديهم، أمثال روايات أهل البيت (عليهم السلام) الرادعة عنه وهي متواترة. إذ مع قيام الردع القطعي عنه كيف يمكن للعقل ان يعتبره حجة يمكن الركون إليها في مقام الاحتجاج به على المولى عند المخالفة مع اصرار المولى على عدم اعتباره حجة بأدلة الردع. وما يقال من ان حكم العقل لا يقبل التخصيص صحيح جدا، إلا أنه أجنبي عن موردنا هذا، لان خروج القياس الظني عن حكم العقل هنا ليس من قبيل التخصيص، وانما هو من قبيل التخصص، إذ من الواضح ان هذا النوع من الاحكام العقلية مأخوذ في موضوعه عدم قيام الحجة على المنع عنه، أي عدم انفتاح باب العلم أو العلمي في جميع المسائل، ومع انفتاحه في مسألة ما، فلا حكم للعقل بحجية الظنون، في تلكم المسألة بداهة، والمفروض

[ 357 ]

هنا ان باب العلم بالردع عن القياس مفتوح، أي ان القياس معلوم عدم حجيته، ومع هذا الفرض فلا تتم مقدمات دليل الانسداد بالنسبة إليه ولا يكون مشمولا لنتيجتها بداهة ليقال: كيف يمكن تخصيص الحكم العقلي. ولقد ذكرت محاولات كثيرة للتوفيق بين ما دل على الردع عنه من الروايات وبين نتائج دليل الانسداد - لو تم - وهي معروضة في رسائل الشيخ الانصاري (1)، وحقائق الاصول للامام الحكيم (2)، وغيرهما من الكتب المعنية بأمثال هذه المواضيع. على ان هذه المقدمات لا ملزم فيها لجعل الحجية لمطلق الظنون، وغاية ما تقتضيه هو التبعيض في الاحتياط حتى في الموهومات بمقدار لا يلزم منه اختلال النظام أو العسر والحرج (3). خلاصة البحث: والخلاصة ان جميع ما ذكره مثبتو القياس من الادلة لا تنهض باثبات الحجية له، فنبقى نحن والشك في حجيته، والشك في الحجية كاف للقطع بعدمها. فلا نرى بعد هذا حاجة إلى عرض أدلة نفاة القياس ومناقشتها. وهذه الادلة التي عرضوها - وهي مستوعبة للادلة الاربعة كتابا وسنة وإجماعا وحكم عقل - لا يخلو أكثرها من مناقشة، اللهم إلا إذا استثنينا ما تواتر عن أهل البيت (عليهم السلام) من الردع عنه وعدم الاخذ به، فإنه واف باثبات نفي الحجية عنه. وتمام رأينا في القياس ان القياس يختلف باختلاف مسالكه وطرقه، فما


(1) ص 255 منها. (2) ج 2 ص 198 وما بعدها. (3) اقرأ تحقيق استاذنا الخوئي في ذلك في الدراسات، ص 136 وما بعدها. (*)

[ 358 ]

كان مسلكه قطعيا أخذ به، وما كان غير قطعي لا دليل على حجيته. وأظن ان في مقياس الحجية الذي صار بأيدينا ما يغني عن التعرض لبقية تقسيماته وشرائطه، إذ لا جدوى من عرضها وإطالة الحديث فيها، وليست لها أية ثمرة عملية تترتب على ذلك.

[ 359 ]

الباب الاول القسم السادس الاستحسان تحديد الاستحسان، حجيته ومناشئ الخلاف فيها، الاستحسان وأقوى الدليلين، الاختلاف في الادلة اللفظية: التزاحم، مرجحات باب التزاحم، التعارض وأقسامه، مرجحات باب التعارض: موافقة الكتاب ومخالفته، مخالفة وموافقة العامة، الاختلاف في الادلة غير اللفظية، الاختلاف بين الادلة اللفظية وغيرها، الاستحسان والعرف، الاستحسان والمصلحة، الاستحسان وبعض الحالات النفسية، الحجية وأدلتها.

[ 361 ]

تحديد الاستحسان: الاستحسان في اللغة هو (عد الشئ حسنا سواء كان الشئ من الامور الحسية أو المعنوية (1)). ولكن تحديده لدى الاصوليين مختلف فيه جدا، وأكثر تعاريفهم التي ذكروها أبعد ما تكون عن فن التعريف وهي أقرب - إلى تسجيعات الادباء التي كان يراعى فيها إخضاع المعنى للمحسنات البديعية - منها إلى تحديدات المنطقيين، واليكم نماذج مما ذكره السرخسي في مبسوطه من التعاريف، يقول: 1 - الاستحسان ترك القياس والاخذ بما هو أوفق للناس. 2 - الاستحسان طلب السهولة في الاحكام فيما يبتلى به الخاص والعام. 3 - الاستحسان الاخذ بالسعة وابتغاء الدعة. 4 - الاستحسان الاخذ بالسماحة وانتقاء ما فيه الراحة (2). وقريب منها في البعد عن الفن ما نسب إلى المالكية من انه (الالتفات إلى المصلحة والعدل (3)). ومثل هذه التعاريف لا تستحق أن يطال فيها الكلام لعدم انتهائها إلى أمور محددة يمكن إخضاعها للحديث عن الحجية وعدمها. والذي يقتضي الوقوف عنده من تعاريفها التي تكاد تكون منطقية من حيث كونها ذات مفاهيم محددة ما ذكره كل من:


(1) سلم الوصول، ص 296. (2) محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء للخفيف، ص 236 وقد نقل هذه التعاريف عن المبسوط. (3) فلسفة التشريع في الاسلام، ص 174. (*)

[ 362 ]

1 - البزدوي من الاحناف من أنه (العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه أو هو تخصيص قياس بدليل أقوى منه (1)). 2 - الشاطبي من المالكية من أنه: (العمل بأقوى الدليلين (2)). 3 - الطوفي من الحنابلة في مختصره من أنه: (العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص (3)). وقد ذكر له ابن قدامة معاني ثلاثة: (أحدها: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة). ثانيها: (ما يستحسنه المجتهد بعقله). ثالثها: (دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه (4)). وهذه التعريفات يختلف حالها من حيث التعميم والتخصيص، فبعضها تخصصه بتقديم قياس على قياس، وبعضها تجعله عاما إلى تقديم مختلف الادلة بعضها على بعض، وبعضها الثالث لا يتعرض إلى عالم تقديم الادلة أصلا بل يأخذ به لمجرد الاستحسان والانقداحات النفسية وان لم تعرف حدود هذا الاستحسان أو الانقداح الذي لا يقدر على التعبير عنه. وقد حاول بعضهم إرجاع هذه المفاهيم بعضها إلى بعض أي إرجاع الخاص منها إلى العام، إلا ان هذه المحاولة غير ذات جدوى لاحتمال تقيد أصحابها في مجال الحجية بحدود ما عرضوه لها من مفاهيم بالاضافة إلى ان بعضها غير ناظر إلى عالم تقديم دليل على دليل لينتظم في هذا السلك من الادلة العامة. فالانسب توزيعها في مجالات التماس الحجية لها على ما أريد لها من تحديدات.


(1 - 2 - 3 - 4) مصادر التشريع، ص 58. (*)

[ 363 ]

والذي يلاحظ - بادئ ذي بدأ - ان هذه التعاريف ليس فيها ما يدعو إلى جعل الاستحسان دليلا له استقلاله الذاتي في مقابل بقية الادلة، إذ أن قسما منها يمكن إرجاعه إلى الكتاب والسنة، وقسما منها إلى القياس، وثالثا إلى حكم العقل، ورابعا إلى المصالح المرسلة - لو صح أنها من الادلة المستقلة وسيتضح الحال فيها -، فلا وجه - فيما يبدو - لعده من الادلة المستقلة في عرضها. حجيته ومناشئ الخلاف فيها: وقد اختلفوا في حجيته وعدمها على قولين يتضمن أحدهما نفي الحجية وقد تبناه الشافعي وأرسل كلمته المعروفة فيه (من استحسن فقد شرع (1)). ويتضمن الثاني إثبات الحجية له وإضفاء الاهمية الواسعة عليه، وقد تبناه مالك، وأرسل فيه قوله المعروف: (الاستحسان تسعة أعشار العلم (2)). والمعروف عن الشيعة والظاهرية أنهم من النفاة. وتحقيق الحال في صحة النسبة وعدمها وبيان مناشئ الخلاف فيه، يقتضينا ان نعود إلى تلكم التعاريف، ونلقي بعض الاضواء عليها. ولعلنا نعود من نتائج الحديث ببعض الثمرات التي تعود في واقعها إلى تضييق شقة الخلاف وإزالة أكثر معالمها من بين الاعلام. وملخص ما يمكن ان يقال ان تلكم التعاريف مختلفة جدا، وربما عادت في أصولها إلى أربعة، يصعب التقاؤها في قدر جامع، وتصور القدر الجامع لها لا يخلو من تعسف، فلا بد من استعراضها جميعا.


(1) فلسفة التشريع الاسلامي، ص 174. (2) المدخل إلى الفقه الاسلامي، ص 257. (*)

[ 364 ]

وتفصيل الحديث فيها بما يتسع له صدر هذه المحاضرات وتشخيص مواقع الحجة منها من غيرها. وهذه الاصول هي: 1 - الاستحسان وأقوى الدليلين: ونريد به ما أخذ في بعض التعاريف من العمل أو الاخذ بأقوى الدليلين، وهذا التعريف بعمومه شامل لما كان فيه الدليلان لفظيين أو غير لفظيين، أو أحدهما لفظيا والآخر غير لفظي، فالمسائل التي تنتظم في هذا القسم اذن ثلاث: 1 - ما كان الدليلان فيه لفظيين. 2 - ما كانا فيه غير لفظيين - على تفصيل فيها. 3 - ما كان أحدهما لفظيا والآخر غير لفظي. 1 - الاختلاف في الادلة اللفظية: والاختلاف بين الدليلين اللفظيين قد تكون له مناشئ أهمها: أ - التزاحم: ويراد بالتزاحم هنا صدور حكمين من الشارع المقدس وتنافيهما في مقام الامتثال اتفاقا، إما لعدم القدرة على الجمع بينهما كما هو الغالب في باب التزاحم، أو لقيام الدليل من الخارج على عدم إرادة الجمع بينهما، وفي مثل هذا الحال لا بد من الرجوع إلى: مرجحات باب التزاحم: وقد عرضت في كتب الشيعة الامامية في الاصول بتفصيل واسع نشير

[ 365 ]

إلى أهم خطوطه وهي: 1 - تقديم الحكم المضيق على الحكم الموسع إذا كان في التكليفين مضيق وموسع، ومثاله ما لو تزاحم الامر بالصلاة وكانت في أول أوقاتها مع الامر بازالة نجاسة ما عن المسجد الحرام، وكانت الاولى موسعة. 2 - تقديم ما ليس له البدل على ما كان له بدل كما لو تزاحم الامر بانقاذ نفس محترمة، كاد ان يودي بها الظمأ، والامر بالوضوء مع فرض وجود ماء لا يتسع لهما معا، وبما أن الوضوء له بدل وهو التيمم وانقاذ النفس لا بدل له، فلا بد من تقديم الانقاذ. 3 - تقديم ما كان أمره معينا على ما كان مخيرا، كتقديم الوفاء بالنذر على الكفارة، فيما لو نذر عتق رقبة مؤمنة، وتحقق نذره وكان لديه رقبة واحدة، وهو مطالب بعتقها للنذر ومطالب من ناحية أخرى بعتقها للكفارة، إفطار عمدي في شهر رمضان باعتبارها احدى خصال الكفارة، وحيث يمكن تعويضها بالخصال الاخرى في الكفارة، فلا بد من عتقها للوفاء بالنذر. 4 - تقديم ما كان مشروطا بالقدرة العقلية، على ما كان مشروطا بالقدرة الشرعية كتقديم الامر بوفاء الدين على الامر بالحج لاخذ الاستطاعة فيه شرطا بلسان الدليل، والقدرة إن اخذت بلسان الدليل سميت شرعية، لان أخذها بلسانه يكشف عن مدخليتها في الملاك، وان لم تؤخذ بلسانه سميت عقلية. والدليل الذي لا يأخذ القدرة بلسانه، يكشف عن وجود ملاكه حتى مع عدهما، وتكون القدرة بالنسبة له دخيلة في تحقق الامتثال لا في أصل الملاك، ولهذا قدم ما كان مشروطا بالقدرة العقلية على ما كان مشروطا بالقدرة الشرعية لتوفر ملاكه.

[ 366 ]

5 - تقديم ما كان أهم منهما على غيره، ومقياس الاهمية احساس المجتهد بان أحد الدليلين أهم في نظر الشارع من غيره كتقديم الصلاة التي لا تترك بحال بآخر مراتبها على أي واجب آخر. 6 - تقديم أسبقهما في زمان امتثاله مع تساويهما من حيث الاهمية كتقديم صلاة الظهر على صلاة العصر فيما لو انحصرت قدرته على الاداء في الاتيان بإحدى الصلاتين مثلا. والانسب - فيما أخال - هو حصر المقياس في التقديم بالمرجحين الاخيرين والمرجحات الاخرى مما ذكر، أو يمكن ان تذكر، لا يزيد ما يتم منها على كونه منقحا لصغريات إدراك العقل للاهمية في أحد الامرين ذاتا أو عرضا. إذ أن إدراك الانسان للاهمية في تقديم أحدهما قد يكون منشؤه المحافظة على التكليفين معا، كاختياره المضيق وتقديمه على الموسع، أو اختياره المعين وتقديمه على المخير، أو تقديمه لما ليس له البدل على ما له البدل، وقد يكون المنشأ غير ذلك. والمقياس - كما سبق ان ذكرنا - هو إدراكه لاهمية أحد التكليفين وترجيحه على الآخر. ومع هذا الادراك، فتقديم الاهم في باب تزاحم الادلة اللفظية، لا يعدو كونه من قبيل تعيين الحجة الفعلية من بينها، إذ لا نحتمل في حق الشارع المقدس ان يلزمنا بالمهم ويرفع اليد عن التكليف بالاهم، لاستحالة ترجيحه للمرجوح على الراجح، ومع استحالة امتثالهما - كما هو الفرض - فإنه يتعين ان يكون المرتفع هو التكليف بالمهم. هذا إذا كان هناك أهم ومهم، أما إذا تساويا فإن كان أحدهما أقدم زمانا من حيث ظرف الامتثال، قدم الاقدم - بحكم العقل -

[ 367 ]

وإلا فان المكلف مخير في امتثال أيهما شاء. ب - التعارض وأقسامه: وقد يكون منشأ الاختلاف بين الادلة اللفظية هو التعارض، وأمره يختلف باختلاف صور المسألة فقد يكون بدويا يزول بأدنى ملاحظة، وينتظم في هذا القسم: أ - تعارض العام والخاص كنهي الشارع عن بيع كل معدوم، وترخيصه به في السلم حيث التزموا بتقديم الخاص على العام وتخصيص العام به. ولقد سبق أن قلنا: ان هذا النوع من التقديم مما يقتضيه الجمع العرفي المقتضى للاخذ بالدليلين معا مع تضييق لاحدهما عما هو ظاهر فيه. ومنشأ التقديم لدى بعض أساتذتنا هو حكومة النص على الظاهر فيما لو كان الخاص نصا في مدلوله، أو الاظهر على الظاهر فيما إذا لم يكن نصا فيه لبداهة أن ظهور الخاص في مدلوله أكثر من ظهور العام في مدلول الخاص، فيكون بمنزلة القرينة على المراد منه، وهي حاكمة بلسان شرح المراد من ذيها عليه، ولكن هذا الشرح ليس مما يقتضيه لسانه لو خلي وطبعه لينتظم في مبحث الحكومة في حدود ما شرحناها في بحوث التمهيد، وانما اقتضته طبيعة الجمع بين الادلة وإيضاح بعضها ببعض. ب - ان يكون بين الدليلين حاكم ومحكوم، وقد سبق بيان السر في تقديم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم (1). ج - أن يكون فيهما ناسخ ومنسوخ، وقد تقدم الحديث حول مفهوم


(1) ص 88 من هذا الكتاب. (*)

[ 368 ]

النسخ وسر التقديم فيه في (مبحث السنة). هذا كله في التعارض البدوي الذي يعود إلى المضامين، بعد المفروغية عن صدور الدليلين من الشارع المقدس، أما التعارض المستحكم الذي لا يزول بأدنى ملاحظة ولا يرى العرف طريقا للجمع بين مضامين ما تحقق فيه، كما في المتباينين أو العامين من وجه فالمرجع فيه. مرجحات باب التعارض: وقد عرضت لها صحيحة وردت عن الامام الصادق (عليه السلام): (إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه، فإن لم تجدوه في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه (1))، وهذه الرواية عرضت للمرجحات المضمونية وهي لا تفترض عادة، إلا بعد تساوي الروايتين المتعارضتين من حيث السند وليس في إحداهما ما يوجب الاطمئنان بالصدور، وقد ذكرت روايات غيرها الترجيح بالاعدلية والافقهية والاصدقية من صفات الراوي، وهي مناقشة سندا ودلالة وليس هنا موضع تفصيلها (2). ومن هذه الصحيحة ندرك أن الترجيح المضموني لا يتجاوز: 1 - موافقة الكتاب ومخالفته. 2 - موافقة العامة ومخالفتها. موافقة الكتاب ومخالفته: ويراد بموافقة الكتاب ان يكون الحكم داخلا ضمن إطار أحكامه


(1) مصباح الاصول، ص 415. (2) راجع مصباح الاصول، ص 414. (*)

[ 369 ]

العامة أو الخاصة، وبالمخالفة ان يصادمها على نحو التباين أو العموم والخصوص من وجه، أي في المواضع التي لا يمكن فيها الجمع العرفي أصلا، والسر في إسقاط الرواية عند المخالفة هو ما سبق أن أشرنا إليه من أن النسخ لا يثبت بأخبار الآحاد، والاخبار المتعارضة تعطي في نتائجها ما تعطيه أخبار الآحاد من حيث عدم القطع بها سندا أو مضمونا، والنسخ لا يكون إلا بقاطع. ومن تقديم هذا المرجح على موافقة العامة وجعل المرجح الثاني في طوله، ندرك ان موافقة الكتاب وعدم مخالفته هي المقياس الاول، كانت هناك موافقة للعامة أو مخالفة لها، فالحديث الموافق للكتاب أو غير المخالف يؤخذ به على كل حال وافق العامة أم لم يوافقها، والحديث المخالف للكتاب يطرح سواء وافق العامة أم خالفها. مخالفة وموافقة العامة: والمراد بالعامة هنا أولئك الرعاع وقادتهم من الفقهاء الذين كانوا يسيرون بركاب الحكام ويبررون لهم جملة تصرفاتهم بما يضعون لهم من حديث حتى انتشر الوضع على عهدهم انتشارا فظيعا صحح لمثل يحيى بن سعيد القطان ان يقول: (لو لم أرو إلا عمن أرضى ما رويت إلا عن خمسة (1)) وليحيى بن معين قوله: (كتبنا عن الكذابين وسجرنا به التنور وأخرجنا خبزا نضيجا (2)) إلى غيرها من آراء وأقوال أرباب الجرح والتعديل. وليس المراد بالعامة في الصحيحة وأمثالها أولئك الائمة الذين عرفوا بعد حين بأئمة المذاهب الاربعة وأتباعهم، لان هؤلاء الائمة ما كان بعضهم


(1 - 2) الغدير، ج 5 ص 291. (*)

[ 370 ]

على عهد الامام الصادق (عليه السلام) كالشافعي، وابن حنبل، والذين كانوا على عهده ما كان لهم ذلك الشأن، بحيث يكونون رأيا عاما ليصح إطلاق لفظ العامة عليهم وعلى أتباعهم. وعامة الناس من السنة لم تجمع كلمتهم عليهم - بواسطة السلطة - إلا في عصور متأخرة جدا عن عصر الامام الصادق (عليه السلام) حيث أبطل (الظاهر بيبرس البندقداري) غيرها من المذاهب في مصر وقصرها عليها (1) ومنه انتشرت في بقية الامصار. وعلى هذا فان كلمة الامام الصادق (عليه السلام) لم توجه إلا إلى أولئك الكذابين من أذناب الحكام فقهاء ومحدثين ممن يستسيغون الكذب والدس مراعاة لعواطفهم وميولهم السياسية وغيرها. ووجود حديثين لا تعرض للكتاب لمضمونهما أحدهما موافق للعامة وهم ممن يستسيغون الكذب على المعصوم، والآخر مخالف لهم لا بد وان يكون الموافق هو الذي يستحق وضع علامات الاستفهام عليه. على ان الامام ربما صدرت عنه فتاوى توافق ما انتشر عند العامة، ومبعثها على الاكثر ان الامام كان يجيب السائل على وفق ما يدين به، فيقول له: انهم يرون في العراق كذا وفي الحجاز كذا، ونقول نحن كذا، وللسائل ان يختار ما يدين به وربما نقل السائل ما يختاره عن الامام كفتوى له، بينما تكون فتوى الامام - ان صح تسميتها فتوى - على خلافها فتتكون لدى الآخرين فتويان متعاكستان عنه، وبهذا صح جعل المقياس من قبله بأن ما وافق العامة مما نقل عنه هو الذي يجب طرحه عند المعارضة. والخلاصة ان مرجحات باب التعارض - من وجهة مضمونية هي: موافقة


(1) دراسات في الفلسفة الاسلامية للتفتازاني الغنيمي، ص 122. (*)

[ 371 ]

الكتاب أولا - سواء وافقت هذه الروايات ما عند العامة أم خالفتها ومخالفة العامة ثانيا. وإذا لم تتوفر هذه المرجحات كلا أو بعضا فالمرجع التساقط كما هو مقتضى القاعدة لدوران الامر بين الحجة واللاحجة فيهما أو التخيير على قول، ولم نعرف من الفقهاء من عمل به، ورواياته ليست وافية الدلالة كما ذهب إلى ذلك بعض أساتذتنا. هذا كله في الاختلاف في الادلة اللفظية. الاختلاف في الادلة غير اللفظية: والامر فيها مختلف، فان كان الدليلان في رتبتين كما هو الشأن في الاستصحاب وأصل البراءة قدم السابق رتبة واعتبر أقوى من لاحقه - ان صح هذا التعبير - وان كانا في رتبة واحدة وكان أحدهما أقوى من الآخر كما هو الشأن في التماس علل الاحكام في القياس إذا كانت مستنبطة قدم القياس ذو العلة الاقوى بناء على حجية أصل القياس، وقد قصر تعريف الاستحسان في بعض الالسنة على تقديم قياس أقوى على قياس، ولكن عده - لو صح التعريف - أصلا في مقابل القياس لا يتضح له وجه إذ تعيين أقوى القياسين لا يعدو عن تشخيص القياس الحجة منهما فما الموجب لعده في عرضه ؟ ومع تساوي الادلة غير اللفظية في الرتبة وتعارضها، تتساقط حتما ويرجع إلى الادلة اللاحقة لها في الرتبة، وهكذا... الاختلاف بين الادلة اللفظية وغيرها: وفي هذا الحال، لا بد من تقديم الدليل اللفظي وما هو برتبته على

[ 372 ]

غيره من الادلة لما سبق من بيان حكومته على غيرها من الاصول، ما لم يكن بعض هذه الاصول مزيلا لموضوعها، كما هو الشأن في الاستصحابات الموضوعية بالنسبة إلى بعض الادلة اللفظية. 2 - الاستحسان والعرف: وينتظم فيه ما أخذ في الاستحسان من رجوعه إلى العرف كالاستحسان في عقد الاستصناع (وهو عقد على معدوم وصح استحسانا لاخذ العرف به)، وهذا النوع من الاستحسان من صغريات مسألة (العرف) وحجيته، وسيأتي أنه لا يكون حجة ودليلا إلا إذا وصل الحكم الذي يقوم عليه إلى زمن المعصومين وأقر من قبلهم، وعندها يكون إقرار المعصوم هو الدليل لا الاستحسان العرفي وإقرار المعصوم من السنة كما مر. الاستحسان والمصلحة: ويدخل ضمن هذا النوع ما يرجع منه إلى إدراك العقل لمصلحة توجب جعل حكم من الشارع له على وفقها، وهذا ما يرجع إلى (الاستصلاح) وسيأتي الحديث عنه في مبحث (المصالح المرسلة) وتشخيص ما يصلح للحجية منه وعده في مقابله لا وجه له، وسيأتي ارجاع المصالح المرسلة إلى صغريات حجية العقل وانها ليست من الاصول القائمة بذاتها. 4 - الاستحسان وبعض الحالات النفسية: وينتظم فيه من تعاريف الاستحسان أمثال قولهم: (دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه). ومثل هذا النوع من الاستحسان لا يمكن عده من مصادر التشريع لكونه عرضة لتحكم الاهواء فيه بسبب من عدم ذكر الضوابط له، حتى

[ 373 ]

في أنفس المستحسنين، كما هو الفرض، على أنه لا دليل عليه اللهم إلا أن يدعي بعض اصحابه حصول القطع منه أحيانا، وربما كانت وجهة نظر القائلين (بالذوق الفقهي)، تلتقي هذا النوع من الاستحسان، إلا أن حجيته مقصورة على مدعي القطع به من الفقهاء ومقلديهم خاصة، وهي ليست من القواعد المحددة ليمكن أن تكون أصلا قائما برأسه كسائر الاصول، وما ذكر له من الادلة لا يصلح لاثبات ذلك فلا بد من استعراضها جميعا ومناقشتها. حجيته: وقد استدلوا على حجية الاستحسان بعدة أدلة، بعضها من الكتاب وبعضها الآخر من السنة والثالث الاجماع. أدلتهم من الكتاب: وأهمها: 1 - قوله تعالى (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه (1)). 2 - قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربكم (2)). بتقريب انه تعالى مدحهم على اتباع أحسن ما يستمعونه من القول في الآية الاولى، وألزمهم باتباع أحسن ما أنزل إليهم من ربهم في الآية الثانية، والمدح والالزام إمارة جعل الحجية له. ويرد على الاستدلال بهاتين الآيتين ونظائرهما: 1 - ان هذه الآيات استعملت لفظة (الاحسن) في مفهومه اللغوي، وهو أجنبي عما ذكروه لها من المعاني الاصطلاحية، ولو سلم فعلى أيها ينزل ليصلح للدليلية عليه، مع أنها متباينة وليس بينها قدر جامع، بل لا يمكن تصوره إلا بضرب من التعسف كما سبقت الاشارة إليه، وحمله على بعضها


(1) الزمر / 18. (2) الزمر / 55. (*)

[ 374 ]

دون بعض مصادرة واضحة. نعم القائلون بأن الاستحسان هو الاخذ بأقوى الدليلين يمكنهم التمسك بهذه الآيات. 2 - ان الآية الاولى وان مدحت هؤلاء المستمعين على اتباع أحسن الاقوال، إلا أنها افترضت ان هناك أقوالا بعضها أحسن من بعض وترجيح بعض الاقوال على بعض إذا كانت صادرة من شارع، نظرا لاهميتها - كما هو مقتضى التعبير عنها بكونها أحسن - انما هو من شؤون الكتاب والسنة. وقد سبق ان قلنا ان ترجيح دليل لفظي على دليل عند المزاحمة أو المعارضة، يعود في واقعه إلى تعيين الحجة الفعلية من بين الاقوال، فهو راجع إليها، فعد الاستحسان دليلا في مقابلها - بأمثال هذه الآيات لا يتضح وجهه، ومن الواضح ان الاخذ بأقوى الدليلين لا يتعدى الاخذ بأحدهما فهو ليس دليلا في مقابلهما. وما يقال عن هذه الآية، يقال عن الآية الاخرى مضافا إلى أنها اعتبرت اتباع الاحسن في خصوص ما أنزل عليهم، لان الاحسن بعض ما أنزل - بحكم إضافته إلى ما - فإثبات ان الاستحسان مما أنزل أو مما لم ينزل، لا يرجع تعيينه إلى هذه الآية لبداهة ان القضية لا تثبت موضوعها. 3 - ان الآيتين أجنبيتان عن عوالم جعل الحجية للاستحسان أو غيره لانهما غير واردتين لبيان هذه الجهة، ولذا لو بدلت لفظة الاحسن بلفظة أنهم يعملون بالاستحسان في مجالات الاستنباط لا يستقيم المعنى بحال. أدلتهم من السنة: وقد استدلوا منها بما روي عن عبد الله بن مسعود من أنه قال:

[ 375 ]

(ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن (1)) ويرد على الاستدلال بها: 1 - انها موقوفة على ابن مسعود ولم يروها أحد عنه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2)، وربما كانت كلاما له لا حديثا عن النبي (صلى الله عليه وآله) ومع هذا الاحتمال لا تصلح للدليلية أصلا. 2 - اطلاق لفظ الحسن على الاستحسان بالمعنى المصطلح في هذه الرواية لا دليل عليه لكون الاستحسان من المعاني المستحدثة لدى المتأخرين، فكيف يصح نسبة مضمونها إلى ابن مسعود ؟ ومع الغض عن ذلك فأي معاني الاستحسان التي عرضناها ينطبق عليه هذا التعبير، وهل يتسع لها جميعا وهي متباينة، كما سبق شرحه، وليس حمله على بعضها بأولى من حمله على الآخر ؟. والظاهر أن هذه الرواية - لو صح ورودها عن النبي (صلى الله عليه وآله) - فإنما هي لتأكيد قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، أي ما أطبق العقلاء على حسنه فهو عند الله حسن، وهذا إنما يتم إذا أردنا من لفظة المسلمين المسلمين - بما أنهم عقلاء -. وأما إذا اعتبرنا خصوصية لهذه اللفظة (المسلمين) فهي تصلح ان تكون من أدلة الاجماع بعد حملها على العموم المجموعي. ومن الواضح أن العموم الاستغراقي لا يمكن ان يراد منها، وإلا لاوقعتنا بألف مفارقة لانهائها إلى أن استحسان أي مسلم، ولو كان عاميا، لا يحسن اقامة الرأي يكون تشريعا وكاشفا عن الحكم الواقعي (فهو عند الله حسن) مع ما في ذلك من فوضى لا حد لها. الاجماع: وذلك بدعوى إجماع الامة باستحسانهم دخول الحمام وشرب الماء من


(1) إبطال القياس والرأي، ص 50. (2) إبطال القياس، ص 50 (هامش). (*)

[ 376 ]

أيدي السقائين، من غير تقدير لزمان المكث وتقدير الماء والاجرة. ولكن هذا الاجماع - لو صح وجود مثله - فهو قائم على هذه الاحكام بالخصوص لا على استحسانها، فضلا عن قيامها على كل استحسان ولا أقل من اقتصاره على هذه الموارد بحكم كونه من الادلة اللبية التي يقتصر فيها على القدر المتيقن. والظاهر أن مثل هذا الاجماع لا أساس له، وإنما قامت السيرة على هذه الاحكام، وهي مستمرة على (جريان ذلك إلى زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ومع علمه به وتقريره لهم عليه (1)). والذي أتصوره أن أصلا هذه، حججه وأدلته، لا يستحق ان يعطى له أهمية كالتي أعطاها له مالك حين قال: (الاستحسان تسعة أعشار العلم) اللهم إلا ان يريد به معناه السليم من تقديم دليل على دليل. نفاة الاستحسان وأدلتهم: أما نفاة الاستحسان فأظهرهم الشافعي، وقد علل وجهة نظره بقوله: (أفرأيت إذا قال المفتي في النازلة ليس فيها نص خبر ولا قياس، وقال استحسن فلا بد أن يزعم أن جائزا لغيره ان يستحسن خلافه فيقول كل: حاكم في بلد ومفت بما يستحسن، فيقال في الشئ الواحد: بضروب من الحكم والفتيا، فإن كان هذا جائزا عندهم فقد أهملوا أنفسهم فحكموا حيث شاؤوا، وإن كان ضيقا فلا يجوز أن يدخلوا فيه (2)). ومثل هذا الكلام غريب على الفن لانتهائه - لو تم - إلى حضر الاجتهاد مطلقا، مهما كانت مصادره، لان الاختلاف واقع في الاستنباط


(1) الاحكام للآمدي، ج 3 ص 38. (2) فلسفة التشريع الاسلامي، ص 174 وما بعدها. (*)

[ 377 ]

منها، إلا نادرا، ولا خصوصية للاستحسان في ذلك. وإذن فمتى جاز لحاكم أن يجتهد، فقد أجاز لغيره أن يجتهد، وعندها ينتهي الامر إلى ضروب من الاحكام والفتاوى المختلفة، ولازم ذلك أن نمنع الاجتهاد بجميع مصادره، وهو مما لا يمكن أن يلتزم به مثله، بالاضافة إلى وروده عليه نقضا في اجتهاده بمنع الاستحسان مثلا إذ يقال له: إذا أجزت لنفسك الاجتهاد في منعه، فقد أجزت لغيرك أن يجتهد في تجويزه، فيلزم الاختلاف في الشئ الواحد بضروب من الحكم والفتيا والظاهر أن مراده هو الردع عن خصوص القسم الرابع من الاقسام التى ذكرناها، كما تومئ إليه بقية أقواله، مما لا تخضع لضوابط من شأنها أن تقلل من وقوع الاختلاف وتفسح المجال أمام المتطفلين على منصب الافتاء ليرسلوا كلماتهم بسهولة استنادا إلى ما يدعونه لانفسهم من انقداحات نفسية وأدلة لا يقدرون على التعبير عنها مما يسبب إشاعة الفوضى في عوالم الفقه والتشريع. ولكن هذا النوع من الاستدلال أقرب إلى النهج الخطابي منه إلى الروح العلمية، فالانسب ان يدفع هذا القسم بعدم قيام الدليل على حجيته لان ما ذكروه من الادلة لا يصلح - على الاقل - لاثبات ذلك على الخصوص، ويكفي شكنا في الحجية للقطع بعدمها. والخلاصة: إن كان المراد بالاستحسان، هو خصوص الاخذ بأقوى الدليلين فهو حسن ولا مانع من الاخذ به، إلا أن عده أصلا في مقابل الكتاب والسنة ودليل العقل لا وجه له (وان كان - كما يقول ابن القفال - ما يقع في الوهم من استقباح الشئ واستحسانه من غير حجة دلت عليه من أصل ونظير فهو محظور والقول به غير سائغ (1)).


(1) ارشاد الفحول، ص 241. (*)

[ 379 ]

الباب الاول القسم السابع المصالح المرسلة تحديدها، تقسيم الاحكام المترتبة عليها: الضروري، الحاجي، التحسيني، الاختلاف في حجيتها، أدلة الحجية من العقل، الاستدلال بسيرة الصحابة، الاستدلال بحديث لا ضرر، غلو الطوفي في المصالح المرسلة، نفاة الاستصلاح وأدلتهم، تلخيص وتعقيب.

[ 381 ]

تحديدها: ولتحديد معنى المصالح المرسلة لا بد من تحديد معنى المصلحة أولا ثم تحديد معنى الارسال فيها ليتضح معنى هذا التركيب الخاص. يقول الغزالي: المصلحة هي: (عبارة في الاصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة)، وقال: (ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع). (ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو ان يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن هذه الاصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الاصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة (1)) وعرفها الطوفي بقوله: هي (السبب المؤدي إلى مقصود الشرع عبادة وعادة (2)) وأراد بالعبادة (ما يقصده الشارع لحقه (3)) والعادة (ما يقصده الشارع لنفع العباد وانتظام معايشهم وأحوالهم (4)). أما تعريفهم للارسال فقد وقع موقع الاختلاف لديهم، فالذي يبدو من بعضهم ان معناه عدم الاعتماد على أي نص شرعي، وإنما يترك للعقل حق اكتشافها، بينما يذهب الآخر إلى ان معناها هو عدم الاعتماد على نص خاص وإنما تدخل ضمن ما ورد في الشريعة من نصوص عامة، واستنادا إلى هذا التفاوت في معنى الارسال، تفاوتت تعاريف المصلحة المرسلة.


(1) المستصفى، ج 1 ص 140. (2 - 3 - 4) رسالة الطوفي المنشورة في مصادر التشريع، ص 93. (*)

[ 382 ]

فابن برهان يعرفها بقوله هي: (ما لا تستند إلى أصل كلي أو جزئي (1)) وربما رجع إلى هذا التعريف ما ورد على لسان بعض الاصوليين المحدثين من (أنها الوصف المناسب الملائم لتشريع الحكم الذي يترتب على ربط الحكم به جلب نفع أو دفع ضرر، ولم يدل شاهد من الشرع على اعتباره أو إلغائه (2)). بينما يذهب الاستاذ معروف الدواليبي إلى إدخالها ضمن ما شهد له أصل كلي من الشريعة يقول - وهو يتحدث عن الاستصلاح -: (الاستصلاح في حقيقته هو نوع من الحكم بالرأي المبني على المصلحة، وذلك في كل مسألة لم يرد في الشريعة نص عليها، ولم يكن لها في الشريعة أمثال تقاس بها، وإنما بنى الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامة برهنت على أن كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشئ، وتلك القواعد هي مثل قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا ضرر ولا ضرار (3)). وقد رادف بعضهم بينها وبين الاستصلاح (4)، كما رادف آخر بينها وبين الاستدلال (5). وهو ما لم يتضح له وجه لبعده عما لهذه الالفاظ من مداليل لديهم، فالاستصلاح، كما هو صريح كلامهم، هو بناء الحكم على المصلحة المرسلة لا أنه عينها، كما ان الاستدلال إنما يكون بها لا انها عين الاستدلال. وبما أن هذه التعاريف التي نقلنا نموذجين منها لا تحكي عن واقع


(1) إرشاد الفحول، ص 242. (2) سلم الوصول، ص 309. (3) المدخل إلى أصول الفقه، ص 284. (4) أصول الفقه للخضري، ص 302. (5) ارشاد الفحول، ص 242. (*)

[ 383 ]

واحد ليلتمس تعريفه الجامع المانع من بينها، وربما اختلف الحكم فيها لديهم باختلاف مفاهيمها فلا جدوى بمحاكمتها. والانسب ان تعرض أحكامها وتحاكم على أساس ما ينتظمها من الادلة نفيا أو اثباتا على أسس من تعدد المفاهيم. تقسيم الاحكام المترتبة على المصلحة: وقد قسموا أحكامها المترتبة عليها بلحاظ ما لمصالحها من رتب إلى أقسام ثلاثة: 1 - الضروري: (وهو المتضمن لحفظ مقصود من المقاصد الخمس التي لم تختلف فيها الشرائع بل هي مطبقة على حفظها (1)). يقول الغزالي: (وهذه الاصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حد الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزنا إذ به حفظ النسل والانساب، وإيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ الاموال التي هي معاش الخلق وهم مضطرون إليها (2))، ثم يقول: (وتحريم تفويت هذه الاصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ان لا تشتمل عليها ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق، ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر، والقتل، والزنا، والسرقة، وشرب المسكر (3)).


(1) ارشاد الفحول، ص 216. (2 - 3) المستصفى، ج / 1 ص 140. (*)

[ 384 ]

2 - الحاجي: وأرادوا به (ما يقع في محل الحاجة لا الضرورة (1)) كتشريع أحكام البيع، والاجارة، والنكاح لغير المضطر إليها من المكلفين. 3 - ا لتحسيني: وأرادوا به ما يقع ضمن نطاق الامور الذوقية كالمنع عن أكل الحشرات، واستعمال النجس فيما يجب التطهر فيه، أو ضمن ما تقتضيه آداب السلوك كالحث على مكارم الاخلاق، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، وقد عرفه الغزالي بقوله هو: (ما لا يرجع إلى ضرورة ولا حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزايد (2)). ولهذا التقسيم ثمرات أهمها تقديم بعضها على بعض في مجالات التزاحم فهي مرتبة من حيث الاهمية، فالاول منها مقدم على الاخيرين والثاني على الثالث، ولعل قسما من الاقوال القادمة يبتنى في حجيته على الاخذ ببعض هذه الاقسام دون بعض. الاختلاف في حجيتها: ذهب مالك واحمد ومن تابعهما (إلى أن الاستصلاح طريق شرعي لاستنباط الحكم فيما لا نص فيه ولا اجماع، وان المصلحة المطلقة التي لا يوجد من الشرع ما يدل على اعتبارها ولا على الغائها مصلحة صالحة لئن يبنى عليها الاستنباط (3)). وغالى فيها الطوفي، وهو من علماء الحنابلة (4)، فاعتبرها الدليل الشرعي الاساس في السياسات الدنيوية والمعاملات، وقدمها على ما يعارضها


(1) ارشاد الفحول، ص 216. (2) المستصفى، ج 1 ص 140. (3) مصادر التشريع، ص 73. (4) مصادر التشريع، ص 80. (*)

[ 385 ]

من النصوص عند تعذر الجمع بينها (1). بينما ذهب الشافعي ومن تابعه: (إلى أنه لا استنباط بالاستصلاح، ومن استصلح فقد شرع كمن استحسن، والاستصلاح كالاستحسان متابعة للهوى (2)). وللغزالي وهو من الشافعية تفصيل فيها فهو يرى ان (الواقع في الرتبتين الاخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده ان لم يعتضد بشهادة اصل إلا أنه يجري مجرى وضع الضرورات، فلا بعد في ان يؤدى إليه اجتهاد مجتهد، وان لم يشهد الشرع بالرأي فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس. أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في ان يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وان لم يشهد له أصل معين، ومثاله ان الكفار إذا تترسوا بجماعة من اسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الاسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم، ثم يقتلون الاسارى ايضا، فيجوز ان يقول قائل: هذا الاسير مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين اقرب إلى مقصود الشرع، لانا نعلم ان مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الامكان فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل، وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة لا بدليل واحد واصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له اصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة


(1) مصادر التشريع، ص 81 وما بعدها. (2) مصادر التشريع، ص 74. (*)

[ 386 ]

بطريق القياس على اصل معين (1)). وخلاصة ما انتهى إليه في ذلك اعتبار امور ثلاثة ان توفرت في شئ ما كشفت عن وجود الحكم فيه وهي: 1 - كون المصلحة ضرورية. 2 - كونها قطعية. 3 - كونها كلية (2). هذا كله إذا وقعت في مرتبة الضروري (وان وقعت في مرتبة الحاجي فقد رأى في المستصفى ردها، وفي شفاء الغليل قبولها (3)). أما الاحناف فالمنسوب إليهم أنهم لا يقولون بالمصالح المرسلة، ولا يعتبرونها دليلا، وقد تنظر الاستاذ خلاف في هذه النسبة، واستظهر من عدة وجوه خلاف ذلك (4). وقد نسب الاستاذ الخفيف إلى الشيعة واهل الظاهر (العمل بالمصالح المرسلة لكونهم لا يرون العمل بالقياس (5))، وسيتضح الحال فيها. ولعل الفصل في هذه الاقوال نفيا أو إثباتا يتضح مما عرضوه للحجية من أدلة، وقد آثرنا تحريرها على ترتيب ما ذكروه في التقديم والتأخير. أدلة الحجية من العقل: وخلاصة ما استدل به للاستصلاح منها بعد إكمال نواقص بعضها ببعض هو: 1 - ان الاحكام الشرعية إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد، وان


(1 - 2) المستصفى، ج 1 ص 141. (3) محاضرات في أسباب الاختلاف للخفيف، ص 244. (4) مصادر التشريع، ص 74. (5) محاضرات في أسباب الاختلاف، ص 244. (*)

[ 387 ]

هذه المصالح التي بنيت عليها أحكام الشريعة معقولة، أي مما يدرك العقل حسنها، كما انه يدرك قبح ما نهى عنه، فإذا حدثت واقعة لا نص فيها (وبنى المجتهد حكمه فيها على ما أدركه عقله من نفع أو ضرر، كان حكمه على أساس صحيح معتبر من الشارع، ولذلك لم يفتح باب الاستصلاح إلا في المعاملات ونحوها مما تعقل معاني أحكامها فلا تشريع فيها بالاستصلاح (1)). وهذا الاستدلال لا يتم إلا على مبنى من يؤمن بالتحسين والتقبيح العقليين، والدليل كما ترون قائم على الاعتراف بإمكان إدراك العقل لذلك. وقد سبق ان قلنا: ان العقل قابل للادراك، ولو أدرك على سبيل الجزم كان حجة قطعا لكشفه عن حكم الشارع، ولكن الاشكال، كل الاشكال، في جزمه بذلك لما مر من أن أكثر الافعال الصادرة عن المكلفين، اما ان يكون فيها اقتضاء التأثير أو ليس فيها حتى الاقتضاء، وما كان منها من قبيل الحسن والقبح الذاتيين فهو نادر جدا، وأمثلته قد لا تتجاوز العدل والظلم وقليلا من نظائرهما. وما فيه الاقتضاء يحتاج إلى إحراز تحقق شرائطه وانعدام موانعه، أي إحراز تأثير المقتضى وهو مما لا يحصل به الجزم غالبا لقصور العقل عن إدراك مختلف مجالاته، وربما كان بعضها مما لا يناله إدراك العقول كما مر عرض ذلك مفصلا. 2 - قولهم: (ان الوقائع تحدث والحوداث تتجدد، فلو لم يفتح للمجتهدين باب التشريع بالاستصلاح ضاقت الشريعة الاسلامية عن مصالح العباد وقصرت عن حاجاتهم، ولم يصلح لمسايرة مختلف الازمنة والامكنة والبيئات والاحوال مع انها الشريعة العامة لكافة الناس، وخاتمة الشرائع السماوية كلها (2)). * (هامش) (1 - 2) مصادر التشريع، ص 75. (*)

[ 388 ]

وقد أجبنا على نظير هذا الاستدلال في مبحث القياس، وبينا أن أحكام الشريعة بمفاهيمها الكلية، لا تضيق عن مصالح العباد ولا تقصر عن حاجاتهم، وهي بذلك مسايرة لمختلف الازمنة والامكنة والبيئات والاحوال وبخاصة إذا لوحظت مختلف المفاهيم بعناوينها الاولية والثانوية وأحسن تطبيقها والاستفادة منها. والحقيقة ان تأثير الزمان والمكان والاحوال انما هو في تبدل مصاديق هذه المفاهيم. فالآية الآمرة بالاستعداد بما يستطيعون له من قوة لارهاب أعداء الله قد لا نجد لها مصداقا في ذلك الزمن الا بإعداد السيوف والرماح والتروس والخيول وأمثالها، لان القوة السائدة هي من هذا النوع، ولكن تبدل الزمان وتغير وسائل الحرب حول الاستعداد إلى إعداد مختلف الوسائل السائدة في الامم المتحضرة للحروب كالقنابل النووية وغيرها، فالمفهوم هو وجوب الاستعداد بما يستطاع لهم من قوة لم يتغير في الآية، وإنما تغيرت مصاديقه وهكذا... فالتبدل في الحقيقة، لم يقع في المفاهيم الكلية، وإنما وقع في أفرادها ومصاديقها، فما كان مصداقا لمفهوم ما ربما تحول إلى مصداق لمفهوم آخر. ولقد وسع لنا الشارع المقدس بما شرحه لنا من العناوين الثانوية من جهة، وبفتحه لنا أبواب الاجتهاد سواء في التعرف على أحكامه الكلية أم التماس مصاديقها بما سد حاجاتنا الاساسية إلى تطوير أنفسنا، ومسايرة عصورنا ضمن اطار ما جاء به من أحكام، ولكن لا على ان نفسح المجال أمام أوهامنا وظنوننا لنتحكم في مصائر العباد كيفما نشاء، وما دام مقياس الحجية بأيدينا - وهو ما سبق ان عرضناه - فلا مجال لاعتماد

[ 389 ]

ما يخالف هذا المقياس، والاساس فيه هو تحصيل العلم بالحكم أو العلمي، ولا أقل من تحصيل الوظيفة التي يأمن معها الانسان من غائلة العقاب. الاستدلال بسيرة الصحابة: وكما استدلوا بالعقل فقد استدلوا عليها بسيرة الصحابة، ومما جاء في دليلهم: (ان أصحاب رسول الله لما طرأت لهم بعد وفاته حوادث وجدت لهم طوارئ شرعوا لها ما رأوا أن فيه تحقيق المصلحة، وما وقفوا عن التشريع لان المصلحة ما قام دليل من الشارع على اعتبارها، بل اعتبروا ان ما يجلب النفع أو يدفع الضرر حسبما أدركته عقولهم هو المصلحة، واعتبروه كافيا لان يبنوا عليه التشريع والاحكام، فأبو بكر جمع القرآن في مجموعة واحدة، وحارب مانعي الزكاة، ودرأ القصاص عن خالد بن الوليد، وعمر أوقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة ووقف تنفيد حد السرقة في عام المجاعة، وقتل الجماعة في الواحد، وعثمان جدد أذانا ثانيا لصلاة الجمعة (1)... الخ). والغريب ان تنزل هذه التصرفات وأمثالها على القياس تارة والاستحسان اخرى والمصالح ثالثة، وتعتبر على ألسنة البعض أدلة عليها، وما أدري هل تتسع الواقعة الواحدة لمختلف هذه الادلة مع تباينها مفهوما أم ماذا ؟ ! ومهما يكن فإن النقاش في هذا النوع من الاستدلال واقع صغرى وكبرى. أما الصغرى فلعدم إمكان تكوين سيرة لهم من مجرد نقل أحداث عن أفراد منهم يمكن ان تنزل على هذا الدليل أو ذاك، ومن شرائط السيرة ان يصدر المجموع عنها في سلوكهم الخاص، وكذلك لو أريد من هذا


(1) مصادر التشريع، ص 75. (*)

[ 390 ]

الدليل إجماعهم السكوتي على ذلك بالتقريب الذي ذكروه بالقياس، والذي عرفت - فيما سبق - مناقشته. أما إذا أريد الاستدلال بتصرفاتهم الفردية فهي لا تصلح للدليلية على أي حال لعدم الايمان بعصمتهم أولا، واجتهادهم لا يتجاوز في حجيته أنفسهم ومن يرجع إليهم بالتقليد. وأما المناقشة في الكبرى فلعدم حجية مثل هذه السيرة أو الاجماع على أمثال هذه الادلة، لان هذه التصرفات غير معللة على ألسنتهم، وما يدرينا أن الباعث على صدورها هو إدراك المصالح من قبلهم، والسيرة مجملة لا لسان لها لنتمسك به، وغاية ما يمكن ان تدل عليه هو حجية نفس ما قامت عليه من أفعال لو كانت مثل هذه السير من الحجج التي يركن إليها لا حجية مصادرها المتخيلة، على أن هذه التصرفات - كما سبقت الاشارة إليها - جار أكثرها على مخالفة النصوص لامور اجتهادية لا نعرف اليوم عواملها وبواعثها الحقيقية، وفيما سبق عرضه في مبحث القياس ما يغني عن إطالة الحديث. الاستدلال بحديث لا ضرر: وقد تبناه الطوفي وقرب دلالته - بعد ان أطال الحديث في سنده - بقوله: (وأما معناه فهو ما أشرنا إليه من نفي الضرر والمفاسد شرعا، وهو نفي عام إلا ما خصصه الدليل، وهذا يقتضي تقديم مقتضى هذا الحديث على جميع أدلة الشرع، وتخصيصها به في نفي الضرر وتحصيل المصلحة لانا لو فرضنا أن بعض أدلة الشرع تضمن ضررا، فإن نفيناه بهذا الحديث كان عملا بالدليلين، وان لم ننفه به كان تعطيلا لاحدهما وهو هذا الحديث، ولا شك أن الجمع بين النصوص في العمل بها أولى

[ 391 ]

من تعطيل بعضها (1)). ويقول: (ثم ان قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار يقتضي رعاية المصالح إثباتا والمفاسد نفيا إذ الضرر هو المفسدة فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة لانهما نقيضان لا واسطة بينهما (2)). والذي يرد على هذا الاستدلال: 1 - اعتقاده أن نسبة هذا الحديث إلى الادلة الاولية هي نسبة المخصص مع ان من شرائط المخصص ان يكون أخص مطلقا من العام ليصح تقديمه عليه، وقد سبق بيان السر في ذلك في بحوث التمهيد وغيرها. والنسبة هنا بين حديث لا ضرر وأي دليل من الادلة الاولية، هي نسبة العموم من وجه، فوجوب الوضوء مثلا، بمقتضى إطلاقه شامل لما كان ضرريا وغير ضرري، وأدلة لا ضرر شاملة للوضوء الضرري وغير الوضوء، فالوضوء الضرري مجمع للحكمين معا، ومقتضى القاعدة التعارض بينهما والتساقط، ولا وجه لتقديم أحدهما على الآخر لان نسبة العامين إلى موضع الالتقاء من حيث الظهور نسبة واحدة. والظاهر أن الطوفي - بحاسته الفقهية - أدرك تقديم هذا الدليل على الادلة الاولية وإن لم يدرك السر في ذلك. والسر هو ما سبق ان ذكرناه من حكومة هذا النوع من الادلة على الادلة الاولية لما فيه من شرح وبيان لها، فكأنه يقول بلسانه ان ما شرع لكم من الاحكام هو مرفوع عنكم إذا كان ضرريا، فهو ناظر إليها ومضيق لها.


(1) رسالة الطوفي، ص 90. (2) رسالة الطوفي، ص 91. (*)

[ 392 ]

وما دام لسانه لسان شرح وبيان فلا معنى لملاحظة النسبة بينه وبين غيره من الادلة. 2 - اعتقاده أن بين الضرر والمصلحة نسبة التناقض، ولذلك رتب على انتفاء احدهما ثبوت الآخر لاستحالة ارتفاع النقيضين مع ان الضرر معناه لا يتجاوز النقص في المال أو العرض أو البدن وبينه وبين المصلحة واسطة، فالتاجر الذي لم يربح في تجارته ولم يخسر فيها لا يتحقق بالنسبة إليه ضرر ولا منفعة فهما اذن من قبيل الضدين اللذين لهما ثالث، ومتى حصلت واسطة بينهما فانتفاء أحدهما لا يستلزم ثبوت الآخر، وعلى هذا المعنى يبتنى ثبوت المباح، وهو الذي لا ضرر ولا مصلحة فيه. وإذن فانتفاء الضرر هنا لا يستلزم ثبوت المصلحة، ومن هنا قلنا: ان حديث لا ضرر رافع للتكليف لا مشرع، فهو لا يتعرض إلى أكثر من ارتفاع الاحكام الضررية عن موضوعاتها، اما اثبات احكام أخر فلا يتعرض لها، وإنما المرجع فيها إلى أدلتها الاخرى. وإذا اتضح هذا لم يبق أمام الطوفي ما يصلح للاستدلال به على المصالح المرسلة فضلا عن الغلو فيها. غلو الطوفي في المصالح المرسلة: وكان من مظاهر غلو الطوفي فيها تقديمه رعاية المصلحة على النصوص والاجماع، واستدل على ذلك بوجوه: (أحدها ان منكري الاجماع قالوا برعاية المصالح، فهو إذن محل وفاق، والاجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه (1)). ويرد على هذا الاستدلال عدم التفرقة بين رعاية المصلحة وبين الاستصلاح


(1) رسالة الطوفي، ص 109. (*)

[ 393 ]

كدليل، فالامة، وإن اتفقت على ان أحكام الشريعة مما تراعى فيها المصالح، ولكن دليل الاستصلاح موضع خلاف كبير لعدم إيمان الكثير منهم بإمكان إدراك هذه المصالح مجتمعة من غير طريق الشرع، وقد سبق أيضاح ذلك في مبحث العقل. فدليل الاستصلاح إذن ليس موضع وفاق ليقدم على الاجماع. (الوجه الثاني: ان النصوص مختلفة متعارضة فهي سبب الخلاف في الاحكام المذموم شرعا، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرطا فكان اتباعه أولى، وقد قال عز وجل: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا (1))، (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ (2))، وقال عليه السلام: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، وقد قال عزوجل في مدح الاجتماع: (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم (3))، وقال عليه السلام: (كونوا عباد الله إخوانا). ومن تأمل ما حدث بين أئمة المذاهب من التشاجر والتنافر، علم صحة ما قلنا، حتى أن المالكية استقلوا بالمغرب، والحنفية بالمشرق، فلا يقار أحد المذهبين أحدا من غيره في بلاده إلا على وجه ما، وحتى بلغنا أن اهل جيلان من الحنابلة إذا دخل إليهم حنفي قتلوه، وجعلوا ماله فيئا حكمهم في الكفار، وحتى بلغنا أن بعض بلاد ما وراء النهر من بلاد الحنفية، كان فيه مسجد واحد للشافعية وكان والي البلد يخرج كل يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد فيقول: أما آن لهذه الكنيسة أن تغلق ؟ فلم يزل كذلك، حتى أصبح يوما وقد سد باب ذلك المسجد بالطين واللبن فأعجب الوالي ذلك). (ثم ان كلا من اتباع الائمة، يفضل إمامه على غيره في تصانيفهم


(1) آل عمران / 103. (2) الانعام / 159. (3) الانفال / 63. (*)

[ 394 ]

ومحاوراتهم حتى رأيت حنفيا صفف مناقب أبي حنيفة، فافتخر فيها باتباعه، كأبي يوسف ومحمد وابن المبارك ونحوهم، ثم قال: يعرض بباقي المذاهب: اولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع وهذا شبيه بدعوى الجاهلية وغيره كثير، وحتى ان المالكية يقولون: الشافعي غلام مالك، والشافعية يقولون: احمد بن حنبل غلام الشافعي، والحنابلة يقولون: الشافعي غلام احمد بن حنبل. (وقد ذكره أبو الحسن القرافي في الطبقات من اتباع احمد). (والحنفية يقولون: ان الشافعي غلام ابي حنيفة لانه غلام محمد بن الحسن، ومحمد غلام ابي حنيفة)، قالوا لولا أن الشافعي من اتباع ابي حنيفة لما رضينا أن ننصب معه الخلاف. وحتى أن الشافعية يطعنون بان أبا حنيفة من الموالي، وانه ليس من أئمة الحديث، وأحوج ذلك الحنفية إلى الطعن في نسب الشافعي وانه ليس قرشيا بل من موالي قريش، ولا إماما في الحديث لان البخاري ومسلما أدركاه ولم يرويا عنه، مع أنهما لم يدركا إماما إلا رويا عنه، حتى احتاج الامام فخر الدين والتميمي في تصنيفيهما مناقب الشافعي إلى الاستدلال على هاشميته، وحتى جعل كل فريق يروي السنة في تفضيل إمامه، فالمالكية رووا: (يوشك أن تضرب اكباد الابل ولا يوجد أعلم من عالم المدينة). قالوا: وهو مالك، والشافعية رووا: (الائمة من قريش، تعلموا من قريش ولا تعالموها)، أو (عالم قريش ملأ الارض علما)، قالوا: ولم يظهر من قريش بهذه الصفة إلا الشافعي والحنفية، رووا: (يكون في أمتي رجل يقال له النعمان هو سراج أمتي، ويكون فيهم رجل يقال له محمد بن ادريس هو أضر على

[ 395 ]

أمتي من ابليس). والحنابلة رووا: (يكون في أمتي رجل يقال له احمد بن حنبل يسير على سنتي سير الانبياء) أو كما قال فقد ذهب عني لفظه). (وقد ذكر أبو الفرج الشيرازي في أول كتابه المنهاج (واعلم ان هذه الاحاديث ما بين صحيح لا يدل، ودال لا يصح. أما الرواية في مالك والشافعي فجيدة لكنها لا تدل على مقصودهم لان عالم المدينة ان كان اسم جنس فعلماء المدينة كثير ولا اختصاص لمالك دونهم، وان كان اسم شخص فمن علماء المدينة الفقهاء السبعة وغيرهم من مشايخ مالك الدين أخذ عنهم وكانوا حينئذ أشهر منه، فلا وجه لتخصيصه بذلك وإنما حمل أصحابه على حمل الحديث عليه كثرة أتباعه وانتشار مذهبه في الاقطار، وذلك إمارة على ما قالوا، وكذلك الائمة من قريش لا اختصاص للشافعي به، ثم هو محمول على الخلفاء في ذلك، وقد احتج به أبو بكر يوم السقيفة، وكذلك تعلموا من قريش لا اختصاص لاحد به). (أما قوله: (عالم قريش يملا الارض علما) فابن عباس يزاحم الشافعي فيه، فهو أحق به لسبقه وصحبته ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم له في قوله: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) فكان يسمى بحر العلم وحبر العرب، وإنما حمل الشافعية الحديث على الشافعي لاشتهار مذهبه وكثرة أتباعه، على ان مذهب ابن عباس مشهور بين العلماء لا ينكر). (وأما الرواية في أبي حنيفة واحمد بن حنبل فموضوعة باطلة لا أصل لها، أما حديث (هو سراج أمتي) فأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وذكر ان مذهب الشافعي لما اشتهر أراد الحنفية اخماله، فتحدثوا مع مأمون بن أحمد السلمي وأحمد بن عبد الله الخوشاري وكانا كذابين وضاعين، فوضعا هذا الحديث في مدح أبي حنيفة وذم الشافعي، ويأبى الله إلا ان يتم نوره).

[ 396 ]

(وأما الرواية في أحمد بن حنبل فموضوعة قطعا لانا قدمنا ان أحمد كان أحفظ الناس للسنة وأشدهم بها احاطة حتى ثبت انه كان يذاكر تأليف ألف حديث وانه قال: خرجت مسندي من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين الله عزوجل، فما لم تجدوه فيه فليس بشئ) (ثم ان هذا الحديث الذي أورده الشيرازي في مناقب احمد ليس في مسنده، فلو كان صحيحا لكان هو أولى الناس باخراجه والاحتجاج به في محنته التي ضيق الارض ذكرها). (فانظر بالله أمرا يحمل الاتباع على وضع الاحاديث في تفضيل أئمتهم وذم بعضهم، وما مبعثه إلا تنافس المذاهب في تفضيل الظواهر ونحوها على رعاية المصالح الواضح بيانها الساطع برهانها، فلو اتفقت كلمتهم بطريق ما لما كان شئ مما ذكرنا عنهم) (واعلم ان من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص، وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب، وذلك ان اصحابه استأذنوه في تدوين السنة في ذلك الزمان فمنعهم من ذلك وقال: (لا أكتب مع القرآن غيره) مع علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اكتبوا لابي شاه خطبة الوداع) وقال: (قيدوا العلم بالكتابة) قالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، لانضبطت السنة، ولم يبق بين أحد من الامة وبين النبي صلى الله عليه وسلم، في كل حديث إلا الصحابي الذي دون روايته، لان تلك الدواوين تتواتر عنهم الينا كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما (1)).


(1) رسالة الطوفي، ص 109 إلى ص 113. (*)

[ 397 ]

ثم أورد بعد ذلك على نفسه بقوله: (فإن قيل خلاف الامة في مسائل الاحكام رحمة وسعة، فلا يحويه حصرهم من جهة واحدة لئلا يضيق مجال الاتساع، قلنا هذا الكلام ليس منصوصا عليه من جهة الشرع حتى يمتثل، ولو كان لكان مصلحة الوفاق أرجح من مصلحة الخلاف فتقدم). (ثم ما ذكرتموه من مصلحة الخلاف بالتوسعة على المكلفين معارض بمفسدة تعرض منه، وهو ان الآراء إذا اختلفت وتعددت اتبع بعض رخص بعض المذاهب فأفضى إلى الانحلال والفجور كما قال بعضهم: فاشرب ولط وازن وقامر واحتجج * في كل مسأله بقول إمام يعني بذلك شرب النبيذ وعدم الحد في اللواط على رأي أبي حنيفة، والوطأ في الدبر على ما يعزى إلى مالك، ولعب الشطرنج على رأي الشافعي). (وأيضا فإن بعض اهل الذمة ربما أراد الاسلام فيمنعه كثرة الخلاف وتعدد الآراء ظنا منه انهم يخطئون، لان الخلاف مبعود عنه بالطبع، ولهذا قال الله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها (1)) أي يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا، لا يختلف إلا بما فيه من المتشابهات وهي ترجع إلى المحكمات بطريقها، ولو اعتمدت رعاية المصالح المستفادة من قوله عليه السلام: (لا ضرر ولا ضرار) على ما تقرر، لاتحد طريق الحكم وانتهى الخلاف، فلم يكن ذلك شبهة في امتناع من أراد الاسلام من اهل الذمة وغيرهم (2)).


(1) الزمر / 23. (2) رسالة الطوفي، ص 116. (*)

[ 398 ]

ومع الغض عما في نصه هذا من خطابية وتطويل قد لا تكون له حاجة، ان الاختلاف ضرورة لا يمكن دفعها عن البشر، وهو لا يستدعي الصراع والخصام المذهبي ما دام أصحابه يسيرون ضمن نطاق الاجتهاد بموضوعية تامة، وما دامت الاهواء السياسية وغيرها بعيدة عنه. وهذا النوع من الصراع بين اتباع المذاهب كانت من ورائه دائما عوامل لا ترتبط بالدين. وكانت السياسة من وراء أكثرها وكثير من هؤلاء المصطرعين لم يكونوا من العلماء المجتهدين، وإنما كانوا مرتزقة باسم الدين لانسداد أبواب الاجتهاد في هذه الفترات التي أرخ لها، وحيث يوجد الغرض والهوى والجهل، ومحاولات الاستغلال من تجار الضمائر والمبادئ توجد التفرقة والصراع، وأمثال هؤلاء المفرقين من العلماء إنما هم دمى بيد السلطة تحركها كيفما تشاء. وإلا فان العالم الصحيح لا يضره الاختلاف معه في مجالات استنباطه وربما سر لعلمه بقيمة ما يأتي به الصراع من تلاقح فكري، وإنماء وتطور للافكار التي يؤمن بها. والعلماء في مختلف المجالات العلمية يختلفون، وما سمعنا خلافا أوجب الصراع فيما بينهم باسم العلم فضلا عن أن يدب الصراع إلى أبناء شعوبهم فيقتتلون، اللهم الا إذا كانت السلطات من ورائه كما هو الشأن في موقف سلطة الكنيسة من بعض العلماء المكتشفين أمثال غاليلو. والشيعة أنفسهم رأوا طوائف من علمائهم وهم بحكم فتح أبواب الاجتهاد على أنفسهم كانوا يختلفون، وينقد بعضهم آراء البعض الآخر، ومع ذلك كله نرى تقديسهم لعلمائهم يكاد يكون منقطع النظير. وما استشهد به من الآيات والروايات على المنع من الاختلاف اجنبي عن هذا النوع من الاختلاف الذي يقتضيه البحث الموضوعي، لان المنع

[ 399 ]

عن هذا النوع منه تعبير آخر عن الدعوة إلى الجمود واماتة الفكر والنظر في شؤون الدين، وهو ما ينافي الدعوة إلى تدبر ما في القرآن والنظر إلى آياته، بل ينافي الدعوة إلى تدبر ما في الكون والحث على استعمال العقل، وهو ما طفحت به كثير من الآيات والاحاديث، لان طبيعة التدبر واستعمال الفكر تدعو إلى اختلاف الرأي. فالاختلاف المنهي عنه هو الاختلاف الذي يدعو إلى التفرقة وتشتيت كلمة الامة، أي الاختلاف الذي يستغل عاطفيا لتفرقة الشعوب لا الاختلاف الذي يدعو إليه البحث الموضوعي وهو من أسباب الالفة والتعاطف بين اربابه، ففي الاستدلال خلط بين نوعي الاختلاف. ومع التغافل عن هذه الناحية فان دعواه بان رعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه فهو سبب الاتفاق - لا أعرف لها وجها، لان المصالح الحقيقية التي يتطابق عليها العقلاء محدودة جدا، وما عداها كلها موضع خلاف بل هي نفسها موضع لخلاف كبير في مواقع تطبيقها كما سبق بيانه في مبحث العقل فكيف يكون النظر فيها موضعا لاتفاق الكلمة وبخاصة إذا وسعنا الامر إلى عوالم الظنون بها والاوهام، وهل تكفي مواضع الاتفاق منها لاقامة شريعة إذا تجردنا عن النصوص. وبهذا يتضح الجواب على ما أورده على نفسه من اشكال وأجاب عليه، فكون الاختلاف رحمة وسعة مما لا اشكال فيه أصلا إذا كان في حدود البحث الموضوعي، والذي يدل عليه كل ما يدل على وجوب المعرفة المستلزمة حتما للاختلاف من آيات وأحاديث، ومعارضتها بمفسدة الاخذ بالرخص لا تعتمد على أساس. فالآخذون بالرخص اما ان يكونوا معتمدين على حجة كأن يكون هناك مرجع مستوف لشرائط التقليد يسيغ لهم ذلك، فالاخذ بها لا يشكل

[ 400 ]

مفسده وأصحابها معذورون، واما ان لا يكونوا على حجة، وهؤلاء لا حساب لنا معهم لتمردهم على أصل الشريعة في عدم الركون في تصرفاتهم على أساس، وكونهم يستغلون الرخص لتبرير أعمالهم أمام الرأي العام فانما هو من قبيل الخداع والتمويه، ولو لم تكن هناك رخص لارتكبوا هذه الاعمال والتمسوا لها مبررات غير هذه. وكون الاختلاف مانعا من دخول أهل الذمة إلى الاسلام هو الآخر لا يخلو من غرابة، فان هؤلاء ان كانوا على درجة من الثقافة عرفوا ان هذا المقدار من الاختلاف مبرر في جميع الشرائع، بل هو مما تقتضيه الطبيعة البشرية لاستحالة اتفاق الناس في فهم جميع ما يتصل بشؤون شرائعهم، بل جميع ما يتصل بشؤونهم الحياتية وغيرها، ومتى منع الاختلاف أحدا من الدخول في الاسلام ؟ ! وهناك أدلة أخرى له لا تستحق ان تعرض ويطال فيها الحديث وأجوبتها تعرف مما سبق ان عرضناه في مبحث القياس. فغلوا الطوفي في استعمال المصالح المرسلة وتقديمها على النصوص والاجماع لا يستقيم أمره بحال. نفاة الاستصلاح وأدلتهم: أما نفاة الاستصلاح وفي مقدمتهم الشافعي فأهم ما استدلوا به: 1 - ايمانهم بكمال الشريعة واستيفائها لحاجات الناس (ولو كانت مصالح الناس تحتاج إلى أكثر مما شرعه ومما ارشد إلى الاهتداء به لبينه ولم يتركه لانه سبحانه قال على سبيل الاستنكار: (أيحسب الانسان ان يترك سدى (1)).


(1) مصادر التشريع، ص 78. (*)

[ 401 ]

والجواب على هذا الاستدلال ان مثبتي الاستصلاح لا ينكرون وفاء الشريعة بحاجات الناس وان انكروا وفاء النصوص بها، فهم يعتبرون العقول من وسائل ادراكها كالنصوص على حد سواء، واهتداء العقول إليها انما هو بهداية من الله عزوجل لها، فالعقول اذن كاشفة وليست بمشرعة. 2 - ما يستفاد من قول الغزالي وهو يرد على من يريد اعتبار الاستصلاح أصلا خامسا (من ظن انه أصل خامس فقد أخطأ لانا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والاجماع، فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والاجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطروحة، ومن صار إليها فقد شرع، كما ان من استحسن فقد شرع، وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والاجماع فليس خارجا من هذه الاصول، لكنه لا يسمى قياسا بل مصلحة مرسلة إذ القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الاحوال وتفاريق الامارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة (1)). والجواب الذي يصلح - لمثبتي الاستصلاح - التمسك به. ان حصر معرفة المصلحة التي تحفظ مقاصد الشرع بالكتاب والسنة والاجماع لا دليل عليه


(1) المستصفى، ج 1 ص 143 وما بعدها. (*)

[ 402 ]

لما سبق من إثبات كاشفية العقل وإدراكه للمصالح والمفاسد المستلزم لادراك حكم الشارع بها. ومع إمكان الادراك فليس هناك ما يمنع من وقوعه أحيانا، وعلى أي حال فالمسألة مبنائية. 3 - ما ذكره الآمدي في كتابه الاحكام من ان (المصالح على ما بينا، منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتبارها، والى ما عهد منه إلغاؤها، والمرسلة مترددة بين ذينك القسمين، وليس إلحاقها بأحدهما أولى من إلحاقها بالآخر، فامتنع الاحتجاج بالمرسل دون شاهد بالاعتبار يبين انه من قبيل المعتبر دون الملغى (1)). وموضع الفجوة في هذا الاستدلال اعتبار المصلحة مترددة بين القسمين إذا أريد من ترددها ترددها بين ما دل على الاعتبار من النصوص، وما دل على الالغاء لافتراض القائلين بالاستصلاح ان النصوص غير متعرضة لها اعتبارا أو إلغاء، وإنما اكتشفوا اعتبارها من قبل الشارع بدليل العقل، في إذن معتبرة من الشارع ولكن من غير ما عهد منه، فهي قسم ثالث في عرض ذينك القسمين، وان شئت ان تقول ان الاعتبار على قسمين: معهود من الشرع بطريق النصوص، ومعهود منه بطريق العقل، وهذه من القسم الثاني وليست بأحد القسمين اللذين ذكرهما الآمدي ليقال: (وليس إلحاقها بأحدهما أولى من إلحاقها بالآخر). تلخيص وتعقيب: وخلاصة ما انتهينا إليه ان تعاريف المصالح المرسلة مختلفة، فبعضها ينص على استفادة المصلحة من النصوص والقواعد العامة، كما هو مقتضى


(1) مصادر التشريع، ص 79 نقلا عنه. (*)

[ 403 ]

استفادة الدواليبي والطوفي. ومقتضى هذا النوع من التعاريف إلحاقها بالسنة، والاجتهاد فيها إنما يكون من قبيل تحقيق المناط بقسمه الاول، أي تطبيق الكبرى على صغراها بعد التماسها - أعني الصغرى - بالطرق المجعولة من الشارع لذلك، ولا يضر في ذلك كونها غير منصوص عليها بالذات، إذ يكفي في إلحاقها بالسنة دخولها تحت مفاهيمها العامة ومتى اشترطنا في السنة ان تكون خاصة لتكون مصدرا من مصادر التشريع، فعدها - بناء على هذه التعاريف - في مقابل السنة لا يعرف له وجه. وأما على تعاريفها الاخر فينحصر إدراكها بالعقل. والذي ينبغي ان يقال عنها انها تختلف من حيث الحجية باختلاف ذلك الادراك، فإن كان ذلك الادراك كاملا - أي إدراكا للمصلحة بجميع ما يتعلق بها في عوالم تأثيرها في مقام جعل الحكم لها من قبل المشرع - فهي حجة، إذ ليس وراء القطع، كما سبق تكراره، مجال لتساؤل أو استفهام، يقول المحقق القمي: (والمصالح اما معتبرة في الشرع وبالحكم القطعي من العقل من جهة إدراك مصلحة خالية من المفسدة كحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، فقد اعتبر الشارع صيانتها وترك ما يؤدي إلى فسادها (1)... الخ). ولكن القول بحجيتها هنا لا يجعلها دليلا مستقلا في مقابل العقل، بل هي نفس ما عرضناه سابقا في مبحث حجيته. وإن لم يكن إدراكه لها كاملا بأن كان قد أدرك المصلحة، واحتمل وجود مزاحم لها يمنع من جعل الحكم، أو احتمل انها فاقدة لبعض شرائط الجعل كما هو الغالب فيها، بل لا يتوفر الادراك الكامل إلا في حالات نادرة وهي التي تكون المصلحة ذاتية - كما سبق - فإن القول


(1) القوانين المحكمة، ج 2 ص 92. (*)

[ 404 ]

بحجيتها - أعني هذا النوع من المصالح المرسلة - مما يحتاج إلى دليل، وليس لدينا من الادلة ما يصلح لاثبات ذلك، لما قلناه من أن الادراك الناقص - وهو الذي لا يشكل الرؤية الكاملة - ليست حجيته ذاتية، بل هي محتاجة إلى الجعل والادلة غير وافية بإثباته. والشك في الحجية كاف للقطع بعدمها لتقومها بالعلم، وقد مر إيضاح ذلك كله. وبهذا يتضح ان الشيعة لا يقولون بالمصالح المرسلة إلا ما رجع منها إلى العقل على سبيل الجزم، كما هو مقتضى مبناهم الذي عرضناه في دليل العقل وما عداه فهو ليس بحجة، فنسبة الاستاذ الخفيف القول بها إلى الشيعة ليس بصحيح على اطلاقه.

[ 405 ]

الباب الاول القسم الثامن فتح الذرائع وسدها الذريعة لغة واصطلاحا، أقسام الذريعة، حكمها، الادلة على الحكم: أدلتها من الكتاب والسنة، أدلتها من العقل، خلاصة وتعقيب.

[ 407 ]

الذريعة لغة واصطلاحا: للذريعة مدلولان: لغوي واصطلاحي، فهي في اللغة الوسيلة التي يتوصل بها إلى الشئ. وفي الاصطلاح وقعت موضعا لاختلافهم في مقام التحديد، فالشاطبي يحددها ب‍: (التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة (1)). وقريب منه ما ورد على ألسنة بعض المتأخرين في تحديدها فهي عنده (ما يتوصل به إلى شئ ممنوع مشتمل على مفسدة (2)). ويرد على هذين التعريفين انهما غير جامعين لاقتصارهما على وسائل الامور المحرمة، بينما تعم الذريعة - كدليل - جميع الوسائل سواء كانت وسائل لمحرمات أم واجبات أو غيرهما من الاحكام، يقول القرافي: (الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح (3)). وقريب منه قول سلام: (الذرائع إذا كانت تفضي إلى مقصد هو قربة وخير، أخذت الوسيلة حكم المقصد، وإذا كانت تفضي إلى مقصد ممنوع هو مفسدة، أخذت حكمه، ولذا فإن الامام مالكا يرى انه يجب فتح الذرائع في الحالة الاولى لان المصلحة مطلوبة، وسدها في الحالة الثانية لان المفاسد ممنوعة (4))، اللهم إلا ان يكون ذلك مجرد اصطلاح خاص لهم ولا حساب لنا معه. ولعل أقرب تعاريفها إلى السلامة ما ذكره ابن القيم من أن (الذريعة


(1) الموافقات، ج 4 ص 199. (2) المدخل للفقه الاسلامي، ص 266. (3 - 4) المدخل للفقه الاسلامي، ص 266. (*)

[ 408 ]

ما كان وسيلة وطريقا إلى الشئ (1))، وهو مأخوذ من مفهومها اللغوي، إلا أن تعميم الشئ فيه يجعله غير مانع من الغير لدخول جميع الوسائل المفضية إلى غير الاحكام الشرعية، وهو ما لا يتصل بحثه بوظيفة الاصولي فالانسب تعريفها ب‍: (الوسيلة المفضية إلى الاحكام الخمسة) ليشمل بحثها كل ما يتصل بالذريعة وأحكامها من أبحاث سواء أفضت إلى مصالح أم مفاسد ام غيرها، على أن الذي ركز عليه الباحثون من أقسامها هو الذريعة المفضية إلى مفسدة وخصوصا بأكثر أحاديثهم. أقسام الذريعة: وقد قسمها ابن القيم إلى أقسام أربعة: 1 - الوسائل الموضوعة للافضاء إلى المفسدة، ومثل لها بشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش، وليس لهذه الافعال ظواهر غير الافضاء إلى المفسدة. 2 - الوسائل الموضوعة للامور المباحة، إلا أن فاعلها قصد بها التوسل إلى المفسدة، ومثالها فعل من يعقد النكاح قاصدا به التحليل، أو يعقد البيع قاصدا به الربا. 3 - الوسائل الموضوعة للامور المباحة، والتي لم يقصد التوسل بها إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبا ومفسدتها أرجح من مصلحتها، ومثالها مسبة آلهة المشركين بين ظهرانيهم فيسبوا الله عدوا، وتزين المتوفى عنها زوجها في زمن عدتها. 4 - الوسائل الموضوعة للمباح، وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها، ومثلوا لها بالنظر إلى المخطوبة والمشهود عليها، وكلمة


(1) اعلام الموقعين، ج 3 ص 147. (*)

[ 409 ]

الحق عند سلطان جائر (1). حكمها: أما حكمها فقد اختلفوا فيه، فالذي عليه ابن القيم وجماعة ان الوسيلة تأخذ حكمها مما تنهي إليه، وقرب ذلك بقوله: (لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا باسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها واسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب افضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والاذن فيها بحسب افضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل). (فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له ومنعا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه، لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الاباء (2)). ومن رأيه - أعني ابن القيم - تحريم جميع تلكم الاقسام، التي ذكرها للوسيلة، عدا القسم الرابع وهو ما كان موضوعا للمباح، وقد يفضي إلى مفسدة، ومصلحته أرجح من مفسدته (3). ولكن المالكية والحنابلة ركزوا في الحرمة على خصوص القسم الثاني منها - أعني الوسائل الموضوعة للامور المباحة - ويقصد فاعلها التوصل بها إلى المفسدة (4).


(1) اعلام الموقعين، ج 3 ص 148. (2) أعلام الموقعين، ج 3 ص 147. (3) أعلام الموقعين، ج 3 ص 148. (4) المدخل للفقه الاسلامي، ص 269. (*)

[ 410 ]

ولقد حررت هذه المسألة في كتب الشيعة الامامية في مبحث مقدمة الواجب من الاصول. وقد كادت ان تطبق كلمتهم على اعتبار المقدمة تابعة في حكمها لذي المقدمة على اختلاف في معنى هذه التبعية وفي حدودها من حيث الاطلاق والتقييد. وكلماتهم مختلفة في ذلك جدا، وربما بلغت أقوال المسألة أكثر من عشرة. ولعل اسد هذه الآراء واقواها أدلة هو ما ذهب إليه بعض المتأخرين من الحجج امثال: المرحوم الشيخ محمد حسين الاصفهاني، والسيد محسن الحكيم، والسيد ابو القاسم الخوئي، من انكار تبعيتها لذي المقدمة في حكمها، وإنما لها حكمها المستقل المأخوذ من ادلته الخاصة. الادلة على الحكم: أدلتها من الكتاب والسنة: ولقد ذكر ابن القيم ما يقارب المائة بين آية وحديث استقرأها في مظانها، فوجد فيها جميعا اتحاد الحكم في الوسائل وما تفضي إليه، مما يدل على ان الشارع يعطي الوسائل دائما حكم ما تنهي إليه. والامثلة التي ذكرها منصبة في الغالب على الوسائل المحرمة لديه، امثال قوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم (1)) وقوله تعالى: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن (2)). ولكن ليس في هذه المواقع التي عرضها ما يصرح بأن التحريم فيها جميعا انما كان من اجل كونها وسيلة إلى الغير لا لمفاسد في ذاتها توجب لها التحريم النفسي، كضربهن بأرجلهن والنظر إلى الاجنبية، هكذا...


(1) الانعام / 108. (2) النور / 31. (*)

[ 411 ]

وإذا شككنا في كون الحرمة نفسية أو غيرية، فمقتضى إطلاقها انها نفسية، لان الحرمة الغيرية مما تحتاج إلى بيان زائد، ومع عدمه وهو في مقام البيان فالظاهر العدم. على أنا لا نمنع أن يتخذ الشارع احتياطات لبعض ملاكات أحكامه التي يحرص أن لا يفوتها المكلف بحال، فيأمر أو ينهي عن بعض ما يفضي إليها تحقيقا لهذا الغرض، إلا أن ذلك لا يتخذ طابع القاعدة العامة، ولعل الكثير من الأمثلة التي ذكرها منصبة على هذا النوع. ويكفينا أن لا يكون في هذه الامثلة من التعليلات ما يصلح لان يتمسك بعمومه أو إطلاقه لتحريم جميع المقدمات التي تقع في طريق المحرمات، مهما كان نوعها، وليس علينا إلا ان نتقيد بخصوص هذه المواقع التي ثبت لها التحريم. أدلتها من العقل: وعمدة ما استدل به على التوافق في الحكم بين المقدمة وذيها، ما أشار إليه ابن القيم وغيره من دعوى الملازمة، بين حكم الشارع بوجوب أو حرمة شئ، ووجوب أو حرمة وسائله وذرائعه (فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له ومنعا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه، لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى، وعلمه يأبى ذلك كل الاباء (1)). والظاهر ان هذه الدعوى لا مأخذ لها لان الاحكام الواقعية إنما هي وليدة مصالح أو مفاسد في متعلقاتها، وإذا كان في الشئ مفسدة توجب


(1) أعلام الموقعين، ج 3 ص 148. (*)

[ 412 ]

جعل الحرمة له من قبل الشارع فلا يلزم ان يكون في ذرائعها مفاسد أيضا ليلزم وضع الحرمة على وفقها ودعوى ان المتلازمين يجب ان يأخذا حكما واحدا، لا مأخذ لها كما سبق شرحه، إذ لا يلزم فيهما ان يكونا متحدين من حيث اشتمالهما على ملاك الحكم ليتحدا في الحكم، وغاية ما تلزم به الملازمة ان لا يفترقا في حكمهما على نحو الوجوب والحرمة لتعذر امتثالهما معا، وفي هذا الحال تعود المسألة إلى صغريات باب التزاحم الآمري الذي يدعو إلى الموازنة في مقام الثبوت لدى الآمر نفسه، واختيار أصلحهما للمكلف. نعم، قد يقال بأن الهدف من جعل الاحكام، هو جعل الدواعي في نفوس المكلفين لامتثال تكاليف المولى، وإنما جعلت الاحكام على الذرائع توفيرا لدواعي امثتال ما تفضي إليه. ولكن هذا القول أيضا لا مأخذ له، لان الدواعي إلى الامتثال إن احدثها الامر بذي المقدمة أو النهي عنها، فالامر بالمقدمة لا يصنع شيئا ولا يولد داعيا للزوم تحصيل الحاصل وإن لم يحدثها - لتمرد المكلف على مولاه - فألف أمر بالمقدمة لا يؤثر شيئا ولا يحدث داعيا. والظاهر أن هذه هي وجهة نظر اساتذتنا المتأخرين الذين ذهبوا إلى عدم وجوب المقدمة كالسيد الحكيم والشيخ الاصفهاني والسيد الخوئي. وقد ذكر الشيخ المظفر نسبة هذه الرأي إليهم، واستدل له بقوله: (وذلك لانه إذا كان الامر بذي المقدمة داعيا للمكلف إلى الاتيان بالمأمور به فإن دعوته هذه - لا محالة بحكم العقل - تحمله وتدعوه إلى الاتيان بكل ما يتوقف عليه المأمور به تحصيلا له، ومع فرض وجود هذا الداعي في نفس المكلف لا تبقى حاجة إلى داع آخر من قبل المولى مع علم المولى، حسب الفرض بوجود هذا الداعي، لان الامر المولوي،

[ 413 ]

سواء كان نفسيا أم غيريا، إنما يجعله المولى لغرض تحريك المكلف نحو فعل المأمور به، إذ يجعل الداعي في نفسه حيث لا داعي، بل يستحيل في هذا الفرض جعل الداعي الثاني من المولى لانه يكون من باب تحصيل الحاصل (1)). وما يقال عن الوجوب، يقال عن بقية الاحكام الاقتضائية لوحدة الملاك فيهما. يقول شيخنا النائني: (لا يخفى أن ما ذكرنا من الوجوه والاقوال في مقدمة الواجب يجري في مقدمة المستحب (2)). ويقول أيضا: (وأما مقدمات المكروه فحالها حال مقدمات الحرام (3)). وإذا صح هذا اتضحت اوجه المفارقة في كلمات ابن القيم من دعواه الملازمة بين إباحة الذريعة ونقض التحريم، لان اباحة الشئ لا تستلزم الاتيان به ليلزم نقض التحريم، وتوقف امتثال التحريم على عدم الاتيان بالذريعة المفضية إليه توقف عقلي محض، والاحكام العقلية لا تستلزم احكاما شرعية دائما لما سبق ان قلنا في مبحث العقل من امتناع ذلك احيانا كما هو الشأن في هذه المسألة بناء على ما قالوه من لزوم تحصيل الحاصل فيها، وكما هو الشأن في أوامر الاطاعة وغيرها، نعم الذي يفضي إلى نقض التحريم هو جعل الوجوب للذريعة لا الاباحة، وليس هناك ما يمنع من ان يبيح الشارع شيئا ويلزم العقل به ما دامت أحكام الشارع وليدة مصالح أو مفاسد في المتعلقات، فالذريعة التي لا مصلحة ولا مفسدة فيها لا معنى لجعل غير الاباحة لها، وإلزام العقل بها لتوقف امتثال ما تفضي إليه عليها لا ينافي اباحتها الشرعية، وحسب الشارع ان يتكل على حكم العقل في


(1) أصول الفقه، ج 2 ص 85. (2) أجود التقريرات، ج 1 ص 248. (3) أجود التقريرات، ج 1 ص 250. (*)

[ 414 ]

لزوم الاتيان بها أو الارتداع عنها لتحقيق غرضه. وبهذا يتضح ان ما ورد على لسان الشارع مما هو صريح بالردع عن الاتيان بالمقدمات المحرمة، انما هو من قبيل الارشاد إلى حكم العقل والتأكيد له، لا انها أحكام تأسيسية. ومن هنا صح القول بأن الاوامر والنواهي الغيرية لا تستدعي ثوابا ولا عقابا، وبدا مثل هذا القول منطقيا ومنسجما على هذا المبنى، وإلا فما معنى توجيه الامر المولوي أو النهي إذا كان وجوده كعدمه من حيث استحقاق الثواب والعقاب ؟ وفي حدود ما اطلعت عليه من كلماتهم أنهم متفقون على ان الثواب والعقاب انما هو على خصوص ذي المقدمة، فالشخص الذي يترك الصلاة مثلا، لا يعاقب على أكثر من تركها، فالوجوب المقدمي المتوجه على التستر والاستقبال وغيرهما من المقدمات، لا تستحق مخالفته عقابا في مقابل ذي المقدمة، وهكذا بالنسبة إلى مقدمات الحرام. نعم لا يبعد القول ان مخالفة بعض النواهي - التي جعلها الشارع سدا عن الوقوع في بعض المحرمات التي يبغض الشارع وقوعها بغضا شديدا لكثرة مفاسدها، كالاحكام المتعلقة بالدماء والاموال والفروج مما ثبت نهي الشارع عن اقتحام شبهاتها حذرا من الوقوع في مفاسدها - تستدعي عقابا على المخالفة حتى مع عدم مصادفة الشبهة للواقع، ولكن من باب التجري أو ما يشبهه - لو قلنا باستحقاق العقاب عليه - لا من باب مخالفة الحكم الواقعي إذ لا مخالفة كما هو الغرض. خلاصة وتعقيب: والخلاصة ان جل من تعرفنا عليهم من الاصوليين - شيعة وسنة -

[ 415 ]

باستثناء بعض محققيهم من المتأخرين، هم من القائلين بفتح الذرائع وسدها وإن لم يتفقوا في حدود ما يأخذون منها وما يتركون، يقول الاستاذ سلام: (الواقع ان الفقهاء جميعا يأخذون بأصل الذرائع مع اختلاف في. مقدار الاخذ به وتباين في طريقة الوصول إلى الحكم، إذ المشاهد في أحكام الفروع ان أكثر الفقهاء يعطي الوسيلة - الذريعة - حكم الغاية إذا تعينت الوسيلة لهذه الغاية، أما إذا لم تتعين طريقا لها، فالمشهور عن الامام مالك انها تعتبر أصلا للاحكام، ويقرب منه في ذلك الامام احمد، وتبعهما ابن تيمية وابن القيم (1)). والذي يقتضي التعقيب عليه - بعد التغافل عن صلاحية ما استدلوا به من الادلة على المبنى - هو اعتبار سد الذرائع وفتحها أصلا في مقابل بقية الاصول مع انها لا تعدو كونها من صغريات السنة أو العقل. لان اكتشاف حكم المقدمة اما ان يستفاد من العقل بقاعدة الملازمة، بمعنى ان العقل يحكم بوجود ملازمة بين الحكم على شئ والحكم على مقدمته، فإذا علمنا ان الشارع قد حكم على ذي المقدمة بالوجوب فقد علمنا بحكمه على المقدمة كذلك، وعندها تكون من صغريات حكم العقل وليست أصلا برأسه، واما ان يستفاد من طريق الملازمة اللفظية أي من الدلالة الالتزامية لادلة الاحكام، كما هو مبنى فريق بدعوى ان اللفظ الدال على وجوب الصلاة هو بنفسه يدل على لازمه وهو وجوب مقدماتها، وعليها يكون وجوب المقدمات مدلولا للسنة، فتكون المسألة من صغريات دليل السنة، وقد عرفت ان الادلة السمعية التي ساقها ابن القيم على كونها أصلا لا تعدو ان تكون إرشادية لحكم العقل بالملازمة. فقول مالك واحمد وابن تيمية وابن القيم: انها من أصول الاحكام في مقابل بقية الاصول، لا يتضح له وجه.


(1) المدخل للفقه الاسلامي، ص 270. (*)

[ 417 ]

الباب الاول القسم التاسع العرف تعريف العرف، الفرق بينه وبين الاجماع، تقسيماته: تقسيمه إلى عام وخاص، العرف العام، العرف الخاص، تقسيمه إلى عرف عملي وقولي: العرف العملي، العرف القولي، تقسيمه إلى الصحيح والفاسد: العرف الصحيح، العرف الفاسد، مجالات العرف، هل العرف أصل ؟ حجيته وأدلتها

[ 419 ]

تعريف العرف: ذكروا للعرف تعريفات متعددة، لا يخلو أكثرها من بعد عن الفن نعرض نماذج منها: فقد عرفه الجرجاني بقوله: (العرف ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبايع بالقبول (1)). وعرفه الاستاذ علي حيدر في شرحه للمجلة عندما عرف العادة بقوله: (هي الامر الذي يتقرر بالنفوس ويكون مقبولا عند ذوي الطباع السليمة بتكراره المرة بعد المرة) ثم قال: (والعرف بمعنى العادة (2)). وقريب منهما تعريف ابن عابدين له (3). ويرد على هذه التعاريف أخذها شهادة العقول وتلقي الطباع له بالقبول في مفهومه، مع ان الاعراف تتفاوت وتختلف باختلاف الازمنة والامكنة فهل تختلف العقول والطباع السليمة معها أم ماذا ؟ ! ثم ان قسما من الاعراف أسموها بالاعراف الفاسدة، فهل ان هذه الاعراف مما تقبلها العقول والطباع السليمة ؟ ! وكيف يتسع التعريف لها وهي مجانبة للسليم من الطباع ! مع أنهم جميعا يذكرون في تقسيماته انقسامه إلى فاسد وصحيح، إلى غير ذلك مما يرد عليها. ولعل أقرب تعريفاته التي ذكروها إلى الفن ما ورد على لسان الاستاذ خلاف من ان (العرف ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك) ثم قال: (ويسمى العادة (4)).


(1) سلم الوصول، ص 317. (2 - 3) سلم الوصول، ص 317. (4) علم أصول الفقه، لخلاف، ص 99. (*)

[ 420 ]

الفرق بينه وبين الاجماع: ان الاجماع لا ينعقد إلا باتفاق الامة أو مجتهديها أو مجتهدي مذهب معين على اختلاف في المباني سبق عرضه، ولكن عنصر الاتفاق مأخوذ فيه بينما لا يؤخذ في العرف هذا العنصر بل يكفي فيه سلوك الاكثرية، ويشترك في هذا السلوك المجتهدون وغيرهم بما فيهم العامة والخاصة، والقارئون منهم والاميون، فهو أقرب إلى ما سبق ان سميناه بالسيرة. تقسيماته: وقد ذكروا له تقسيمات متعددة نعرض أهمها: أ - تقسيمه إلى عام وخاص: 1 - العرف العام: ويراد به العرف الذي يشترك فيه غالبية الناس على اختلاف في أزمانهم وبيئاتهم وثقافاتهم ومستوياتهم، فهو أقرب إلى ما أسموه ببناء العقلاء. وينتظم في هذا القسم كثير من الظواهر الاجتماعية العامة وغيرها أمثال رجوع الجاهل إلى العالم، وعدم نقض اليقين بالشك وعادة التدخين. 2 - العرف الخاص: وهو العرف الذي يصدر عنه فئة من الناس تجمعهم وحدة من زمان معين أو مكان كذلك أو مهنة خاصة أو فن، كالاعراف التي تسود في بلد أو قطر خاص، أو تسود بين أرباب مهنة خاصة أو علم أو فن، ويدخل في هذا القسم كثير من عوالم استعمال الالفاظ وإعطائها طابعا خاصا له تميزه عند اهل ذلك العرف، وقسم من المعاملات التي يتميزون

[ 421 ]

بها عن غيرهم من اهل الاعرف الاخر، كما ينتظم في هذا أنواع السلوك التي تتصل بآداب اللياقة وأصول المعاشرة. ب - تقسيمه إلى عرف عملي وقولي: 1 - العرف العملي: وأرادوا به العرف الذي يصدرون عنه في قسم من أعمالهم الخاصة، كشيوع البيوع المعاطاتية في بعض البيئات. 2 - العرف القولي: وهو الذي يعطي الالفاظ عندهم معاني خاصة تختلف عن مداليلها اللغوية، وعن مداليلها عند الآخرين من أهل الاعراف كاطلاق العراقيين لفظة الولد على خصوص الذكر بينما يطلق في اللغة على الاعم من الذكر والانثى. ج - تقسيمه إلى الصحيح والفاسد: 1 - العرف الصحيح: (وهو ما تعارفه الناس وليست فيه مخالفة لنص ولا تفويت مصلحة ولا جلب مفسدة، كتعارفهم اطلاق لفظ على معنى عرفي له غير معناه اللغوي، وتعارفهم وقف بعض المنقولات وتعارفهم تقديم بعض المهر وتأجيل بعضه، وتعارفهم أن ما يقدمه الخاطب إلى خطيبته من ثياب وحلوى ونحوها يعتبر هدية وليس من المهر (1)). 2 - العرف الفاسد: وهو الذي يتعارف بين قسم من الناس، وفيه مخالفة للشرع كتعارفهم بعض العقود الربوية، أو لعب الشطرنج، أو ارتياد الملاهي، وشرب المسكرات وغيرها مما علم من الشارع المقدس الردع عنه.


(1) مصادر التشريع الاسلامي، ص 124. (*)

[ 422 ]

مجالات العرف: ومجالات العرف التي تقع ضمن نطاق حديثنا ثلاثة: 1 - ما يستكشف منه حكم شرعي فيما لا نص فيه مثل الاستصناع وعقد الفضولي. وانما يكتشف منه مثل هذا الحكم بعد إثبات كونه من الاعراف العامة التي تتخطى طابع الزمان والمكان لنستطيع ان نبلغ بها عصر المعصومين ونضمن إقرارهم لها لتصبح سنة بالاقرار، ويدخل ضمن هذا المجال كل ما قامت عليه سيرة المتشرعة أو بناء العقلاء أو قل كلما كان من الاعراف العامة التي تتسع بمدلولها لمختلف الازمنة والامكنة بما فيها عصر المعصومين. 2 - ما يرجع إليه لتشخيص بعض المفاهيم التي أوكل الشارع أمر تحديدها إلى العرف مثل لفظ الاناء والصعيد، ونظائرها مما أخذ موضوعا في ألسنة بعض الادلة. والظاهر ان بعض الاحكام إنما وردت على موضوعات عرفية، فتشخيص مثل هذه الموضوعات مما يرجع به إلى العرف، وفي هذا القسم نرى تفاوت الاحكام بتفاوت موضوعاتها الناشئ من اختلاف الاعراف باختلاف الازمنة والبيئات، فمصاريف الزكاة التي ذكرتها الآية المباركة أكثر مواضيعها عرفية. فالفقير - وهو من لا يملك قوت سنته قوة أو فعلا - تتفاوت مصاديقه بتفاوت الاعراف في تحديد القوت، وفي سبيل الله يتفاوت بتفاوت درجة حضارة الامة ومستواها، فالامة التي تحتاج إلى صنع مركبة فضائية - مثلا - لضروراتها الحضارية التي لا تتنافى مع الشريعة، أو التي تستخدم لخدمة الدين وتركيز مبادئه كالتي تستعمل في البث التلفزي إذا استخدمت برامجه في خدمة الانسان ورفع مستواه الخلقي والاجتماعي إلى ما تريده له الشريعة في تعاليمها الخالدة، أقول هذه الامة - فيما أتخيل - لا تخرج في

[ 423 ]

صنعها لها على موضوع (سبيل الله) المأخوذ من مصاريف الاموال الزكوية، والمقياس فيه هو سد حاجة عامة مشروعة فما انتظم في هذا العنوان كان سبيلا لله وهكذا... 3 - المجال الذي يرجع إليه لاستكشاف مرادات المتكلمين عندما يطلقون الالفاظ سواء كان المتكلم هو الشارع أم غيره، وينتظم في هذا القسم بالنسبة إلى استكشاف مرادات الشارع ما يرجع إلى الدلالات الالتزامية بالنسبة لكلامه إذا كان منشأ الدلالة الملازمات العرفية، كحكم الشارع مثلا بطهارة الخمر إذا انقلب إلى خل الملازم عرفا للحكم بطهارة جميع أطراف إنائه، كما ينتظم فيها كلما يصلح ان يكون قرينة على تحديد المراد من كلامه، وهكذا... أما بالنسبة إلى استكشاف مرادات غيره فيدخل ضمن هذا القسم منه كلما يرجع إلى أبواب الاقرارات والوصايا والشروط والوقف وغيرها، إذا استعملت بألفاظ لها دلالاتها العرفية، سواء كان العرف عاما أم خاصا. هل العرف أصل ؟ ومن هذه المجالات يستكشف أن العرف ليس أصلا بذاته في مقابل الاصول. أما ما يتصل بالمجال الاول فواضح لرجوعه إلى السنة بالاقرار، لان المدار في حجيته هو إقرار الشارع له لبداهة أن العرف لا يكسبنا قطعا بجعل الحكم على وفقه، فلا بد من رجوعه إلى حجة قطعية، وليست هي إلا اقرار الشارع أو امضاءه له، والامضاء إنما قام على أحكام عرفية خاصة لا على أصل العرف. فالشارع أمضى الاستصناع أو عقد الفضولي مثلا، وهما حكمان عرفيان،

[ 424 ]

ولم يمض جميع ما لدى العرف من أحكام، بل لم يمض أصل العرف كما يتوهم ليكون أصلا في مقابل السنة لعدم الدليل على هذه التوسعة. أما المجالان الآخران، فلا يزيد أمرهما على تشخيص صغريات السنة حكما أو موضوعا، وقد مضى القول منا أن كل ما يتصل بتشخيص الصغرى لمسألة أصولية، فهو ليس من الاصول بشئ، فعد العرف أصلا في مقابل الاصول لا أعرف له وجها. حجيته وأدلتها: وما ذكر من أدلة حجيته لا يصلح لاثبات ذلك والادلة التي ساقوها على الحجية هي: 1 - رواية عبد الله بن مسعود السابقة (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)، وقد استدل السرخسي بها في (المبسوط) على ذلك يقول: (وتعامل الناس من غير نكير أصل من الاصول كبير لقوله (صلى الله عليه وآله): ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن (1))، كما استدل ابن الهمام بها على ذلك (2). ويرد على هذا الاستدلال: ما سبق أن أوردناه على الرواية من كونها مقطوعة، واحتمال أن تكون كلاما لابن مسعود لا رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وهي لا تصلح للحجية بالاضافة إلى ان العرف لا علاقة له بعوالم الحسن لعدم ابتنائه عليها غالبا، وما اكثر الاعراف غير المعللة لدى الناس، والمعلل منها - أي الذي يدرك العقل وجه حسنه نادر جدا -، فالاستدلال - لو تم - فهو أضيق من المدعى، وحتى في هذه الحدود الضيقة، لا يجعله أصلا مستقلا وإنما يكون من صغريات حكم العقل لما مر من أن


(1 - 2) سلم الوصول، ص 322 نقلا عنهما. (*)

[ 425 ]

هذا الحديث لا يزيد على كونه تأكيدا لحكم العقل، أو أنه من أدلة الاجماع، فتكون المسألة على تقديرها من صغريات حجية الاجماع. 2 - قولهم: (إن الشارع الاسلامي في تشريعه راعى عرف العرب في بعض أحكامه فوضع الدية على العاقلة واشترط الكفاءة في الزواج... الخ (1)). والجواب عليه: أن الشارع لم يراع العرف بما أنه عرف، وإنما وافقت أحكامه بعض ما عند العرف فأبرزها بطريق الاقرار، ولذلك اعتبرنا إقراره سنة، وفرق بين أن يقر حكما لدى أهل العرف لموافقته لاحكامه وبين أن يعتبر نفس العرف أصلا يرجع إليه في الكشف عن الاحكام الواقعية، فما أقره من الاحكام العرفية يكون من السنة وليس أصلا برأسه في مقابلها. 3 - قولهم: (إن ما يتعارفه الناس من قول أو فعل يصير من نظام حياتهم ومن حاجاتهم، فإذا قالوا أو كتبوا فإنما يعنون المعنى المتعارف لهم، وإذا عملوا فإنما يعملون على وفق ما تعارفوه واعتادوه، وإذا سكتوا عن التصريح بشئ فهو اكتفاء بما يقضي به عرفهم، ولذا قال الفقهاء: المعروف عرفا كالمشروط شرطا. وقالوا: إن الشرط في العقد يكون صحيحا إذا اقتضاه العقد، وورد به الشرع أو جرى به العرف (2)). وهذا الدليل لا أعرف له محصلا فكون ما يتعارفه الناس يصبح من نظام حياتهم لا يصلح دليلا لاستكشاف الحكم الشرعي منه، وليس عندنا من الادلة ما يسمى بنظام الحياة، والذي نعرفه من أنظمة الحياة التي تعارف عليها الناس ان بعضها ممضى في الاسلام فهو حجة، وبعضها غير ممضى فهو ليس بحجة ولا يسوغ الركون إليه، وكم من العادات والاعراف


(1) مصادر التشريع، ص 124. (2) مصادر التشريع، ص 124، والاستدلال به كسابقه للاستاذ خلاف فيما يبدو. (*)

[ 426 ]

التي كانت سائدة في الجاهلية قد استأصلت في الاسلام وبعضها مجهول الحال لعدم الدليل عليه نفيا أو إثباتا، ومثل هذا محكوم بالاباحة الظاهرية. هذا إذا أريد من العرف العرف في مجاله الاول، أي العرف الذي يراد معرفة حكم الشارع منه، أما إذا أريد منه العرف في مجاليه الآخرين أعني ما أوكل الشارع تحديد موضوعاته إليه، أو ما استكشف من مرادات المتكلمين فهو - وان كان حجة بمعنى انه المرجع لتحديد المراد أو تشخيص الموضوع - إلا أنه لا يشكل كبرى كلية تقع في طريق الاستنباط ليكون أصلا في مقابل الاصول، وإنما وظيفته تنقيح الصغريات لموضوع الحكم الكلي، أو الصغريات لقياس الاستنباط وحال الثالث منه في بعض صوره حال مباحث الالفاظ في تنقيح الظهور للسنة أو الكتاب. ولعل مراد العلامة الشيخ ابراهيم الرياحي التونسي من قوله: (والعرف المعتبر هو ما يخصص العام ويقيد المطلق (1))، هو هذا القسم - أعني خصوص الذي يستكشف منه مرادات الشارع فيما يصلح ان يكون قرينة عليها. وبهذا ندرك أنه لا موضع للاطلاق في أمثال هذه الكلمات التي اشتهرت على ألسنة كثير من الفقهاء والحقوقيين: العرف في الشرع له اعتبار. العرف شريعة محكمة. التعيين بالعرف كالتعيين بالنص. الثابت بالعرف كالثابت بالنص. العادة محكمة. وأمثالها من التعميمات التي لا تستند بعمومها على أساس.


(1) مصادر التشريع، ص 125. (*)

[ 427 ]

الباب الاول القسم العاشر شرع من قبلنا تعريفه، الخلاف في حجيته، أدلة المثبتين، العلم الاجمالي بالتحريف، أدلة النفاة، الاصل العملي، الخلاصة، ملاحظة.

[ 429 ]

تعريفه: يراد بشرع من قبلنا: هو خصوص الشرائع التي أنزلها الله عزوجل على أنبيائه، وثبت شمولها في وقتها لجميع البشر كاليهودية والمسيحية. الخلاف في حجيته: والذي يبدو من مجموع ما رأيته ان هناك فروضا متعددة في المسألة - ولعلها أقوال أيضا بعضها يذهب إلى انها شرع لنا مطلقا إلا ما ثبت نسخه في شريعتنا منها، وبعضها يرى أنها ليست بشرع لنا مطلقا، وان النسخ مسلط عليها جملة وتفصيلا (بحيث لو كان حكم في الشريعة اللاحقة موافقا لما في الشريعة السابقة، لكان الحكم المجعول في الشريعة اللاحقة مماثلا للحكم المجعول في الشريعة السابقة لا بقاء له، فيكون مثل إباحة شرب الماء الذي هو ثابت في جميع الشرائع، مجعولا في كل شريعة مستقلا، غاية الامر أنها أحكام متماثلة (1)). وفحوى القول الثالث هو: (ان ما قصه علينا الله ورسوله - من أحكام الشرائع السابقة ولم يرد في شرعنا ما يدل على انه مكتوب علينا كما كتب عليهم، أو أنه مرفوع أو منسوخ كقوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا (2)) وقوله: (وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص (3))، - شرع لنا وعلينا اتباعه وتطبيقه ما دام قد قص علينا ولم يرد في شرعنا


(1) مصباح الاصول، ص 149. (2) المائدة / 32. (3) المائدة / 45. (*)

[ 430 ]

ما ينسخه (1))، وقد حكي هذا القول عن جمهور الحنفية وبعض المالكية والشافعية (2). أدلة المثبتين: وقد استدل المثبتون مطلقا بآيات من كتاب الله تعالى فحواها: اعتبار الشرائع السابقة شريعة للنبي (صلى الله عليه وآله) أمثال قوله تعالى: (اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده (3))، وقوله تعالى: (ثم أوحينا اليك ان اتبع ملة ابراهيم حنيفا (4))، وقوله سبحانه: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا (5))، وقوله: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون (6)). كما استدلوا باستشهاد النبي (صلى الله عليه وآله) في مقام التشريع بأحكام وردت في شريعة سابقة، كاستشهاده في أثناء قوله (صلى الله عليه وآله): (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، بقوله تعالى: (وأقم الصلاة لذكري (7))، وهو خطاب مع موسى (عليه السلام) إلى غير ذلك من الاحاديث (8) وهذه الادلة - لو تمت دلالتها، وسلمت من مناقشات الغزالي لها حين عرضها في هذا المبحث، وبعضها لا يخلو من أصالة - انها لا تدل على أكثر من إقرار أصل تلكم الشرائع. ولكن إقرار أصل الشرائع لا ينفعنا في مجالاتنا الخاصة، لان أصل الشرائع السابقة ليست موضعا لابتلائنا اليوم لاختفاء معالمها الاساسية عنا. وإذا أردنا ان نتكلم - باسم الفن - قلنا ان طرو: العلم الاجمالي بالتحريف: عليها يمنع من الاخذ بظواهرها جميعا، وتقريبه انا نعلم أن هذه


(1) علم أصول الفقه لخلاف، ص 105. (2) علم أصول الفقه لخلاف، ص 105 (3) الانعام / 90. (4) النحل / 123. (5) الشورى / 13. (6) المائدة / 44. (7) طه / 14. (8) اقرأ ذلك في المستصفى، ج 1 ص 134 وما بعدها. (*)

[ 431 ]

الشرائع المتداولة ليست هي الشرائع بكامل خصوصياتها لتناقض مضامين كل شريعة على نفسها، وانتشار السخف في قسم من محتوياتها، وابتعاد أكثرها عن كونها نظاما للحياة، وهو الاساس لكل رسالة سماوية مما يدل إجمالا على طرو التحريف عليها. والعلم الاجمالي بالتحريف يمنع من الاخذ بظواهرها جميعا، لان كل طرف نمسكه نحتمل طرو التحريف عليه، وأصالة عدم التحريف لا تنفع في هذا المجال لعدم جريان الاصول في أطراف العلم الاجمالي المنجز كما يأتي تقريبه في مباحث الاحتياط، أو لتساقطها، وليس هذا العلم ما يحله لدينا لنرجع إليه. نعم، إذا تم ذلك الاستدلال - أعني استدلال المثبتين - وتمت مناقشتنا له، فإن رأي جمهور الحنفية السابق، يكون من أمتن الآراء وأقواها، لان ما حكي من الشرائع في الكتاب العزيز لا يحتمل فيه التحريف فهو صحيح النسبة لها، وإذا تمت حجيتها - بالاقرار من قبل شريعتنا لاصل الشرائع - فقد تم حجية ما صح عنها، وعلينا اتباعه على كل حال. أدلة النفاة: وأهم ما استدل به نفاة حجية الشرائع السابقة ثلاثة أدلة: أولها: حديث معاذ السابق وهو: (أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: بم تحكم ؟ قال بالكتاب والسنة والاجتهاد، ولم يذكر التوراة والانجيل، وشرع من قبلنا، فزكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصوبه، ولو كان ذلك من مدارك الاحكام لما جاز العدول إلى الاجتهاد إلا بعد العجز عنه (1)).


(1) المستصفى، ج 1 ص 133. (*)

[ 432 ]

وهذا الاستدلال متين جدا لو لم تكن رواية معاذ من الموضوعات عليه، وقد سبق أن ناقشناها ونظائرها في مبحث القياس فلا نعيد. ثانيها: (ان ذلك لو كان مدركا لكان تعلمها ونقلها وحفظها من فروض الكفايات كالقرآن، والاخبار، ولرجعوا إليها في مواضع اختلافهم، حيث أشكل عليهم كمسألة العول، وميراث الجد، والمفوضة، وبيع أم الولد، وحد الشرب، والربا في النسيئة، ومتعة النساء، ودية الجنين، وحكم المكاتب إذا كان عليه شئ من النجوم، والرد بالعيب بعد الوطأ، والتقاء الختانين، وغير ذلك من أحكام لا تنفك الاديان والكتب عنها، ولم ينقل عن واحد منهم مع طول أعمارهم وكثرة وقائعهم واختلافاتهم مراجعة التوراة، لا سيما وقد اسلم من احبارهم من تقوم الحجة بقولهم، كعبد الله بن سلام، وكعب الاحبار، ووهب، وغيرهم، ولا يجوز القياس إلا بعد اليأس من الكتاب، فكيف يحصل القياس قبل العلم (1)). وهذا الاستدلال كسابقه من أمتن الادلة التي يمكن ان تساق في هذا المجال للقطع بمضمونه بل ربما حول المسألة إلى كونها من الضروريات إلا أنه لا ينفي إقرار أصل الشرائع السابقة كما لا ينفي صحة ما ذهب إليه جمهور الحنفية، وغاية ما ينفيه عدم الرجوع إلى الكتب المتداولة للشرائع وهي مما يعلم بدخول التحريف عليها، فلا تكون حجة نعم إذا تم ما ادعاه بعد ذلك من اطباق الامة على ان هذه الشريعة ناسخة (2)) لها بطل القولان السابقان، إلا ان الاشكال في تحقق هذا الاجماع مع كثرة الخلاف في المسألة من أفراد الامة، ولا أقل من جمهور الحنفية وغيرهم المانع من انعقاد اجماعها.


(1 - 2) المستصفى، ج 1 ص 134، والامثلة التي ذكرها لا يخلو بعضها من مناقشة لورود النص فيه، اقرأ ما كتبه المؤلف عن المتعة في كتابه (الزواج الموقت ودوره في حل مشاكل الجنس) طبعة دار الاندلس، وما كتبه الامام شرف الدين في النص والاجتهاد. (*)

[ 433 ]

الاصل العملي: وهو إنما يرجع إليه عند العجز عن تحصيل الادلة الكاشفة عن الحكم الواقعي وتركز الشك، وقد تمسك بعضهم بالاستصحاب عند الشك في ارتفاع حكم ثبت في الشريعة السابقة بادعاء العلم بثبوته، والشك بارتفاعه بالنسخ بالنسبة الينا، فحكم ببقائه أخذا بالرواية الشريفة: (لا تنقض اليقين بالشك). وأهم ما ذكر في مناقشته ما عرضه بعض أساتذتنا (من ان النسخ في الاحكام الشرعية إنما هو بمعنى الدفع وبيان أمد الحكم، لان النسخ بمعنى رفع الحكم الثابت مستلزم للبداء المستحيل في حقه سبحانه وتعالى). (وقد ذكرنا غير مرة ان الاهمال بحسب الواقع ومقام الثبوت غير معقول، فإما ان يجعل المولى حكمه بلا تقييد بزمان ويعتبره إلى الابد وإما ان يجعله ممتدا إلى وقت معين). (وعليه فالشك في النسخ شك في سعة المجعول وضيقه من جهة احتمال اختصاصه بالموجودين في زمان الحضور، وكذا الكلام في أحكام الشرائع السابقة، فان الشك في نسخها شك في ثبوت التكليف بالنسبة إلى المعدومين لا شك في بقائه بعد العلم بثبوته، فإن احتمال البداء مستحيل في حقه تعالى، فلا مجال حينئذ لجريان الاستصحاب). (وتوهم أن جعل الاحكام على نحو القضايا الحقيقية ينافي اختصاصها بالموجودين مدفوع بأن جعل الاحكام على نحو القضايا الحقيقية معناه عدم دخل خصوصية الافراد في ثبوت الحكم لا عدم اختصاص الحكم بحصة دون حصة، فإذا شككنا في أن المحرم هو الخمر مطلقا أو خصوص الخمر المأخوذ من العنب، كان الشك في حرمة الخمر المأخوذ من غير العنب

[ 434 ]

شكا في ثبوت التكليف، ولا مجال لجريان الاستصحاب معه). (والمقام من هذا القبيل فإنا نشك في أن التكليف مجعول لجميع المكلفين، أو هو مختص بمدركي زمان الحضور فيكون احتمال التكليف بالنسبة إلى غير المدركين شكا في ثبوت التكليف لا في بقائه (1)). وكذلك الامر بالنسبة إلى من لم يدرك منا زمان ما قبل رسالتنا أي زمن (شرع من قبلنا). الخلاصة: والخلاصة ان الادلة اللفظية لو تمت حجيتها على إقرار الشرائع السابقة فهي إنما تدل على أصلها لا على كتبها المتداولة، والعلم الاجمالي في طرو التحريف على الاصل يمنع من التمسك بظواهر جميع أطرافها لاحتمال طرو النقص أو الزيادة على كل منها ولا مدفع لهذا الاحتمال من أصل أو غيره لعدم جريانها في أطراف العلم الاجمالي أو جريانها وتساقطها للمعارضة على اختلاف في المعنى. نعم لا يبعد تمامية ما ذهب إليه جمهور الحنفية وغيره لجمعه بين ما دل على أصل الامضاء للشرائع السابقة وما يقتضيه العلم الاجمالي من عدم حجية ظواهر ما دل على أحكام الشرائع السابقة من كتبها المنزلة، لان ما نقل منها في الكتاب العزيز لا تدخله شبهة التحريف فيكون هو الحجة وحده. وعلى أي حال، كون هذه الكتب المتداولة ليست حجة بالنسبة الينا، يقتضي ان يكون من الضروريات فلا حاجة لاطالة الكلام فيها. ملاحظة: لاحظنا أن أكثر الباحثين في شرع من قبلنا بدأوا أحاديثهم في


(1) مصباح الاصول، ص 148 تقريرا لآراء أستاذنا الخوئي. (*)

[ 435 ]

التساؤل عن ان النبي (صلى الله عليه وآله) هل كان متعبدا بشريعة من الشرائع التي سبقته وأيها هي ؟ واطالوا التحدث في الاجابة على هذا التساؤل والتماس الادلة له - كل من زاويته الخاصة -، ولكننا رأينا أن الدخول في هذا الحديث لا يرتبط برسالتنا - كمقارنين - لعدم ترتب أي ثمرة عملية على هذا الاختلاف، وما أصدق ما قاله إمام الحرمين: (هذه المسألة لا تظهر لها فائدة بل تجري مجرى التواريخ المنقولة (1))، ووافقه المازري والماوردي وغيرهما، يقول الشوكاني: (وهذا صحيح فإنه لا يتعلق بذلك فائدة باعتبار هذه الامة، ولكنه يعرف به في الجملة شرف تلك الملة التي تعبد بها وفضلها على غيرها من الملل المتقدمة على ملته (2)) وهي كما ترون، ثمرة غير عملية بالنسبة الينا.


(1 - 2) إرشاد الفحول، ص 239. (*)

[ 437 ]

الباب الاول القسم الحادي عشر مذهب الصحابي تعريفه، الخلاف في حجيته، دليل الغزالي ومناقشته، أدلة المثبتين، نهاية الباب.

[ 439 ]

تعريفه: ويريدون بمذهب الصحابي القول أو السلوك الذي يصدر عنه الصحابي ويتعبد به من دون ان يعرف له مستند. الخلاف في حجيته: وقد اختلفوا في حجيته فذهب (قوم إلى ان مذهب الصحابي حجة مطلقا، وقوم إلى انه حجة ان خالف القياس، وقوم إلى أن الحجة في قول ابي بكر وعمر خاصة لقوله صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا بالذين من بعدي)، وقوم إلى ان الحجة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا (1)) وفي رأي الغزالي ان جميع هذه الاقوال باطلة (2). دليل الغزالي ومناقشته: يقول: (ان من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ، وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة، وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف ؟ ! وكيف يختلف المعصومان ؟ كيف وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة ؟ ! فلم ينكر ابو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد ان يتبع اجتهاد نفسه (3).) (فانتفاء الدليل على العصمة). و (وقوع الاختلاف بينهم).


(1 - 2 - 3) المستصفى، ج 1 ص 135. (*)

[ 440 ]

(وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه). (ثلاثة أدلة قاطعة (1)). وقد سبق أن عرضنا هذا الدليل بالذات في مبحث (سنة الصحابة)، وقربنا أن يكون لا مدفع له في نفي العصمة عنهم. ولكن الذي يجب أن يقال: ان القائلين بمذهب الصحابي لا يريدون إثبات العصمة له وإلا لاعتبروه سنة، كما اعتبره الشاطبي وإن كان عده من مصادر التشريع يوهم ذلك. وربما عكس وجهة نظرهم من قال: (إنه إذا قال الصحابي قولا يخالف القياس، فلا محمل له إلا سماع خبر فيه (2)). فهم لا يريدون اكثر من حمل تصرفاتهم على وجه مبرر، أي أنهم يريدون أن يقولوا أن الصحابة لا يقدمون على المخالفة الصريحة لحكم الشارع، فإذا عمل احدهم عملا ولم يتبين وجهه، فلا بد وأن يكون هناك مستند لهذا العمل، فإن لم يكن قياس لفرض المسألة ان القول مخالف للقياس فخبر نجهله. ولكن المسألة في حدود التماس المبررات الشرعية لتصرفات بعضهم، ليست موضعا لحاجتنا - كمجتهدين - فإذا أريد من وراء هذا الكلام اعتبار مثل هذا الخبر المجهول لدينا حجة، فقد صح ما يقوله الغزالي في نقضه: (فقوله - يعني الصحابي - ليس بنص صريح في سماع خبر، بل ربما قاله عن دليل ضعيف ظنه دليلا واخطأ فيه، والخطأ جائز عليه، وربما يتمسك الصحابي بدليل ضعيف وظاهر موهوم، ولو قاله عن نص قاطع لصرح به (3)). إلى أن يقول: (أما وجوب اتباعه ولم يصرح بنقل خبر فلا وجه له (4)).


(1) المستصفى، ج 1 ص 135. (2 - 3) المستصفى، ج 1 ص 136. (4) المستصفى، ج 1 ص 136. (*)

[ 441 ]

والواقع أن إثبات كونه من مصادر التشريع، لا ينسجم إلا إذا اعتبرت تصرفاته - قولا أو فعلا أو تقريرا - من السنة والادلة التي ذكروها تأبى إثبات هذا المعنى، وحمل الصحة لا يكفي لاعطاء تصرفاته صفة التشريع والحكاية عن أحكام الله الواقعية. أدلة المثبتين: استدل المثبتون على حجية أقوالهم على اختلاف بينهم في سعة المبنى وضيقه - بجملة من الاحاديث - أمثال اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم، أو قوله: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، أو قوله: اقتدوا بالذين بعدي أبي بكر وعمر، وأمثالها. وقد ذكرنا - في مبحث سنة الصحابة - ضعف أسانيد بعضها واستحالة التعبد الشرعي من قبل الشارع بها للزوم التعبد بالمتناقضات ومعارضتها باخبار الحوض، فلا بد من تأويلها أو تأويل ما يصح منها بغير مجالات اعتبار الحجية صونا لكلام الشارع من الوقوع في التناقض. وقد ناقش الغزالي، كل ما يتصل بهذه الاحاديث في بحثه عنها، مناقشات لا يخلو اكثرها من أصالة. فعدها - من قبل الغزالي (1) والآمدي (2) في الاصول الموهومة - في موضعه. هذا كله في مذهب الصحابي - كمشرع - أما مذهبه كمجتهد فحساب من يثبت اجتهاده منهم حساب بقية المجتهدين، وسنخضع في بحوثنا القادمة من يسوغ الرجوع إلى شرائط معينة، فإن توفرت في الصحابي تعين الرجوع إليه وإلا فلا يسوغ، وحسابهم حساب من لم تتوفر فيه


(1) المستصفى، ج 1 ص 135. (2) الاحكام، ج 3 ص 136. (*)

[ 442 ]

شرائط التقليد من المجتهدين والصحبة التي تؤدي وظيفتها - وإن كانت من أعظم الفضائل للعبد - إلا أن ما تعطيه نتائج أخروية محضة، ولا علاقة لها بعوالم جعل الحجية أصلا. نهاية الباب: والذي انتهينا إليه من مجموع هذه البحوث التي انتظمت أقسام الباب الاول ان ما يصلح من هذه الاقسام لاعتباره مصدرا من مصادر التشريع، وأصلا يركن إليه في مقام الاستنباط لا يتجاوز أربعة: 1 - الكتاب العزيز. 2 - السنة. 3 - العقل. 4 - الاجماع - على قول -. وما عداها فهو راجع إليها في أغلبية صوره، وبعضها يمكن ان يعد مصدرا مستقلا في مقابلها، إلا أن أدلة حجيته لا تنهض بإثبات ذلك.

[ 443 ]

الباب الثاني ذكرنا - في بحوث التمهيد - ان الاصول التي تدخل ضمن هذا الباب كثيرة نسبيا، إلا ان الذي يغلب على إنتاجها هو الحكم الفرعي الجزئي، وأحكامها على الاكثر لا تتجاوز أبوابا معينة من الفقه ولذلك آثرنا بحثها في الكتاب اللاحق. ولكن الاستصحاب يختلف عنها من حيث وفرة انتاجه للاحكام الكلية - من جهة - على ما قيل - وعدم اقتصاره على باب من الفقه دون باب، لذا آثرنا قصر هذا الباب عليه وإطالة التحدث فيه في حدود ما تدعوا إليه طبيعة المقارنة، وبحث مواقع الالتقاء منها بين الاعلام، مع التوسع في بعض البحوث نسبيا، وإلا فإن استيفاء الحديث فيه - في حدود ما عرضته مدرسة النجف الحديثة - مما يحتاج إلى مجلد كبير.

[ 445 ]

الباب الثاني الاستصحاب تعريفه لغة واصطلاحا، الاستصحاب أصل إحرازي، الفرق بين الاستصحاب والامارة والاصل، حكومة الاستصحاب على الاصل، الاستصحاب ووجوب الفحص، أركان الاستصحاب، الاستصحاب وقاعدة اليقين، الاستصحاب وقاعدة المقتضى والمانع، الخلاف في حجيته، أدلة المثبتين: السيرة العقلائية، وجوب العمل بالظن، الاجماع، السنة. الاصل المثبت، استصحاب الكلي، الاصل في الاشياء، الاباحة، الاصل بقاء ما كان، الاصل في الانسان، البراءة، استصحاب العدم الازلي، استصحاب النص إلى ان يرد النسخ، استصحاب الاحكام الكلية، خلاصة البحث.

[ 447 ]

تعريفه لغة واصطلاحا: الاستصحاب لغة مأخوذة من المصاحبة تقول: (استصحبت في سفري الكتاب أو الرفيق، أي جعلته مصاحبا لي، واستصحبت ما كان في الماضي، أي جعلته مصاحبا إلى الحال (1)). وقد ذكرت له تعاريف متعددة في مصطلح الاصوليين حاول صاحب الكفاية (ره) إرجاع بعضها إلى بعض. يقول: (إن عباراتهم في تعريفه وإن كانت شتى، إلا أنها تشير إلى مفهوم واحد وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه (2)). وقد نوقش في جدوى هذه المحاولة في إحداث الملاءمة بين هذه التعاريف مع ما فيها من التعبير عن خلاف مبنائي بالنسبة إلى الاستصحاب. فالذي عليه قسم من قدامى الاصوليين، ان الاستصحاب من الامارات الكاشفة عن الحكم وعليه بنى غير واحد حجية مثبتاته ولوازمه غير الشرعية باعتبار أن ما يكشف عن الواقع يكشف عن لوازمه، فيكون حجة فيها وفيما يترتب عليها من أحكام، ومقتضى ذلك ان التعبير بالحكم ببقاء حكم لا يناسب هذا المبنى لكون الاستصحاب كاشفا عن الحكم عندهم، فالحكم بالبقاء وليد اجرائه فهو متأخر رتبة عنه ولا يسوغ أخذه فيه للزوم الخلف أو الدور، وقد مر نظير هذا الاشكال في تعريف القياس. والذي يناسب هذا المبنى من التعاريف ما ذكره الشيخ عنهم: (من أن الاستصحاب هو: كون الحكم متيقنا في الآن السابق، مشكوك البقاء


(1) مصادر التشريع، ص 127. (2) حقائق الاصول (متن)، ج 2 ص 391. (*)

[ 448 ]

في الآن اللاحق (1))، (فان كون الحكم متيقنا في الآن السابق امارة على بقائه ومفيدة للظن النوعي (2)). والذي عليه أكثر متأخري الاصوليين انه من قبيل الاصول لا الامارات، وان كان يختلف عنها من بعض الجهات والذي يناسبه من التعاريف ما ذكره الاستاذ خلاف من انه (استبقاء الحكم الذي ثبت بدليل في الماضي قائما في الحال حتى يوجد دليل يغيره (3)) وان كان في هذا التعريف شئ من الضيق لقصرة التعريف على الاستصحابات الحكمية مع ان مفهومه يتسع لها، وللاستصحابات الموضوعية كما يأتي إيضاح ذلك، وتعريف صاحب الكفاية أقرب منه إلى الفن لهذا السبب. فكلمة الاستبقاء وكلمة الحكم تعطي للاستصحاب مضمون الوظيفة لا الكشف عن الواقع. وفي رأي بعض أساتذتنا ان تعريف الاستصحاب يجب ان ينتزع من مدلول أدلته لان الذي يكون موضع حاجتنا هو خصوص ما قامت عليه الادلة، وليس في الادلة كلمة استبقاء أو حكم وانما فيها (حرمة نقض اليقين بالشك من حيث العمل، والحكم ببقاء اليقين من حيث العمل في ظرف الشك، فالصحيح في تعريفه على هذا المسلك ان يقال: ان الاستصحاب هو حكم الشارع ببقاء اليقين في ظرف الشك من حيث الجري العملي (4)). ولعل وجهة نظر من يقول باستبقاء الحكم أو الحكم ببقاء الحكم هو الاخذ بلوازم هذه الروايات، لان لازم الحكم ببقاء اليقين وحرمة نقضه بالشك هو الحكم ببقاء المتيقن، أي الحكم الذي كان منكشفا باليقين وكلا التعريفين صحيح.


(1 - 2) مصباح الاصول، ص 5. (3) مصادر التشريع، ص 127. (4) مصباح الاصول، ص 6. (*)

[ 449 ]

الاستصحاب أصل إحرازي: ومن هذا التعريف ندرك السر في تسمية الاستصحاب بالاصل الاحرازي على ألسنة جملة من أعلامنا المتأخرين، وذلك لما لاحظوا من أن لسان اعتباره يختلف عن كل من لسان جعل الطريقية للامارة وجعل الحجية للاصول المنتجة للوظائف الشرعية. فقد اعتبر في لسان جعله عدم نقض اليقين بالشك، فهو من ناحية فيه جنبة نظر إلى الواقع، ولكن هذه الناحية لم يركز عليها الجعل الشرعي وانما ركز الجعل على الامر باعتبار المكلف مشكوكة متقينا، وإعطائه حكم الواقع وتنزيله منزلته من حيث ترتيب جميع أحكامه عليه فهو من حيث الجري العملي واقع تنزيلا وان كانت طريقيته للواقع غير ملحوظة في مقام الجعل، بينما نرى ان لسان جعل الامارة ركز على ما فيها من إراءة وكشف، واعتباره كاملا، فهو يقول بفحوى كلامه: ان مؤدى الامارة هو الواقع (فإذا حدث فعني يحدث) كما جاء ذلك في بعض السنة جعل الحجية لخبر الواحد والمسؤول عنه أحد الرواة من أصحاب الائمة. أما الاصل غير الاحرازي فهو لا يتعرض إلى أكثر من اعتبار الجري العملي على وفقه مع فرض اختفاء الواقع وبهذا يتضح: الفرق بين الاستصحاب والامارة والاصل: فالامارة تحكي عن الواقع والشارع بلسان جعله يقول: ان مؤداها هو الواقع. والاستصحاب لا يقول بلسان جعله: انه هو الواقع، وانما يأمرك باعتباره واقعا.

[ 450 ]

أما الاصل فلا يزيد على كونه مجعولا كوظيفة عند اختفاء الواقع بجميع مراحله، فهو لا يزيد على طلب الجري والسلوك العملي وفق مؤداه. حكومة الامارة على الاستصحاب: وإذا صح هذا فقد وضح السر في تقديم الامارة على الاستصحاب، إذ مع قيام الامارة وانكشاف الواقع بها تعبدا لا موضع للشك ليطلب اليك اعتباره متيقنا، لان قيامها مزيل - في رأي الشارع - للشك وإن بقي وجدانا، ومع فرض ان الشارع لا يراك شاكا، فأي معنى لان يقول لك: اعتبر شكك يقينا ؟ حكومة الاستصحاب على الاصل: وبهذا أيضا يتبين السر في تقديم الاستصحاب على غيره من الاصول غير الاحرازية، إذ الاصول غير الاحرازية إنما جعلت عند اختفاء الواقع عن المكلف وعدم العلم به، وما دام المكلف مأمورا باعتبار الشك يقينا، فهو عالم بالواقع في رأي الشارع تعبدا لاعتباره الشك علما في هذا الحال، وإعطائه نتائج العلم من حيث ترتيب جميع آثار الواقع عليه. ومع فرض حصول الواقع التنزيلي لديه فلا اختفاء للواقع ليلجأ إلى الوظيفة، فهو مزيل لموضوعها الذي أخذ فيه عدم العلم بالواقع لحصول العلم به تعبدا كما هو الفرض. وقد سبق منا حديث في بحوث التمهيد، يبرر وضع الاستصحاب في المرحلة التالية للاصول الكاشفة عن الحكم الواقعي، والمرحلة السابقة على الاصول غير الاحرازية.

[ 451 ]

الاستصحاب ووجوب الفحص: وما دمنا قد عرفنا رتبة الاستصحاب من الامارات، فليس لنا ان نأخذ به ما لم نفحص عن الامارة الكاشفة عن الحكم، أي عن الرتبة السابقة له. وقد استدل على وجوب الفحص بأدلة كثيرة أهمها - فيما نعتقد - ثلاثة وهي: 1 - وجود العلم الاجمالي بوجود تكاليف إلزامية من الشارع ووجود طرق مجعولة إليها من قبله، ومع قيام العلم الاجمالي لا يجوز الرجوع إلى الاصول - إحرازية أو غير إحرازية - في أطرافه، وهذا ما يوجب الفحص وحل العلم الاجمالي بما يعثر عليه منها، والرجوع بالباقي إلى الاصول. وأشكل عليه في الكفاية بما مضمونه ان العلم الاجمالي يمكن حله بالعثور على مقدار المعلوم بالاجمال منها، ومقتضى ذلك هو الرجوع في الباقي إلى الاصل من دون حاجة إلى فحص عنه. وأجاب المحقق النائني عن الاشكال المذكور بأن المعلوم بالاجمال في المقام بما أنه ذو علامة وتميز، فهو غير قابل للانحلال بالظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال، لان الواقع قد تنجز بما له من تميز فكيف يعقل انحلاله قبل الفحص ؟ وتكاليفنا المعلومة بالاجمال نعلم بثوبتها بالكتب المعتمدة فهي ذات تميز خاص، ولا ينحل العلم الاجمالي إلا بفحصها، وإخراج الطرف المشكوك عن المعلوم المنجز بالفحص، واليأس عن العثور على حكمه فيها والرجوع إلى الاصل. واشكل عليه بكون التكاليف الموجودة في الكتب والمعلومة إجمالا، هي نفسها مرددة بين الاقل والاكثر، فإذا ظفرنا بالمقدار المتيقن لم يكن مانع من الرجوع إلى الاصل في غيرها من دون فحص.

[ 452 ]

والظاهر ان هذا النوع من الاشكال يحول النقاش مع الشيخ النائني إلى نقاش صغروي، لان العثور على القدر المتيقن منها لديه لا يتم إلا بعد استيعاب هذه الكتب فحصا. ومع استيعاب هذه الكتب وحل العلم الاجمالي بما يعثر عليه منها، فلا مانع لديه ظاهرا من الرجوع إلى الاصل في غيرها، مما لم يوجد في الكتب من دون فحص لحصول اليأس من العثور عليه، والفحص لا موضوعية له اكثر من تحصيل اليأس للمكلف كما هو واضح. فالظاهر أن الاستدلال بالعلم الاجمالي على وجوب الفحص لاخراج المشكوك عن المعلوم بالاجمال والرجوع به إلى الاستصحاب أو غيره من الاصول متين جدا. 2 - دعوى استقلال العقل بلزوم الفحص قضاء لحق العبودية وتقريب هذا الاستدلال أن الذي وعيناه من الشارع المقدس في تبليغ أحكامه، هو الجري على الطريقة المتعارفة في التبليغ، أي إظهار الحكم من قبله أمام جماعة تكثر أو تقل، ويكون هؤلاء هم الواسطة في التبليغ. وفعلية الوصول إلى كل مكلف ليس هو المسؤول عنها، وإنما هي من وظائف المكلفين أنفسهم. فالمواطن في دولة ما مثلا من حق دولته ان تحاسبه على كل مفارقة منه إذا كان لديها قانون يحدد جريمته ويضع العقوبة عليها، وكان القانون قد بلغ بواسطة الجرائد ووسائل البث، إذا اعتبرتها الدولة وسائل للتبليغ، وليس له أن يعتذر ببراءة الذمة من التكليف بدعوى أنه لا عقوبة إلا بقانون واصل، إذ الدولة ليست مسؤولة عن ايصال القانون إلى كل فرد، بل على المواطنين انفسهم الفحص عنها، ومع اليأس من العثور عليها يرجعون إلى الاصل، وهكذا...

[ 453 ]

وحكم العقل بلزوم الفحص يكون بمنزلة القرينة المتصلة المانعة من ظهور ما يأتي من الاطلاقات في أدلة الاستصحاب الدالة على جواز العمل به من دون فحص، فهي مقيدة به ابتداء. 3 - الاستدلال بالآيات الدالة على وجوب التعلم، ولعلها واردة كلها لتأكيد حكم العقل بلزوم الفحص، وليست أحكاما تأسيسية لوضوح أنه لا موضوعية للتعلم أكثر من الوصول به إلى أحكام المولى تحصيلا للحجة ومع عدم التعلم والفحص عن أحكام المولى يرى العقل ان الحجة لله إذ ذاك على العبد، وقد ورد عن أهل البيت في تفسير قوله تعالى (فلله الحجة (1) البالغة) من انه (يقال للعبد يوم القيمة هل علمت ؟ فان قال نعم، قيل له: فهلا عملت، وان قال: لا، قيل: فهلا تعلمت حتى تعمل). وعلى هذا فأدلة الاستصحاب لا تتم حجيتها إلا بعد اليأس عن العثور على الادلة الكاشفة عن الحكم الواقعي. وما يقال عن الاستصحاب يقال عن بقية الاصول إحرازية أو غير إحرازية، نعم في الاستصحابات المثبتة للتكاليف لا يبعد القول بامكان جريانها من دون فحص، إلا ان الاخذ بها انما يكون من باب الاحتياط لا اخذا بدليله. هذا كله إذا قلنا بجريان الاستصحاب في الاحكام الكلية، ومع إنكاره لا يبقى موضوع لهذا الكلام وما عداها - أعني الاحكام الكلية - لا يجب فيه الفحص. وأدلة وجوب الفحص لا تشمله لكونها غير ناظرة إلى غير الفحص عن الاحكام الكلية كما هو واضح. اركان الاستصحاب: واركان الاستصحاب المستفادة من نفس التعريف بعد تأمل فيه سبعة:


(1) الانعام / 149. (*)

[ 454 ]

1 - اليقين: ويريد به الاصوليون هنا، انكشاف واقع متعلقه وجدانا أو تعبدا. 2 - الشك: ويريدون به ما يقابل اليقين بمعنييه - الوجداني والتعبدي - فكل ما ليس بيقين فهو شك عندهم، سواء كان شكا بالمعنى المنطقي - أي تساوي الطرفين - أم كان ظنا غير معتبر، أم وهما، فالجميع في مصطلحهم شك، ويجري عليها أحكامه. 3 - وحدة المتعلق فيهما، أي ان ما يتعلق به اليقين، هو الذي يكون متعلقا للشك لا غيره. 4 - فعلية الشك واليقين فيه، فلا عبرة بالشك التقديري لعدم صدق النقض به، ولا اليقين كذلك لعدم صدق نقضه بالشك. 5 - وحدة القضية المتيقنة والقضية المشكوكة في جميع الجهات، أي ان يتحد الموضوع والمحمول والنسبة والحمل والرتبة، وهكذا... ويستثنى من ذلك الزمان فقط، رفعا للتناقض. 6 - اتصال زمان الشك بزمان اليقين، بمعنى أن لا يتخلل بينهما فاصل من يقين آخر، كما هو مفاد تسلط النقض بالشك على اليقين. 7 - سبق اليقين على الشك - ولو كان السبق رتبيا - ليتم صدق عدم نقض الشك له. فإذا اجتمعت هذه الاركان في موضع أمكن جريان الاستصحاب فيه وترتب حكمه بعد ثبوت حجيته - طبعا - ومع تخلف بعضها لا يمكن جريانه أصلا. وللاعلام بحوث وتفريعات على هذه الاركان والتماس اللوازم لفقدان بعضها، يطول عرضها والتحدث في صغرياتها جميعا، ولنجتزئ بذكر المهم منها.

[ 455 ]

الاستصحاب وقاعدة اليقين: وقاعدة اليقين تشارك الاستصحاب في جملة أركانه إلا ما يتصل بفعلية اليقين والشك منها، إذ لا يقين فعلي فيها لفرض سريان الشك إلى نفس اليقين وإزالته كما هو فحوى تحديدها. فقاعدة اليقين تفترض ان يكون الشك فيها ساريا إلى نفس اليقين السابق ومزيلا له، بينما يجمعها الاستصحاب على صعيد واحد إلا في ناحية الزمان، فإذا علمنا - ونحن في يوم الاحد مثلا - بحياة زيد يوم الجمعة وشككنا ببقائها إلى يوم السبت فنحن الآن نملك يقينا بالحياة يوم الجمعة وشكا بالحياة في يوم السبت، وكلاهما فعليان، فالمثال يصلح للاستصحاب، وإذا علمنا - ونحن في يوم الاحد - بحياة زيد يوم الجمعة ثم شككنا بعد ذلك فيها في يوم الجمعة كأن يكون قد طرأ علينا ما يزيل ذلك اليقين، فالمثال يصلح لقاعدة اليقين، إذا بعد زوال اليقين في حياته يوم الجمعة، لا يبقى عندنا يقين فعلي، فالفارق بينهما اذن هو في فعلية اليقين السابق في احدهما وعدمه في الآخر. وقد وقع الخلط بين القاعدتين على ألسنة كثير من الاعلام لخفاء الفارق بينهما، والادلة التي يملكها الاصوليون لا تنهض - على تقدير تماميتها - بغير الاستصحاب، إذ لا معنى لصدق النهي عن نقض اليقين مع عدم فعليته بداهة. الاستصحاب وقاعدة المقتضى والمانع: ومن التأمل في هذه الاركان أيضا، ندرك الفارق بين القاعدتين لاعتبارنا في الاستصحاب وحدة المتعلق لليقين والشك بخلاف قاعدة المقتضى والمانع، فإن متعلق اليقين فيها هو وجود المقتضى للشئ، ومتعلق الشك هو حصول

[ 456 ]

المانع من تأثيره (فإذا صببنا الماء لتحصيل الطهارة من الخبث مثلا، وشككنا في تحقق الغسل لاحتمال وجود مانع من وصول الماء، فلنا يقين بوجود المقتضى وهو انصباب الماء، وشك في وجود المانع، فعدم ترتيب آثار الطهارة لا يصدق عليه نقض اليقين بالشك لعدم تعلق اليقين بالطهارة بل بوجود المقتضى، وليست الطهارة من آثار وجوده فقط بل تتوقف على عدم المانع أيضا، والمفروض انه لا يقين بوجود المقتضى وعدم المانع لتكون الطهارة متيقنة (1)). فالفارق بينهما اذن انما هو في اختلاف المتعلق للشك واليقين في قاعدة المقتضى والمانع واتحاده في الاستصحاب. والادلة التي يملكها الاصوليون لا تفي بالدلالة على غير الاستصحاب لظهورها بوحدة المتعلق فيهما، كما يأتي عرضها وبيان الاستفادة منها. ونظرا لوقوع التشابه بين القاعدتين ووقوع الخلط بينهما، فقد اقتضانا التنبيه عليه. الخلاف في حجيته: اختلفوا في حجية الاستصحاب (فذهب أكثر العلماء كما حكاه ابن الحاجب ومنهم المالكية والحنابلة وأكثر الشافعية: إلى ان الاستصحاب حجة شرعية فيحكم ببقاء الحكم الذي كان ثابتا في الماضي ما دام لم يقم دليل برفعه أو بتغييره فيبقى الامر الثابت في الماضي ثابتا في الحال بطريق الاستصحاب (2)). وفي المعالم نسبة الحجية إلى الاكثر (3) وخالف في ذلك السيد المرتضى (4)


(1) مصباح الاصول، ص 241. (2) سلم الوصول، ص 305. (3 - 4) ص 218 من المعالم. (*)

[ 457 ]

كما خالف (أكثر الحنفية والمتكلمين كأبي الحسين البصري (1)). وهناك تفصيل ذهب إليه اكثر المتأخرين من علماء الحنفية وهو: (أن الاستصحاب حجة دافعة لا حجة مثبتة، أي أنه حجة لدفع ما يخالف الامر الثابت بالاستصحاب، وليس هو حجة على اثبات أمر لم يقم دليل على ثبوته (2)). وللشيعة تفصيلات في أقسام الاستصحاب كثيرة، أهمها: تفصيل الشيخ الانصاري بين ما إذا كان الشك في المقتضى فلا يجري الاستصحاب أو الشك في الرافع فيجري. واستقصاء هذه الاقوال والتماس أدلتها على اختلافها من التطويل غير المستساغ. فالانسب صرف الكلام إلى التماس الادلة على أصل الحجية، وبيان مقدار ما تدل عليه، ومنها يعرف القول الحق من جميع هذه الاقوال. أدلة المثبتين: أما مثبتو الاستصحاب فقد استدلوا بعدة أدلة، أهمها: 1 - السيرة العقلائية: بدعوى ان ما (فطر عليه الناس وجرى به عرفهم في عقودهم وتصرفاتهم ومعاملاتهم، انهم إذا تحققوا من وجود أمر غلب على ظنهم بقاؤه موجودا حتى يثبت لهم عدمه، وإذا تحققوا من عدم أمر غلب على ظنهم بقاؤه معدوما حتى يثبت لهم وجوده، فمن عرف انسانا حيا راسله بناء على ظنه بقاء حياته، ومن عرف زوجية زوجين شهد


(1) إرشاد الفحول، ص 237. (2) سلم الوصول، ص 307. (*)

[ 458 ]

بها بناء على ظن بقائها، والقاضي يقضي بالملكية في الحال بناء على سند ملكية بتأريخ سابق، ويقضي بالدين في الحال بناء على شهادة شاهدين باستدانة سالفة). (وهذا كله يدل على أن ما تقضي به الفطرة أن يعتبر ما كان على ما كان حتى يطرأ ما يغيره (1)). وقد نوقش بهذه السيرة (بأن عملهم على طبق الحالة السابقة على انحاء مختلفة: فتارة يكون عملهم لاطمئنانهم بالبقاء، كما يرسل تاجر أموالا إلى تاجر آخر في بلدة أخرى لاطمئنانه بحياته لا للاعتماد على مجرد الحالة السابقة، ولذا لو زال اطمئنانه بحياته، كما لو سمع انه مات جماعة من التجار في تلك البلدة لم يرسل الاموال قطعا). (واخرى يكون عملهم رجاء واحتياطا كمن يرسل الدرهم والدينار إلى ابنه الذي في بلد آخر ليصرفهما في حوائجه، ثم لو شك في حياته فيرسل إليه أيضا للرجاء والاحتياط حذرا من وقوعه في المضيقة على تقدير حياته). (وثالثة يكون عملهم لغفلتهم عن البقاء وعدمه، فليس لهم التفات حتى يحصل لهم الشك فيعملون اعتمادا على الحالة السابقة كمن يجئ إلى داره بلا التفات إلى بقاء الدار وعدمه)، إلى ان يقول: (فلم يثبت استقرار سيرة العقلاء على العمل اعتمادا على الحالة السابقة (2)). والظاهر ان هذه المناقشة لا تدفع وجود السيرة. وكونها جارية على وفق الاطمئنان تارة والاحتياط اخرى، والغفلة ثالثة لا يدفع قيامها في غير المواضع المذكورة، ولو رجع الانسان إلى واقعه لوجد نفسه صادرا


(1) مصادر التشريع، ص 128. (2) مصباح الاصول. ص 11. (*)

[ 459 ]

عن الاستصحابات في جل تصرفاته حتى مع الشك باستمرار الحالة السابقة وعدم الغفلة عنها، وما هذه المواضع إلا من صغريات القاعدة. لكن دعوى الاستاذ خلاف بأن ما فطر عليه الناس وجرى به عرفهم انهم إذا تحققوا من وجود أمر غلب على ظنهم بقاؤه... الخ. لا يخلو من مسامحة فان الذي جرى عليه الناس هو ترتيب الاثر على الحالة السابقة حتى مع الظن بالخلاف أحيانا، كما هو الشأن في الامثلة التي مرت علينا الآن. والذي يبدوا لي ان الاستصحاب من الظواهر الاجتماعية العامة التي ولدت مع المجتمعات ودرجت معها، وستبقى - ما دامت المجتمعات - ضمانة لحفظ نظامها واستقامتها، ولو قدر للمجتمعات ان ترفع يدها عن الاستصحاب لما استقام نظامها بحال، فالشخص الذي يسافر مثلا ويترك بلده وأهله وكل ما يتصل به - لو ترك للشكوك سبيلها إليه -، وما أكثرها لدى المسافرين، ولم يدفعها بالاستصحاب - لما أمكن له ان يسافر عن بلده، بل ان يترك عتبات بيته أصلا، ولشلت حركتهم الاجتماعية وفسد نظام حياتهم فيها، فقول شيخنا النائني: (ان عملهم على طبق الحالة السابقة إنما هو بإلهام إلهي حفظا للنظام (1)) لا يخلو من أصالة وعمق نظر، ومناقشته بأن منكري حجية الاستصحاب لم يختل النظام عليهم بعد، ولو كان حفظ النظام يقتضي ذلك لاختل على المنكرين تحتاج إلى تأمل، فالمنكرون لحجية الاستصحاب عندما أنكروها لم يتخلوا في واقع حياتهم عن الجري على وفق الاستصحاب وإن تخلوا عنه في الشرعيات. وكونه ظاهرة اجتماعية يصدر عنها الناس في مجتمعاتهم حتى مع الشك


(1) مصباح الاصول، ص 11. (*)

[ 460 ]

صدورا تلقائيا - كما هو الشأن في الظواهر الاجتماعية - لا ينافي ان يلتقي احيانا الرجاء أو الاحتياط أو الظن بالبقاء أو الاطمئنان أو غيرها، لكن هذه الامور ليست هي الباعثة على خلق هذه الظاهرة ككل، وإنما هي من وسائل التبرير عن السلوك على وفقها في بعض الاحيان، مما يخيل للانسان الفرد ان جملة تصرفاته منطقية ومبررة. وإذا صح ما ذكرناه من كونها من الظواهر الاجتماعية العامة، فعصر النبي (صلى الله عليه وآله) ما كان بدعا من العصور ولا مجتمعه بدعا من المجتمعات ليبتعد عن تمثل وشيوع هذه الظاهرة، فهي بمرأى من النبي (صلى الله عليه وآله) - حتما - ولو ردع عنها لكان ذلك موضع حديث المحدثين، وهو ما لم يحدث عنه التأريخ، فعدم ردع النبي (صلى الله عليه وآله) عنها يدل على رضاه وإقراره لها وبخاصة وهو قادر على الردع عن مثلها وليس هناك ما يمنعه عنه. ودعوى الردع عنها بالآيات الناهية عن العمل بالظن يرد عليها ما سبق ان أوردناه في مبحث السنة عندما تحدثنا عنها وحسابها نفس الحساب. 2 - وجوب العمل بالظن: وهو ما استدل به البعض بدعوى انه (من المقرر ان العمل بالظن واجب، ويغلب الظن ببقاء الشئ على ما كان ما دام لم يوجد ولم يطرأ ما يغيره ويزيله (1)). والمناقشة في هذا الدليل واقعة - صغرى، وكبرى -. أما الصغرى فلأن الظن لا يتحقق دائما ببقاء الشئ لمجرد عدم طرو ما يغيره، فالشخص الذي يترك بلده ثمانين حولا لا يظن ببقائه حيا عادة لا بالظن الشخصي ولا النوعي مع انه لم يعلم بوجود ما يوجب انعدام حياته وما * (هامش)) (1) سلم الوصول، ص 308. (*)

[ 461 ]

أكثر صور الاستصحاب التي لا يتحقق فيها ظن بالحالات السابقة. وأما الكبرى - أعني دعوى ان العمل بالظن واجب - فهي لا مستند لها أصلا، وحالها يتضح مما عرضناه في مباحث التمهيد من ان الظن من الطرق غير الذاتية لنقصان كشفه، وما كان غير ذاتي فهو محتاج إلى الجعل، وليس عندنا من الادلة ما يجعل الطريقية لمطلق الظنون، اللهم إلا إذا تمت مقدمات دليل الانسداد - وهي غير تامة - كما اتضح حالها في مبحث القياس - فادعاء المفروغية عن وجوب العمل بالظن لا مستند له إذ مع هذه المفروغية المقررة لا نحتاج إلى التماس الادلة على جميع ما مر من الظنون القياسية وغيرها والتماسها إذ ذاك عبث من الاعلام لا مبرر له. 3 - الاجماع: وقد ادعاه غير واحد من الاعلام، يقول في سلم الوصول: (إجماع الفقهاء على ان ما ثبت باليقين لا يزول بالشك (1)) ويقول في مصادر التشريع: (مما اتفق عليه الفقهاء ان ما ثبت باليقين لا يزول بالشك، فمن توضأ للصلاة ثم شك بعد ذلك في أنه أحدث، يصلي ولا عبرة بشكه، ومن تزوج ثم شك بعد ذلك في أنه طلق تحل له زوجته ولا اعتبار بشكه، هذا في الحقيقة مبني على ان الحكم الذي ثبت في الماضي يستصحب ويبقى ويستمر حتى يوجد دليل يغيره (2)). وهذا الاجماع لا أعرف كيف ادعاه هؤلاء الاعلام، مع نقلهم لذلك الخلاف الكبير في حجية الاستصحاب من قبل كثير من الفقهاء، اللهم إلا أن يوجه الاجماع إلى خصوص هذه الفروع ونظائرها، وهو لا يثبت


(1) راجع ص 308 منه. (2) راجع ص 128 منه. (*)

[ 462 ]

حجية الاستصحاب لقيامه على نفس الفرع لا على مصدره المتخيل. السنة: ونريد من الاستدلال بالسنة خصوص ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المجال، لعدم إطلاعنا على أحاديث نبوية من غير طريقهم بهذا المضمون، وربما كانت موجودة وضيعها علينا نقص الفحص وبخاصة إذا كانت في غير مظانها من كتب الفقه والاصول، وفي اخبار أهل البيت الكفاية - بعد ان ثبتت حجية ما يأتون به -. والروايات التي أثرت عنهم كثيرة وبعضها مستوعب لشرائط الصحة، وقد استغرق الحديث فيها وفي ملابساتها مئات الصفحات في الموسوعات الاصولية أمثال: رسائل الشيخ، وحقائق الاصول، فوائد الاصول، وغيرها، نذكر روايتين منها ونحيل القراء في بقيتها على هذه الموسوعات، ثم نجتزئ في الحديث عنهما، بمقدار ما يتسع له صدر هذه الصفحات: 1 - صحيحة زارارة: (قال: قلت له أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من المني، فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء، فحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك. قال عليه السلام: تعيد الصلاة وتغسله. قلت: فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت انه قد أصابه فطلبته ولم أقدر عليه فلما صليت وجدته، قال عليه السلام: تغسله وتعيد. قلت: فإن ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا فصليت فرأيت فيه. قال عليه السلام: تغسله ولا تعيد الصلاة، قلت: لم ذلك ؟ قال عليه السلام: لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين

[ 463 ]

بالشك أبدا. قلت: فإني قد علمت أنه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله، قال عليه السلام: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد اصابها حتى تكون على يقين من طهارتك. قلت: فهل علي إن شككت في أنه اصابه شئ أن أنظر فيه ؟ قال عليه السلام: لا، ولكنك إنما تريد ان تذهب الشك الذي وقع في نفسك. قلت: إن رأيته في ثوبي وانا في الصلاة ؟ قال عليه السلام: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدري لعله شئ أوقع عليك فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك (1)). وهذه الرواية من أهم الروايات وأصحها وقد اشتملت على عدة مسائل فقهية أثارها عمق الراوي ودقة نظرته (2)، وقد تحدث عنها الاعلام أحاديث مفصلة، ولكنها لا تتصل بطبيعة بحثنا هذا، وما يتصل منها بموضع الحاجة قوله عليه السلام في مقامين منها (فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك) وهي كبرى كلية طبقها (عليه السلام) على بعض مصاديقها في المقامين. والذي يبدو من التعبير - فليس ينبغي - وهي كلمة لا تقال عادة في غير مواقع التأنيب أو العتب، ولا موضع لهما هنا لو لم تكن هذه الكبرى مفروغا عنها عند الطرفين وهي من المسلمات لديهما، كما ان التعليل فيها لانك كنت على يقين، وإرساله على هذا النحو من الارسال يوحي انه تعليل بأمر مرتكز معروف، وهو ما سبق ان استقربناه عند الاستدلال ببناء العقلاء من انه من الامور التي يصدر عنها الناس في واقعهم صدورا


(1) مصباح الاصول، ص 49 - 50. (2) لزرارة صاحب هذه الرواية صحيحتان أخريتان تجريان بهذا المستوى والعمق من كثرة التفرعات في الاسئلة وقوة الدلالة على حجية الاستصحاب، تراجع في المصدر نفسه. (*)

[ 464 ]

تلقائيا لعل مصدره ما ذكره شيخنا النائني من إلهام الله لهم ذلك، أو ما عبر عنه الاستاذ خلاف بفطرة الله الناس عليها، فهي في الحقيقة من أدلة الامضاء لما عليه بناء العقلاء. 2 - موثقة عمار عن أبي الحسن عليه السلام (قال: إذا شككت فابن على اليقين قلت: هذا أصل ؟ قال (عليه السلام): نعم (1)) ودلالتها عل الحجية واضحة وبخاصة إذا تصورنا انه لا معنى للبناء على اليقين إلا البناء على المتيقن والتعبير ب‍ (هذ أصل) يدل على سعة القاعدة وعدم تقيدها في الموارد التي بعثت بالسائل على الاستفسار والسؤال. وعلى هذا فدلالة الروايات وافية، ولنا من اطلاقها وشمولها - لجميع أقسام الاستصحاب سواء كان المشكوك فيه هو الحكم أم موضوعه، وسواء كان سبب اليقين بالحكم الشرعي الدليل العقلي أم غيره - ما يكفي لالغاء جميع هذه التفصيلات وغيرها مما ذكروه، والمقياس في جريان الاستصحاب وعدمه هو توفر الاركان السابقة التي انتزعناها جميعا من مضمون هذه الروايات وعدمها وهو الاساس، والمنطلق للفصل في جميع ما يتصل بعوامل الخلاف التي ذكروها. وعلى أساس من هذا المقياس سنثير الحديث في عدة من المسائل المهمة ونحاول تقييمها بعد عرض وجهات نظرهم في ذلك. 1 - الاصل المثبت: ويراد بالاصل المثبت: الاصل الذي تقع فيه الواسطة غير الشرعية - عقلية أو عادية - بين المستصحب والاثر الشرعي الذي يراد إثباته، على ان تكون الملازمة بينهما - أعني المستصحب والواسطة - في البقاء فقط.


(1) مصباح الاصول، ص 64. (*)

[ 465 ]

وإنما قيدناها بهذا القيد إخراجا لما كانت الملازمة فيه قائمة بينهما حدوثا وبقاء، إذ اللازم إذ ذاك يكون بنفسه متعلقا لليقين والشك فيجري فيه الاستصحاب بلا حاجة إلى الالتزام بالاصل المثبت، وحجيته موضع اتفاق. ومثاله ما لو علمنا بوجود الكر في البيت ولم نشخص موضعه وشككنا في ارتفاعه، فمقتضى الاستصحاب هو بقاء الكر، ثم فحصنا بعد ذلك فوجدنا كمية من الماء نحتمل انها هي الكر ولم نجد غيرها، فبمقتضى الملازمة العادية ان الكر المستصحب هو هذا الماء إلا أن تطبيق الكر المستصحب على الموجود خارجا ليس مما يقتضيه حكم الشارع، وإنما اقتضته الملازمة العادية أو العقلية - بحكم عدم عثورنا على غيره - فتطبيق أحكام الكر على هذا الماء إنما هو بالاصل المثبت، أي بتوسط تطبيق الكر عليه الذي اقتضته الواسطة غير الشرعية، ومن المعلوم هنا ان هذا الماء الذي يراد إثبات الكرية له غير معلوم الكرية سابقا، وإنما المعلوم هو وجود الكر في البيت، وليست الملازمة بينه وبين الكرية إلا من حيث البقاء، إذ لازم بقاء الكر في البيت هو ثبوت الكرية للموجود. وقد اختلفوا في حجيته، فالذي عليه الكثير من قدامى الاصوليين هو ثبوت الحجية له بادعاء تناول أدلة الاستصحاب لمثله. والذي عليه محققو المتأخرين عدم الحجية لوضوح افتقاده لبعض الاركان التي انتزعناها من أدلة الحجية - فيما مضى - وهو وجود اليقين السابق والشك اللاحق، ومن البين هنا انه لا يقين بكرية هذا الموجود سابقا لتستصحب، وإنما اليقين بوجود الكر. ومع فقد اليقين السابق لا مجال لترتيب آثار الاستصحاب لفقده ركنا من أركانه وهو اليقين. وتقريب آخر لعدم الحجية ان الذي استفدناه من أدلة الاستصحاب

[ 466 ]

ان من أركانه التي اعتبرها الشارع وحدة المتعلق لليقين والشك ليصدق النهي عن نقض اليقين بالشك، إذ مع اختلاف المتعلق لا معنى لان ينقض اليقين بالشك، ومتعلق اليقين الذي بأيدينا هو وجود الكر سابقا لا كرية الموجود لفرض جهالة حالته السابقة، والمشكوك الذي نريد معرفة حكمه هو الكر الموجود لا وجود أصل الكر لعدم الثمرة الشرعية بالنسبة لمعرفته لنا فعلا، فمتعلق الشك اذن غير متعلق اليقين، ومع عدم وحدة المتعلق في الشك واليقين - موضع احتياجنا - لا مجال للاستصحاب لفقده ركنا من أركانه أيضا. فسواء فقد الاصل المثبت ذلك الركن أم هذا، لا مجال للقول بحجيته. وأهم ما أورد في هذا المجال ان ما يقتضيه قياس المساواة هو القول بالحجية. بتقريب ان الواسطة العرفية أو العقلية من آثار المتيقن سابقا، والحكم أو الموضوع الشرعي الذي يراد إثباته من آثار الواسطة وأثر الاثر أثر، فالدليل الدال على اعتبار المشكوك متيقنا إذا شمل الاول فقد شمل آثاره المترتبة عليه طبعا. وقد أجيب على هذا الايراد ان هذه الكلية أعني - ان أثر الاثر أثر - وإن كانت مسلمة عقلا، إلا أنها في خصوص ما إذا كانت الآثار الطولية كلها من سنخ واحد، كما في الحكم بنجاسة الملاقي ونجاسة ملاقي الملاقي حيث ان هذه الآثار جميعا من الآثار الشرعية المجعولة من قبله، لان لازم نجاسة الشئ شرعا نجاسة ملاقيه، ولازم نجاسة ملاقيه نجاسة ملاقي ملاقيه، فالدليل الدال على نجاسة الشئ دال على ترتب هذه الآثار عليه، وكذلك الامر بالنسبة إلى اللوازم العقلية، أما إذا اختلفت الآثار فكان بعضها عقليا والآخر شرعيا، فالقاعدة غير مسلمة لبداهة ان

[ 467 ]

الاثر الشرعي المجعول على شئ لا يكون أثرا شرعيا للوازمه العقلية أو العادية. فمن ضرب شخصا خلف ستر فقده نصفين، ثم شك بأن هذا الشخص هل كان كان حيا عندما ضربه أي ان الموت استند إلى الضرب أو إلى غيره، فاستصحاب حياته إلى حين الضرب لا يكشف عن أن الموت كان مستندا إلى ضربته، فلا يرتب عليه آثار القتل الشرعية في هذا الحال لوضوح أن الاستناد وعدمه ليسا من آثار حكم الشارع ببقائه حيا، وإنما هو من آثار حياته الواقعية وهي غير محرزة هنا. ثم إن الاستصحاب لما لم يكن من سنخ الامارات الكاشفة عن الواقع، واخذنا به إنما هو قبيل التعبد المحض، فإن علينا ان نتقيد في حدود ما عبدنا به المشارع مما يرجع إليه، أي ان نثبت به خصوص الآثار الشرعية التي عبدنا بها، ولا نتجاوزها إلى غير آثاره من لوازم إثبات الحكم أو الموضوع العادية أو العقلية لاحتياج هذا النوع من التجاوز إلى الدليل. وحتى الامارات على رأي بعض أساتذتنا لا تثبت لوازمها العقلية أو العادية، إلا إذا ثبت التخويل الشرعي لها بذلك، أي ثبت عموم التعبد بها لهذا النوع من اللوازم، والاخبار والاقرارات وما يشبهها من الامارات، إنما التزم بإثبات لوازمها على اختلافها لثبوت البناء العقلائي بذلك، وثبوت امضاء الشارع له على ما يملكه ذلك البناء من سعة وشمول. فدليل الاستصحاب - حتى مع فرض اماريته - غير ناظر إلى ترتيب لوازم المتيقن العادية أو العقلية أصلا ليتمسك به على الاطلاق والشمول.

[ 468 ]

2 - استصحاب الكلي: ولاستصحاب الكلي صور أهمها ثلاث: أولاها: ما إذا وجد الكلي في ضمن فرد معين، ثم شك في ارتفاعه كما لو وجد الانسان ضمن شخص في الدار، وشك في خروج ذلك الشخص منها، فاستصحاب بقائه فيها، يوجب ترتيب جمع الآثار الشرعية على ذلك البقاء - أعني بقاء الكلي - لو كانت هناك آثار شرعية له، ومثل هذا الاستصحاب لا شبهة فيه. ثانيتها: ما إذا فرض وجود الكلي في ضمن فرد مردد بين شخصين، علم ببقاء أحدهما على تقدير وجوده وارتفاع الآخر كذلك، كما لو فرض وجوده ضمن فرد وشك في كونه محمدا أو عليا، مع العلم بأنه لو كان محمدا لكان معلوم الخروج عن الدار، ولو كان عليا لكان معلوم البقاء. والاستصحاب في هذا القسم، يجري وتترتب جميع آثاره للعلم بوجود الكلي والشك في ارتفاعه، فأركان الاستصحاب فيه متوفرة. نعم لو كان الاثر مترتبا على الفرد لا على الكلي لا يجري الاستصحاب لفقده بعض أركانه، وهو اليقين لان كل فرد منهما بحكم تردده غير متيقن فلا يكون موضعا لروايات هذا الباب. ثالثتها: ما إذا علم بوجود الكلي ضمن فرد خاص وعلم بارتفاعه واحتمل وجود فرد آخر له، كان مقارنا لارتفاع ذلك الفرد أو مقارنا لوجوده. والظاهر ان الاستصحاب لا يجري فيه لفقده أهم ركن من أركانه وهو اليقين السابق، لان الكلي لا يمكن ان يوجد خارجا الا ضمن الفرد، فهو في الحقيقة غير موجود منه إلا الحصة الخاصة المتمثلة في هذا الفرد أو ذاك (فالعلم بوجود فرد معين، يوجب العلم بحدوث الكلي بنحو الانحصار - أي يوجب العلم بوجود الكلي المتخصص بخصوصية هذا الفرد، وأما وجود الكلي المتخصص بخصوصية فرد آخر فلم يكن معلوما لنا، فما هو

[ 469 ]

المعلوم لنا قد ارتفع يقينا، وما هو محتمل للبقاء لم يكن معلوما لنا، فلا يكون الشك متعلقا ببقاء ما تعلق به اليقين فلا يجري فيه الاستصحاب). (وبما ذكرناه من البيان ظهر الفرق بين القسم الثاني والقسم الثالث، فإن اليقين في القسم الثالث، قد تعلق بوجود الكلي المتخصص بخصوصية معينة، وقد ارتفع هذا الوجود يقينا وما هو محتمل للبقاء، فهو وجود الكلي المتخصص بخصوصية أخرى الذي لم يكن لنا علم به فيختلف متعلق اليقين والشك، وهذا بخلاف القسم الثاني، فان المعلوم فيه هو وجود الكلي المردد بين الخصوصيتين فيحتمل بقاء هذا الوجود بعينه، فيكون متعلق اليقين والشك واحدا، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه (1)). وهناك مسائل أخرى يتضح الحديث فيها مما فرعوه على الاستصحاب من القواعد، يقول خلاف: (وعلى الاستصحاب بنيت المبادئ الشرعية الكلية الآتية: أ - الاصل في الاشياء الاباحة (2): وهذا الكلام ان أريد به ظاهره من ان الاشياء قبل ورود الشرع بها محكومة بالاباحة كما هو ظاهر مذهب جماعة من المعتزلة فيما حكاه الغزالي عنهم (3)، فهو أجنبي عن الاستصحاب لان كلام هؤلاء ناظر فيما يبدو إلى ان الاباحة حكم واقعي لها قبل جعل الاحكام، والاستصحاب حكم ظاهري مجعول عند الشك، على ان المبنى في نفسه غير سليم، وقد ناقشه الغزالي بقوله: (المباح يستدعي مبيحا كما يستدعي العلم والذكر ذاكرا وعالما، والمبيح هو الله تعالى إذا خير بين الفعل والترك بخطابه، فإذا لم يكن خطاب لم يكن تخيير فلم تكن إباحة (4)).


(1) مصباح الاصول، ص 114 وما بعدها. (2) مصادر التشريع، ص 129. (3 - 4) المستصفى، ج 1 ص 40. (*)

[ 470 ]

وجواب الغزالي هذا، مبني على أن الجعل الشرعي متحد الرتبة مع خطاب الشارع، أو انه مجعول بالخطاب، أما إذا قلنا ان الخطاب مبرز للجعل الشرعي، والجعل في مقام الثبوت سابق رتبة وزمانا عليه، كما هو مذهب الكثير، فإن جوابه لا يتم. والجواب على هذا المبنى: أن احكام الشارع لما كانت وليدة مصالح ومفاسد في المتعلقات غالبا - وهو ما تكاد تتفق عليه كلمة المسلمين على اختلاف في المبنى - ولما كانت المتعلقات مختلفه: من حيث التوفر على المصالح والمفاسد فاحكامها حتما مختلفة، فالقول بجعل الاباحة لها بقول مطلق، لا يستند على أساس. وإن أريد بها الحكم الظاهري، أي ان الاشياء محكومة بالاباحة ظاهرا عند الشك في حكمها الواقعي، فهي وإن كانت صحيحة. لقول أبي عبد الله (عليه السلام) كما في موثقة مسعدة بن صدقة، قال: سمعته يقول: كل شئ هو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته، ولعله سرقة أو المملوك يكون عندك، ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك ولعلها اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى تستبين أو تقوم به البينة (1))، بناء على عموم الاستدلال بها للشبهات الحكمية. أو لغيرها من الادلة وربما دل عليها كل ما يدل على البراءة الشرعية. ولكن بناء هذه القاعدة على الاستصحاب لا معنى له، لتوفر أدلتها الاجتهادية، بالاضافة إلى عدم انطباقها عليه لفقدها ركنا من اركان الاستصحاب، وهو اليقين السابق بالاباحة، إذ لم يفرض فيها ليستصحب.


(1) الدراسات، ص 154. (*)

[ 471 ]

نعم، يمكن أن يكون المراد بها ان الاصل في الاشياء الاباحة، إذا كانت معلومة سابقا، وشك في ارتفاعها فتكون من صغريات قاعدة الاستصحاب. ولكن هذا التوجيه غير مراد قطعا لهم لعدم أخذهم فيه هذا الشرط (إذا كانت معلومة الاباحة سابقا)، على أنه لا خصوصية للاباحة لجواز ان يقال الاصل في الاشياء الحظر إذا كانت محظورة سابقا، والاصل فيها الوجوب إذا كانت واجبة، وهكذا... ب - (الاصل بقاء ما كان على ما كان حتى يطرأ ما يغيره (1)): وهذه القاعدة إن كانت ناظرة إلى مقام الثبوت والوقع، فهي صحيحة في بعض مصاديقها، لان الذي يبقى عند وجوده ما لم يطرأ عليه ما يغيره ما كان فيه مقتضى البقاء، أما ما ليس فيه استعداد البقاء لا يحتاج في انتفائه إلى المغير، بل يكون انتهاؤه بانتهاء استعداده، إلا أن القاعدة تكون أجنبية عن الاستصحاب، لان الاستصحاب غير ناظر إلى مقام الثبوت، بل ناظر إلى مقام الاثبات في مرحلته الظاهرية. وإن أريد بها النظر إلى مقام الاثبات، فالاستصحاب لا يثبتها لما قربناه سابقا من عدم اماريته. نعم، إذا غيرت القاعدة إلى التعبير بإبقاء ما كان على ما كان ما لم يعلم بطرو ما يغيره، كانت موافقة لمؤدى الاستصحاب كما نهضت به أدلته السابقة. ولعل قولهم:


(1) مصادر التشريع، ص 129. (*)

[ 472 ]

ج - (ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه (1)): أقرب إلى الاستصحاب من التعبير السابق وبخاصة إذا استظهرنا من قولهم: يحكم ببقائه هو الحكم به عند الشك لا واقعا. د - (ما ثبت باليقين لا يزول بالشك (2)). وهذه القاعدة إذا أريد بها مدلولها اللغوي كانت أجنبية عن مفاد الاستصحاب لان مفاده - كما مر بيانه - ما ثبت باليقين لا يزال بالشك، أي مطلوب اعتباره ثابتا، لبداهة ان اليقين والشك لا يسريان إلى الواقع فيغيرانه عما هو عليه ليصح مثل هذا التعبير، والظاهر ان مرادهم هو ما ذكرناه، فتكون القاعدة عين ما يراد من معنى الاستصحاب في حدود ما مر. ه‍ - (الاصل في الانسان البراءة (3)): وابتناء هذه القاعدة على الاستصحاب موقوف على العلم السابق بخلو الذمة والشك اللاحق، وليس مثل هذا العلم متوفرا دائما، وسيأتي أن هذه قاعدة مستقلة ولها أدلتها الخاصة وليست مبنية على الاستصحاب ككل، لجواز فرضها في صورة توارد التكليفين على الانسان مع شكه في السابق واللاحق منهما، كما لو علم بصدور حدث وطهارة وجهل أسبقهما، فاستصحاب الحالة السابقة عليهما لا يجري للعلم بانتقاضها بأحدهما، واستصحاب كل منهما لا يجري أيضا اما لعدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين - كما ذهب إلى ذلك بعض أساتذتنا - وهو من أركان الاستصحاب لاحتمال


(1) فلسفة التشريع في الاسلام، ص 180. (2 - 3) مصادر التشريع، ص 129. (*)

[ 473 ]

تخلل اليقين بالانتقاض باليقين بالنسبة إلى كل منهما، فلا يتصل شكه بيقينه زمانا، واما لجريانهما والحكم بتساقطهما للتعارض فابتناء هذه الصورة من القاعدة على الاستصحاب ليس له وجه. أما بقية الصور - وهي التي يعلم فيها ببراءة الذمة سابقا - ويشك بارتفاعها، فهي مختلفة أيضا لان الحالة السابقة المعلومة ان أريد بها العدم السابق على تأهل المكلف لورود التكاليف عليه كانت حجيتها مبنية على صحة الاستصحاب في: العدم الازلي: وحجيته موضع خلاف بين الاعلام وبخاصة المتأخرين منهم، فالذي عليه شيخنا النائني: ان الاستصحاب لا يجري لكونه من الاصول المثبتة باعتبار ان العدم المعلوم لدى المستصحب عدم محمولي، والذي يراد إثباته عدم نعتي، وثبوت أحدهما لا يثبت الآخر إلا بتوسط لازم عقلي، فالبراءة المعلومة هي البراءة الثابتة قبل تأهل المكلف - من باب السالبة بانتفاء الموضوع - والبراءة التي يراد إثباتها هي البراءة بعد تأهله، واحداهما غير الاخرى فلا يجري الاستصحاب. ولكن الشيخ آغا ضياء العراقي - وهو من أعلام الاصوليين في النجف - يرى - فيما يحكى عنه - إمكان جريان الاستصحاب في العدم الازلي لاعتقاده عدم التمايز في الاعدام، فالعدم المحمولي هو - في واقعه - عين العدم النعتي وليس غيره ليكون جريانه من قبيل الاصل المثبت. والذي يقتضي ان يقال: ان المسألة تختلف باختلاف الاستفادة من الادلة، فإن استفيد اعتبار الاتصاف بالعدم في متعلق الحكم أو موضوعه، فاستصحاب العدم - بمفاد كان التامة - أي العدم المحمولي لا يثبته لان الاتصاف من

[ 474 ]

الامور الوجودية الموقوفة على وجود موضوعها، وان لم يستفد من الادلة اعتبار الاتصاف واستفيد تركب المستصحب من جزءين هما - في مقامنا - الملكف وخلو الذمة فاستصحاب خلو الذمة - بمفاد كان التامة - يثبت الموضوع لان زيدا مثلا مكلف بالوجدان، والذمة غير مشغولة بالاصل. هذا كله إذا أريد من العدم العدم الثابت قبل التأهل للمكلف - أي في أيام طفولته وقبل اتصافه بالتمييز - اما إذا أريد بالعدم العدم الثابت له قبل البلوغ وبعد تأهله للتكليف بالتمييز، فالاستصحاب لا يجري بناء على استفادة أن البلوغ من مقومات الموضوع عرفا للعلم بتبدل الموضوع، ومع العلم بتبدل الموضوع لا يجري الاستصحاب لفقده ركنا من اركانه. نعم، من لا يرى البلوغ مقوما لموضوع التكليف عرفا، لا مانع من جريان الاستصحاب بالنسبة إليه. والنتيجة ان بناء هذه القاعدة على الاستصحاب، لا يصدق إلا في بعض الصور على بعض المباني، فلا تصلح أن تكون قاعدة عامة مرتكزة في جملة ركائزها على الاستصحاب. و - (استصحاب النص إلى أن يرد النسخ (1)). وقد عد المحدث الاسترابادي هذا النوع من الاستصحاب من الضروريات وقد سبق الاشكال مفصلا فيه في مبحث (شرع من قبلنا) والحقيقة انا لسنا في حاجة إلى هذا الاصل لاثبات استمرار الشريعة، وحسبنا من الادلة اللفظية أمثال ما ورد من قوله: (عليه السلام) (حلال محمد حلال إلى يوم القيمة، وحرامه حرام إلى يوم القيمة) ما يثبت الاستمرار. على ان بعض الاستاذة ذهب إلى أن اصالة عدم النسخ ليس مبناها الاستصحاب ليستشكل فيه بل هي أصل قائم بذاته، ومستنده الاجماع


(1) فلسفة التشريع في الاسلام، ص 179. (*)

[ 475 ]

أو الضرورة التي ادعاها المحدث الاسترابادي. وما سبق ان قلناه عن أصالة عدم النسخ نقوله عن: استصحاب الاحكام الكلية: إذا كان منشأ الشك فيها هو احتمال طرو الرافع عليها أي طرو النسخ عليها، لان الشبهة التي ذكرناها هناك من الشك في سعة المجعول وضيقه، أي دوران الامر بين مقطوع الارتفاع ومقطوع البقاء، جارية بنفسها هنا، فلا حاجة لتكرار الحديث فيها. خلاصة البحث: والخلاصة ان المقياس في جريان الاستصحاب وعدمه هو توفر الاركان السبعة السابقة، فإن توفرت جرى الاستصحاب، وإن فقد بعضها لا يجري لعدم توفر الدليل عليه.

[ 477 ]

الباب الثالث لقد أطال الاعلام في التحدث عن كل ما يتصل بهذا الباب والذي يأتي بعده، وقد استغرق الحديث فيه المجلدات الواسعة وسنقتصر منه على المواضع التي نراها أهم من غيرها، ونقلل من النماذج التطبيقية والتفرعات على أصل المبنى احتفاظا بطبيعة ما تقتضيه بحوثنا من إيجاز واقتراب نسبي من المفاهيم المشترك بحثها بين أعلام المذاهب على اختلافها، تحقيقا لمنهجنا في المقارنة، وإذا دعتنا الضرورات أحيانا إلى ذكر مباحث تمحضت مدرسة النجف في بحثها، فلان التقييم الفقهي لبعض المسائل موقوف عليها، ومعالمها مفقودة في المذاهب الاخرى.

[ 479 ]

الباب الثالث القسم الاول البراءة الشرعية تحديدها، الفرق بينها وبين الاباحة الواقعية، الخلاف فيها، أدلة المثبتين لها مطلقا: أدلتهم من الكتاب، أدلتهم من السنة: حديث الرفع، رواية السعة، رواية كل شئ مطلق، استدلالهم بالاجماع، أدلتهم من العقل، أدلة الاخباريين

[ 481 ]

تحديدها: تطلق البراءة الشرعية ويراد بها الوظيفة الشرعية النافية للحكم الشرعي عند الشك فيه واليأس من تحصيله. الفرق بينها وبين الاباحة الواقعية: وهي بهذا التحديد وإن أدت وظيفة الاباحة الشرعية، من حيث تخييرها في السلوك بين الفعل والترك، إلا ان الاباحة الشرعية وليدة انعدام المصلحة والمفسدة أو تساويهما في متعلقها، بخلاف البراءة فإنها غير ناظرة إلى الواقع، فقد يكون فيه مصلحة توجب الالزام بالاتيان به، والشارع جعل الحكم الالزامي له، إلا أنه لم يصل الينا أو ان فيه مفسدة توجب الردع الالزامي عنه كذلك، ولهذا آثرنا تسميتها بالوظيفة الشرعية تفرقة لها عن الاباحة الواقعية، ومثلها عادة لا تشرع إلا بعد اليأس عن بلوغ الواقع، ومن هنا استفدنا - فيما سبق في مبحث الاستصحاب - تقييد أدلتها هي وبقية الاصول والوظائف بالفحص عن الحكم الواقعي واليأس من العثور عليه. الخلاف فيها: وقد اختلفوا في حجيتها من حيث السعة والضيق، فالذي عليه الاصوليون من الشيعة هو اعتبارها مطلقا، سواء في ذلك الشبهات الموضوعية أم الحكمية، وسواء كانت الشبهة وجوبية أم تحريمية، والذي

[ 482 ]

عليه الاخباريون من الشيعة اختصاصها بالشبهات الوجوبية دون التحريمية. أما السنة فالذي يبدو منهم إرسال حجيتها، إرسال المسلمات لعدم تعرضهم - في حدود ما اطلعت عليه - لمخالف فيها معلوم، وإن لم يظهر لديهم أدلة من الشرع عليها فنسبتها إلى البراءة العقلية عندهم أولى، ولذا آثرنا التعرض لها هناك. أدلة المثبتين لها مطلقا: وقد استدل المثبتون لها بأدلة كثيرة يصعب استيعابها جميعا، وهي مستغرقة للادلة الاربعة نذكر أوفاها بالدلالة: أدلتهم من الكتاب: وأظهر ما استدلوا به من الكتاب آيتان كريمتان هما: 1 - قوله تعالى: (ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها (1)). وقد قربت دلالتها بتقريبات لا يخلو اكثرها من مؤاخذة، ولعل اسلمها من المؤاخذات، أن يقال ان المراد من الوصول في (ما آتاها)، هو الحكم، والمراد بالايتاء فيها هو الوصول، فيكون مفاد الآية نفي التكليف بالحكم غير واصل، أي أن الله لا يكلف نفسا إلا بالحكم الذي يصل إليها. وبالطبع ان معنى نفي التكليف هنا، هو نفي آثاره الاخروية، أي نفي المؤاخذة، وإلا فإن التكليف ثابت في حقوق العالمين والجاهلين على السواء - كما يأتي عرضه في مبحث التخطئة والتصويب -. 2 - قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (2)). وتقريبها لا يتم إلا إذا جعلنا الرسول هنا كناية عن الحجة الواصلة،


(1) الطلاق / 7. (2) الاسراء / 15. (*)

[ 483 ]

وهو ما تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع إذ لا خصوصية للرسول في هذا الموضع ظاهرا فيكون مؤداها نفي استحقاق العقاب قبل قيام الحجة لدى المكلف وهو مؤدى البراءة. وأشكل على هذه الاستفادة: 1 - ان الآية لم تنف أكثر من فعلية العقاب وهي أعم من الاستحقاق الذي هو وليد شغل الذمة وعدمه، وليس هناك ما يمنع من ثبوت الاستحقاق وارتفاع العقاب بالعفو أو إذهاب السيئة بالحسنة، والذي يفيد في الدلالة على البراءة هو نفي الاستحقاق عنه، الكاشف عن عدم انشغال ذمة المكلف لا نفي فعلية العقاب، لان نفي فعليته قد يكون - حتى مع ثبوت التكليف واقعا - بالعفو وغيره. وأجيب بأن لسان الآية يأبى مثل هذا الحمل، أعني الحمل على نفي الفعلية، لان التعبير بقوله: (وما كنا معذبين) وما يشبهه من التعبيرات الواردة في القرآن الكريم أمثال (وما كان الله ليضل قوما (1)) (وما كان الله ليذر المؤمنين (2))، كلها تدل على ان هذه الامور مما لا تليق نسبتها إليه سبحانه. وأظن ان الجو التعبيري الذي يرسمه هذا النوع من الاداء يقرب هذا المعنى. وإذا صح هذا المعنى فمع وفرض استحقاق العبد للعذاب، فأي مانع من نسبة صدوره إلى الله، ولماذا لا تليق نسبته إليه تعالى ؟ فالحق - كما استفيد - ان أمثال هذه التعبيرات واردة لنفي الاستحقاق وحاشا لله ان يعذب من لا يستحق. وأشكل أيضا ان الآية واردة في مقام نفي العذاب الدنيوي كما يقتضيه


(1) التوبة / 115. (2) آل عمران / 179. (*)

[ 484 ]

سياقها، وليست واردة في مقام نفي العذاب الاخروي، والذي يفيد في إثبات دلالتها على البراءة هو نفي العذاب الاخروي، ومن الواضح ان نفي أحدهما لا يستلزم نفي الآخر. والجواب على هذه الشبهة يتضح مما ذكرنا في الجواب عن الشبهة السابقة، فإن لفظة (ما كنا) تستدعي نفي الاستحقاق، وهو أعم منهما بالاضافة إلى إمكان استفادة نفي العذب الاخروي قبل قيام الحجة بقياس الاولوية، لان الله سبحانه إذا تنزه عن تعذيب عبيده في دار الدنيا، وهو عذاب يخف تحمله بالنسبة إلى العذاب الاخروي، فتنزهه عن إيقاع العذاب الاشد من باب الاولى. والحق ان الآية من أقوى ما يستدل به على البراءة. أدلتهم من السنة: وهي كثيرة جدا نجتزئ بذكر بعضها: 1 - حديث الرفع: وقد روي بسند جامع لشرائط الصحة (عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رفع عن أمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة (1)). وقد قربت دلالته بأن أحكام الشارع على اختلافها، من وضعية وتكليفية، لما كان أمر رفعها ووضعها بيده، وان بوسعه ان يضع الحكم


(1) الدراسات، ج 3 ص 142. (*)

[ 485 ]

الالزامي في حالتي العلم والجهل، أي ان يضع الحكم الواقعي والظاهري على المكلفين كما ان بوسعه ان يرفعهما عنه، فإن هذا الحديث جاء للتعبير عن رفع الشارع الحكم الالزامي في حال الشك، وليست هناك أية منافاة بين رفع الحكم عند الجهل به وبقائه واقعا كما هو مقتضى ما دل على ثبوت الاحكام في حق العالمين والجاهلين على السواء، ويكون مفاد الرفع في هذا الحديث هو رفع العقاب أو المؤاخذة، وقيل ان الرفع مسلط هنا على خصوص الحكم الظاهري الالزامي الذي لا يعلم، ويكون معنى رفعه عدم جعله ابتداء (ولازمه ثبوت الترخيص في اقتحام الشبهة وعدم وجوب الاحتياط، فإن الاحكام متضادة في مرحلة الظاهر كتضادها في مرحلة الواقع، فكما ان عدم الالزام في الواقع يستلزم الترخيص واقعا كذلك عدم الالزام في الظاهر يستلزم الترخيص ظاهرا، وإذا ثبت الاذن في الاقتحام لا يبقى مجال لاستحقاق العقاب، فيكون حال الشبهة الحكمية حال الشبهة الموضوعية التي ثبت فيها الاذن بالدلالة المطابقية بقوله (عليه السلام): (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال) ونحو ذلك، فيثبت بحديث الرفع أصالة الحل وجواز ارتكاب محتمل الحرمة وترك محتمل الوجوب (1)). وقد أورد على هذه الاستفادة باشكالات لعل أهمها هو قولهم: إن هذا الدليل - لو تم - فهو أضيق من المدعى لتعلقه بخصوص الشبهات الموضوعية وذلك: أ - لان الرفع مسلط في الكثير من فقرات الرواية على نفس الفعل لوضوح أن المراد من قوله: (ما اضطروا إليه وما اكرهوا) هو نفس الفعل المضطر إليه لا الحكم المضطر إليه وهكذا... إذ لا معنى للاضطرار إلى الحكم، كما لا معنى للاكراه عليه، فإذا ثبت إرادة الفعل


(1) الدراسات، ج 3 ص 143. (*)

[ 486 ]

من بعض أسماء الموصول فيها، فقد ثبت ذلك في الجميع أخذا بوحدة السياق. وحينئذ يكون المراد مما لا يعلمون الفعل الذي لا يعلمون حكمه، وتختص الرواية بالشبهات الموضوعية. والجواب على ذلك أن الموصول في هذه الجمل كلها مستعمل في مفهوم واحد، وهو مفهوم الشئ، وهذا المفهوم يتسع للحكم والموضوع معا، والاختلاف إنما هو في مصاديق هذا الشئ المختلفة باختلاف صلة الموصول، فكأن الشارع قال: رفع الشئ الذي لا يعلم والشئ الذي اضطروا إليه، وهكذا... ولا يضر في ذلك أن يكون في احدهما فعل وفي الآخر حكم، ما دام كل منهما يصدق عليه انه شئ. ب - إن الذي يقتضيه تسلط الرفع على العدد (تسعة) أن نسبة الرفع إلى كل من أفراد التسعة التي فصلها الحديث نسبة واحدة، من حيث كونها حقيقية أو مجازية، ولا يعقل أن يكون بعضها حقيقيا والآخر مجازيا لبداهة ان الاسناد الواحد إلى التسعة، وهو العنوان الجامع لها، لا يتحمل اختلاف النسبة من حيث الحقيقة والمجاز. وبما أن النسبة فيما لا يعلمون، إذا أريد من الموصول، الحكم هي نسبة حقيقية لان نسبة الرفع إلى الحكم من قبل الشارع لا تجوز فيها ونسبته إلى ما اكرهوا عليه، نسبة مجازية لبداهة أن الشارع - كمشرع - لا يمكن أن يتسلط على الامور التكوينية فيرفعها، فلا بد أن يكون المراد من تسلط الرفع عليها، هو رفع أحكامها المترتبة عليها، وهي التي بيد الشارع رفعها ووضعها، ومع تنوع النسبة في الامور التسعة، لا بد أن ينتهي الامر إلى أن تكون النسبة الواحدة في إسناد الرفع إلى لفظ التسعة الجامع بينها متنوعة تبعا لتنوع أفرادها، والنسبة في الاسناد الواحد إلى الشئ الواحد يستحيل تنوعها، فتتعين النسبة المجازية في الجميع

[ 487 ]

ويكون المراد منها جميعا هو الفعل. والجواب أن النسبة هنا في إسناد الرفع إلى التسعة نسبة واحدة وهي مجازية، لان الاسناد إلى الجامع بين الحقيقي والمجازي، يكون اسنادا مجازيا بطبيعة الحال، وهي أشبه بما يقولونه في المنطق من أن النتيجة تتبع أخس المقدمتين، فالاختلاف في المتعلق لا يلزم التعدد في النسبة الواحدة، على أنه يمكن أن يقال ان نسبة الرفع إلى الفعل، هي نفسها نسبة حقيقية من دون حاجة إلى التقدير لان معنى رفع الشارع الموضوع تشريعا هو عدم جعله موردا لاعتباره موضوعا لاحكامه، وهو - بهذا المعنى - مما يتسلط عليه الرفع حقيقة، وهذا نظير قول الشارع: (لا ربا بين الوالد والولد، ولا صيام في السفر) أي ان هذه المواضيع ليست موردا لاعتباره من حيث الالزام بها فعلا أو تركا. وعلى هذا، فالنسبة إلى كل من التسعة تكون نسبة حقيقية والى مجموعها كذلك، فلا تعدد اذن في النسبة الواحدة على جميع الفروض. ج - إن المستفاد من لفظة الرفع، أن ما تتعلق به فيه ثقل على النفس، ومن الواضح أنه لا معنى لكون الحكم بالوجوب أو الحرمة فيه ثقل، لان نفس الحكم لا ثقل فيه، وإنما الثقل بالفعل الذي يراد الاتيان به أو يراد تركه، فلا بد من نسبة الرفع إلى الفعل لا إلى الحكم. وأجيب أن الاتيان بالفعل وعدمه هو موضع الثقل لما كان مسببا عن الحكم فإن نسبة الرفع إلى سببه كنسبته إليه، لا تجوز فيها ولا مسامحة عرفا، على ان شعور الانسان بكونه ملزما لمولاه بعمل ما فيه ثقل - وأي ثقل - فالقول بأن الحكم الملزم لا ثقل فيه، لا يعرف له وجه.

[ 488 ]

والظاهر ان المشكل توهم ان الرفع لا يصدق إلا على ما كان فيه ثقل مادي لذلك خصه بالفعل، مع أن الثقل المعنوي أشد وطأة على النفوس من أي ثقل آخر. وقد ذكروا إشكالات اخرى لا نرى ضرورة لعرضها والاجابة عليها لوضوح بطلانها، ولان الجواب على بعضها يتضح مما عرضناه. والنتيجة ان الحديث وافي الدلالة في شموله لمختلف الشبهات موضوعية أو حكمية. وإذا صحت استفادة رفع الحكم منه فتعميمه إلى مختلف ما فيه ثقل من أنواع الحكم سواء كان وضعيا أم تكليفيا لا يحتاج إلى كلام. كما أن شموله لجميع مناشئ عدم العلم بالحكم من فقدان النص، أو تعارض النصين، أو الجهل بالموضوع، أو غيرها واضح جدا. 2 - رواية السعة: ولسان الرواية: (الناس في سعة ما لا يعلمون (1)). وقد قرئ هذا الحديث بتنوين كلمة سعة كما قرئ بالاضافة وعدم التنوين. ولازم القراءة الاولى ان تكون (ما) مصدرية زمانية، ويكون مفاد الرواية على تقديرها الناس في سعة مدة عدم علمهم بالتكليف، أي ما داموا لم يعلموا بوجوده فذمتهم غير مشغولة به، لان الشارع جعلهم في سعة من أمره. ولازم القراءة الثانية ان تكون (ما) موصولية، ويكون مفادها الناس في سعة الحكم الذي لا يعلمونه ويكون مؤداه مؤدى حديث الرفع.


(1) الدراسات، ج 3 ص 158. (*)

[ 489 ]

والفارق بين القراءتين أن الحديث على القراءة الاولى يكون مؤكدا في مضمونه للقاعدة العقلية الآتية (قبح العقاب بلا بيان) لان لسانه لسان جعل السعة ما دام البيان غير واصل الينا، أي ما دمنا لا نعلم بالتكليف، فإذا تمت أدلة الاحتياط الشرعي الآتية كانت حاكمة عليه، لان لسانها لسان بيان للحكم فهي رافعة للجهل الذي أنيطت السعة به في هذه الرواية. وعلى القراءة الثانية يكون مفاد الرواية مفاد حديث الرفع وهو معارض لادلة الاحتياط كما يأتي. والظاهر - الذي استفاده بعض أساتذتنا - (من الحديث هو: الاحتمال الثاني، فإن كلمة (ما) الزمانية حسب استقراء موارد استعمالها لا تدخل على فعل المضارع، وإنما تدخل على الماضي، فلو كان المضارع في الخبر مدخول كلمة (لم) لكان للاحتمال الاول وجه، ثم لو سلم دخولها على فعل المضارع أحيانا فلا ريب في ندرته فلا يصار إليه في غير الضرورة). (وعليه، فالصحيح دلالة الحديث على البراءة الشرعية، وبإطلاقه يشمل الشبهات الموضوعية والحكمية). (ومن ذلك يظهر أن ما أفاده المحقق النائني من ترجيح الاحتمال الاول وعدم صحة الاستدلال بهذا الحديث على البراءة الشرعية خلاف التحقيق (1)). 3 - رواية كل شئ مطلق: ولسان هذه الرواية (كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي (2)).


(1 - 2) الدراسات، ج 3 ص 159. (*)

[ 490 ]

وقد اختلفوا في المراد من لفظة (يرد) في الرواية فقيل ان معناها الصدور، ويكون معنى هذه الرواية إذ ذاك كل شئ مطلق اي مباح حتى يصدر من الشارع في حقه النهي، وتكون بهذا المعنى أجنبية عن موضع احتياجنا لبداهة ان حاجاتنا إليها إنما هي بعد البعثة وصدور الاحكام عن الشارع واختفائها عنا. وقيل: ان المراد من الورود فيها هو الوصول، فيكون معناها كل شئ مطلق - أي مباح ظاهرا - حتى يصل إلى المكلف فيه نهي. والظاهر ان مدلول الرواية لا يلتئم مع طبيعة صدورها من الإمام إلا على القول الثاني. لان قول الشارع: كل شئ مطلق حتى يرد، إما ان يراد بالاطلاق الاباحة الواقعية أو الظاهرية والورود وإما ان يراد به الوصول أو الصدور، فصور المسألة أربع: 1 - ان يكون الاطلاق بمعنى الاباحة الواقعية، والورود بمعنى الصدور، فيكون مفاد الرواية كل شئ مباح واقعا حتى يصدر من الشارع نهي عنه، وهذا النوع من الكلام لا معنى له لاستلزامه الاخبار عن أن أحد الضدين رافع للآخر وهو أشبه بالقول: كل انسان حي ما لم يمت، أو كل انسان نائم ما لم يستيقظ، وأي معنى لمثل هذا الكلام لو صدر عن إنسان عادي فضلا عن صدوره من مشرع ؟ ! وأية ثمرة تشريعية تترتب على مثله ؟ 2 - ان يكون الاطلاق بمعنى الاباحة الواقعية، والورود بمعنى الوصول، فيكون معنى الرواية ان كل شئ محكوم بالاباحة الواقعية حتى يصل فيه نهي. ولازم هذا ان وصول حكم على خلاف الحكم الواقعي يقتضي ان يكون

[ 491 ]

مغيرا للواقع عما هو عليه من حكم فيلزم التصويب، وسيأتي بطلانه وهو اليوم مجمع عليه بين المسلمين ظاهرا. 3 - أن يراد من الاطلاق الاباحة الظاهرية، ومن الورود صدور الحكم من الشارع، ومثل هذا الكلام لا معنى له لبداهة أن صدور الحكم من الشارع بمجرده لا يرفع الاباحة الظاهرية وإنما الذي يرفعها وصول الحكم من قبله. 4 - أن يراد من الاطلاق الاباحة الظاهرية ومن الورود الوصول، فيكون مفادها ان كل شئ محكوم بالاباحة الظاهرية حتى يصل، نهي على خلافها وهو معنى البراءة. وبهذا يتضح السر في ادعائنا أن مدلول هذه الرواية لا يلتئم مع طبيعة صدورها من الامام إلا على القول الثاني - وهو مؤدى المعنى الرابع - لان بقية المعاني مما يستحيل صدورها منه عادة. استدلالهم بالاجماع: وقد صوروه بعدة صور: منها: دعوى اتفاق المسلمين على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ويرد عليها أنها وإن كانت ثابتة في واقعها، إلا ان ثبوتها لا يكشف عن حكم الشارع بها لكونها قاعدة عقلية محضة كما يأتي الحديث فيها، وبالاضافة إلى انها لا تثبت الترخيص في الشبهات التحريمية - موضع النزاع مع الاخباريين - لادعائهم وجود البيان فيها فهي خارجة عن موضوع هذا الحكم العقلي بالورود. ومنها: دعوى الاتفاق على ان الحكم الظاهري المجعول عند الشك هو الترخيص، وهذه الدعوى لا أعرف لها مأخذا يمكن الركون إليه مع

[ 492 ]

خلاف الاخباريين في إطلاقها لذهابهم إلى الاحتياط في الشبهات التحريمية. أدلتهم من العقل: وعمدة ما استدلوا به هي قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وما أدري كيف اقحمت في هذا المجال ؟ فهي وإن كانت وافية الدلالة على البراءة إلا أنها لا تفي بإثبات البراءة الشرعية لعدم كشفها عن رأي الشارع - كمشرع - إذ المفروض فيما اخذ فيها، هو عدم البيان الشرعي بجميع مراتبه، ومع كشفها عن رأي الشارع تكون هي بيانا فيلزم من قيامها هدم موضوعها وارتفاعها تبعا لذلك، أي يلزم من وجودها عدمها، ولهذا السبب اعتبر العلماء ورود ما دل على البراءة الشرعية على هذه القاعدة لازالته لموضوعها وجدانا بواسطة التعبد الشرعي، ومن هنا آثرنا تأجيل الحديث عن هذه القاعدة إلى مبحث البراءة العقلية. أدلة الاخباريين على التفصيل: وقد استدل الاخباريون كذلك بالادلة الاربعة، وبما أن أدلتهم لا تخص دعواهم من الرجوع في الشبهات التحريمية إلى الاحتياط، فقد آثرنا تأجيل الحديث فيها إلى القسم اللاحق.

[ 493 ]

الباب الثالث القسم الثاني الاحتياط الشرعي تحديده، الاختلاف في حجيته، أدلة الاخباريين، أدلتهم من الكتاب، أدلتهم من السنة، مناقشها ككل، الاصل في الاشياء، والحظر، خلاصة البحث، الاحتياط الشرعي وظيفة.

[ 495 ]

تحديده: ويراد به حكم الشارع بلزوم الاتيان بجميع محتملات التكاليف أو اجتنابها عند الشك بها، والعجز عن تحصيل واقعها مع إمكان الاتيان بها جميعا أو اجتنابها. الاختلاف في حجيته: وقد اختلفوا في حجيته، فالذي عليه أكثر علماء الاصول أنه ليس بحجة مطلقا، وخالف الاخباريون في ذلك فاعتبروه حجة في خصوص الشبهات التحريمية. أدلة الاخباريين: وقد استدل الاخباريون، أو استدل لهم بعدة أدلة نعرض أبرزها في الدلالة. أدلتهم من الكتاب: 1 - قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم). باعتبار ان الترخيص في الشبهات التحريمية قول بغير علم، وقد نهت هذه الآية المباركة عنه. والجواب على ذلك: أن الترخيص فيها قول بعلم لقيام أدلة البراءة السابقة عليه، فهو خارج عن الآية موضوعا لحكومة أدلة البراءة عليها.

[ 496 ]

2 - قوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته (1)). 3 - قوله سبحانه: (فاتقوا الله ما استطعتم (2)). بتقريب ان اقتحام الشبهات التحريمية ينافي التقوى التي أمرنا بها بفحوى هذه الآيات ونظائرها. والجواب: ان اقتحام الشبهة مع وجود المؤمن الشرعي لا ينافي التقوى بحال، ومع قيام أدلة البراءة فالمؤمن حاصل من الشارع، وأي محذور في اتباع رخص الشارع بعد ثبوتها عنه ؟ 4 - قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (3)). وقد قربوا دلالتها بكون اقتحام الشبهات التحريمية إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وقد حرمته هذه الآية. ويرد على هذا التقريب: 1 - إن كون اقتحام الشبهات التحريمية إلقاء بالنفس إلى التهلكة أو ليس بإلقاء لا تشخصه الآية، لبداهة ان القضية لا تثبت موضوعها، والمقياس في كونه إلقاء إذا أريد من التهلكة التهلكة الاخروية - أي العقاب - هو نهي الشارع عنه ومخالفة ذلك النهي، وتوجه النهي إلى اقتحام الشبهات إن أريد إثباته بهذه الآية لزم الدور، وإن أريد إثباته بغيرها فالغير هو الدليل لا هذه الآية. 2 - ان النهي في الآية لو أريد من التهلكة التهلكة الاخروية، ليس نهيا مولويا، وإنما هو نهي إرشادي، فلا يدل على التحريم لبداهة ان شؤون الاطاعة والعصيان لا تقبل جعلا شرعيا للزوم التسلسل، إذ لو كان هذا النهي نهيا مولويا لكانت مخالفته موجبة للعصيان وإلقاء النفس إلى التهلكة، وهي محرمة ومخالفتها محرمة، وهكذا إلى غير نهاية.


(1) آل عمران / 102. (2) التغابن / 16. (3) البقرة / 195. (*)

[ 497 ]

3 - على أن أدلة البراءة - بعد تماميتها - تكون واردة عليها ومزيلة لموضوعها وجدانا. إذ مع كون هذه الادلة مؤمنة من العقاب في جميع مواقع اقتحام الشبهات بما فيها التحريمية، لا يكون اقتحام التحريمية منها تهلكة فهو خارج وجدانا بواسطة التعبد الشرعي. هذا كله - لو أريد من التهلكة العقاب الاخروي، أما إذا أريد بها التهلكة الدنيوية فالوجدان قاض بان اقتحام الشبه ليس فيه احتمال التهلكة دائما فضلا عن القطع بوجودها، ولعل ارتكاب أكثر المحرمات المعلومة لا يوجب تهلكة دنيوية وان اوجب ضررا فضلا عن اقتحام شبهها أدلتهم من السنة: وما يصلح للاستدلال به من السنة طائفتان انتظمت عشرات من الروايات نذكر لكل طائفة نموذجا منها ونناقشها. الطائفة الاولى وهي ما اخذ فيها لفظ الشبهة والوقوف عندها أمثال مقبولة ابن حنظلة، وقد جاء فيها: (إنما الامور ثلاثة أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم). والرواية الاخرى القائلة: (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة). الطائفة الثانية، ما ورد فيها لفظة الامر بالاحتياط أمثال: قوله (عليه السلام): اخوك دينك فاحتط لدينك

[ 498 ]

وقوله: خذ بالحائطة لدينك. وهذه الروايات (1) بلغت من الكثرة حدا قربها من التواتر المعنوي، فلا جدوى في استعراضها ومناقشة اسانيدها وبيان الضعيف منها من غيره. ويرد على الطائفة الاولى: 1 - ان كلمة الشبهة التي اخذت فيها جميعا، ظاهرة في الشبهة المتحكمة، أي التي لم يعرف حكمها الواقعي أو الظاهري، ولم يجعل لها الشارع مؤمنات من قبله، إذ مع قيام حكمها الظاهري أو جعل المؤمن فيها لا معنى لاعتبارها شبهة، وتكون من الامر البين الرشد. وبما ان أدلة البراءة لسانها لسان المؤمن، فهي حاكمة عليها ومزيلة لموضوعها تعبدا. ولذا لم نجد أحدا من الفقهاء منهم توقف في موارد الشبهات الموضوعية أو الحكمية - إذا كانت وجوبية - اعتمادا على هذه الروايات مع ان لسانها آب عن التخصيص، مما يدل على تحكيمهم لادلة البراءة على هذه الادلة. 2 - ان لسان الامر بالتوقف وما انطوت عليه من تعليل في بعضها يدلنا على كونها، أوامر ارشادية لاتصالها بشؤون التحذير من الوقوع في العقاب، وشوؤن العقاب والثواب لا تتقبل أوامر مولوية للزوم التسلسل فيها كما سبقت الاشارة إليه، فالروايات حتى مع الغض عن المناقشة الاولى غير وافية الدلالة ويرد على الطائفة الثانية: 1 - انها أمرت بالاحتياط، للدين، وهو لا يكون إلا بعد إحراز


(1) لاستقصاء هذه الروايات يحسن الرجوع إلى رسائل الشيخ الانصاري، وفوائد الاصول للشيخ محمد علي الخراساني، وغيرهما من الموسوعات (مبحث الاحتياط). (*)

[ 499 ]

موضوعه، فمع الشك في كون الشئ دينا أو ليس بدين، لا تتكفل هذه الروايات إثبات كونه منه، لما قلناه مرارا من ان القضية لا تثبت موضوعها. والمفروض في مواقع الشبهات هو الشك في أن متعلقاتها من الدين أو لا، فلا تكون متناولة لها. نعم إذا أحرز كون الشئ من الدين وجب الاحتياط فيه. وقد يقال ان إحراز كونه دينا يدعو إلى الاتيان به أو اجتنابه، بما أنه مأمور به أو منهي عنه بالعنوان الاولي، ولا تصل النوبة فيه إلى الاحتياط إذ لا تعدد في المحتملات ولا تصور لاحتمال على الخلاف ليصدق معنى الاحتياط، فأي معنى لهذه الروايات الآمرة بالاحتياط للدين إذن ؟ ! والجواب ان الاحراز يختلف أمره، فقد يكون بالعلم الاجمالي المنجز وقد يكون بغيره من العلم التفصيلي أو العلمي، وإذا لم يكن في الثاني - أعني العلم التفصيلي وما بحكمه - تعدد احتمالات، ففي العلم الاجمالي موجود والروايات اذن تكون منصبة عليه. 2 - هذا إذا لم نقل ان هذه الروايات إرشادية إلى حكم العقل، لان الاحتياط حسن على كل حال. مناقشتها ككل: والذي يرد على استدلال الاخباريين بهذه الادلة على لزوم الاحتياط في خصوص الشبهات التحريمية - بعد الغض عن عدم تماميتها في نفسها للمفارقات السابقة التي سجلت عليها - انها جميعا لا تثبت ما سيقت لاثباته بحال من الاحوال، وذلك:

[ 500 ]

1 - لان هذه الادلة بمضمونها أعم من مفاد أدلة البراءة، لكونها شاملة للشبهات البدوية، والشبهات في أطراف العلم الاجمالي، والشبهات بعد الفحص، بينما لا تشمل أدلة البراءة الشبهات قبل الفحص لتقيد أدلتها به - كما سبقت الاشارة إلى ذلك في مبحث الاستصحاب - كما لا تشمل الشبهات في أطراف العلم الاجمالي لما يأتي من قصورها عن ذلك. فهي مختصة إذن بالشبهات بعد الفحص، ومقتضاه تقديمها على أدلة الاحتياط بالتخصيص بما انطوت عليه من اطلاق وشمول للشبهات التحريمية بعد الفحص. على أن في أدلة البراءة ما هو صريح الدلالة على الشبهات التحريمية بالخصوص كرواية: (كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي) وهي أخص من أدلة الاحتياط فتقدم عليها. على أن الذي يستفيده الغزالي (1) من جريان استصحاب براءة الذمة الثابتة قبل بعثة الرسول، يوجب إخراج اكثر الشبهات موضوعا من هذه الادلة، لان أكثر الشبهات، إنما تنشأ من الشك في توجه تكاليف من الشارع بها، فإذا كان عندنا استصحاب يثبت عدم التكليف بها، فلا شبهة فيها أصلا. ولكن الاشكال في جريان مثل هذا الاستصحاب، وقد مرت الاشارة إلى مناقشته في البحوث السابقة. وربما استدل لهم على وجوب الاحتياط فيها بالقاعدة المعروفة: الاصل في الاشياء الحظر: على أن يتغاضى عما قربت به من أن المراد منها أن الاشياء محكومة


(1) المستصفى، ج 1 ص 127. (*)

[ 501 ]

بالحظر قبل ورود الشريعة بها، وهو الذي ذهب إليه البعض (1)، وتقرب بما هو معلوم بالضرورة من أن المكلفين عبيد لله عزوجل، وأفعالهم جميعا مملوكة له، ولا يسوغ التصرف في ملك الغير إلا بإذنه، فما لم يحرز المكلف الاذن بالتصرف في شئ من أفعاله أو مخلوقاته، لا يسوغ الاقدام عليه لعدم المؤمن. والجواب على هذا التقريب: ان هذه القاعدة - لو تم الاستدلال بها - على الاحتياط الشرعي بهذا التقريب، فهي محكومة لما دل على ورود الاذن الشرعي في إباحة التصرفات، أمثال قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا (2)). وليس وراء اللام من (لكم) ما يدل عليه بالاضافة إلى حكومة أدلة البراءة السابقة، ولا أقل من معارضتها برواية: (كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي) واسقاطها لذلك. خلاصة البحث: والخلاصة، ان هذه الادلة غير تامة في نفسها اولا، وهي غير مجدية لو أمكن اتمامها في إثبات دعوى الاخباريين في الرجوع إلى الاحتياط في خصوص الشبهات التحريمية دون غيرها ثانيا، اللهم إلا إذا تمت قاعدة الحظر. وغاية ما تثبته بعد الجمع بينها وبين أدلة البراءة، هو اختصاصها في خصوص الشبهات قبل الفحص، والشبهات في أطراف العلم الاجمالي. وهي بذلك منسجمة مع الدليل العقلي من ضرورة الاحتياط فيهما، وربما كانت إرشادا له.


(1) المستصفى، ج 1 ص 40. (2) البقرة / 29. (*)

[ 502 ]

وسيأتي في مبحث الاحتياط العقلي ما يشير إليه. الاحتياط الشرعي وظيفة: وبهذا يتضح أن الاحتياط الشرعي - لو تمت أدلته - فهو لا يعدو كونه وظيفة مجعولة من قبل الشارع، عند الشك في الحكم الواقعي، لبداهة أن الاحتياط لا يؤخذ به، بما انه حاك عن واقع أو مثبت له لافتراض الجهالة بوجود مثل هذا الواقع، وإنما جعل للمحافظة عليه لو كان، فهو لا يزيد على كونه وظيفة فجعل الاحتياط لا يكشف عن مصلحة في المجعول ليكون من الاحكام.

[ 503 ]

الباب الثالث القسم الثالث التخيير الشرعي تحديده، التخيير الشرعي وظيفة، التخيير والواجب المخير، التخيير ومقتضى الاصل، أدلة التخيير ومناقشتها، خلاصة البحث.

[ 505 ]

تحديده: ويراد به جعل الشارع وظيفة اختبار إحدى الامارتين للمكلف عند تعارضهما، وعدم إمكان الجمع بينهما، أو ترجيح احداهما على الاخرى بإحدى المرجحات التي عرضناها سابقا. التخيير الشرعي وظيفة: وكون التخيير الذي نتحدث عنه وظيفة شرعية لا حكما شرعيا، يتضح أمره إذا علمنا ان جعل التخيير، عند تعارض الامارتين، لا يكشف عن وجود مصلحة في متعلق الجعل ليكون من سنخ الاحكام، وإنما جعل لرفع الحيرة فقط، واختيار المكلف لاحداهما لا يسري إلى الواقع فيغيره عما هو عليه. التخيير والواجب المخير: وهذا التخيير غير الواجب المخير الذي سبق التحدث عنه في بحوث التمهيد، لان ذلك من الاحكام لبداهة ان كلا من فردي التخيير هناك، وهو الذي وجه إليه التكليف على سبيل البدل، فيه مصلحة توجب جعل الحكم على وفقها بخلافه هنا، فإن كلا من فردي التخيير لا يعلم وجود المصلحة فيه، وإنما المصلحة في متعلق إحدى الامارتين فحسب، لافتراض التناقض بينهما، وصدور واحدة منهما دون الاخرى، والمصلحة إنما هي في نفس الجعل لا في المتعلق، وهي لا تتجاوز مصلحة التيسير.

[ 506 ]

التخيير ومقتضى الاصل: وجعل التخيير هنا على خلاف مقتضى الاصل، لاقتضائه التساقط في المتعارضين. لان دليل الحجية بالنسبة للخبرين المتعارضين لا يخرج عن أحد ثلاثة فروض: 1 - ان يفترض شموله لهما معا، وهذا مستحيل بالبداهة، لاستحالة ان يتعبدنا الشارع بالمتناقضين. 2 - ان يفترض شموله لاحدهما دون الآخر، وتعيينه بالذات وترجيح لاحد المتساويين على الآخر من دون مرجح. 3 - ان يقال بعدم شموله لهما معا، وهذا هو الذي يتعين الاخذ به. وادعاء أن أحدهما حجة واقعا لحكايته عن الواقع لا يخلو من مغالطة، لان المدار في الحجية على العلم بها، لان العلم مقوم للحجية، كما سبق بيانه، لا على وجودها الواقعي. ومع فرض جهالتنا به من بينهما لا يكون حجة علينا حتما، وقد تخيل بعض الاصوليين: (ان مقتضى الاصل عن التعارض هو التخيير، لان كلا من المتعارضين محتمل الاصابة للواقع، وليس المانع من شمول دليل الاعتبار لكل منهما إلا لزوم التعبد بالمتناقضين). (وهذا المحذور يندفع برفع اليد عن اطلاق دليل الاعتبار بالنسبة إلى كل منهما بتقييده بترك الاخذ بالآخر (1)). وأجيب على هذا بأن الاخذ بكل منهما عند ترك الآخر لا يرفع محذور التعبد بالمتنافضين، لان لازم جعل الحجية لكل منهما عند ترك


(1) مصباح الاصول، ص 366. (*)

[ 507 ]

الآخر هو جعل الحجية لهما عند ترك الاخذ بهما معا لصدق القيدين، ومقتضاه هو التعبد بهما بما ينطويان عليه من التناقض. وهناك توجيه آخر للتخيير فحواه دعوى امكان تقييد الحجية في كل منهما بالاخذ به، ونتيجة ذلك هو التخيير لتمكنه من الاخذ بأيهما شاء. ولكن لازم هذا التوجيه ان لا يكون كل منهما حجة عند عدم الاخذ بهما، وهو ما لا يلتزم به الموجه حتما. على ان علمنا بكذب احدى الامارتين بحكم ان الواقع الواحد لا يتحمل صدق حكايتين متناقضتين يحول التخيير إلى تخيير بين حجة ولا حجة لو صح صدق التعبير بالحجة في هذا المجال. أدلة التخيير ومناقشتها: ولكن القائل بالتخيير استند إلى روايات عدة جلها أجنبي عن مقام التعارض المصطلح، على ان قسما منها مناقش فيه سندا، نذكر نماذج منها: 1 - ما رواه احمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي عن الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين، ولا نعلم أيهما الحق. قال (عليه السلام): فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت (1)). ودلالة هذه الرواية وافية جدا إلا أنها مرمية بالضعف لارسالها. 2 - ومثلها مرسلة الكافي (بأيهما اخذت من باب التسليم وسعك) استدلالا وجوابا. 3 - ما رواه الشيخ باسناده عن احمد بن محمد عن العباس بن معروف عن علي بن مهزيار قال: (قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد إلى أبي


(1) مصباح الاصول، ص 423. (*)

[ 508 ]

الحسن (عليه السلام) اختلف أصحابنا في رواياتهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم: صلهما في المحمل، وروى بعضهم: لا تصلهما إلا على الارض، فوقع (عليه السلام): موسع عليك بأية عملت (1)). وهذه الرواية لا دلالة لها على أكثر من التخيير في افراد الكلي، لان كلا من الصلاتين صحيحة ومحققة للغرض والتخيير بين أفراد الكلي سواء كان عقليا أم شرعيا لا محذور فيه، والمطلقات كلها من هذا القبيل. وإن شئت أن تقول ان هذه الانواع من الروايات ليست متعارضة في واقعها، وإن تخيلها الراوي كذلك، والامام لم يصنع اكثر من تنبيهه على إمكان الجمع بينها بمفاد (أو)، والكلام إنما هو في الروايات المتعارضة. 4 - ما رواه الكليني بسنده عن سماعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من اهل دينه في أمر، كلاهما يرويه، احدهما يأمر بالاخذ والآخر ينهاه، كيف يصنع ؟ قال (عليه السلام): (يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه (2)). وهذه الواقعة المسؤول عنها من قبيل دوران الامر بين المحذورين (يأمر وينهى)، والمكلف بواقعه لا بد ان يصدر عن أحدهما، فالتخيير بينهما تخيير تكويني، والتعبير بالسعة مساوق للتعبير بإسقاطهما، والصدور عن أحدهما بحكم ما يقتضيه واقعه التكويني، وربما سمي هذا النوع من التخيير بالتخيير العقلي، فتكون الرواية إرشادا له، وسيأتي الحديث عنها. خلاصة البحث: والخلاصة ان أدلة التخيير - وهي لا تخرج عن الطوائف التي عرضنا


(1) مصباح الاصول، ص 424. (2) مصباح الاصول. ص 224، ويحسن الرجوع إليه للتوسع في هذا البحث. (*)

[ 509 ]

نماذج منها - بين صحيح لا يدل بمضمونه، ودال لا يصح سندا، فهي لا تنهض بإثبات ما سيقت له. على أن الحق يقتضينا ان نسجل ان القائلين بالتخيير لم نعرف لاحد منهم فتوى فقهية مستندها ذلك، وربما وجدت في الموسوعات وضيعها علينا نقص الفحص. ثم ان هذه الادلة، لو تمت دلالتها، فهي لا تنعرض إلى اكثر من التعارض بين الاخبار، ولا صلاحية فيها لاستيعاب أبواب التعارض كلها، فالدليل إذن أضيق من المدعى. ولذا لم نعرف من عمم أدلة التخيير إلى جميع الابواب، فالقاعدة تبقى محكمة، ومقتضاها التساقط إلا في الاخبار، بناء على تمامية هذه الادلة.

[ 511 ]

الباب الرابع القسم الاول البراءة العقلية تحديدها، دليلها، قبح العقاب بلا بيان، مناقشة القاعدة، وجوب دفع الضرر المحتمل ومعارضتها لها، التوارد بين القاعدتين، الرأي الاخير، البراءة العقلية وظيفة عقلية لا حكم.

[ 513 ]

تحديدها: ويراد بها الوظيفة المؤمنة من قبل العقل عند عجز المكلف عن بلوغ حكم الشارع أو وظيفته. دليلها: وقد استدل لها بالقاعدة العقلية المعروفة بقاعدة: (قبح العقاب بلا بيان واصل من الشارع). بدعوى أن العقل يدرك قبح عقاب الشارع لعبيده إذا لم يؤذنهم بتكاليفه وخالفوها، أو آذنهم بها ولم تصل إليهم مع فحصهم عنها واختفائها عنهم مهما كانت أسباب الاختفاء ويأسهم عن بلوغها. وهذه القاعدة مما تطابق عليها العقلاء على اختلاف مللهم ومذاهبهم وتباين أذواقهم ومستوياتهم وتشعب أزمانهم وبيئاتهم. وقد عبر عنها بعض المشرعين المحدثين بقوله: (لا عقاب بغير قانون). وبالطبع ان مراده بالقانون هو خصوص القانون المبلغ بوسائل التبليغ المتعارفة وإلا فإن التشريع وحده لا يكفي في إيقاع المواطنين تحت طائلة العقاب. وربما كان غرض القائلين بأن (الاصل براءة الذمة) هو الاشارة إلى هذه القاعدة العقلية.

[ 514 ]

مناقشة القاعدة: وقد نوقشت هذه القاعدة بألسنة قسم من الفقهاء، بكونها غير تامة لمعارضتها بقاعدة عقلية أخرى، تفرض الإلزام بالمحتمل والقاعدة هي وجوب دفع الضرر المحتمل: وجوب دفع الضرر المحتمل ومعارضتها لها: وهي كسابقتها مما تطابق عليها العقلاء بتقريب ان العقل متى احتمل الضرر في شئ ما ألزم بتجنبه، واستحق صاحبه اللائمة لو أقدم عليه وصادف وقوعه فيه. وموقع التعارض بينهما ان القاعدة الاولى مع احتمال التكليف وعدم تنجزه بالوصول، تنفي العقاب من الشارع وتمنعه، والاخرى لا تمنعه بل تصحح صدوره منه وتلقي التبعة على المكلف ان قصر في امتثاله، فالاولى مؤمنة من الضرر، والثانية غير مؤمنة وموضوعهما واحد. وأشكل على هذه المناقشة ان التعارض في الاحكام العقلية مستحيل، لان العقل لا يتناقض على نفسه باصدار حكمين متناقضين على موضوع واحد، فلا بد من التماس محاولاتهم لرفع هذا التناقض. التوارد بين القاعدتين: وقد ذهب بعضهم إلى أنهما - أعني القاعدتين - مختلفتان في الرتبة، وقيام احداهما يكون مزيلا لموضوع الاخرى، وبهذا جعلوا (قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل) واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان لادعائهم ان هذه القاعدة تصلح ان تكون بيانا يمكن للشارع ان يعتمد عليه، ومع فرض كونها بيانا من قبله، فقاعدة قبح العقاب بلا بيان لا يبقى لها موضوع.

[ 515 ]

والجواب على هذه الدعوى: 1 - ان الالتزام بها مساوق لانكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان، إذ لا يبقى لها موضوع دائما، لان العقل إنما اعتبرها عند الشك في التكليف، ومع الشك فيه فإن احتمال الضرر قائما حتما، ومع قيامه تقوم القاعدة المرتكزة عليه فيزول موضوع تلك القاعدة، وقد افترضنا في القاعدة انها مما تطابق عليها العقلاء، فهل تطابق العقلاء على قاعدة من دون موضوع ؟ ! 2 - إمكان عكس الدعوى عليهم، والنقض بورود القاعدة الاولى على الثانية. بتقريب ان قاعدة قبح العقاب بلا بيان واصل بنفسها مؤمنة ورافعة لاحتمال الضرر، فمع قيامها لا احتمال للضرر ليلجأ إلى القاعدة الثانية، وبهذا يتضح ان قيام القاعدة الاولى يكون رافعا لموضوع القاعدة الاخرى وواردا عليها. فالقاعدتان اذن متواردتان، والاشكال يبقى قائما ينتظر. الرأي الاخير: والرأي الذي نراه إلى حل المشكلة هو الرأي الذي تبناه بعض مشايخنا العظام على غموض نسبي في أداء بعض مقرري بحثه. والظاهر انه يريد هذا المضمون في: - دفع الاشكال، فإن لم يكنه فهو قريب منه في اكثر خطوطه - وهو اعتبار القاعدتين منفصلتين عن بعضهما موردا، ولكل منهما مجال. وفي هذه الحدود لا التقاء بينهما ليلزم التعارض، وبشئ من التحديد للمراد من كلمة الضرر يتضح هذا المعنى.

[ 516 ]

يطلق الضرر ويراد به النقص الذي يدخل على الانسان بسبب عمل أو ترك شئ ما سواء كان روحيا أم ماديا، وهو على قسمين دنيوي وأخروي، ولكل من هذين القسمين حساب بالنسبة إلى موضع بحثنا. 1 - احتمال الضرر الدنيوي. وهذا الاحتمال إذا كان على درجة من الاهمية كبيرة، وكان الضرر مما لا يتسامح فيه عادة، يمكن ان يدرك العقل لزوم الاحتياط على وفقه، ومنه يدرك رأي الشارع بالزامه به - أعني الاحتياط - ابعادا للمكلف عن الوقوع فيما يبغضه. وقد سبق ان قلنا ان للشارع ان يجعل الاحتياط للمحافظة على بعض التكاليف التي يعلم مبغوضية فعلها من قبل المكلف على درجة لا يريد وقوعها في الخارج بأية كيفية كانت كما هو الشأن في الدماء والفروج والاموال على قول. وفي مثل هذا الحال صححنا جعل الاحتياط الشرعي من قبله، وقلنا ان العقاب إذ ذاك على تقدير مخالفة الاحتياط وعدم مصادفة الواقع انما هو على التجري أو ما يعود إليه - بناء على حرمته -، لا على مخالفة التكليف لعدم مصادفته الواقع كما هو الفرض. وعلى هذا، فقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل قائمة هنا، ومنها يكتشف البيان الشرعي، فتكون واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان واصل إذ لا تبقي لها موضوعا ليرد الحكم العقلي عليه. 2 - احتمال الضرر الاخروي - أي العقاب -. وهذا الاحتمال لا يستتبع جعلا شرعيا للاحتياط على وفقه لبداهة أن كل ما يتصل بشؤون الاطاعة والعصيان مما هو في طول التكاليف، لا تكون أوامره - لو وجدت - من قبيل الاوامر المولوية لاستحالة صدور هذا النوع من الاوامر عنه.

[ 517 ]

وقد سبق أن تحدثنا في مبحث (دليل العقل) عن أن بعض الاحكام العقلية لا تستتبع أوامر شرعية لوجود موانع عقلية عن ذلك وضربنا المثل بأوامر الاطاعة. وما قلناه هناك نقوله هنا، لان احتمال العقاب بل القطع به - لا يستطيع أن يوجه الشارع - نهيا عن الوقوع فيه فضلا عن جعل الاحتياط، كأن يقول لك: لا تقع في العقاب للزوم التسلسل الواضح بداهة ان مخالفة هذا النهي إما ان توجب عقابا فهي مردوع عنها، وهذا الردع إن أوجبت مخالفته العقاب، فهو مردوع عنه، وهكذا إلى غير النهاية. فإذا كان احتمال الضرر الاخروي لا يستتبع جعل الاحتياط الشرعي على وفقه، فمن الواضح أن قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل لا تكشف عنه - اعني الاحتياط - لعدم امكان جعله من قبله، فهي لا تصلح ان تكون بيانا شرعيا له، فقاعدة قبح العقاب بلا بيان تبقى قائمة ومع قيامها يقطع بعدم الضرر الاخروي، فلا يبقى مجال لوجوب دفع الضرر المحتمل، إذ لا احتمال للضرر حتى يجب دفعه. وإذن فالقاعدتان لا تعارض بينهما ولا تناقض في حكم العقل. وعلى هذا فقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل إنما تختص في المواقع التي يمكن للشارع ان يجعل تكاليفه عليها - ولو كانت التكاليف احتياطية -. وهي لا تشمل غير قسم من الاحتمالات لاضرار دنيوية بالغة، يعلم من الشارع بغض وقوعها من العبد، وما عداها فقاعدة قبح العقاب بلا بيان تبقى قائمة، وهي هادمة بقيامها للقاعدة الاخرى لتحصيلها القطع بالمؤمن الرافع لاحتمال العقاب.

[ 518 ]

نعم في الموارد التي لا تصلح للمؤمنية فيها، كما في موارد الشبهات البدوية قبل الفحص - بالتقريب الذي ذكرناه سابقا - تجري هذه القاعدة - أعني قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل - لعدم المؤمن العقلي - كما هو واضح -. البراءة العقلية وظيفة عقلية لا حكم: وكونها وظيفة لا يحتاج إلى حديث لبداهة افتراضها عند اختفاء الاحكام الشرعية، وليس فيها جنبة نظر للواقع ولا حكاية عنه، بل ليس فيها ما يكشف عن رأي الشارع حتى في هذا الحال لاستحالة ذلك، ومن هنا قلنا: انها وظيفة عقلية لا شرعية.

[ 519 ]

الباب الرابع القسم الثاني الاحتياط العقلي تحديد الاحتياط العقلي، دليله، الشبهة البدوية قبل الفحص، العلم الاجمالي: قابليته لتنجيز متعلقه، منشأ تنجيزه، إمكان جعل المرخص وعدمه، وقوع ذلك الجعل وعدمه، حل العلم الاجمالي، الشبهة محصورة وغير محصورة، الشبهة غير المحصورة وحكمها، دوران الامر بين التعيين والتخيير، الخروج من عهدة التكليف المعلوم، الاحتياط وظيفة عقلية.

[ 521 ]

تحديد الاحتياط العقلي: وهو حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المنجز إذا كان ممكنا. وغرضنا من ذكر قيد الامكان إخراج بعض صور العلم بالتكليف، كما في بعض صور دوران الامر بين المحذورين، مما لا يمكن الجمع بينهما بحال، وسيأتي الحديث عنها. ويدخل ضمن هذا التحديد أقسام ثلاثة: 1 - الشبهة البدوية قبل الفحص. 2 - العلم الاجمالي بتكاليف إلزامية إذا كان الاحتياط ممكنا ولو بالاتيان بجميع المحتملات أو تركها. 3 - العلم التفصيلي بتكليف ما، والشك في الخروج عن عهدته بالامتثال لبعض الجهات. دليله: ودليله هو القاعدة التي تطابق عليها العقلاء، من ان شغل الذمة اليقيني يستدعي فراغا يقينيا. ولبيان استيعاب الدليل لجميع ما انتظم في هذا التعريف، ثم لتحديد صغريات ما يمكن ان تنتظم في الكبرى الكلية المستفادة منه. يقتضينا ان نقف عند كل واحدة منها، فنتحدث عنها بشئ من الايجاز، ونحيل في استيعابها حديثا وصورا إلى الموسوعات الشيعية (1)


(1) راجع الجزء الثاني من حقائق الاصول، والثالث من فوائد الاصول والدراسات، وغيرها، (مباحث الاحتياط). (*)

[ 522 ]

لتوفرها على بحث هذه المواضيع. 1 - الشبهة البدوية قبل الفحص: ووجوب الاحتياط في الشبهات البدوية قبل الفحص، سبق أن ذكرنا أدلته في مبحث (الاستصحاب)، ولعل أهمها العلم الاجمالي المنجز بوجود تكاليف إلزامية، وبهذا المعنى فإنها تكون من صغريات مسألة العلم الاجمالي القادمة والحديث فيه يأتي. أما إذا فرض أن هذا الدليل غير تام، واخذنا بالادلة الباقية، فإن قاعدة شغل الذمة اليقيني لا تكون دليلا على وجوب الاحتياط فيها، لبداهة عدم اليقين فيها إذ ذاك بالشغل لتكون نتيجة للقاعدة المذكورة، ولا بد من الاستدلال عليها بأدلة أخرى أهمها القاعدة السابقة وجوب دفع الضرر المحتمل لا لاكتشاف الجعل الشرعي له من هذه الطريق لانحصار الاكتشاف باحتمال الاضرار الدنيوية البالغة منها، والشبهات البدوية ليست مختصة بهذه الاحتمالات دائما، بل لعدم وجود المؤمن، وذلك لعدم جريان البراءة الشرعية فيها لقصور أدلتها عن شمولها لكونها مقيدة عرفا بما بعد الفحص، كما سبق تقريبه، ولان البيان الواصل المأخوذ في موضوع البراءة العقلية - اعني قاعدة قبح العقاب بلا بيان واصل - لا يراد به فعلية الوصول بداهة، بل يراد به معرضية الوصول لما مر شرحه من أن الشارع غير مسؤول عن إيصال التكاليف إلى كل واحد من المكلفين، وانما عليه أن يبلغ بالطرق المتعارفة وعليهم السعي إلى معرفتها. فدليل الاحتياط العقلي فيها هو هذه القاعدة، إذ لا دافع هنا لاحتمال الضرر ليلجأ إليه.

[ 523 ]

2 - العلم الاجمالي: والحديث حوله يقع في جهات متعددة أهمها جهتان: 1 - قابليته لتنجيز ما تعلق به، وما يتفرع من بحوث عليها. 2 - حل العلم الاجمالي. قابليته لتنجيز متعلقه: والمراد بالقابلية هنا صلوحه لان يكون بيانا يتكل عليه الشارع في إيصال تكاليفه - من دون حاجة إلى جعل منه - وحاله حال العلم التفصيلي في تنجيز متعلقه. والذي يبدو ان القول بقابليته موضع اتفاق الجميع، وإن ذكرت بعض الوجوه لنفي القابلية، إلا انه لا قائل بها، وغاية ما قرب به نفي القابلية من أنه (ربما يقال انه يعتبر في موضوع حكم العقل بقبح مخالفة المولى ان يكون المكلف، حين العمل، عالما بالمخالفة تفصيلا، وأما الاتيان بأمور لا يعلم حين الاتيان بكل واحد منها بمخالفته للمولى، ولكن بعد الاتيان بالجميع يعلم بتحقق المخالفة في الخارج، فلا يحكم العقل بقبحه). (وبعبارة اخرى: القبيح مخالفة التكليف الواصل، لا تحصيل العلم بالمخالفة (1)). وأجيب على هذا التقريب بأن فيه (مغالطة ناشئة من الخلط بين الوصول والتمييز، فإن وصول التكليف الفعلي هو الموضوع لحكم العقل بقبح المخالفة، ولا ربط لهذا بتمييز المكلف به أصلا، ولذلك لا ريب


(1) الدراسات، ج 3 ص 52. (*)

[ 524 ]

في حكم العقل بقبح ارتكاب جميع أطراف العلم الاجمالي دفعيا كالنظر إلى امرأتين يعلم بحرمة النظر إلى إحداهما كما في ارتكاب المحرم تفصيلا، مع ان موضوع التكليف الواقعي غير مميز فلا يعتبر في القبح إلا وصول التكليف الفعلي، وهو متحقق في محل الكلام (1))، فالشبهة في قابليته للتنجيز شبهة في مقابل البديهة، وهي لا تستند - كما يقول استاذنا الخوئي - على غير المغالطة، ولذا لا نجد عاقلا من العقلاء يقدم على شرب إناءين يعلم إجمالا بوجود السم في أحدهما بدعوى عدم تمييزه للاناء الذي وجد فيه السم من بينهما. ولكن - بعد ثبوت القول بالقابلية - يقع الكلام في منشأ المنجزية فيه، فقيل: ان منشأها ذاتي في كل ما يتصل به، وحاله حال العلم التفصيلي في كونه علة تامة لتنجيز متعلقه، وقيل: ان العلم الاجمالي ليس فيه اكثر من اقتضاء التنجيز، وتنجيزه موقوف على عدم جعل المرخص في أطرافه، وعلى كلا القولين فقد وقع الكلام في إمكان جعل المرخص على خلافه كلا أو بعضا وعدمه، وعلى تقدير الامكان، فقد اختلفوا في الوقوع وعدمه ايضا. فالكلام إذن يقع في مسائل ثلاث: أ - منشأ تنجيزه. ب - إمكان جعل المرخص على خلافه وعدمه. ج - وقوع مثل ذلك الجعل وعدمه على تقدير إمكانه. أ - منشأ تنجيزه: وقد ذكرنا أن في المسألة قولين: قولا بالعلية وقولا بالاقتضاء،


(1) الدراسات، ج 3 ص 53. (*)

[ 525 ]

ولعل وجهة نظر القائلين بالعلية، هو ان العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي في كشفه عن الواقع، فإراءته له أراءة كاملة لا قصور فيها، بل هو في الحقيقة علم تفصيلي بوجود التكليف، ولما كان العلم التفصيلي علة تامة لتنجيز متعلقه لما سبق في بحوث التمهيد، كان العلم الاجمالي كذلك، ولا فرق بينهما من هذه الجهة أصلا. والتردد في مقام تطبيق الحكم على كل من الاطراف لا يسري إلى التردد في أصل الحكم فاصل الحكم، واصل على كل حال. أما القائلون بالاقتضاء، فوجهة نظرهم مبنية على ان هذا الترديد في مجال التطبيق يضعف تأثير العلم الاجمالي، وينزل رتبته عن العلم التفصيلي، فهو لا يزيد على ان يكون فيه اقتضاء التأثير، وتأثير المقتضى فيه موقوف على عدم وجود المانع، أي عدم وجود المرخص من قبل الشارع في ارتكاب الاطراف. وعلى هذا فالتنجيز عند هؤلاء الاعلام يتضح من وجهة نظرهم في المسألة التالية من إنكار امكان جعل المرخص في الاطراف كلا أو بعضا. ب - إمكان جعل المرخص وعدمه: أما على مبنى من يذهب إلى علية العلم الاجمالي للتنجيز، فاستحالته واضحة للزوم الترخيص في مقطوع المعصية إذا جعل في تمام الاطراف أو الترخيص في محتملها إذا جعل في بعضها دون بعض، ويستحيل على الشارع المقدس ان يرخص في مقطوع المعصية أو محتملها مع تنجز التكليف بالعلم لقبح ان يصرح بجواز معصيته بالضرورة، وان جاز له ان يعفو بعد صدور المعصية من العبد، على ان شؤون الاطاعة والعصيان راجعة إلى العقل كما سبق بيانه، وليس للشارع دخل في وضعهما أو رفعهما بداهة.

[ 526 ]

وأما على مبنى من يقول بان فيه اقتضاء التنجيز في كل من الاطرف، فكذلك فيما يلزم منه المخالفة القطعية، ولكن بملاك آخر غير ذلك الملاك. والملاك الذي ينتظم جميع أنواع ما يقع به الترخيص سواء كان إمارة أم أصلا، هو ان جعل الشارع الترخيص في تمام الاطراف يلزم منه الترخيص في مقطوع المعصية لانتهائه إلى جواز المخالفة القطعية، وقد سبق ان قلنا أن التصريح بجواز المعصية من قبله قبيح ينزه عنه سبحانه، وجعله في بعض الاطراف دون بعض ترجيح بلا رجح. وذهب بعضهم إلى إمكان جعله في الجميع على أن يقيد كل مرخص منها بصورة عدم ارتكاب الطرف الآخر فينتج التخيير بينهما. وهذا النوع من التقييد مستحيل أيضا، لانتهائه إلى التعبد بهما معا عند عدم ارتكابهما - أي إلى الترخيص في مقطوع المعصية - لتوفر الشرط في كل منهما، وهو عدم الارتكاب. بالاضافة إلى أن الاطلاق والتقييد إنما هما من قبيل الملكة والعدم، فالمحل الذي لا يكون قابلا لاحدهما لا يكون قابلا للآخر، وحيث افترضنا استحالة الاطلاق في مقام الثبوت، فلا بد أن يكون التقييد مستحيلا فيه ايضا، فالترخيص على هذا في جميع صوره لا يمكن جعله في مقام الثبوت. هذا إذا كانت نسبة المرخص إلى الجميع نسبة واحدة، أما إذا اختلفت النسبة في الاطراف بأن كان بعضها موضعا لامارة أو اصل دون الباقي، أمكن جعلها والتعبد بها بالنسبة إلى ذلك الطرف، ولا محذور في ذلك وسيأتي ان هذا القسم من جملة ما يحل به العلم الاجمالي. هذا كله في مقام الثبوت، أما في مقام الاثبات فهو متفرع بالبداهة على مقام الثبوت، فإذا افترض استحالة الجعل والتعبد بالمرخص فيه، فإن

[ 527 ]

الادلة المعبرة عنه لا يمكن أن تكون شاملة لهذه الاقسام بداهة، لان التمسك بظهورها في شمول هذه الاقسام، إنما يلجأ إليه عند الشك، ومع العلم بعدم الشمول لا مجال لحجية مثل هذا الظهور. وإذا كان - ولا بد من التغاضي عن مقام الثبوت والتماس ما تقتضيه الادلة بنفسها. 3 - في وقوع مثل ذلك الجعل وعدمه: ثم مدى ما تدل عليه أدلة الترخيص، امارة أو أصلا - فالظاهر ان الحال يختلف فيها باختلاف ما تفيده ألسنة جعلها، واعتبارها من قبل الشارع. الامارة والعلم الاجمالي: أما الامارة فالظاهر ان أدلتها غير وافية بالشمول لجميع الاطراف لانتهائها إلى التكاذب، لان ما دل على وجود الحكم في كل من الاطراف، يدل بالدلالة الالتزامية على نفيه في الآخر للعلم بوحدة الواقعة، كما هو الفرض، ومقتضى ذلك تكاذبهما. فالخمرية المرددة بين إناءين إذا قامت البينة على وجودهما في الاناء الاول، فقد دلت بالالتزام على عدم وجودها في الاناء الثاني، وتكذيب من يدعي وجودها فيه، وإذا قامت الثانية على وجودها في الاناء الثاني، فقد دلت على عدم وجودها في الإناء الاول بالالتزام، كما دلت على تكذيب من يدعي وجودها فيه، ونتيجة ذلك هي التكاذب بينهما، بالاضافة إلى عدم إمكان الاخذ بهما معا لانتهائهما إلى جمع النقيضين في الاناء الواحد، أعني وجود الخمر وعدمه.

[ 528 ]

واعتبار الحجية في إحدى الامارتين دون الاخرى ترجيح بلا مرجح، واعتبارها لاحداهما غير المعينة لا تجدي، لعدم الاستفادة منها في مجالنا الخاص، وتقييد احداهما بعدم ارتكاب الطرف الثاني مما ينتج التخيير غير معقول، لعدم معقولية الاطلاق، وهما من قبيل الملكة والعدم مع ان لازم ذلك هو جعل الحجية لهما معا عند عدم ارتكاب الطرفين، كما قدمنا. وأما الاصول، فالحال فيها يختلف أيضا، فإن كانت على وفق المعلوم بالاجمال فلا محذور لدى الاكثر في جريانها في تمام الاطراف، وترتيب الآثار عليها ثبوتا والادلة شاملة لها. وإن كانت على خلاف المعلوم بالاجمال وكان الحكم المعلوم إلزاميا، فإن لزم من جريانها مخالفة عملية لم يمكن الجريان للزوم الترخيص بالمعصية، وهو ممتنع عقلا، والادلة لا بد ان تتقيد في غير هذه الصورة في إطلاقاتها العامة، فلا تكون شاملة لها، كما لا تكون شاملة لاحدها المعين للزوم الترجيح بلا مرجح، ولا غير المعين لعدم ترتب ثمرة عملية عليه، والتخيير غير ممكن لما مر في الامارة من امتناع التقييد لامتناع الاطلاق. وأما إذا لم تلزم مخالفة عملية كما في صورة دوران الامر بين محذورين، فالظاهر لدى البعض أنه لا مانع من الجريان لعدم تحقق الترخيص في المعصية، ما دام المكلف ملزما في واقعه بالصدور عن أحدهما والمخالفة الالتزامية التي تكون بسبب جريان الاصلين معا، والايمان بالاباحة الظاهرية استنادا إليها وهي مخالفة للمعلوم بالاجمال لا محذور فيها ولا دليل على حرمتها إذا لم تنته إلى عالم تكذيب المعصومين، فالادلة تكون شاملة لهذه الصورة. هذا إذا كان المعلوم بالاجمال حكما إلزاميا، وأما إذا لم يكن حكما إلزاميا. وكانت الاصول الجارية أصولا مثبتة لحكم إلزامي، فالظاهر أنه

[ 529 ]

لا محذور من جريانها لعدم لزوم الترخيص في المعصية، وليس ما يمنع من أن يجعل الشارع الاحتياط مثلا في محتمل الالزام، كما هو الشأن في كل من الطرفين. والمقياس الذي ذكرناه في الجريان وعدمه جار في جميع الاصول، إذا كانت نسبتها إلى الاطراف نسبة واحدة من حيث النفي والاثبات، ومن حيث عدم وجود خصوصية تستوجب الجريان في أحد الاطراف دون بقيتها. أما إذا اختلفت في النفي والاثبات، فإن كان في أحد الاطراف خصوصية تستوجب اختصاصه بجريان الاصل، فالظاهر أنه لا مانع من الجريان وحل العلم الاجمالي به كما يأتي الحديث في ذلك. نعم، ان هناك تفرقة بين الاصول الاحرازية وغيرها، ذكرها شيخنا النائني، وفحواها ان الاصول الاحرازية لا تجري في أطراف العلم الاجمالي على كل حال، إذا كانت قائمة على خلاف المعلوم بالاجمال حتى لو قلنا بجريان غيرها من الاصول سواء استلزم جريانها المخالفة القطعية أم لم يستلزم. وكأن وجهة نظره ما استفاده من لسان جعل الاصول التنزيلية من اعتبار البناء العملي والاخذ بأحد طرفي الشك على أنه هو الواقع. وهذا النوع من البناء يستحيل اعتباره في مجموع الاطراف لانتهائه إلى التنزيل على خلاف الواقع مع العلم به. والظاهر أن ما انتهى إليه متين جدا، وليس المنشأ فيه هو إثبات لوازمه ليلزم التكاذب في نظره ليقال في رده: ان الاصل إنما يثبت مؤداه في مورده بلا نظر إلى النفي عن غيره، وغاية ما يترتب على ضم بعض الاصول إلى البعض هو العلم بمخالفة بعضها للواقع، ولا ضير فيه بناء

[ 530 ]

على عدم وجوب الموافقة الالتزامية. وإنما المنشأ لديه - فيما يبدو - هو امتناع جعل الشارع في مقام الثبوت حجية الاصول التنزيلية لجميع الاطراف مع انتهائها إلى طلب اعتبار غير الواقع واقعا، مع حضور الواقع لدى المكلف بالوجدان. فكما يستحيل على الشارع أن يقول للمكلف اعتبر غير الواقع واقعا في المعلوم تفصيلا، كذلك يستحيل في حقه ذلك في كل ما ينتهي إليه. فالمحذور إنما هو في صدور الجعل المستوعب لجميع الاطراف منه وهو عالم بانتهائها إلى طلب اعتبار غير الواقع واقعا حتما لا في إباء الادلة عن شمولها جميعا للتكاذب. فالاشكال عليه بعدم إثبات لوازمها - أعني الأصول التنزيلية - لم يتضح لي وجهه، والظاهر أن فيه خلطا بين مقامي الثبوت والاثبات، فالشيخ النائني ناظر إلى مقام الثبوت والايراد ناظر إلى مقام الاثبات. والخلاصة التي انتهينا إليها: ان الامارات لا تجري في أطراف العلم الاجمالي لتكاذبها، والاصول الاحرازية لا تجري للمانع الثبوتي، وبقية الاصول لا تجري إذا لزمت منها المخالفة العملية لتكليف إلزامي معلوم، وتجري إذا كانت موافقة للمعلوم بالاجمال، أو لم يلزم فيها إلا المخالفة الالتزامية. ومن هذا يتضح وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية للحكم الالزامي المعلوم بالاجمال على المبنيين معا. أما على القول بأن العلم الاجمالي علة تامة في تنجيز متعلقه، فلأن مقتضى عليته وجوب موافقته وحرمة مخالفته، إذ ليس وراء وصول الحكم لدى العقل إلا لزوم الاطاعة وعدم العصيان. وأما على المبنى الثاني - أعني دعوى وجود اقتضاء التنجيز فيه -

[ 531 ]

فلأن العقل لا يسوغ الخروج على هذا المقتضى إلا بوجود مؤمن وهو مفقود هنا، ومع عدمه فالعقل يلزم بالاتيان به ولا يسوغ مخالفته، فوجوب الموافقة وحرمة المخالفة حكمان عقليان يجريان في رتبة واحدة، وهما من آثار منجزية العلم الاجمالي، فما ذهب إليه بعض المشايخ العظام من ترتب وجوب الموافقة على حرمة المخالفة لا ملزم به. حل العلم الاجمالي: ومما ذكرناه تبين ان المقياس في تأثير العلم الاجمالي هو احتمال انطباق التكليف المعلوم على كل واحد من الاطراف، على نحو لو انطبق عليه لكان مولدا للتكليف فيه. ولذا لو قدر انطباق المعلوم على بعض الاطراف التي لا يتولد فيها تكليف، انحل العلم الاجمالي وفقد تأثيره، ولم ينجز مدلوله على من قام لديه. والسر في ذلك هو: ان العلم الاجمالي لا يزيد في منجزيته على العلم التفصيلي، فلو قدر توجه شك إلى ذلك العلم التفصيلي على نحو يسري إليه لفقد ذلك العلم تنجيزه لمتعلقه وايصاله إلى المكلف بداهة. وعليه فمع عدم وصول التكليف بالعلم أو العلمي هنا لا مانع من جريان الاصول في بقية الاطراف إذ العلم بالتكليف على هذا التقدير غير واصل لاحتمال انطباقه على ذلك الطرف الذي لو قدو له الانطباق عليه لما ولد تكليفا فيه. ونظرا لهذا، فقد اعتبر العلماء الامور التالية من موجبات حل العلم الاجمال وهي: 1 - خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء كما لو فرض العلم بتوجه

[ 532 ]

تكليف إلزامي باستعمال دواء ما - مثلا - مردد بين دواء متدوال في السوق وآخر موجود في دولة أخرى لا يمكن وصول المكلف إليه، فمثل هذا المعلوم لو انطبق على ذلك الخارج عن محل الابتلاء لما ولد تكليفا باستعماله لعبثية مثل هذا التكليف بعد فرض تعذر وصول المكلف إليه، والدواء الآخر غير معلوم الانطباق عليه، واذن فلا علم بتكليف ملزم للمكلف على كل حال، وحيث لا علم، فان جريان الاصول في الشبهات التي لا تكون طرفا له لا محذور فيها ولا معارض لها. 2 - الاضطرار إلى ارتكاب بعض الاطراف أو الاكراه عليه أو خروجه عن القدرة، وبما ان هذه الامور رافعة للتكليف لو كان موجودا، فانطباق المعلوم على ذلك الطرف لا يولد تكليفا على وفقه فيذهب العلم بتوجه التكليف به، ويتحول إلى شك بالنسبة للطرف الآخر بالضرورة، وعندها تجري الاصول بلا معارض أو محذور. 3 - ان لا يكون بعضها محكوما قبل مجئ العلم الاجمالي، أو عند مجيئه بحكم على وفقه، إذ لا يولد تكليفا في ذلك الطرف لو قدر له الانطباق عليه فيفقد تنجيزه، وهكذا... هذا كله في طرو هذه الامور عن مجئ العلم الاجمالي أو قبله، أما لو طرأت بعد تنجز العلم الاجمالي ووصول التكليف به، كأن يكون قد طرأ على أحدهما ما يخرجه عن محل الابتلاء أو تولد اضطرار للمكلف إليه، فمثل ذلك لا يوجب انحلال العلم الاجمالي لعدم المؤمن في ارتكاب الاطراف الاخرى، أما على مبنى علية التنجيز فواضح، إذ لا مجرى للاصل في تلكم الاطراف بعد تنجز التكاليف بالعلم، وأما على المبنى الآخر فلسقوط الاصول بالتعارض، ومع سقوطها فلا مؤمن للمكلف في جواز الارتكاب.

[ 533 ]

بينما لا يتأتى هذا المعنى قبل تنجز العلم، لان وجود أحدها مانع من تنجز التكليف ابتداء، فلا مسقط لجريان الاصول في الاطراف المشكوكة. وعلى هذا المقياس من حل العلم الاجمالي ركز بعض الاعلام تحديده للشبهات غير المحصورة، ولاهمية البحث فيها نتحدث عنها بشئ من الكلام. الشبهة محصورة وغير محصورة: وقد اختلفوا في تحديد كل منهما، ومن استعراض أقوالهم في الشبهة غير المحصورة يتضح تحديد المحصورة ايضا بحكم المقابلة. الشبهة غير المحصورة وحكمها: وأهم ما ذكروا لها من تحديدات ثلاثة، وربما رجعت بقية التحديدات إليها: 1 - ان تكثر أطرافها كثرة يعسر معها العد ومثل له في العروة الوثقى بنسبة الواحد إلى الالف، وربما رجع إلى هذا المعنى ما ذهب إليه الشيخ الانصاري من ضعف انطباق الاحتمال على كل واحد منها لكثرة الاطراف. 2 - ما اختاره المحقق النائني: (من ان الميزان في كون الشبهة غير محصورة، عدم تمكن المكلف عادة من المخالفة القطعية بارتكاب جميع الاطراف، ولو فرض قدرته على ارتكاب كل واحد منها (1)). ومن هنا تختص الشبهة غير المحصورة لديه بخصوص الشبهات التحريمية


(1) الدراسات، ص 242. (*)

[ 534 ]

أما الوجوبية منها فإن الاطراف، وإن بلغت كثرتها ما بلغت، فإن المكلف يتمكن من مخالفتها بتركها جميعا. 3 - أن يكون بعض الاطراف خارجا عن محل الابتلاء، أو تكون الاطراف مما يعسر مخالفتها جميعا، أو يكون المكلف مضطرا إلى بعضها، إلى غير ذلك مما يوجب انحلال العلم الاجمالي. وقد تبنى صاحب الكفاية هذا الرأي وجلاه واكد عليه بعض اساتذتنا الاعلام. وهذا الرأي وإن انطوى على إنكار الشبهة غير المحصورة - لشموله حتى للشبهة ذات الطرفين، إذا كان واحدا منهما خارجا عن محل الابتلاء أو كان مضطرا إلى ارتكابه، إلا ان التعبير بالشبهة غير المحصورة ليس من التعبيرات الشرعية الواردة على لسان المعصوم حتى يتقيد بمدلوله. والظاهر أن غرض اساتذتنا الذين تبنوا هذا الرأي، بيان أن العلم الاجمالي إذا كان متوفرا على عوامل تنجزه فإنه يؤثر اثره، سواء كانت الاطراف قليلة أم كثيرة، وان لم يتوفر عليها فهو منحل، قلت اطرافه أو كثرت، والمقياس هو التنجيز وعدمه. وإلا فإن ضعف الاحتمال - وهو الذي تبناه التحديد الاول - لكثرة أطرافه لا يصلح لرفع اليد عن العلم الاجمالي المنجز، ما دمنا نحتاج إلى المؤمن في ارتكاب أي طرف وان كان موهوما، وكون العقلاء لا يعتنون بالاحتمالات الضعيفة لا نعرف له مأخذا، على انه محتاج إلى إقرار من الشارع لو كان مثل هذا البناء موجودا لما قدمناه من أن البناء وحده لا يصلح للدليلية. والمؤمن هنا غير متوفر لما سبق بيانه من عدم جريان الاصول في أطراف العلم أو جريانها وتساقطها. ومبنى شيخنا النائني هو الآخر غير واضح لابتنائه على ان يكون

[ 535 ]

وجوب الموافقة القطعية وليد حرمة المخالفة القطعية، فإذا لم تحرم المخالفة القطعية لعدم تمكن المكلف منها لم تجب الموافقة القطعية لعدم ما يوجبها ويلزم بها، وقد سبق ان قلنا ان العلم الاجمالي بالنسبة اليهما لا يختلف حاله، فكما يمنع من المخالفة القطعية فانه يوجب الموافقة القطعية وكلاهما بالنسبة إليه في رتبة واحدة، كما تقتضيه علية تنجيزه أو اقتضاؤه مع فقد المؤمن بالنسبة إلى جميع الاطراف. على ان ارتكاب بعض الاطراف لو كان ممكنا لاحتاج إلى مرخص من أصل أو غيره، وإجراء الاصول أو غيرها بالنسبة إلى بعض الاطراف دون بعض ترجيح بلا مرجح، فالقول بعدم وجوب الموافقة القطعية فيه لا يعرف له وجه. وعلى هذا فتقسيم الشبهة إلى محصورة وغير محصورة لا أساس له ما دام المقياس في تنجز العلم الاجمالي متوفرا فيهما معا ومع عدم توفره فالعلم الاجمالي منحل كثرت أطرافه أو قلت، وتسميته بالعلم إذ ذاك لا تخلو من تجوز ومسامحة. ولقد اثيرت حول توفر هذا المقياس من التنجيز وعدمه أحاديث في قسم من مسائل العلم الاجمالي، لعل أهم ما يتصل منها بأحاديثنا المقبلة مسألة: دوران الامر بين التعيين والتخيير: وذلك فيما إذا علم اجمالا بتوجه تكليف وشك في كونه معينا أو مخيرا بينه وبين غيره وصور هذه المسألة ثلاثة:

[ 536 ]

أولاها: ما إذا دار الامر بين التعيين والتخيير في أصل الشريعة، ومرحلة الجعل في الاحكام الواقعية كأن يفرض صدور تشريع من الشارع ويجهل أمره في أنه كان معينا على المكلف أو كان مخيرا بينه وبين غيره. ثانيتها: دوران الامر بين التعيين والتخيير في مقام الجعل والتشريع في الاحكام الظاهرية، أي دوران الامر في ان تكون الحجة المجعولة معينة أو مرددة، كالشك في ان حجية جواز الرجوع إلى المجتهد هل هي مختصة بخصوص الاعلم من المجتهدين، أو هي عامة له ولغيره، على نحو يكون المكلف مخيرا بين الرجوع إليه والى غيره من المجتهدين ممن يفضلهم في الخبرة بأصول الاستنباط. ثالثتها: دوران الامر بين التعيين والتخيير في مجالات الامتثال كما في صور باب التزاحم المأموري، وهو ما لو كان كل من المتزاحمين مصداقا لتكليف فعلي، واحتمل وجود الاهمية في أحدهما. وقد وقع الخلاف بين الاعلام في بعض هذه الصور، وذكرت لها تشقيقات كثيرة ربما يعود تحقيق أكثرها إلى صميم البحوث الفقهية، ومجالات الاستفادة من الادلة في مواقعها المخصوصة، والذي يرتبط ببحوثنا هذه هو خصوص القسم الثاني، أعني ما إذا دار الامر بين التعيين والتخيير في جعل الحجية لبعض الاحكام الظاهرية. والظاهر هو الاتفاق على ان المرجع فيه هو الاحتياط، أي الاخذ بمحتمل التعيين، وذلك لما مر تأكيده اكثر من مرة من أن الشك في الحجية كاف للقطع بعدمها. ولما كان محتمل التعيين مقطوع الحجية - اما لانه هو الحجة المعينة وحدها، أو لانه طرف في التخيير، والطرف الآخر مشكوك الحجية لاحتمال ان تكون الحجة هي خصوص المعين - أعني تقليد الاعلم في

[ 537 ]

المثال - فانه يتعين الاخذ بمقطوعها، وترتيب الآثار عليه، وترك ما كان مشكوك الحجية لعدم قاطعية العذر فيه، وعدم إحراز كونه مبرئا للذمة، وشغل الذمة اليقيني يستدعي فراغا يقينيا، كما مر الحديث فيه. 3 - الخروج من عهدة التكليف المعلوم: وهذا أظهر موارد الاحتياط، فمن علم تفصيلا بتوجه تكليف إليه، وشك في تحقق الامتثال بما أتى به، وليس لديه محرز لتماميته من امارة أو أصل، فالعقل يحكم بضرورة الاتيان به من باب الاحتياط لقاعدة الشغل، وإلا فلا معذرية له لو أقدم على مخالفة الاحتياط وأخطأ الواقع - وكان مستحقا للعقاب بنظر العقل. الاحتياط العقلي وظيفة عقلية: وبهذا يتضح ان الاحتياط هنا لا يتجاوز عن كونه وظيفة جعلت من قبل العقل تحرزا من مخالفة أحكام المولى المنجزة، وليس فيه حكاية عن واقع شرعي، ولا وظيفة مجعولة من قبله لتكون حكما أو وظيفة شرعية، إذ المصدر فيها قاعدة الشغل أو قاعدة دفع الضرر، وهما قاعدتان ناظرتان إلى عوالم استحقاق العقاب، وانهما لا يستتبعان حكما شرعيا ولا يكشفان عنه، لما قلناه غير مرة من أن شؤون الثواب والعقاب لا يمكن ان يتعلق بها حكم شرعي للزوم التسلسل، فهي إذن وظيفة عقلية لا غير.

[ 539 ]

الباب الرابع القسم الثالث التخيير العقلي تحديده، الخلاف فيه، حجيته، التخيير وإجراء البراءتين، التخيير وقاعدة دفع المفسدة، التخيير والقول بالتخيير الشرعي، التخيير والاباحة الشرعية، خلاصة البحث.

[ 541 ]

تحديده: والمراد بالتخيير العقلي، الوظيفة العقلية التي يصدر عنها المكلف عند دوران الامر بين المحذورين - الوجوب والحرمة - وعدم تمكنه حتى من المخالفة القطعية. وقد ذكروا له فروضا متعددة لا ينطبق على تعريفنا هذا غير واحد منها، وهي صورة ما إذا كانت الواقعة واحدة غير متكررة وكان التكليف توصليا. الخلاف فيه: والاقوال في هذه الصورة - أعني صورة دوران الامر بين المحذورين - خمسة: 1 - جريان البراءة عن كل منهما عقلا وشرعا. 2 - تقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب بملاك ما قيل من أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة. 3 - الحكم بالتخيير بينهما شرعا. 4 - التخيير بينهما عقلا لعدم خلو المكلف تكوينا عن الفعل والترك مع الرجوع إلى أصالة الاباحة الشرعية. 5 - التخيير بينهما عقلا، مع عدم جريان شئ من القواعد الشرعية فيهما. والظاهر ان اسد هذه الاقوال هو القول الخامس، إن صح تسميته بالتخيير العقلي، ولعل تسميته بالتخيير التكويني أولى لان صدور المكلف

[ 542 ]

عن أحدهما تخييرا لا يحتاج إلى من يرشده إليه، ما دام المكلف في واقعه لا يخلو عن احدهما، ولعل الغرض من تسميته بالتخيير العقلي هو أن العقل بعد أن يسد جميع منافذ الاقوال السابقة ولم يبق إلا هذا المنفذ، فإنه لا بد ان يوجه الانسان إلى سلوكه بالذات. حجيته: وتتضح حجيته إذا علمنا السر في عدم جعل شئ من الامارات أو الاصول الشرعية فيهما مجتمعين أو منفردين في مقام الثبوت. أما جعل الامارات بالنسبة اليهما معا فمستحيل لاستحالة التعبد بالمتناقضين وجعلها لاحدهما من غير المعين لا أثر له، والمعين ترجيح لا مرجح. والاصول الاحرازية كذلك - كما سبق بيانه - لما تنهي إليه من طلب اعتبار غير الواقع واقعا، مع العلم بالواقع لو جعلت بالنسبة لهما معا ومع جعلها لاحدهما غير المعين، لا تترتب عليه أية ثمرة، وللمعين ترجيح بلا مرجح. واصالة الحل لا يمكن جعلها لمنافاتها للمعلوم بالاجمال، وهو الحكم الالزامي، أما البراءة الشرعية فلان رفع الالزام فيها ظاهرا لا يكون إلا في موضع يمكن جعله فيه، وحيث ان جعل الاحتياط هنا مستحيل لعدم قابلية المحل له فرفعه كذلك. ودعوى - ان القدرة على الوضع انما تلحظ بالقياس إلى كل من الحرمة والوجوب مستقلا لا اليهما معا وجعل الاحتياط بالقياس إلى كل منهما أمر ممكن - ليست واضحة لدي لفرض المسألة في دوران الامر بين المحذورين وإمكان الجعل في مقام الثبوت، والكلام انه هل يمكن للشارع ان يضع الاحتياط في هذه الصورة بالذات وهي بمرأى منه، فإذا لم يمكنه ذلك

[ 543 ]

لم يمكنه جعل البراءة لكل منهما. والمانع ليس مانعا إثباتيا ليتمسك بشمول حديث الرفع وإنما هو مانع ثبوتي. ودعوى ان الشارع وان لم يكن متمكنا من وضع الالزام الظاهري بالفعل والترك معا، لكن يستطيع وضع كل منهما بخصوصه ويكفي ذلك في قدرته على رفعهما معا غير واضحة. لان جعل الالزام الظاهري لكل منهما مستحيل لعدم القدرة على امتثاله، ولاحدهما غير المعين لا ثمرة له والمعين ترجيح بلا مرجح كما سبق. فالقول بامكان الرجوع إلى بعض الاصول في الاطراف لا نملك توجيهه فعلا. نعم، إذا كان لبعض الاطراف خصوصية توجب إجراء أصل فيه، تعين اجراؤه، وخرجت المسألة عن الفرض لعدم الدوران حينئذ بين المحذورين. 1 - التخيير وإجراء البراءتين: أما القول الاول - أعني جريان البراءة في كل منهما عقلا وشرعا - فيرد عليه: أ - جمع البراءة العقلية والشرعية على صعيد واحد مع اختلافهما رتبة وعدم إمكان الجمع بينهما، ولهذا جعلنا أدلة البراءة الشرعية واردة على البراءة العقلية ومع فرض قيام احداهما لا مجال للاخرى. ب - عدم إمكان جعل البراءة الشرعية فيهما، لما سبق بيانه قبل قليل، والبراءة العقلية لا مسرح لها لوجود البيان الواصل من الشارع بالعلم وكون هذا العلم لا أثر له لعدم إمكان تنجيز متعلقه لا يرتبط بمقامنا هذا، لان عدم التنجيز ليس منشؤه عدم وصول البيان المأخوذ في موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل منشؤه عدم القدرة على الامتثال، وقاعدة قبح العقاب على التكليف غير المقدور، غير قاعدة قبح العقاب بلا بيان

[ 544 ]

لاختلاف متعلقهما كما هو واضح. 2 - التخيير وقاعدة دفع المفسدة: ويرد على القول الثاني - أعني - تقديم جانب الحرمة لقاعدة دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة. أ - المناقشة في القاعدة كبرويا، لان العقلاء جميعا يقدمون على ما فيه المصلحة الكبيرة وإن تعرضوا لشئ من المفاسد الصغيرة، وربما أقدموا على ما فيه احتمال المصلحة الراجحة وإن ضحوا في سبيله بالكثير، فالتجار يسافرون من أجل احتمال الربح الاسفار البعيدة، وإن كلفتهم كثيرا من الجهد والمال، فالقول بأن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة ليس صحيحا على إطلاقه. فالقاعدة ليست قاعدة مسلمة إذن لدى العقلاء في جميع الموارد، كما لم يقم عليها دليل شرعي لنتعبد بها، فالمسألة لا تخرج اذن عن كونها من صغريات باب التزاحم، وقد مر البحث فيها مفصلا في مبحث الاستحسان. ب - على أن مسألتنا هذه أجنبية عن القاعدة، لان القاعدة - لو تمت - فإنما هي في المفسدة والمصلحة المعلومتين. أما المفسدة والمصلحة المشكوكتان فلا تجري بينهما هذه الموازنة. وقد سبق ان قربنا - في مبحث الاحتياط الشرعي - أن المرجع في الشبهات التحريمية هو البراءة، فاحتمال المفسدة في شئ، حتى مع القطع بعدم وجود المصلحة، لا يقام له وزن في نظر الشارع لادلة البراءة، فيكف إذا احتمل وجود المصلحة فيه ؟ 3 - التخيير والقول بالتخيير الشرعي: وقد أوردوا على هذا التخيير بأنه إن أريد به التخيير في المسألة

[ 545 ]

الاصولية - أعني اختيار أحدهما والافتاء على طبقة - فهو غير سليم لعدم الدليل عليه، وقياسه على الخبرين المتعارضين قياس مع الفارق لوجود النص فيهما وعدمه هنا. على أن الذي سبق ان استظهرناه من الادلة هو عدم تماميتها في إثبات الوظيفة الشرعية حتى في الخبرين المتعارضين، ولذلك رجعنا إلى القاعدة وهي تقتضي التساقط فيهما. وإن أريد به التخيير في المسألة الفقهية (أعني في مقام العمل بأن يكون الواجب على المكلف أحد الامرين، تخييرا من الفعل أو الترك، كما في غير المقام من الواجبات التخييرية فهو أمر غير معقول، لان أحد المتناقضين حاصل لا محالة، ولا يعقل طلب ما هو حاصل تكوينا، إذ الطلب، ولو كان تخييريا، إنما يتعلق بامر مقدور دون غيره. ومن هنا ذكرنا في محله انه لا يعقل التخيير بين الضدين اللذين ليس لهما ثالث، فإن أحدهما حاصل بالضرورة ولا يعقل تعلق الطلب بمثله (1)). 4 - التخيير والاباحة الشرعية: والقول بجريان الاباحة الشرعية فيها، مبني على شمول أدلتها للشبهات الحكمية وهو موضع خلاف، والتحقيق اختصاصها بالشبهات الموضوعية كما أفاده كثير من الاعلام. بالاضافة إلى ما قلناه قبل قليل من أن أصالة الحل لا تجري لمخالفتها للمعلوم بالاجمال. على أن الحكم الظاهري - مهما كان نوعه - إنما يجري إذا احتمل موافقته


(1) الدراسات، ج 3 ص 206. (*)

[ 546 ]

للواقع نظرا لاعتبار الشك في موضوعه، والمفروض في المقام هو العلم بالالزام في الواقع، وان شك في نوعه فكيف يمكن الحكم بإباحته. خلاصة البحث: والخلاصة: ان القول بالتخيير العقلي - أو التكويني على الاصح - هو المتعين في هذه الصورة لبطلان بقية الاقوال، ومن بطلانها يتضح السر في اعتبارها وظيفة عقلية لا حكما شرعيا ولا وظيفة كذلك. أما بقية الصور مما تمكن فيها المخالفة القطعية أو الموافقة، فهي خارجة عن مجالات التخيير العقلي وملحقة بالاقسام السابقة من البابين على اختلاف في كيفية الالحاق.

[ 547 ]

الباب الخامس تمحض هذا الباب لبحث (القرعة)، ولكن عدها من مصادر التشريع، وإفرادها بباب مستقل، فيه شئ من الغرابة لخروجه عن إجماع المؤلفين في علم الاصول. ولكن نسبة بعض المؤلفين المحدثين عدها من المصادر الكاشفة عن الحكم إلى بعض الفرق الاسلامية - كما توهمه عبارته - اقتضانا ان نبحثها على هذا الصعيد، ونلتمس أدلة تشريعها ورتبتها من الادلة ورأي من نعثر على رأيه من علماء المذاهب فيها وفق ما قدمناه من نهج.

[ 549 ]

الباب الخامس القرعة تحديد القرعة، مشروعيتها، أدلة المشروعية: أدلتها من الكتاب، أدلتها من السنة، مجالات القرعة، الجمع بين أدلتها وأدلة الاحكام الظاهرية، خلاصة البحث.

[ 551 ]

تحديد القرعة: وهي إجالة السهام أو غيرها بين أطراف مشتبهة لاستخراج الحق من بينها. مشروعيتها: والظاهر أن مشروعيتها على سبيل الموجبة الجزئية يكاد يكون موضع اتفاق المسلمين، يقول العلامة السيد حسين مكي - وقد تتبع حكمها في الكتب الفقهية -: (فقد رأيت الشعراني في كتابه (الميزان) يتعرض إلى القرعة في باب القسمة وكتاب الدعاوى والبينات، ونقل عن الائمة إلا أبا حنيفة جواز الرجوع إلى القرعة في الرقيق، إذا تساوت الاعيان والصفات، وعند تعارض البينات نسب إلى الشافعي القول بالرجوع إلى القرعة فراجع، ونقل ذلك عن الشافعي وغيره الشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي في كتابه (رحمة الامة في اختلاف الائمة) المطبوع في هامش (الميزان)، وكذلك الشوكاني ذكر في كتابه (نيل الاوطار) رجوع الفقهاء إلى القرعة حيث لا يوجد طريق شرعي يفصل به بين الخصمين (1)). والكتب الفقهية الشيعية لا تأبى الاخذ بها في موارد خاصة شخصتها روايات أهل البيت (عليهم السلام). أدلة المشروعية: وقد استدل على أصل المشروعية بأدلة من الكتاب والسنة.


(1) عقيدة الشيعة في الامام الصادق، ص 369، وقد أرجعت هذه الاقوال إلى مصادرها. (*)

[ 552 ]

أدلتها من الكتاب: 1 - قوله تعالى (وان يونس لمن المرسلين، إذ ابق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين (1)). بتقريب ان المساهمة في اللغة هي المقارعة بالقاء السهام، والمدحض هو المغلوب. فإذا كان يونس وهو من المرسلين ممن يزاول القرعة، فلا بد ان تكون مشروعة إذ ذاك. 2 - قوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه اليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم، وما كنت لديهم إذ يختصمون (2)). والآية واردة لحكاية الاقتراع على كفالة مريم، وقد ظفر بها زكريا، وهو من الانبياء وممن شارك في الاقتراع. والحديث حول تعميم الحجية في هاتين الآيتين - وهما حاكيتان عن وقائع صدرت في شرائع سابقة - يدعونا ان نتذكر ما قلناه في مبحث (شرع من قبلنا) من الخلاف في حجية الشرائع السابقة، فمن ذهب إلى نسخها جملة لا يصلح له الاستدلال بهما. ومن ذهب إلى بقائها جملة إلا ما ثبت فيه النسخ، ساغ له الاستدلال بهما. وعلى مذهب جمهور علماء الحنفية وهو الذي أكدناه سابقا واعتبرنا الادلة ناهضة به يسوغ الاستدلال بهما أيضا لاثباتها في الجملة، لان نفس حكاية القرآن لهما يوجب العلم بوقوع مضمونهما وعدم تحريفه، وما صح من مضامين الشرائع السابقة حجة على رأيهم يجب الاخذ بها ما لم يثبت النسخ. على أن أدلتها القادمة من السنة تدل على إقرار مضامين هاتين الآيتين في ثبوت أصل المشروعية لها.


(1) الصافات، ص 139 وما بعدها. (2) آل عمران / 44. (*)

[ 553 ]

أدلتها من السنة: والادلة من السنة كثيرة جدا، وقد عقد لها البخاري بابا في جزئه الثاني أسماه باب: (القرعة في المشكلات) وإقراع النبي (صلى الله عليه وآله) بين نسائه - عندما يريد السفر لاخذ من يخرج سهمها معه - معروف لدى المؤرخين. وفي روايات اهل البيت (عليهم السلام) نصوص كثيرة تدل على مشروعيتها، يرجع إليها في مظانها من كتب الفقه والحديث. مجالات القرعة: وان كانت القرعة مشروعة في الجملة، فان مشروعيتها ليست محددة في مجالات العمل بها على ألسنة الفقهاء، واستقراء مواقع استعمالها لديهم لا يخرجها عن الموضوعات أو عن قسم منها، بل لا يخرجها عن موارد النصوص ووقائعها الخاصة، على أن في بعض نصوصها تعميمات لكل مجهول أو مشتبه سواء كان المجهول حكما وضعيا أم تكليفيا، ومع ذلك لم يأخذوا بهذه العمومات. والذي يقتضينا - ونحن نريد التقيد بحدود ما تدعو إليه الادلة - ان نفحص السر في عدم أخذهم بهذه العمومات ونقيمه - على ضوء ما انتهينا إليه في بحوثنا الاصولية السابقة -. الجمع بين أدلتها وأدلة الاحكام الظاهرية: يقول استاذنا الخوئي - فيما حكاه بعض مقرري بحثه -: (والذي يستفاد من مجموع الروايات في القرعة ومواردها انها جعلت في كل مورد لا يعلم حكمه الواقعي ولا الظاهري، وهذا المعنى هو المراد من لفظ المشكل في قولهم: (ان القرعة لكل أمر مشكل، وإن لم نعثر

[ 554 ]

على رواية بهذا اللفظ). (وهو المراد أيضا من لفظ المشكل المذكور في متون الكتب الفقهية، فإن المراد من قولهم: هو مشكل أو فيه إشكال عدم العلم بالحكم الواقعي، وعدم الاطمئنان بالحكم الظاهري لجهة من الجهات، لا عدم العلم والاطمئنان بالحكم الواقعي فقط، إذ الاشكال بهذا المعنى موجود في جميع الاحكام الفقهية سوى القطعيات. وبالجملة مورد القرعة، نظرا إلى مورد الروايات الواردة فيها، هو اشتباه الحكم الواقعي والظاهري، فالمراد من المجهول في قوله (عليه السلام) في رواية (كل مجهول ففيه القرعة) هو المجهول المطلق - أي المجهول من حيث الحكم الواقعي والظاهري -، ثم يقول: (وظهر بما ذكرناه انه يقدم الاستصحاب على القرعة تقدم الوارد على المورود، إذ بالاستصحاب يحرز الحكم الظاهري فلا يبقى للقرعة موضوع بعد كون موضوعه الجهل بالحكم الواقعي والظاهري - على ما ذكرناه - بل يقدم على القرعة أدنى أصل من الاصول، كأصالة الطهارة وأصالة الحل وغيرهما مما ليس له نظر إلى الواقع، بل يعين الوظيفة الفعلية في ظرف الشك في الواقع، إذ بعد تعيين الوظيفة الظاهرية تنتفي القرعة بانتفاء موضوعها (1)). وهذه الاستفادة متينة جدا لو كان لفظ المشتبه موجودا في الروايات. ولكن الموجود فيها (كل مجهول ففيه القرعة) وهي من حيث أخذ الجهل في موضوعها اشبه بأدلة الوظائف الشرعية كالبراءة والاحتياط، لاخذ عدم العلم فيها وهذه الادلة - لو كانت تامة الدلالة - لكانت وظيفة من الوظائف التي يجب الرجوع إليها عند العجز عن تحصيل الحكم الواقعي. وعلى هذا، فإن تمت استفادة استاذنا في أن المراد من المجهول، هو


(1) مصباح الاصول، ص 342 وما بعدها. (*)

[ 555 ]

الاعم من الحكم الواقعي والظاهري، ولو بمعونة القرائن المستفادة من الموارد الخاصة التي وردت فيها روايات القرعة، كانت هي المتعينة وإلا فلا بد من جمع آخر. والظاهر أن الجمع بينها وبين ما دل على الرجوع إلى الاصول عند الشك يختلف من حيث مفاد الادلة. فأدلة الاصول الاحرازية، نظرا لاعتبارها المشكوك متيقنا، تكون حاكمة عليها ومزيلة للجهل الذي اخذ في موضوعها تعبدا، وحسابها حساب أدلة البراءة بالنسبة الى الاستصحاب. أما أدلة الوظائف الشرعية - براءة أو احتياطا - فنسبتها إليها نسبة المخصص لبداهة ان لسان أدلة القرعة وهو: (كل مجهول ففيه القرعة) يعم الجهالة بالاحكام الالزامية وغيرها، والجهالة بالاحكام الوضعية والتكليفية مهما كان منشأ الجهل وأدلة البراءة إنما تتعرض لخصوص الاحكام التي فيها كلفة، سواء كانت الشبهة فيها موضوعية أم حكمية، فهي أخص من أدلة القرعة فتقدم عليها بالتخصيص وكذلك أدلة الاحتياط. وعلى هذا فأدلة القرعة تبقى قائمة في كل ما لم يعرف حكمه الواقعي أو الظاهري، أي فيما لا مجال لمعرفة رأي الشارع فيه مطلقا حكما أو وظيفة لولا شبهة إسقاطها بكثرة التخصيص. وبهذا يظهر ان (ما هو المعروف في ألسنتهم من ان أدلة القرعة قد تخصصت في موارد كثيرة، وكثرة التخصيص موجبة لوهنها، فلا يمكن الاخذ بها (1)) لا يخلو من اصالة. كما يظهر أيضا ان ما نبه عليه الاستاذ أبو زهرة من (ان في الفقه الامامي رأيا فيه غرابة، وهو انه عند اشتباه الحلال بالحرام في موضع


(1) مصباح الاصول، 342. (*)

[ 556 ]

اما لتعارض الادلة أو لعدم وجود دليل يعمل بالقرعة (1)) لا أساس له على جميع مباني مجتهدي الشيعة، لان المرجع في الجميع منها هو البراءة أو الاحتياط على اختلاف في وجهة النظر في ذلك وهي أما الورود أو التخصيص. نعم، لا شبهة في أخذهم - شيعة وسنة - بالقرعة في خصوص الموارد المنصوصة والتقيد بنصوصها وهي لا تتجاوز مسائل معينة، كمسألة اشتباه الغنم الموطوءة في قطيع وأمثالها مما وردت في الباب الذي عقده البخاري لها في صحيحه وغيره من كتب الحديث. وقد كنا نحب للاستاذ أبي زهرة ان يذكر لنا موردا واحدا من غير الموارد المنصوصة التي أثارت استغرابه في اعتبار الشيعة القرعة مصدرا من مصادرهم عن تعارض الادلة، ولم يرجعوا فيها إلى الاصل العملي أو الوظيفة ليبرر لنفسه ذلك الاستغراب. خلاصة البحث: وخلاصة ما انتهينا إليه من بحث ان القرعة ليست موضعا لشبهة في أصل مشروعيتها، إلا ان العمل بها إنما يقتصر على خصوص مواردها المنصوصة، وليس عندنا من الادلة ما يرفعها إلى مصاف ما عرضناه من مصادر التشريع سواء ما كان مجعولا لاكتشاف الحكم الشرعي أم الوظيفة على اختلافها، وبخاصة بعد ان كانت أدلتها العامة فاقدة الاعتبار لوهنها بكثرة التخصيص.


(1) الامام الصادق، ص 506. (*)

[ 557 ]

خاتمة المطاف رأينا ان نتعرض في هذه الخاتمة إلى المهم من مباحث (الاجتهاد والتقليد) لا للاخذ بما جرى عليه الاصوليون من تقليد فحسب بل لما في اثارتها من ثمرات تعود على الفكر الاسلامي اليوم بأعظم الفوائد بالاضافة إلى صلوحها لان تكون نماذج تطبيقية لما درسناه من تلكم الاصول، وقد آثرنا ان ندرسها على أساس مقارن تحقيقا للنهج الذي رسمناه لهذه البحوث في مدخل الكتاب.

[ 559 ]

خاتمة المطاف القسم الاول الاجتهاد (1) تعريفه الاجتهاد لغة واصطلاحا، الاجتهاد بمفهومه العام، أخذ الظن في تعريفه ومناقشته، أخذ العلم فيه ومناقشة التعريف، الاجتهاد بمفهومه الخاص.

[ 561 ]

الاجتهاد لغة واصطلاحا: الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد، وهو بذل الوسع للقيام بعمل ما، ولا يكون إلا في الاشياء التي فيها ثقل، فيقال: اجتهد فلان في رفع حجر ثقيل، ولا يقال: اجتهد في حمل ورقة مثلا. وهو في الاصطلاح مختلف في تحديده، والذي يبدو أن لهم فيه اصطلاحين مختلفين أحدهما أعم من الآخر. الاجتهاد بمفهومه العام: أما الاول منهما وهو الاجتهاد بمفهومه العام، فقد اختلفت كلماتهم في تحديده اختلافا كبيرا، والذي عليه الآمدي والعلامة الحلي وابن الحاجب هو أخذ الظن في تعريفه. أخذ الظن في تعريفه ومناقشته: فقد عرفه الآمدي ب‍: (استفراغ الوسع في طلب الظن بشئ من الاحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه (1)). وعرفه كل من العلامة الحلي والحاجبي ب‍: (استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي (2)). وجرت على هذا النحو كثير من التعريفات.


(1) ارشاد العقول، ص 250. (2) الكفاية، ج 2 ص 347، طبعة النجف. (*)

[ 562 ]

والذي يرد على هذه التعاريف ان الاقتصار على ذكر الظن فيها، يجعلها غير جامعة تارة وغير جامعة ولا مانعة أخرى، لان الظن إن أريد منه خصوص ما قام على اعتباره دليل من شرع أو عقل، كانت التعاريف غير جامعة وذلك: 1 - لخروج العلم بالاحكام عنها لبداهة انها ليست بظن. 2 - وخروج ما لم يفد الظن مما قام عليه دليل بالخصوص وان أريد به الاعم من الظن المعتبر وغيره كما هو الظاهر من اطلاق التعبير، كانت بالاضافة إلى ذلك غير مانعة لدخول الظنون غير المعتبرة في هذه التعاريف، مع اتفاقهم - ظاهرا - على عدم اعتبارها من أدلة التشريع. وقد حاول بعض أساتذتنا - فيما نسب إليه - ان يصحح هذه التعاريف على مذهب الاخذين بالظنون القياسية والاستقرائية والاستحسانية ظانا ان هؤلاء انما يعملون بها لانها ظنون فحسب لا لانها ظنون معتبرة عندهم بقيام الدليل عليها، مع ان لهم أدلة يذكرونها على حجيتها، وقد سبق عرضها في المباحث السابقة عند التعرض لهذه الاقسام في الباب الاول من هذا الكتاب. والذي يبدو ان ذكر الظن هنا غير ذي موضوع لعدم وجود أية خصوصية له تبرر ذكره في التعريف، لان المدار على ما قامت عليه الحجة، أفاد الظن أم لم يفده. وكأنه لذلك عدل غير واحد من الاصوليين عن ذكره واكتفوا بأخذ العلم فيه.

[ 563 ]

أخذ العلم فيه ومناقشة التعريف: فقد عرفه الخضري ب‍ (بذل الفقيه وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة (1)). وجرى على ذلك جملة من أعلام الاصوليين. والذي يرد على هذا النوع من التعاريف: ان العلم هنا إن كان قد أرادوا به الاعم من العلم الوجداني والتعبدي، وأرادوا بكلمة الحكم الشرعي الاعم من الواقعي والظاهري، كانت هذه التعاريف سليمة نسبيا لاندفاع المؤاخذات السابقة عنها، إلا انها تبقى - كسابقتها - محتاجة إلى ضميمة كلمة الوظائف، لتشمل كل ما يتصل بوظائف المجتهد من عمليات الاستنباط، وهذه المؤاخذة واردة على جل الاصوليين حتى المتأخرين منهم كالاستاذ مصطفى الزرقا حيث عرفه ب‍: (عملية استنباط الاحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة (2)). لبداهة خروج عمليات استنباط الوظائف من بعض الاصول: كالبراءة، والاحتياط، والتخيير - عن واقع التعريف، لان نتائجها ليست أحكاما شرعية كما مر إيضاحه في بحوثها من هذا الكتاب. والانسب - فيما نرى - ان يعرف ب‍: (ملكة تحصيل الحجج على الاحكام الشرعية أو الوظائف العملية، شرعية أو عقلية). وهذا التعريف منتزع مما تبنته مدرسة النجف الحديثة في علم الاصول (3). وإنما ذكرنا في التعريف الملكة، خلافا للتعاريف السابقة جميعا،


(1) أصول الفقه له، ص 357. (2) مجلة حضارة الاسلام، ج 1 عدد 2 ص 7. (3) راجع مصباح الاصول، ص 434. (*)

[ 564 ]

لنبعد ما تشعر به كلمات بعضهم من اعتبار الفعلية في الاستنباط، وذلك لوضوح ان صاحب الملكة يصدق عليه انه مجتهد، وإن لم يباشر عملية الاستنباط فعلا. الاجتهاد بمفهومه الخاص: وقد عرفه الاستاذ خلاف ب‍ (بذل الجهد للتوصل إلى الحكم في واقعة لا نص فيها بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها للاستنباط بها فيما لا نص فيه (1)). بينما رادف الشافعي بينه وبين القياس، فقال انهما (اسمان لمعنى واحد (2)). وفي رأي ابي بكر الرازي ان الاجتهاد يقع على ثلاثة معان: ((أحدها القياس الشرعي، لان العلة لما لم تكن موجبة للحكم لجواز وجودها خالية عنه لم يوجب ذلك العلم بالمطلوب، فذلك كان طريقه الاجتهاد). (والثاني ما يغلب في الظن من غير علة، كالاجتهاد في الوقت والقبلة والتقويم). (والثالث الاستدلال بالاصول (3)). والذي يتصل من هذه الثلاثة بالاجتهاد بمفهومه الخاص لدى الاصوليين هو المعنى الاول - أعني القياس - أما الثاني فهو أجنبي عن وظائف المجتهدين، لان الاجتهاد في تشخيص صغريات الموضوعات الشرعية ليس


(1) مصادر التشريع، ص 7. (2) الرسالة له، ص 477 طبعة مصر. (3) ارشاد الفحول، ص 250. (*)

[ 565 ]

من وظائف المجتهدين بداهة، والمعنى الاخير هو الاجتهاد بمفهومه العام. واعتبره مصطفى عبد الرزاق مرادفا للرأي والقياس والاستحسان والاستنباط (1). والغريب ان يرادف بين هذه المعاني وهي مختلفة المفاهيم ويجعلها حاكية عن مفهوم واحد. ولست أظن ان الاستاذ عبد الرزاق يريد ان يقول بالاشتراك اللفظي بينها لعدم التعدد في اوضاعها بداهة. والظاهر ان لفظة الاجتهاد - بمفهومها الخاص - مرادفة لديهم لمفهوم الرأي والمعاني الاخرى من قبيل المصاديق لهذا المفهوم، وقد وقع الاشتباه نتيجة للاختلاط في استعماله بين المفهوم والمصداق. وحديثنا انما ينصب على خصوص الاجتهاد بمفهومه العام، لدخول الاجتهاد بالمفهوم الثاني ضمن ما يصدق عليه، وقد سبق ان تحدثنا عن هذه الاقسام من الاصول: القياس، الاستحسان... الخ، وتعرفنا على ما كان حجة منها من غيره، فلا ضرورة لان نخصها بعد ذلك بشئ من الحديث.


(1) تمهيد لتأريخ الفلسفة الاسلامية، ص 138. (*)

[ 567 ]

خاتمة المطاف القسم الاول الاجتهاد (2) أقسامه ومعداته تقسيم الاجتهاد بلحاظ طبيعة حججه، مناقشة هذا التقسيم، الاجتهاد العقلي، الاجتهاد الشرعي، معدات الاجتهاد العقلي، معدات الاجتهاد الشرعي، ما يتصل بنسبة النص لقائله، ما يتصل منها بمجالات الاستفادة.

[ 569 ]

تقسيم الاجتهاد بلحاظ طبيعة حججه: وقد قسموا الاجتهاد بلحاظ طبيعة طرقه وحججه المأخوذة في مفهومه بتقسيمات لعل احدثها تقسيم الدكتور الدواليبي له، يقول: (وتوصلا إلى معرفة الاحكام من النصوص الشرعية يتكلم العلماء بعد ذلك عن طرق الكشف عن الاحكام الشرعية، ويمكن ان نقسم ذلك إلى ثلاثة طرق: 1 - طريقة الاجتهاد البياني، وذلك لبيان الاحكام الشرعية من نصوص الشارع. 2 - طريقة الاجتهاد القياسي، وذلك لوضع الاحكام الشرعية للوقائع الحادثة، مما ليس فيه كتاب أو سنة بالقياس على ما في نصوص الشارع من أحكام. 3 - طريقة الاجتهاد الاستصلاحي، وذلك لوضع الاحكام الشرعية، مما ليس فيه كتاب ولا سنة بالرأي المبني على قاعدة الاستصلاح (1). مناقشة هذا التقسيم: ويرد على هذا التقسيم وبعض ما جاء فيه من تحديدات: 1 - انه غير جامع لشرائط القسمة المنطقية لعدم استيعابه لاقسام المقسم، مع انه في مقام استيعابها بقرينة تعقيبه على هذا التقسيم بقوله: (ولم اتكلم في الاجتهاد الاستحساني، لان بعض حالاته تدخل في الاجتهاد القياسي وبعضها الآخر في الاجتهاد الاستصلاحي (2)) لوضوح ان الطرق التي اعتبرها العلماء كاشفة واعتمدوها في مجالات الاستنباط، بلغ بها بعضهم


(1 - 2) المدخل إلى علم أصول الفقه، ص 389. (*)

[ 570 ]

تسعة عشر بابا (1)، وأكثرها لا ترجع لهذه الطرائق الثلاث. 2 - ان القياس - كما سبق بيانه - ليس في جميع اقسامه قسيما للاجتهاد البياني بل في بعضها هو قسم منه كالقياس المنصوص العلة، والذي يستفاد من عموم أو اطلاق علته عموم الحكم لجميع ما تتعلق به، والاستصلاح بناء على تعريفه له - أعني الدواليبي - داخل هو الآخر في الاجتهاد البياني لاستفادته من الادلة العامة، أمثال: لا ضرر، وجميع الموارد التي يدعي اعمال الاستصلاح فيها، إنما هي من مصاديق هذا الحكم الفرعي الشرعي الكلي المستفاد من حديث (لا ضرر)، أو قاعدة العدل لا إنه في مقابلها، وقد مضى منا القول في (مبحث الاستصلاح) بأن التماس المصاديق لاحكام شرعية كلية وتطبيق كلياتها عليها، لا يخرج هذه المصاديق بعد التطبيق عن كونها من السنة، وكل أحكام السنة كلية إلا ما ندر منها. 3 - تفرقته بين طريقة الاجتهاد البياني والطريقتين الاخريين، باعتباره الاولى بيانا للاحكام الشرعية، والثانية والثالثة (وضعا) لها، مع ان لازم ذلك اعتبار المجتهد مشرعا، وهو خروج على إجماع المسلمين بالاضافة إلى مناقضته لنفسه حين اعتبرها جميعا من الكواشف عن الاحكام الشرعية. نعم، هذا التعبير لا يلتئم إلا على مبنى من مباني (المصوبة)، وهو المبني الذي ينكر جعل الاحكام الواقعية في حقوق الجاهلين ويعتبرها تابعة لظنون المجتهدين، إن صح نسبة القول، بوضع الاحكام من قبل المجتهدين إليهم، ولا أظن ان الدكتور ممن يؤمنون به، بل لا أعرف في علماء الاسلام اليوم من يؤمن به، وستأتي مناقشته. وإذا لم يتم هذا التقسيم فالانسب التركيز - في مجال القسمة لابوابه -


(1) رسالة الطوفي، ص 90. (*)

[ 571 ]

على ما كنا قد استفدناه من اختلافها - من حيث الطريقية أو الحجية - بالذاتية والجعل الشرعي فنقسمه استنادا إلى ذلك إلى قسمين: 1 - الاجتهاد العقلي: ونريد به، ما كانت الطريقية أو الحجية الثابتة لمصادره عقلية محضة غير قابلة للجعل الشرعي، وينتظم في هذا القسم كل ما أفاد العلم الوجداني بمدلوله كالمستقلات العقلية وقواعد لزوم دفع الضرر المحتمل، وشغل الذمة اليقيني يستدعي فراغا يقينيا وقبح العقاب بلا بيان وغيرها. 2 - الاجتهاد الشرعي: ونريد به كل ما احتاج إلى جعل أو امضاء لطريقيته أو حجيته - من الحجج السابقة، ويدخل ضمن هذا القسم: الاجماع والقياس والاستصلاح والاستحسان والعرف والاستصحاب، وغيرها من مباحث الحجج والاصول العملية مما يكشف عن الحكم الشرعي أو الوظيفة المجعولة من قبل الشارع عند عدم اكتشافه. وإذا صح هذا التقسيم، فإن علينا ان نبحث كل ما يتوقف عليه من معدات تيسيرا لطالبي الاجتهاد في بلوغ مراتبه. معدات الاجتهاد العقلي: ويتوقف الاجتهاد العقلي على خبرة بالقواعد الفلسفية والمنطقية، وبخاصة تلك التي يرتكز عليها أصول الاقيسة بمختلف أشكالها، لان فيها وفي بقية قواعد المنطق - كما يقال - العصمة عن الخطأ في الفكر، شريطة ان يتعرف عليها في منابعها السليمة في أمثال معاهد النجف الاشرف من

[ 572 ]

المعاهد الاسلامية التي عنيت بالدراسات المنطقية والفلسفية، وإدخال الاصلاحات عليها لا مما أخذ وترجم حديثا عن الغرب لكثرة ما رأينا فيه من الخلط في المفاهيم، وتحميلها لوازم غريبة ينشأ أكثرها من عدم فهمهم لقسم من المصطلحات، وتحديد مداليلها بكل ما حفلت به من قيود وشروط (1). معدات الاجتهاد الشرعي: أما الاجتهاد الشرعي فهو متوقف على الاحاطة بعدة خبرات، وهي مختلفة باختلاف تلكم الطرق المجعولة أو الممضاة من قبل الشارع المقدس، فبالنسبة إلى الطرق غير المقطوعة أسانيد أو دلالة، أو هما معا، نحتاج إلى عدة خبرات يتصل بعضها بتحقيق النص وصحة نسبته لقائله، ويتصل بكيفيات الاستفادة من النص في مجالات التماس الحكم أو الوظيفة منه بعد تصحيح نسبته. أ - ما يتصل منها بنسبة النص لقائله: أما ما يتصل منها بالقسم الاول فمعداته كثيرة وأهمها: 1 - ان يكون على علم بفهرست كل ما يرتبط بهذه النصوص وتبويبها ومعرفة مظانها في كتبها الخاصة، أمثال الصحاح والمسانيد والموسوعات الفقهية، ليسهل عليه التماس ما يريد استنباط الحكم منه من بينها على نحو يوجب له الاطمئنان بعدم وجود ما يخالفها أو يضفي بعض الاضواء عليها. 2 - ان تكون له خبرة بتحقيق النصوص والتأكد من سلامتها من


(1) للتعرف على أوجه الكثير من هذه المفارقات التي حفلت بها الفلسفات الغربية على اختلافها، يحسن الرجوع إلى كتاب (فلسفتنا) للسيد محمد باقر الصدر، فهو من خير الكتب التي عالجت هذه الجوانب ادراكا ومناقشة. (*)

[ 573 ]

الخطأ أو التحريف، وذلك بالبحث عن نسخها الخطية على اختلافها أو المطبوعة على اختلاف طبعاتها ومقارنة بعضها ببعض واختيار أصحها وأسلمها عند الشك في سلامة النص. 3 - التأكد من سلامة رواتها ووثوقهم في النقل بالرجوع إلى الثقات من أرباب الجرح والتعديل. 4 - التماس الحجية لها من قبل الشارع، باعتبارها من أخبار الآحاد التي توجب قطعا بمضمونها، وقد عرضنا ما يتصل بهذا الجانب في (مبحث السنة) من هذا الكتاب. 5 - ان تكون لنا خبرة بالمرجحات التي جعلها الشارع أو أمضاها عند التعارض بينها. ب - ما يتصل منها بمجالات الاستفادة: وهي كثيرة أيضا وأهمها: 1 - أن تكون لنا خبرة لغوية تؤهلنا، لان نفهم مواد الكلمات ونؤرخ لها على أساس زمني، لنتمكن من ان نضعها في مواضعها الطبيعية لها، ونفهمها على وفق ما كانوا يفهمون من معانيها في زمنها. ولا يشترط فينا، أن نكون مستحضرين لمعاني جميع ما ورد في الكتاب أو السنة من الالفاظ اللغوية بل تكفينا القدرة على استخراجها من مظانها في أمثال كتاب (مفردات الراغب الاصفهاني) في غريب القرآن، و (مجمع البيان) للطبرسي، و (التبيان) للشيخ الطوسي في التفسير، و (مجمع البحرين) للطريحي، و (النهاية) لابن الاثير في لغة الحديث. 2 - أن نكون على علم بوضع قسم من الهيئات والصيغ الخاصة، كهيئات المشتقات، وصيغ الاوامر، والنواهي، والعموم، والخصوص،

[ 574 ]

والاطلاق، والتقييد، والهيئات الدالة على بعض المفاهيم، وما إليها من الهيئات التي عنيت ببحثها كتب (أصول الفقه) القديمة، ولم تعن بها كتب اللغويين عناية هامة. 3 - ان نحيط معرفة بمسائل النحو والتصريف، بالمقدار الذي يؤهلنا لتمييز حركات الاعراب، وما تكشف عنه من اختلاف المعاني. أما الغوص على استقراء العلل النحوية والآراء المختلفة فيها، فهذا ما ليس له أية ضرورة بالنسبة إلى وظيفتنا، كطلاب اجتهاد. 4 - أن نكون على درجة عالية في فهم أساليب العرب من وجهة بلاغية وتقييمها وإدراك جملة خصائصها. وهذا ما لا يتأتى لنا في الغالب من دراسة كتب البلاغة التقليدية، لانشغالها عن مهمتها الاساسية بمماحكات لفظية تتصل اكثر ما تتصل بتكثير المصطلحات وتنويعها وإثارة النقاش حولها. أما التماس النصوص البليغة ودراستها وتقييمها، فهذا ما لا يتفق أن تعنى به إلا نادرا. وبما ان أهم مصادر التشريع عندنا هو: الكتاب والسنة، وهما في أعلى مستويات البلاغة وبخاصة القرآن الكريم، معجزة الاسلام الخالدة، فإن فهمها مما يحتاج إلى حس بلاغي لا يتوفر إلا في القليل من البلغاء ممن تكون لديهم ذلك الحس، بفضل تتبع واستظهار وتقييم كثير من النصوص البليغة في عصر القرآن وغيره. 5 - ان تكون لنا إحاطة تاريخية بالازمان التي رافقت تكون السنة وما وقع فيها من أحداث، لنستطيع ان نضع النصوص التشريعية في موضعها الزمني، وفي أجوائها وملابساتها الخاصة. ومعرفة الملابسة قد تغير دلالة نص بأكمله، وما اكثر ما تنطوي

[ 575 ]

الملابسات على قرائن يصلح بعضها لصرف ذلك النص عن ظاهره أو تقييده في حدود تلكم الملابسة. وبهذا نرى أنفسنا في أمس الحاجة إلى معرفة أسباب النزول في الكتاب العزيز، والبواعث لتبليغ التشريع في السنة - إن كانت - لما يلقيان من أضواء على طبيعة الحكم. والذي نرجوه ان لا يفهم من كلامنا هذا أننا نؤمن بأن المورد أو السبب مما يخصص الوارد أو يدعو إلى تقييده في حدود موارده أو بواعثه، فإن الذي أردنا ان نقوله ان المورد أو الباعث ربما يكشف عن طبيعة الوارد ونوع ما يعمم له من المصاديق. وأظن اننا سندرك حاجتنا الكبيرة إلى هذه الخبرة في مجال المقارنة الفقهية القادمة، عندما نعرض لجملة من الفتاوى المتناقضة ونلتمس أسبابها، فنجد أهواء الحاكمين من وراء هذا التناقض. وبهذا ندرك قيمة ما أرسله الامام الصادق (عليه السلام) من جعله مخالفة العامة من أقسام المرجحات. وبخاصة إذا تذكرنا ما قلناه في (مبحث الاستحسان) من أن المراد من العامة اولئك المرتزقة الذين يسيرون دائما في ركاب حكامهم، ويفتون على حسب ما يريدونه منهم، ولعل الدعوة إلى سد باب الاجتهاد كان من بواعثها الخيرة غلق الطريق على أمثال اولئك من المتطفلين على موائد الافتاء ممن كانوا بيد السلطان كالدمى يحركونها كيفما شاءوا وشاءت لهم سياساتهم الخاصة لتضليل الرأي العام. ومن هنا نرى كثيرا من السلطات تحفل بأمثال هؤلاء، وتشتري عواطفهم بالمناصب الكبيرة والكثير من الاموال، وحتى في عصورنا المتأخرة، مع الاسف الشديد، لا نعدم الامثال الكثيرة على ذلك.

[ 576 ]

وإذا لم تكن لنا تلك الخبرة التأريخية، فانا لا نستطيع ان نقيم تلك الاخبار المتعارضة ونعرف ما خالف العامة منها مما وافقها، وعلى الاخص إذا تم ما قربناه من ان الاساس في هذا التقييم لم يكن موجها نحو أرباب المذاهب المعروفة اليوم، لعدم وجود بعض أربابها إذ ذاك، والموجود منهم لم يكن - على درجة من كثرة الاتباع - تخول اطلاق كلمة العامة عليهم، بل لم يكن بعضهم على اتصال بالسلطة الزمنية، كما هو المعروف من تأريخهم. 6 - ان تكون لنا خبرة بأساليب الجمع بين النصوص كتقديم الناسخ على المنسوخ، والخاص على العام، والمطلق على المقيد، وكالتعرف على موارد حكومة بعض الادلة على بعض أو ورودها عليها. 7 - ان نكون على ثقة - بعد اجتياز المرحلة السابقة وتحصيل ظهور النص - بحجية مثل هذا الظهور. هذا كله بالنسبة إلى الطرق الكاشفة عن الكتاب والسنة سواء ما يتصل بالسند بالنسبة إلى السنة أم الدلالة بالنسبة اليهما، أما الطرق الاخرى الكاشفة عن الحكم أو الوظيفة من غير طريقهما، فحسب الفقيه ان يحيط منها بما حرر في كتب الاصول الموسعة ليعرف الحجة منها من غير الحجة، ويعرف موارد جريانها وأصول الجمع بينها، ولا يقتصر في ذلك كله على الاخذ برأي فريق دون فريق، بل يمحصها جهده ويكون لنفسه رأيا، لان التقليد في أصول الفقه محق للاجتهاد من أساسه، بل الاجتهاد في واقعه لا يعدو معرفة هذه الحجج وموارد تطبيقها، معرفة تفصيلية. وفي المبحث اللاحق سنلقي ببعض الاضواء على هذا الجانب لايضاحه.

[ 577 ]

خاتمة المطاف القسم الاول الاجتهاد (3) تجزى الاجتهاد وعدمه ملكة الاجتهاد ومنشؤها، الاجتهاد المطلق، الاجتهاد المتجزئ، الخلاف في تجزئ الاجتهاد وعدمه، احالة الاجتهاد المطلق، امكان الاجتهاد المطلق، إمكان التجزئ ووقوعه، لزوم التجزئ، القول بعدم الامكان وسببه، أقربية القول بعدم الامكان، خلاصة الرأي.

[ 579 ]

ملكة الاجتهاد ومنشؤها: وقد تبين لنا مما تقدم ان ملكة الاجتهاد إنما تنشأ من الاحاطة بكل ما يرتكز عليه قياس الاستنباط سواء ما وقع منه موقع الصغرى لقياس الاستنباط، كالوسائل التي يتوقف عليها تحقيق النص وفهمه أو كبراه، كمباحث الحجج والاصول العملية. وسالك طريق الاجتهاد لا يمكن ان يبلغ مرتبته حتى يمر بها جميعا ليكون على حجة فيما لو أقدم على إعمال هذه الملكة. فالذي يعرف - مثلا - وسائل تحقيق النص وفهمه دون ان يجتهد في معرفة بقية الحجج والاصول على نحو، يكون لنفسه فيها رأيا لا يتداخله الوهم أو الشك لا يسوغ له ادعاء الاجتهاد ولا استنباط حكم واحد لعدم المؤمن له من قيام حجة يجهلها من الحجج الاخرى على خلاف ما استفاده من النص، وقد تكون سمة هذه الحجة المجهولة لديه، سمة الحاكم أو الوارد على ذلك النص. وإذا صح هذا عدنا إلى ما ذكروه حول إمكان تجزئ الاجتهاد وعدمه، والضوابط التي جعلوها لكل منهما - أعني المجتهد المطلق والمتجزي -. الاجتهاد المطلق: وأرادو به (ما يقتدر به على استنباط الاحكام الفعلية من امارة معتبرة أو أصل معتبر عقلا أو نقلا في الموارد التى يظفر فيها بها (1)).


(1) الكفاية، ج 2 ص 348 المطبوعة مع حاشية الحجة الشيخ عبد الحسين الرشتي. (*)

[ 580 ]

وهذا التعريف قريب من تعريفنا السابق عدا مؤاخذات شكلية لا تستحق التنبيه عليها. الاجتهاد المتجزئ: وقد عرفه بالكفاية بقوله: (ما يقتدر به على استنباط بعض الاحكام (1)). وربما أوضح كلام الغزالي في المقام ما يمكن ان يراد من أمثال هذا التعريف حيث قال - بعد ان استعرض العلوم التي يراها ضرورية للمجتهد، وهي قريبة في بعض خطوطها مما ذكرناه في معدات الاجتهاد -: (واجتماع هذه العلوم الثمانية إنما يشترط في حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع). (وليس الاجتهاد عندي منصبا لا يتجزأ، بل يجوز ان يقال للعالم بمنصب الاجتهاد في بعض الاحكام دون بعض). (فمن عرف طريق النظر القياسي فله ان يفتي في مسألة قياسية، وإن لم يكن ماهرا في علم الحديث، فمن ينظر في مسألة المشتركة يكفيه ان يكون فقيه النفس، عارفا بأصول الفرائض ومعانيها، وإن لم يكن قد حصل الاخبار التي وردت في مسألة تحريم المسكرات أو في مسألة النكاح بلا ولي، فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها، ولا تعلق لتلك الاحاديث بها، فمن أين تصير الغفلة عنها أو القصور عن معرفتها نقصا ؟ ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمي وطريق التصرف فيه، فما يضره قصوره عن علم النحو الذي يعرف قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)، وقس عليه ما في معناه).


(1) الكفاية، ج 2 ص 348 المطبوعة مع حاشية الحجة الشيخ عبد الحسين الرشتي. (*)

[ 581 ]

(وليس من شروط المفتي ان يجيب على كل مسألة، فقد سئل مالك رحمه الله عن أربعين مسألة، فقال في ستة وثلاثين منها: لا أدري، وكم توقف الشافعي، رحمه الله، بل الصحابة في المسائل). (فإذن لا يشترط إلا ان يكون على بصيرة فيما يفتي، فيفتي فيما يدري ويدري أنه يدري، ويميز بين ما لا يدري وبين ما يدري، فيتوقف فيما لا يدري ويفتي فيما يدري (1)). وهذا الكلام غير واضح لدي وجهه لغرابة مضمونه، إذ العالم الذي يعرف القياس وليست له الخبرة في علم الحديث، كيف يسيغ لنفسه ان يستنبط حكما واحدا من قياسه وينسبه إلى الشارع المقدس، مع انه يحتمل ان يكون في الاحاديث - التي يتوقف تصحيحها على علم الرجال وفهمها على توفر وسائل الظهور، وتقديمها على غيرها عند المعارضة على المرجحات السندية أو الجهتية، وتشخيص رتبتها على أصول الجمع بين الادلة والحجج على اختلافها -. - اقول مع انه يحتمل ان يكون في هذه الاحاديث ما يوقف الاخذ بهذا القياس. وما يقال من إمكان فرض اجتهاده في البعض، والرجوع في البعض الآخر، إلى غيره من المجتهدين فيها لالتماس موقعها من الاصل، أو القاعدة التي يريد الاجتهاد فيها، لا يجدي في اعتباره مجتهدا لبداهة ان النتيجة تتبع أخس المقدمتين، وما دامت بعض مقدماته التي اعتمدها في مقام الاستنباط مأخوذة عن تقليد، فالنتيجة لا تخرجه عن كونه مقلدا، والعلم في دفع تأثير بقية الادلة الذي يكون منشؤه غير الاجتهاد، لا يجعل صاحبه مجتهدا بداهة.


(1) المستصفى، ج 2 ص 103. (*)

[ 582 ]

على أن في هذا النص خلطا بين الاجتهاد كملكة، واعمال الاجتهاد والامثلة التي ضربها كلها، تنتظم في مجالات إعمال الملكة لا في تكون أصلها. الخلاف في تجزئ الاجتهاد وعدمه: وعلى أي حال، فقد اختلف العلماء، في إمكان كل من الاجتهادين وعدمه على أقوال بها لا تكاد تلتقي. فالذي يبدو من بعضهم إحالة الاجتهاد المطلق والاكثرون على إمكانه. إحالة الاجتهاد المطلق: وكأن وجهة نظر هؤلاء، ما يلاحظونه من قصور البشر، بما له من طاقات متعارفة عن استيعاب جميع الاحكام المجعولة لافعال المكلفين على اختلاف مواضعها، حتى المستجدة منها، ومثل هذا الاستيعاب ممتنع عادة على البشر. وقد فهموا من الاجتهاد المطلق، فيما يبدو اعتبار فعلية الاستنباط فيه وفعلية الاستنباط لجميع الاحكام ممتنعة بينما يرى القائلون ب‍: إمكان الاجتهاد المطلق: انه من قبيل الملكة، التي توفر له القدرة على استنباط الاحكام وهي غير ممتنعة عادة. وعلى هذا، فالنزاع بينهما مبنائي وكلاهما - في حدود مبناه - على حق، وإنما الخطأ واقع في أحد المبنيين، وسيتضح ان اعتبار فعلية استنباط في مفهوم الاجتهاد، لا وجه له.

[ 583 ]

إمكان التجزئ ووقوعه: أما التجزئ فالاكثر - فيما يبدو من العلماء - هو القول بإمكانه ووقوعه، وهو الذي تبناه الغزالي وقد مر رأيه - وابن الهمام (1) والرازي (2) وجملة من أساتذتنا المتأخرين. وقد نسب الحجة الرشتي في شرحه للكفاية القول بعدم إمكانه إلى الشذوذ (3). لزوم التجزئ: وقد تفرد صاحب الكفاية - فيما نعلم بالقول بلزوم التجزئ فضلا عن إمكانه ووقوعه، قال في الكفاية: (وحيث كان أبواب الفقه مختلفة مدركا، والمدارك متفاوتة سهولة وصعوبة عقلية ونقلية مع اختلاف الاشخاص في الاطلاع عليها، وفي طول الباع وقصوره بالنسبة إليها، فرب شخص كثير الاطلاع وطويل الباع في مدرك باب بمهارته في العقليات أو النقليات، وليس كذلك في آخر لعدم مهارته فيها وابتنائه عليها). (وهذا بالضرورة ربما يوجب حصول القدرة على الاستنباط في بعضها لسهولة مدركه، ولمهارة الشخص مع صعوبته مع عدم القدرة على ما ليس كذلك، بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزي للزوم الطفرة (4)).


(1) المراغي في رسالة الاسلام. س 1 ج 3 ص 352. (2) سلم الوصول، ص 342. (3) حاشية الرشتي على الكفاية، ج 2 ص 350. (4) الكفاية، ج 2 ص 350 (متن) حاشية الرشتي. (*)

[ 584 ]

القول بعدم الامكان وسببه: ولعل وجهة نظر القائلين بعدم إمكان التجزي هو أخذهم الملكة أو الاستنباط في تعريفه والتزامهم ببساطتهما وعدم إمكان التجزئة فيهما. وقد أجيب على وجهة النظر هذه بأن المراد (هو التبعيض في أجزاء الكلي لا التبعيض في أجزاء الكل، إذ كما ان كل حكم من الاحكام الشرعية في مورد مغاير للاحكام الاخر في موارد أخر، فكذلك استنباطه مغاير لاستنباطها، فملكة استنباط هذه المسألة فرد من الملكة، وملكة استنباط تلك المسألة فرد آخر منها، وبساطة الملكة أو الاستنباط لا تنافي التجزي بهذا المعنى كما هو ظاهر). (وحيث ان مدارك الاحكام مختلفة جدا فرب حكم بهذا المعنى يبتني استنباطه على مقدمات كثيرة فيصعب استنباطه، ورب حكم لا يبتني استنباطه إلا على مقدمة واحدة فيسهل استنباطه، ومع ذلك يمكن ان يقال: ان القدرة على استنباط حكم واحد لا تكون إلا مع القدرة على استنباط جميع الاحكام). (وبالجملة حصول فرد من الملكة دون فرد آخر منها بمكان واضح من الامكان، لا يحتاج تصديقه إلى أكثر من تصوره). (ولعل القائل بالاستحالة لم يتصور المراد من التجزي في المقام، واشتبه تبعيض أفراد الكلي بتبعيض أجزاء الكل، فإن الثاني هو الذي تنافيه البساطة ولا دخل له في المقام (1)). والذي يبدو لنا من خلال تصورنا لمختلف وجوه المسألة هو:


(1) مصباح الاصول، ص 421 وما بعدها. (*)

[ 585 ]

أقربية القول بعدم الامكان: لا لما ذكروه من بساطة الملكة وعدم بساطتها ليقال: (إن التجزئة هي من مصاديق الكلي، لا في أجزاء الكل، أو يقال بان الملكة توجد ضيقة على قدر استنباط بعض الاحكام، ثم تتسع بعد ذلك تدريجا (1)، بل لما قلناه في مدخل البحث: من ان حقيقة الاجتهاد، هو التوفر على معرفة تلكم الخبرات أو التجارب على اختلافها، فمع توفرها جميعا توجد الملكة، ومع فقد بعضها تنعدم لا أنها توجد ضيقة أو يوجد بعض مصاديقها - كما يبدو ذلك من كلام الغزالي السابق -. ولست اخال أن احدا من الاساتذة، يلتزم بأن المجتهد في خصوص مباحث الالفاظ - مثلا - مجتهد متجزئ لحصوله على بعض مصاديق ملكة الاجتهاد، لان الملكة التي تحصل من دراسة مباحث الالفاظ، لا تكون اجتهادا اصطلاحيا ما لم تنضم إليها بقية الملكات، فالاجتهاد في الحقيقة هو الوحدة المنتظمة لجميع تلكم الملكات. وكل واحدة من هذه الملكات، أشبه ما تكون بجزء العلة لملكة الاجتهاد، فما لم تنضم إليها بقية الاجزاء لا يتحقق معلولها اصلا، ومع انضمام البقية تتحقق الملكة (مطلقة)، وإن لم يستنبط صاحبها مسألة واحدة. وصعوبة الاستنباط لابتناء بعض المسائل على مقدمات، لا تنافي حصول الملكة في أولى مراتبها المستلزمة للقدرة على استنباط هذه الاحكام جميعا. ونحن لا ننكر ان ملكة الاجتهاد ذات مراتب تقوى وتضعف تبعا لدرجة إعمالها كأية ملكة أخرى، ولكننا - نؤمن مع ذلك - بان أدنى مراتبها بعد خلقها بتوفر أسسها، ومعداتها كافية لصدق الاطلاق عليها


(1) الرشتي في شرح الكفاية، ج 2 ص 342. (*)

[ 586 ]

لقدرة صاحبها على استنباط أية مسألة تعرض عليه، وان كان الاستنباط في بعضها لا يخلو من صعوبة على المبتدئ لابتنائه على مقدمات طويلة يحتاج استيعابها والتأمل فيها إلى جهد كبير. والذي اظنه ان الخلط بين الملكة وإعمالها هو الذي سبب الارتباك في كلمات بعضهم. والتجزي في مقام إعمال الملكة يكاد يكون من الضروريات، بل لا يوجد في هذا المقام اجتهاد مطلق أصلا. ودعوى امتناعه - اعني الاجتهاد المطلق - بهذا المعنى لا تخلو من أصالة لاستحالة إعمال الملكة في جميع المسائل، حتى التي لم توجد موضوعاتها بعد، فاستيعاب جميع مسائل الفقه أمر متعذر على بشر عادي بداهة. وحتى مع فرض امكان الاجتهاد المطلق، فالتزام صاحب الكفاية بلزوم القول بالتجزي ووجوب وجوده عادة، لا يخلو من وجه لامتناع إعمال الملكة دفعة واحدة في جميع المسائل، بل لا بد في مقام استيعابها من التدرج فيها. وإذا تمت هذه التفرقة بين الاجتهاد كملكة، والاجتهاد في مقام إعمالها، اتضح الجواب على كل ما استدل به في هذا المورد، كاستدلال الاستاذ عمر عبد الله على لزوم التجزي بقوله: (لو لم يتجزأ الاجتهاد للزم ان يكون المجتهد عالما بجميع الاحكام، وذلك باطل قطعا، فقد سئل كثير من المجتهدين عن مسائل، فأجابوا عن بعضها ولم يجيبوا عن البعض الآخر (1)). وهذه الملازمة انما تتم إذا أراد من الاجتهاد إعمال الملكة، ومن العلم بجميع الاحكام فعلية العلم، وإلا فمع الالتزام بكون الاجتهاد ملكة


(1) سلم الوصول، ص 342. (*)

[ 587 ]

لا يلزم المجتهد العلم بمسألة واحدة فضلا عن جميع المسائل، والطبيب - بعد تخرجه - طبيب وإن لم يداو واحدا من المرضى. وكذا لو أراد من العلم شأنية العلم، إذ لا مانع من ان يكون لصاحب الملكة شأنية العلم بجميع المسائل. ومع تمامية الملازمة فاللازم لا يكون باطلا لما ذكره من سؤال بعض المجتهدين، وعدم إجابتهم للجهل بما سئلوا عنه لجواز ان يتسرب الشك إلى اجتهادهم قبل ان يتسرب إلى القاعدة، فالانسب تعليل بطلان اللازم بامتناع الاحاطة بجميع الاحكام عادة. والغريب ان يقع بعض القائلين بامتناع التجزي بنفس المفارقة من الخلط بين الملكة وإعمالها، فالاستاذ خلاف في الوقت الذي يعلل فيه عدم التجزي بقوله: (لان الاجتهاد - كما يؤخذ مما قدمناه - أهلية وملكة يقتدر بها المجتهد على فهم النصوص، واستثمار الاحكام الشرعية منها، واستنباط الحكم فيما لا نص فيه، فمن توافرت فيه شروط الاجتهاد، وتكونت له هذه الملكة لا يتصور ان يقتدر بها في موضوع دون آخر (1))، يعود فيقع في المفارقة نفسها عندما يتم دليله فيقول: (وقد يكون هادي المجتهد في أحكام الزواج، مبدأ أو تعليلا تقرر في أحكام البيع، فلا يكون مجتهدا إلا إذا كان على علم تام بأحكام القرآن والسنة حتى يصل من مقارنة بعضها ببعض ومن مبادئها العامة، إلى الاستنباط الصحيح (2)). وموضع المفارقة ان العلم بأحكام القرآن أو السنة، إنما يحتاج إليه المجتهد في مجالات إعمال الملكة لا مجالات تكونها.


(1) علم أصول الفقه لخلاف، ص 262. (2) علم أصول الفقه لخلاف، ص 262. (*)

[ 588 ]

على ان هذا التعميم في العلم لجميع أحكامهما، لا يحتاج إليه حتى في مجالات إعمال الملكة، وإلا لتعذر عليه استنباط حكم واحد أو تعسر على الاقل وعلى الاخص إذا لاحظنا تشعب كتب السنة - صحاحا ومسانيد وسننا -. بل يكفيه منها فحصه عن مواضع الادلة من الآيات والروايات وغيرهما من كتب الفقه والحديث، وفحصها على نحو يحصل له العلم بكفاية ما وصل إليه لاستنباط الحكم الذي يريد استنباطه من أدلته. خلاصة الرأي: وخلاصة ما انتهينا إليه من رأي، ان التوفر على معدات الاجتهاد جميعا، هو الذي يكون الاجتهاد كملكة، ومع فقد بعضها والتقليد في البعض الآخر، فإن صاحبها لا يخرج عن كونه مقلدا لاتباع النتائج أخس المقدمات بالضرورة. فملكة الاجتهاد إذن، إما أن توجد مطلقة، أو لا توجد أصلا.

[ 589 ]

خاتمة البحث القسم الاول الاجتهاد (4) مراتب المجتهدين الاجتهاد ومراتب المجتهدين: الاجتهاد المطلق، الاجتهاد في المذهب، الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها، اجتهاد أهل التخريج، اجتهاد أهل الترجيح، مناقشة هذا التقسيم، اجتهاد الشيعة مطلق أو منتسب.

[ 591 ]

الاجتهاد ومراتب المجتهدين: وإذا عرفنا حقيقة الاجتهاد والمعدات التي يجب ان تتوفر في المجتهد لتشارك في تكون ملكته، أمكننا ان نقيم ما ذكروه من تقسيم للاجتهاد بلحاظ مراتب المجتهدين. وقد ذكروا ان للاجتهاد بهذا اللحاظ أقساما خمسة هي: 1 - الاجتهاد المطلق: أو الاجتهاد المستقل، وحددوه ب‍ (ان يجتهد الفقيه في استخراج منهاج له في اجتهاده) على نحو يكون مستقلا في منهاجه وفي استخراج الاحكام على وفق هذا المنهاج أو هو (كما يعبر العلماء مجتهد في الاصول وفي الفروع (1)). 2 - الاجتهاد في المذهب: ويريدون به ان يجتهد الفقيه المنتسب إلى مذهب معين في الوقائع على وفق اصول الاجتهاد التي قررها إمام ذلك المذهب. (وقد يخالف الواحد منهم مذهب زعيمه في بعض الاحكام الفرعية). (ومن هؤلاء الحسن بن زياد في الحنفية، وابن القاسم وأشهب في المالكية، والبويطي والمازني في الشافعية (2)). وقد أطلق الاستاذ ابو زهرة على الفقيه من هذا القسم اسم (المجتهد المنتسب).


(1) الامام الصادق لابي زهرة، ص 537. (2) خلاصة التشريع الاسلامي لخلاف، ص 342. (*)

[ 592 ]

3 - الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها: عن إمام المذهب وفق الاصول المجعولة من قبله، وبالقياس على ما اجتهد فيها من الفروع كالخصاف، والطحاوي، والكرخي من الحنفية، واللخمي، وابن العربي، وابن رشيد من المالكية، والغزالي، والاسفراييني من الشافعية (1). 4 - اجتهاد أهل التخريج: وهو الاجتهاد الذي لا يتجاوز (تفسير قول مجمل من أقوال أئمتهم أو تعيين وجه معين لحكم يحتمل وجهين، فإليهم المرجع في إزالة الخفاء والغموض الذي يوجد في بعض أقوال الائمة واحكامهم كالجصاص واضرابه من علماء الحنفية (2). 5 - اجتهاد أهل الترجيح: ويراد به الموازنة بين ما روي عن ائمتهم من الروايات المختلفة، وترجيح بعضها على بعض من جهة الرواية أو من جهة الدراية، كأن يقول المجتهد منهم: (هذا أصح رواية، وهذا اولى النقول بالقبول، أو هذا اوفق للقياس أو ارفق للناس، ومن هؤلاء القدوري وصاحب الهداية وأضرابهما من علماء الحنفية (3). مناقشة التقسيم: ويرد على هذا التقسيم: 1 - خروجه على اصول القسمة المنطقية لخلطه بين قسم من الاقسام


(1 - 2 - 3) خلاصة التشريع الاسلامي، ص 343. (*)

[ 593 ]

وبين مقسمها بجعلها قسيما لمقسمها، والانسب توزيعها - من وجهة منطقية - إلى قسمين: مطلق ومقيد، والمقيد إلى الاقسام الاربعة الاخرى لوجود قدر جامع بينهما وهو الاجتهاد ضمن إطار مذهب معين. 2 - ان تسمية هذه الاقسام الاربعة بالاجتهاد وجعلها قسما منه في مقابل الاجتهاد المطلق لا يلتئم مع الواقع الذي سبق ان ذكرناه من ان الاجتهاد ملكة لا توجد لصاحبها إلا بعد حصوله على تلكم الخبرات والتجارب، ومعرفتها معرفة تفصيلية، أو كما قلنا ان الاجتهاد في الحقيقة لا يعدو الاجتهاد في أصول الفقه مع توفر بقية المقدمات، وهو مناط جملة أحكامه الآتية من حرمة التقليد بالنسبة إلى المجتهد ونفوذ قضائه، وجواز رجوع الغير إليه في التقليد أو لزومه احيانا. ومن الواضح ان المجتهد المقيد ليس مصداقا للمجتهد بهذا المفهوم، لعدم حصول المعرفة التفصيلية لاصول الفقه لديه واجتهاده فيها. إذ مع اجتهاده فيها وقيام الحجة لديه عليها، كيف يسوغ له التقيد بأصول مذهبه والسير ضمن اطاره الخاص، وربما اختلف مع إمام المذهب في أصل من الاصول، وكان لديه مما لا يصلح الاحتجاج به، وما الذي يصنعه إذ ذاك، أيخالف إمام مذهبه فيخرج عن الانتماء إلى ذلك المذهب أم يخالف رأيه فيعمد إلى العمل بغير حجة ؟ 3 - ان جميع ما ذكروه للاجتهاد من تعاريف لا ينطبق على أي قسم من أقسام المقيد، لاخذهم العلم أو الظن بالحكم الشرعي أو الحجة عليه على اختلاف في وجهة النظر في مفهومه. والمجتهد المقيد بأقسامه الاربعة لا ينتهي باستنباطه - إن صح إطلاق كلمة الاستنباط على عمل قسم منهم - إلى الحكم الشرعي، وغاية ما

[ 594 ]

ينتهي إليه هو رأي إمامه فعلا أو تقديرا في كون ما انتهى إليه حكما شرعيا - بحكم ما أعمل من قواعد هذا الامام وأصوله -. أما العلم أو الظن بكونه حكما شرعيا أو وظيفة كذلك، فإن هذا لا يحصل إلا لمن قامت لديه الحجة التفصيلية على ذلك، وهي لا تكون إلا لامام ذلك المذهب نفسه، لا للمستنبط وفق قواعده وأصوله. والحقيقة أن هذا التقسيم اشبه بتقسيم الشئ إلى نفسه والى غيره، وما احسن ما صنعه الاستاذ خلاف حين عد هذه الاقسام الاربعة في فصل عهد التقليد من كتابه (خلاصة التشريع الاسلامي)، وإن كان قد أطلق كلمة الاجتهاد عليهم تسامحا (1). اجتهاد الشيعة مطلق أو منتسب: من رأي ابي زهرة ان اجتهاد الشيعة ليس من قبيل الاجتهاد المطلق، وإنما هو من قبيل الاجتهاد المنتسب لاعتقاده بأنه (رسمت له المناهج من بيان احكام النسخ والعموم، وطريق الاستنباط والتعارض بين الاخبار وحكم العقل، وإن لم يكن نص، وكل هذا يقتضي ان يطبق في اجتهاده لا أن يرسم ويخطط، فهو يسير في اجتهاده على خط مرسوم لا يعدوه ولا يبتعد عنه يمنة ولا يسرة، وبهذا النظر يكون في درجة المجتهد المنتسب (2)). ويرد على هذا الرأي الذي تبناه، وربما شاركه فيه غيره من الاعلام. ما ينطوي عليه من تغافل عن وظيفة الامامة لدى الشيعة، فالذي يبدو أن الاستاذ أبا زهرة، كان يرى في أئمة اهل البيت، انهم مجتهدون في


(1) راجع ص 339 وما بعدها من صفحات هذا الكتاب. (2) الامام الصادق، ص 540. (*)

[ 595 ]

كل ما يأتون به من أحكام، وحسابهم حساب بقية أئمة المذاهب، مع ان الشيعة لا يرون في أئمتهم ذلك، وإنما يرونهم مصادر تشريع يرجع إليها لاستقاء الاحكام من منابعها الاصيلة، ولذلك اعتبروا ما يأتون به من السنة، وقد سبق أن عرضنا أدلتهم على ذلك في (مبحث السنة) فهم من هذه الناحية كالنبي (صلى الله عليه وآله)، والفارق أن النبي يتلقى الوحي من السماء، وهؤلاء يتلقون ما يوحى به إلى النبي من طريقه (صلى الله عليه وآله) وهم منفردون بمعرفة جميع الاحكام فأقوال أهل البيت إذن مصدر من مصادر التشريع لديهم، وهم مجتهدون في حجيتها كسائر المصادر والاصول. ولا أقل من اعتبار اولئك الائمة الاطهار، من قبيل الرواة الذين لا يتطرق إليهم الريب في الرواية، وما اكثر تصريحاتهم - أعني الائمة (عليهم السلام) - بكون ما يأتون به من أحكام، فإنما هو من احاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) التي لا يعدونها بحال وبعضه بإملائه (صلى الله عليه وآله) وبخط علي (عليه السلام) (1)). وعلى هذا فالاصول التي خططوها - إن صح هذا التعبير - فإنما هي من تخطيطات الاسلام نفسه، وقد وصلت إليهم من طريق النبي (صلى الله عليه وآله)، وفي بعض هذه الاصول تصريح بذلك. أما بقية أئمة المذاهب فهم لا يعدون كونهم من المجتهدين الذين يجوز عليهم الخطأ، ولذا كان ما يأتون به من أصول قابلا للنظر فيه، فلا يكون حجة على الغير. على أن أدلة الشيعة على الحجج - على اختلافها - لم تقتصر على أحاديث اهل البيت - وهم عدل الكتاب - بل تجاوزتها إلى الكتاب العزيز، والسنة النبوية، والسيرة القطعية، وبناء العقلاء، وحكم العقل،


(1) راجع رجال النجاشي، ص 455 ترجمة محمد بن عذافر. (*)

[ 596 ]

وغيرها - على اختلاف في صلوح بعضها - للاستقلال بالدليلية أو الانتظام ضمن غيره من الاصول. وقد مرت علينا نماذج من أصولهم وأدلتهم عليها في هذا الكتاب وليس في الكثير منها قول للامام لتصح نسبة تخطيطها إليه. ولهذا نرى ان مجتهدي الشيعة لا يسوغون نسبة أي رأي يكون وليد الاجتهاد إلى المذهب ككل، سواء كان في الفقه أم الاصول أم الحديث، بل يتحمل كل مجتهد مسؤولية رأيه الخاص. نعم ما كان من ضروريات المذهب يصح نسبته إليه. والحقيقة ان تسمية الشيعة مذهبا في مقابل بقية المذاهب لا أعرف له أساسا ما داموا لا يعتبرون ما يأتي به أئمتهم عاكسا لآرائهم الخاصة، وإنما هو تعبير عن واقع الاسلام من أصفى منابعه، فهم في الحقيقة مجتهدون ضمن اطار الاسلام، وهو معنى الاجتهاد المطلق. وإنكار أبي زهرة لهذه الصفة في أئمتهم، ومناقشته لبعض ما جاءوا به من أدلة على عصمتهم، وكونهم من مصادر التشريع لا يخرج مجتهدي الشيعة - عن كونهم مجتهدين مطلقين - حتى مع فرض الخطأ فيهم - كمجتهدين - لان اختلاف ابي حنيفة، مثلا، مع الشافعي في بعض أصوله، لا يخرجه عن كونه مجتهدا مطلقا ما دام ابو حنيفة مؤمنا بمصدره التشريعي.

[ 597 ]

خاتمة المطاف القسم الاول الاجتهاد (5) الاجتهاد بين الانسداد والانفتاح سد باب الاجتهاد، بواعثه وعوامله، أدلة حجيته: الاستدلال بالاجماع ومناقشته، انضباط المذاهب وكثرة الاتباع ومناقشتهما، الشيعة وفتح باب الاجتهاد.

[ 599 ]

سد باب الاجتهاد: وأرادوا به حضر الاجتهاد بعد ان تم غلق أبوابه - على يد بعض السلطات على جميع المكلفين - وحصر الرجوع إلى خصوص المذاهب الاربعة. بواعثه وعوامله: وقد أرجع الاستاذ عبد الوهاب خلاف ذلك إلى عوامل أربعة (1) نشير إلى اهم خطوطها وهي: 1 - انقسام الدولة الاسلامية إلى عدة ممالك، وتناحر ملوكها ووزرائها على الحكم مما اوجب انشغالهم عن تشجيع حركة التشريع، وانشغال العلماء تبعا لذلك بالسياسة وشؤونها. 2 - انقسام المجتهدين إلى احزاب لكل حزب مدرسته التشريعية وتلامذتها، مما دعا إلى تعصب كل مدرسة لمبانيها الخاصة أصولا وفروعا وهدم ما عداها (حتى صار الواحد منهم لا يرجع إلى نص قرآني أو حديث إلا ليلتمس فيه ما يؤيد مذهب إمامه ولو بضرب من التعسف في الفهم والتأويل). (وبهذا فنيت شخصية العالم في حزبيته، وماتت روح استقلالهم العقلي، وصاروا الخاصة كالعامة اتباعا ومقلدين (2)). 3 - انتشار المتطفلين على الفتوى والقضاء، وعدم وجود ضوابط لهم، مما ادى إلى تقبل سد باب الاجتهاد في اواخر القرن الرابع وتقييد المفتين والقضاة باحكام الائمة حيث عالجوا الفوضى بالجمود.


(1 - 2) خلاصة التشريع الاسلامي، ص 341 وما بعدها. (*)

[ 600 ]

4 - شيوع الامراض الخلقية بين العلماء والتحاسد والانانية (فكانوا إذا طرق أحدهم باب الاجتهاد فتح على نفسه أبواب التشهير به، وحط اقرانه من قدره، وإذا افتى في واقعة برأيه قصدوا إلى تسفيه رأيه وتفنيد ما افتى به بالحق وبالباطل، فلهذا كان العالم يتقي كيد زملائه وتجريحهم بأنه مقلد وناقل، لا مجتهد ومبتكر، وبهذا ماتت روح النبوغ ولم ترفع في الفقه رؤوس وضعفت ثقة العلماء بانفسهم وثقة الناس بهم (1)). وهناك عامل خامس، كاد أن يسد باب الاجتهاد عند الشيعة الامامية بالخصوص في القرن الخامس الهجري، وهو عظم مكانة الشيخ الطوسي وقوة شخصيته التي صهرت تلامذته في واقعها، وأنستهم أو كادت شخصياتهم العلمية، فما كان احد منهم ليجرؤ على التفكير في صحة رأي لاستاذه الطوسي أو مناقشته. وقد قيل ان ما خلفه الشيخ الطوسي من كتب الفقه والحديث، كاد أن يستأثر في عقول الناس فيسد عليها منافذ التفكير في نقدها ما يقارب القرن (2). وقد كان لموقف ابن ادريس، وهو من اكابر العلماء لدى الامامية، فضله الكبير في إعادة الثقة إلى النفوس وفسح المجال أمامها لتقييم هذه الكتب ونقدها والنظر في قواعدها. ولولا موقفه المشرف إذ ذاك، لكان الاجتهاد إذ ذاك ضحية من ضحايا التقديس والفناء في العظماء من الناس. وهذه العوامل التي ذكرها الاستاذ خلاف، وإن كان أكثرها لا يخلو من اصالة، إلا انها لا تقوى على تكوين العلة التامة لهذا الحضر. * (هامش) (1) خلاصة التشريع، ص 342. (2) محمود الشهابي مقدمة فوائد الاصول. (*)

[ 601 ]

والظاهر ان سياسة تلكم العصور كانت تخشى من العلماء ذوي الاصالة في الرأي والاستقامة في السلوك - وهم لا يهادنون على ظلم ولا يصبرون على مفارقة - فأرادت قطع الطريق على تكوين أمثالهم بإماتة الحركة الفكرية من أساسها، وذلك بسدها لاهم منبع من منابعها الاصيلة وهو الاجتهاد. أدلة حجيته: والغريب ان نجد في المتأخرين عن ذلك العصر من يحاول التبرير الشرعي لجملة هذه التصرفات، بالتماس أدلة توجب هذا الحضر وتلزم باستمراره. يقول صاحب الاشباه: (الخامس مما لا ينفذ القضاء به ما إذا قضى بشئ مخالف للاجماع وهو ظاهر، وما خالف الائمة الاربعة مخالف للاجماع، وإن كان منه خلاف لغيره فقد صرح في التحرير ان الاجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للاربعة، لانضباط مذاهبهم وكثرة أتباعهم (1)). وقد رأينا في المتأخرين من يوافقه على هذا الحكم كالشيخ محمد عبد الفتاح العناني رئيس لجنة الفتيا في الازهر الشريف وزملائه في اللجنة (2). والادلة التي ذكرها صاحب الاشباه هي: 1 - الاجماع. 2 - انضباط المذاهب الاربعة وكثرة أتباعهم.


(1) الاجتهاد في الشريعة للمراغي، ص 357 من مجلة رسالة الاسلام س 1 ج 3 نقلا عنه. (2) عبد المتعالي الصعيدي في كتابه (من أين نبدأ)، ص 114. (*)

[ 602 ]

1 - الاستدلال بالاجماع ومناقشته: وقد نسب ابن الصلاح هذا الاجماع إلى المحققين (1) لا إلى المجتهدين، وهذا طبيعي لافتراضه قيام الاجماع بعد انسداد باب الاجتهاد. وقد ناقش الشيخ المراغي (وهو من دعاة حرية الفكر) هذا الاجماع صغرى وكبرى. أما مناقشته من وجهة صغروية فقد شكك في امكان تحصيل هذا الاجماع، وقال: (ان محققي العلماء يرون استحالة الاجماع ونقله بعد القرون الثلاثة الاولى نظرا لتفرق العلماء في مشارق الارض ومغاربها، واستحالة الاحاطة بهم وبآرائهم عادة). (وهذا رأي واضح كل الوضوح لا يصلح لعاقل ان ينازع فيه، وإذا كان هذا واضحا بالنسبة لاجماع المجتهدين، وهم أقل عددا بلا ريب من المحققين، فكيف عرف اجماع المحققين (2)). ثم تساءل بعد ذلك عن قيمة ابن الصلاح مدعي هذا الاجماع ومدى صلاحيته للاخذ برأيه (ابن الصلاح هذا فقيه مقلد، فكيف يؤخذ برأي فقيه مقلد ليس واحدا من الائمة الاربعة، وكيف ينسخ الاجماع برأي واحد لا يصح تقليده والاخذ بقوله (3)) ؟ وأما مناقشته من وجهة كبروية فقد انصبت على إنكار الدليل على حجية مثل هذا الاجماع، يقول: (ليس لاجماع المحققين قيمة بين الادلة الشرعية، فهي محصورة: كتاب الله وسنة رسوله، واجماع المجتهدين، والقياس على المنصوص، ولم يعد أحد من الادلة الشرعية اجماع المحققين، فكيف برز هذا الاجماع وأخذ مكانته بين الادلة، وأصبح


(1 - 2 - 3) الاجتهاد في الشريعة للمراغي، ص 357 من رسالة الاسلام س 1 ج 3 نقلا عنه. (*)

[ 603 ]

يقوى على نسخ اجماع المسلمين (1)) ؟ إلى آخر ما جاء في بحثه القيم من مناقشات لقيمة هذا الاجماع. وخلاصة الرأي في ذلك أنا قد استقرأنا فيما سبق في (مبحث الاجماع) أدلة العلماء على حجية الاجماع، فلم نجد فيها ما يشير إلى حجية اجماع المحققين. فالاستدلال اذن بالاجماع في غير موضعه، لعدم قيام الدليل على حجية مثله، على أن الشك في الحجية كاف للقطع بعدمها. 2 - انضباط المذاهب وكثرة الاتباع ومناقشتهما: وهاتان العلتان - سواء أراد بهما التعليل لاصل الحكم أم للاجماع - غريبتان عن الادلة جدا، إذ متى كانت كثرة الاتباع وانضباط المذاهب من الحجج المانعة عن الاخذ بقول الغير، وربما كان الغير أعلم وأوصل إلى الحكم الواقعي، وفتواه موجودة محررة يمكن الحصول عليها، كما إذا كان معاصرا للمستفتى يمكنه الرجوع إليه بسهولة. على أني لا أكاد أفهم - كيف تكون القابليات المبدعة - وقفا على فئة من الناس عاشوا في عصور معينة (ولم يتميزوا في عصورهم بظاهرات غير طبيعية) مع ان طبيعة التلاقح الفكري توجب خلق تجارب جديدة في مجالات الاستنباط، والعقول لا تقف عند حد، فكيف يمكن ان يقال لاصحاب هذه التجارب الذين ملكوا تجارب القدماء ودرسوها وناقشوها وأضافوا عليها من تجاربهم الخاصة: ان هؤلاء القدماء أوصل منكم وأعلم، وعليكم تجميد عقولكم والاخذ


(1) الاجتهاد في الشريعة للمراغي، ص 357 من رسالة الاسلام س 1 ج 3 نقلا عنه. (*)

[ 604 ]

بما يقولون وإن بدت لكم مفارقات ما جاءوا به من آراء. وما أحسن ما قاله الاستاذ المراغي، وهو ينعي على دعاة الجمود موقفهم من حرية الفكر: (ليس مما يلائم سمعة المعاهد الدينية في مصر أن يقال عنها ان ما يدرس فيها من علوم اللغة والمنطق والكلام والاصول لا يكفي لفهم خطاب العرب، ولا لمعرفة الادلة وشروطها، وإذا صح هذا فيالضيعة الاعمار والاموال التي تنفق في سبيلها (1))، ثم يقول: (واني مع احترامي لرأي القائلين باستحالة الاجتهاد، أخالفهم في رأيهم، واقول ان في علماء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيه شروط الاجتهاد وحرم عليه التقليد (2)). والشئ الذي لم أملك تماما توجيهه في كلامه - بعد هذه الدعوة الهادفة - هو قوله: (والواقع أنه في اكثر المسائل التي عرضت للبحث وافتى الفقهاء فيها، لم يبق للمجتهد، إلا اختيار رأي من آرائهم فيها، أما الحوادث التي تجد فهي التي تحتاج إلى آراء محدثة (3)). والذي يوحي به كلامه، أنه فهم من الاجتهاد انه إحداث رأي جديد، وهو لا يكون إلا في الامور المستحدثة لاستيعاب الفقهاء مختلف الاقوال في المسألة المبحوثة غالبا، ووظيفة المجتهد بالنسبة إليها اختيار واحد منها. مع أن الاجتهاد، كما سبق تحديده، ملكة تحصيل الحجج على الاحكام الشرعية أو الوظائف، سواء كانت موافقة لآراء غيره أم مخالفة. وكونهم مستوعبين للاقوال في المسألة، لا يسقط عنه وظيفة اعمال ملكته في مقابلهم، حتى ينتهي إلى الرأي الذي يراه موافقا للحجة من بينها.


(1 - 2 - 3) المراغي في بحثه السابق في رسالة الاسلام، ج 3 س 1 ص 350 وما بعدها. (*)

[ 605 ]

ولماذا يختار رأيا من آرائهم، ألانه يعتقد ان اولئك السابقين أوصل منه وأعرف كيف وأصولهم ومبانيهم بيده: وفيها ما لا يرتضيه لعدم قيام الحجة عنده عليه، ولماذا يفضل رأيا على رأي إذا لم يعمل اجتهاده في مقام التفضيل ؟ الشيعة وفتح باب الاجتهاد: فالحق - كما ذهب إليه الشيعة - هو فتح باب الاجتهاد المطلق، وهو الذي تقتضيه جميع الادلة التي ذكروها على وجوب المعرفة عقلية ونقلية. وهذه الاعتبارات التي ذكروها لعدم الحجية، لا تصلح لايقاف تلكم الادلة ونسخها.

[ 607 ]

خاتمة المطاف القسم الاول الاجتهاد (6) أحكام المجتهد حجية رأيه بالنسبة إلى عمل نفسه فيما لو أعمل ملكته، التفصيل بين المتجزئ وعدمه، جواز افتائه على وفق ما يرتئيه وعدمه، جواز رجوعه إلى الغير مع عدم إعمال ملكته وعدمه.

[ 609 ]

أحكام المجتهد: والحديث حول أحكامه يقع في مواقع ثلاثة: 1 - حجية رأي المجتهد بالنسبة إلى عمل نفسه فيما لو أعمل ملكته. 2 - جواز افتائه على وفق ما يرتئيه وعدمه. 3 - جواز رجوعه إلى الغير - فيما يبتلى به من المسائل - مع عدم إعمال ملكته وعدمه 1 - حجية رأيه بالنسبة إلى عمل نفسه فيما لو اعمل ملكته: والذي يبدو لي - في حدود ما رأيت - ان كلمة الاعلام تكاد تتفق على حجية رأيه ولزوم العمل به، وعدم جواز رجوعه إلى الغير في الجملة - وذلك باستثناء ما مر من آراء ابن الصلاح ومن تبعه. والسر في ذلك واضح بعد ما اتضح من بحوثنا السابقة مفهوم الحجية وكونها من اللوازم العقلية القهرية لطريقية العلم. إذ المجتهد - بناء على ما انتهينا إليه من مفهوم الاجتهاد - إذا أعمل ملكته وانتهى إلى رأي، فهو إما عالم بالحكم الواقعي علما وجدانيا أو علما تعبديا - بواسطة جعل الشارع للطريقية أو الحجية - أو يكون عالما باحدى الوظيفتين الشرعية أو العقلية على نحو ترتبها السابق. ومع فرض حصول العلم لا يبقى مجال للتصرف الشرعي، فلا يمكن ان يقال للمجتهد العالم بالمسألة: إنك لا يسوغ لك ان تعمل بعلمك وعليك الرجوع إلى الغير واستشارته فيما تراه حاصلا لديك من الواقع.

[ 610 ]

نعم للشارع ان يرفع بعض الحجج الموقوفة على جعله أو إمضائه فيذهب عليه المستند إليها. أما مع بقائها وبقاء علمه المستند إليها، فإن الشارع لا يمكن له ان يتصرف فيها لانها كما سبق بيانه - غير واقعة تحت تصرفه كمشرع -، وان وقعت تحت قبضته كخالق، ومكون. ومع هذا الفرض وتماميته لم نعد بحاجة إلى التماس أدلة على الحجية. وربما استدل على جواز تقليده لغيره في هذه الصورة بشمول أدلة التقليد له. ويرد على هذا الاستدلال خروجه عن هذه الادلة بالتخصص لبداهة ان موضوعها قد أخذ فيه عدم العلم - (فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) والسيرة العقلائية إنما قامت على رجوع الجاهل إلى العالم لا العالم إلى مثله. ولا يفرق في هذا الحكم بين رجوعه إلى مثله في المعرفة، أو الاعلم منه لان الاعلمية المفروضة ان أوجبت له تشكيكا في صحة مستنده كأن يكون قد اطلع على وجهة نظره فأقرها، أو أثارت لديه الشكوك، فهو خارج عن الفرض لعدم وصوله إلى الحكم، والكلام إنما هو فيمن أعمل ملكته ووصل إلى الحكم من طريقها، وان لم توجب له التشكيك فيما وصل إليه وبقي مصرا على وجهة نظره، فهو في الحقيقة يرى نفسه أوصل منه في هذه المسألة، فكيف يسوغ له الرجوع إليه. فما أوهم هذا التفصيل في كلمات البعض لا يبدو له وجه. نعم، هناك تفصيل يذكر بالنسبة إلى المتجزئ وعدمه.

[ 611 ]

التفصيل بين المتجزئ وعدمه: والذي يظهر ان القائلين بالتجزى مختلفون على أنفسهم، فبعضهم يرى لزوم رجوع المتجزئ إلى غيره من المجتهدين، كصاحب المعالم ووالده وجده إذا صحت استفادة ذلك من كلامهم، بينما خالفهم العلامة والشهيد وصاحب الكفاية وغيرهم. وقد استدل صاحب الكفاية بعدم اختصاص أدلة المدارك بالمتصف بالاجتهاد المطلق، وأضاف الحجة الرشتي على ذلك بأنه (كيف يرفض ظنه ويأخذ بظن المجتهد المطلق مع انه يخطئه في ظنه، وهل هذا إلا رجوع العالم إلى الجاهل (1)) ؟ والحقيقة انه بعد تسليم إمكان التجزي ووقوعه لا يبقى مجال للقول بعدم الحجية لنفس ما قلناه سابقا من أنه بعد فرض الالتزام بكونه عالما بما قامت عليه الحجة، كيف يمكن ان يقال له: ان علمك ليس بحجة عليك، مع ان الحجية من لوازم العلم القهرية ؟ والذي يظهر من اطلاق الاتفاق في كلمات الغزالي ان عدم جواز رجوعه إلى الغير مطلقا مفروغ منه، يقول في المستصفى: (وقد اتفقوا على انه إذا فرغ من الاجتهاد وغلب على ظنه حكم، فلا يجوز له ان يقلد مخالفه ويعمل بنظر غيره ويترك نظر نفسه (2)). وكذلك الآمدي (3). 2 - جواز افتانه على وفق ما يرتئيه وعدمه: أما جواز افتائه على وفق ما وصل إليه من رأي، فهو أيضا لا يقتضي ان يكون موضعا لاشكال، لما تقدم بيانه من ان من لوازم الحجية


(1) الكفاية وشرحها للشيخ الرشتي، ج 2 ص 351. (2) المستصفى، ج 2 ص 121. (3) أحكام الاحكام، ج 3 ص 158. (*)

[ 612 ]

العقلية جواز نسبة مؤدى ما قامت عليه إلى مصدرها من شارع أو عقل. وليس المراد من الفتوى إلا الاخبار عما يراه من حكم أو وظيفة. والظاهر أن جميع ما ورد من الادلة على جواز الافتاء، يكون من قبيل الارشاد إلى هذا اللازم العقلي، إذ مع فرض كونه من اللوازم العقلية للحجية لا يكون قابلا للوضع أو الرفع. 3 - جواز رجوعه إلى الغير مع عدم إعمال ملكته وعدمه: اختلف الاعلام في جواز الرجوع إلى الغير، مع جهله بالحكم لعدم إعمال ملكته للوصول إليه. فالجبائي لا يسوغ الرجوع لغير الصحابي، ويرى ان تقليده مع ذلك خلاف الاولى، وبه قال الشافعي في رسالته القديمة وجوز بعضهم الرجوع إلى الصحابة والتابعين دون من عداهم (1)، وفصل محمد بن الحسن بين الاعلم وغيره، فأجاز تقليد الاعلم دون غيره ممن هو دونه أو مثله، كما فصل قوم بين ما يخصه وما يفتي به، فأجازوا في الاول ومنعوا في الثاني، وهناك تفصيل آخر فيما يخصه بين ما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد، وما لا يفوت حيث أجيز في الاول ومنع في الثاني (2)، بينما اطلق الجواز كل من: احمد بن حنبل، واسحق بن راهوية، والثوري، ولابي حنيفة روايتان (3). والعمدة في هذا المجال التماس أدلة جواز التقليد والنظر في عمومها أو اطلاقها لشمول مثله.


(1) اقرأ هذه الاقول في احكام الاحكام للآمدي، ج 3 ص 158. (2) اقرأ هذه التفصيلات في المستصفى، ج 2 ص 122. (3) الآمدي في الاحكام، ج 3 ص 158. (*)

[ 613 ]

وعمدة الادلة كما يأتي بناء العقلاء الممضى قطعا من قبل الشارع، ولعل في أمثال آيتي النفر وسؤال أهل الذكر، ما يكفي لاثبات ذلك الامضاء. والظاهر ان بناء العقلاء، إنما يفرق بين خصوص القادر على اعمال ملكته وعدمه. فالقادر على اعمالها لسعة الوقت وتوفر أدوات البحث، لا يرى معذرا له في ترك اعمالها لعدم انطباق عنوان الجاهل عليه، وهو إنما يقر رجوع الجاهل إلى العالم لا غير. ولكنه يجيز لغير القادر ذلك، فالطبيب الذي يصاب ببعض العوارض ويخشى على نفسه من فوات الفرصة فيما لو أراد ان يعمل ملكته لفقده بعض أدوات عمله، يرجع عادة إلى استشارة طبيب آخر يثق بمعارفه. وهكذا بالنسبة إلى المتدرج في إعمال ملكته، ولنفرضه جديد عهد بالملكة. فلو قدر لمثل هذا ان لا يصدر إلا عن هذه الملكة، لتعذر عليه استيعاب جميع تكاليفه وبخاصة إذا كان هو لا يرى جواز الاحتياط في بعض المسائل، أو كانت مما يتعذر فيها الاحتياط. فالذي يقتضيه بناء العقلاء على هذا الرجوع إلى الغير لتحصيل المؤمن فيما يقدم عليه أو يتركه من اعمال. وممن اختار هذا التفصيل المحقق القمي صاحب القوانين المحكمة حيث قال - بعد ان عرض رأي المانعين مطلقا -: (ودليل المانع وجوب العمل بظنه، إذا كان له طريق إليه اجماعا، خرج العامي بالدليل وبقي الباقي، (وفيه) منع الاجماع فيما نحن فيه، ومنع التمكن من الظن مع ضيق الوقت، فظهر ان الاقوى الجواز مع التضييق، واختصاص

[ 614 ]

الحكم به (1)). والظاهر من الجواز هنا الجواز بالمعنى العام في مقبال المنع لا الاباحة، لتعين الرجوع إلى الغير في هذا الفرض. وإذا صح هذا اتضحت أوجه المناقشة في جميع تلكم الاقوال، إذ لا دليل عليها، وغاية ما يدل عليه دليل الجواز هو هذا المقدار وليس في الادلة كل هذه التفصيلات التي ذكروها، فلا حاجة إلى الاطالة بردها.


(1) القوانين المحكمة، ج 2 ص 163. (*)

[ 615 ]

خاتمة المطاف القسم الاول الاجتهاد (7) التخطئة والتصويب الخلاف في مسألة التخطئة والتصويب، القول بالتصويب والخلاف فيه، التصويب الاشعري ومناقشته، التصويب المعتزلي ومناقشته، القول بالتخطئة وحجيته، القول بالمصلحة السلوكية ومناقشته.

[ 617 ]

الخلاف في مسألة التخطئة والتصويب: وقد اختلفوا في ان المجتهد مصيب دائما في كل ما تنهي إليه حججه، أو انه قابل للخطأ. والاقوال في التخطئة والتصويب ثلاثة: قول بالتصويب، وقول بالتخطئة، وثالث أخذ منهما معا بعض جوانبهما. 1 - القول بالتصويب والخلاف فيه: والمصوبة اختلفوا على أنفسهم، فالذي عليه محققو المصوبة كما يقول الغزالي: (انه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن بل الحكم يتبع الظن، وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه وهو المختار، واليه ذهب القاضي وذهب قوم من المصوبة إلى ان فيه حكما معينا يتوجه إليه الطلب، إذ لا بد للطلب من مطلوب، لكن لم يكلف المجتهد اصابته، فلذلك كان مصيبا وان أخطأ ذلك الحكم المعين الذي لم يؤمر باصابته، بمعنى أنه أدى ما كلف فأصاب ما عليه (1)). وقد عرف القسم الاول من التصويب على ألسنة بعض الباحثين من الاصوليين بالتصويب الاشعري، كما عرف القسم الثاني بالتصويب المعتزلي (2). التصويب الاشعري ومناقشته: وقد أطال الغزالي بتقريبه ودفع ما أورد عليه من الشبه، وكل ما جاء به لا يخلو من خلط بين الاحكام في مرحلة الجعل والاحكام في مرحلة


(1) المستصفى، ج 2 ص 109. (2) فوائد الاصول، ج 1 ص 142. (*)

[ 618 ]

التبليغ وبينهما وبين الاحكام في مرحلة الفعلية. كما وقع في مفارقه ان احكام الشارع هي خطاباته، مع ان الخطابات احدى مبرزات احكامه لا انها عين الاحكام، ولا منافاة بين ان يكون هناك حكم ولا يكون خطاب به. وبهذا ندرك أوجه المفارقة في كلامه الذي لخص به وجهة نظره حيث قال: (والكلام الكاشف للغطاء عن هذا الكلام المبهم هو أنا نقول: المسائل منقسمة إلى ما ورد فيها نص والى ما لم يرد). (أما ما ورد فيه نص، فالنص كأنه مقطوع به من جهة الشرع، لكن لا يصير حكما في حق المجتهد إلا إذا بلغه وعثر عليه، أو كان عليه دليل قاطع يتيسر معه العثور عليه إن لم يقصر في طلبه، فهذا مطلوب المجتهد وطلبه واجب، وإذا لم يصب فهو مقصر آثم). (أما إذا لم يكن إليه طريق متيسر قاطع، كما في النهي عن المخابرة وتحويل القبلة قبل بلوغ الخبر، فقد بينا ان ذلك حكم في حق من بلغه لا في حق من لم يبلغه، لكنه عرضة ان يصير حكما فهو حكم بالقوة لا بالفعل، وإنما يصير حكما بالبلوغ أو تيسر طريقه على وجه يأثم من لا يصيبه، فمن قال في هذه المسائل حكم معين لله تعالى، وأراد به انه حكم موضوع ليصير حكما في حق المكلف إذا بلغه، وقبل البلوغ وتيسر الطريق ليس حكما في حقه بالفعل بل بالقوة فهو صادق، وإن أراد به غيره فهو باطل). (أما المسائل التي لا نص فيها فيعلم انه لا حكم فيها، لان حكم الله تعالى خطابه، وخطابه يعرف بأن يسمع من الرسول أو يدل عليه دليل قاطع من فعل النبي عليه السلام أو سكوته، فإنه قد يعرفنا خطاب الله من غير غير استماع صيغة، فإذا لم يكن خطاب لا مسموع ولا مدلول

[ 619 ]

عليه فكيف يكون فيه حكم ؟ فقليل النبيذ إن اعتقد فيه كونه عند الله حراما فمعنى تحريمه انه قيل فيه لا تشربوه، وهذا خطاب والخطاب يستدعي مخاطبا، والمخاطب به هم الملائكة أو الجن أو الآدميون، ولا بد ان يكون المخاطب به هم المكلفون من الآدميين، ومتى خوطبوا ولم ينزل فيه نص، بل هو مسكوت عنه غير منطوق به ولا مدلول عليه بدليل قاطع سوى النطق، فإذن لا يعقل خطاب لا مخاطب به، كما لا يعقل علم لا معلوم له وقتل لا مقتول له، ويستحيل ان يخاطب من لا يسمع الخطاب ولا يعرفه بدليل (1)). ولايضاح مواقع المفارقة في كلامه هذا نضرب المثل في القوانين التي تشرعها الدول والمراحل التي تمر بها وهي ثلاث: 1 - مرحلة التشريع، وهي المرحلة التي ينتزع فيها القانون شرعيته بتصديق البرلمان أو أية جهة مسؤولة عنه، وربما اقتضت المصلحة تأجيل تنفيذه وإبلاغه للمواطنين. 2 - مرحلة التبليغ، أي مرحلة مخاطبة المواطنين به وإلزامهم بالسير على وفقه. 3 - مرحلة الفعلية، اي مرحلة وصول القانون إليهم وتبلغهم به. ومرحلة تنجز التكاليف التي عرض لها القانون هي مرحلة الفعلية، وعلى اساسها يكون الثواب والعقاب، وإلا فمرحلة التشريع أو التبليغ إذا لم يصل الحكم إلى المكلف مع فحصه عنه وعجزه عن العثور عليه، لا تستوجب العقاب لما مر بيانه من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان واصل، وهي قاعدة تطابق عليها العقلاء جميعا، وإذا تم هذا المثل، عدنا إلى تطبيقه على احكام الشارع، فالحديث القائل بما مؤداه: (ما من واقعة


(1) المستصفى، ج 2 ص 116. (*)

[ 620 ]

إلا ولله فيها حكم حتى أرش الخدش)، تشير إلى مقام الثبوت، اي إلى المرحلة الاولى. ومن البديهي ان جميع افعال المكلفين حاضرة لديه تعالى وعالم بما فيه المصلحة منها مما ليس فيه، ومع حضورها لديه في مقام الثبوت، فلا بد وان يكون قد جعل لها حكما. ومرحلة بعث الرسل مرحلة تبليغ لما هو مشرع في مقام الثبوت، وقد تقتضي مصلحة التدرج في التبليغ تأخير تبليغ بعض الاحكام كما وقع ذلك في أول البعثة. أما مرحلة الفعلية فهي مرحلة وصول التكاليف. وبهذا يتضح ان ظنون المجتهدين - لو تمت حجيتها - فهي لا تتعدى دور تنجيز الاحكام وإيصالها إلى المكلفين، اي إعطاء الاحكام صفة الفعلية والوصول، لا أن الشارع يخلق أحكاما على وفقها كما يريد ان يقول الغزالي. ومن هنا تتبين أوجه المفارقة في كلامه، فقوله: (إن ذلك حكم في حق من بلغه لا في حق من لم يبلغه)، إذا أراد به الحكم في مرحلة الفعلية فهو صحيح، وإن أراد به - كما هو ظاهر كلامه - الحكم بما هو حكم صادر من الشارع في مرحلة التشريع فهو مستحيل لاستحالة اخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم نفسه، للزوم الدور لبداهة ان العلم يستدعي معلوما سابقا في الرتبة عليه، إذ لا يعقل، كما يقول هو، ان يكون علم لا معلوم له، فإذا افترضنا ان العلم موقوف على وجود معلومه، وهو الحكم، وافترضنا ان الحكم لا يوجد إلا بعد بلوغه - أي بعد العلم به - لزم الدور بداهة لتوقف كل منهما على الآخر المستلزم لتوقف الشئ على نفسه، وذلك بإسقاط المتكرر منهما، فقولنا: العلم موقوف على الحكم، والحكم موقوف على العلم به ينتج بعد اسقاط المتكرر ان العلم موقوف على العلم، أو الحكم موقوف على الحكم.

[ 621 ]

ومن هنا قالوا باستحالة تقييد الاحكام بخصوص العالمين بها وما يقال عن العلم يقال عن الظن، لان الظن يستدعي افتراض مظنون سابق في الرتبة عليه، فإذا افترض ان الحكم لا حق له كما أفترضه الغزالي - حين قال: (ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن بالحكم يتبع الظن، وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه) - لزم الدور بنفس التقريب السابق. كما تتضح أوجه المفارقة بقوله: (أما المسائل التي لا نص فيها فيعلم أنه لا حكم فيها، لان حكم الله خطابه) وذلك لان مرحلة الخطاب ليست هي مرحلة الجعل، وإنما هي مرحلة إبراز للمجعول. والحقيقة ان دعوى ان أحكام الله تابعة لظنون المجتهدين، دعوى لا يمكن تقبلها بحال أذا أريد منها ظاهرها - وحسبها - بالاضافة إلى ما قدمناه - نسبة تبني كل ما يقع فيه المجتهدون من تناقضات في الاحكام إلى الله عزوجل، واعتبارها أحكاما مجعولة من قبله، على ما في الكثير منها من البعد عن المصالح أو المفاسد الواقعية التي تخطئها ظنون المجتهدين في الكثير من الوقائع عادة. التصويب المعتزلي ومناقشته: وهو الذي نسب إليهم في المصدر السابق (1) كما نسب إلى الشافعي في المستصفى حيث يقول: (أما المصوبة فقد اختلفوا فيه فذهب بعضهم إلى إثباته، واليه تشير نصوص الشافعي رحمه الله، لانه لا بد للطالب من مطلوب، وربما عبروا عنه بأن مطلوب المجتهد الاشبه عند الله تعالى


(1) فوائد الاصول. (*)

[ 622 ]

والاشبه معين عند الله (1))، (لكن المجتهد لم يكلف باصابته، فلذلك كان مصيبا وان أخطأ ذلك المعين الذي لم يؤمر باصابته (2)). وقد وجهت هذه الاصابة بان الامارة عند ما تقوم على حكم تخلق في متعلقه مصلحة مزاحمة لمصلحة الواقع أو مفسدة كذلك وتتغلب عليها على نحو يرتفع حكم المصلحة الواقعية للمزاحمة، ويبقى الحكم الناتج عن الامارة، ويكون مفاد الحجية المجعولة للامارة هو اعتبارها سببا في تبديل الواقع المستلزم لتبدل الحكم تبعا له. وهذا القول - بناء على هذا التوجيه - يرجع إلى القول الاول لانتهائه إلى القول بعزل الاحكام الواقعية من طريق المزاحمة. ويرد عليه: 1 - ان الامارة يستحيل ان تكون سببا في خلق مصلحة في متعلقها، لان الظنون - وهي من الحالات النفسية - لا تسري إلى الواقع الخارجي فتغيره لاختلاف مجاليهما، وليس الظن أكثر من العلم والعلم بالاشياء - إذا لم يصب الواقع - لا يبدل من حقيقة ما قام عليه، فعلمي بعدم وجود زيد مثلا لا يجعله غير موجود إذا كان في واقعه موجودا، وكذا الظن بوجود مفسدة في شئ لا يجعلها موجودة إذا كانت في واقعها غير موجوة وهكذا... 2 - ان أدلة الطرق والامارات - كما سبق فحصها - لا تفيد اكثر من اعتبارها بمنزلة العلم من حيث ترتيب الآثار عليها، والعلم لا يزيد في نظر العقلاء عن كونه كاشفا عن متعلقه، وفوائد جعلها لا تتجاوز المنجزية أو المعذرية.


(1) المستصفى، ج 2 ص 116. (2) أصول الفقه للخضري، ص 336. (*)

[ 623 ]

القول بالتخطئة وحجيته: وهو الذي ذهب إليه الشيعة وجمهور من المسلمين من غيرهم، وربما كان هو الرأي السائد اليوم. وفحواه ان الاحكام الواقعية المجعولة من قبل الشارع لما كانت مستوعبة لجميع أفعال المكلفين، وكانت الطرق والامارات والاصول المحرزة المجعولة من قبله لا وظيفة لها إلا تنجيز متعلقها، أو التماس المعذرية لمن قامت عنده كان قيام الامارة وغيرها كعدمه لا يبدل في الواقع ولا يغير، والواقع يبقى على حاله فإن أصابه المجتهد كان مصيبا، وإلا فهو مخطئ معذور. وتسمية ما قامت عليه الامارة أو الاصل بالحكم الظاهري إنما هي (لمكان احتمال مخالفة الطريق والاصل للواقع وعدم إيصاله إليه، وإلا فليس الحكم الظاهري إلا هو الحكم الواقعي الذي قامت عليه الامارات والاصول مطلقا محرزة كانت الاصول أو غير محرزة، وهذا هو الذي قام عليه المذهب، ويقتضيه أصول المخطئة (1)). والظاهر ان أدلة الامارات والاصول التي سبق عرضها هي التي تقتضي ما ذهب إليه المخطئة، إذ لا تدل على اكثر من المنجزية أو المعذرية. القول بالمصلحة السلوكية ومناقشته: وهو الذي أخذ من التخطئة والتصويب معا، وقد ذهب إليه الشيخ الانصاري حيث التزم بالطريقية بالنسبة إلى مفاد أدلة حجية الطرق والامارات من دون ان يكون هناك أي تصرف في المتعلق يزاحم به الواقع المجهول بحق الجاهلين والعالمين على السواء، كما التزم بسببية الامارة


(1) فوائد الاصول، ج 1 ص 142. (*)

[ 624 ]

لخلق مصلحة في نفس السلوك لا في المتعلق (وتلك المصلحة مما يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع (1)). فهو آخذ من المخطئة التزامهم بجعل الطريقية للطرق والامارات، ومن المصوبة كونها سببا في خلق المصلحة. وأهم ما يورد به على هذه الفكرة عدم نهوض الادلة بها، لان هذه الادلة التي تقدم الحديث عنها في أكثر الابواب السابقة، ليس فيها ما يشير إلى اكثر من جعل الطريقية أو الحجية لما قامت عليه، أما خلق مصلحة في السلوك فلم تتعرض له بقليل أو كثير، وقد قرب بعض الاساتذة رجوعها إلى التصويب المعتزلي وحملها بعض مفارقاته، وليس المهم تحقيق ذلك بعد ان كانت الادلة ليست ناهضة بأكثر من جعل الطريقية لها.


(1) فوائد الاصول، ص 37. (*)

[ 625 ]

خاتمة المطاف القسم الاول الاجتهاد (8) نقض الاجتهاد وعدمه تحديده، النقض والقاعدة، الخلاف في المسألة، أدلة القائلين بالاجزاء في مقام العمل، أدلة نفي الحرج، دعوى ان الاجتهاد الاول كالثاني، القول بأن القضية الواحدة لا تتحمل اجتهادين، دعوى الاجماع على الاجزاء، القول بالاجزاء في مقام الحكم، عدم النقض والتسلسل، الاستدلال بقول عمر بن الخطاب، نتيجة البحث.

[ 627 ]

تحديده: ويراد بنقض الاجتهاد تحول المجتهد عن رأي سابق انتهى إليه باجتهاد إلى رأي آخر مضاد له اقتضاه اجتهاد لاحق بعد تبين الخطأ له في اجتهاده الاول، ويتصور هذا النقض وتبدل الرأي في مقامين: 1 - مقام العمل والافتاء. 2 - مقام القضاء وفض الخصومات. وقد حررت هذه المسألة في كتب الاصوليين من الشيعة في مباحث الالفاظ وعرض لها مفصلا في (مبحث إجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي). وقد وقع الخلاف بين الاعلام فيها، وقبل ان نعرض لتفصيل والتماس أدلتها، نود ان نتحدث عما تقتضيه القواعد الاولية في هاتين المسألتين. النقض والقاعدة: والذي يقتضي ان يقال ان القاعدة مرتبة على المباني السابقة في مسألة التخطئة والتصويب، ومقتضاها الاختلاف باختلافها. فالقائلون بالتصويب بمفهومه الاول - أعني تصويب الغزالي والقاضي - لا بد ان يلتزموا بالاجزاء وعدم جواز النقض مطلقا، بل لا معنى للقول بجواز النقض لعدم وجود موضوع له على مبناهم. لان مثل هؤلاء لا يعقل انكشاف الخطأ بالنسبة إليهم لعدم التزامهم بوجود واقع يمكن للمجتهد ان يخطئه أو يصيبه فيما لا نص فيه، وتبدل الاجتهاد لديهم - وان استلزم تبدل الحكم - إلا ان ذلك من قبيل تبدل

[ 628 ]

الحكم لتبدل موضوعه لا لانكشاف الخطأ فيه. والقائلون بالتصويب الثاني لا بد وان يلتزموا بالاجزاء أيضا لتصريحهم بأن كل مجتهد مصيب وان أخطأ الواقع، وفي حدود ما وجهنا به كلامهم السابق لا يبقى بعد حصول الاجتهاد وخلق حكم على وفقه، مجال للحكم الواقعي لمزاحمته دائما بالحكم الجديد وتغلبه عليه. وتبدل الاجتهاد لديهم يكون كسابقه من قبيل تبدل الموضوع، لا من قبيل انكشاف الخطأ فيه. أما على رأي الشيخ الانصاري من الالتزام بالتخطئة والمصلحة السلوكية فالذي يقتضيه الالتزام به، هو القول بعدم الاجزاء لاعترافه بأن المصلحة السلوكية لم تصنع شيئا اكثر من تعويض المكلف عما يفوته من المصلحة بسبب سلوك ما جعله الشارع له من الطرق والامارات. اما الواقع فهو على حاله غير مزاحم بشئ نهائيا، ومع خطأ الطريق الاجتهادي لم يفت المكلف اكثر من مصلحة الوقت في الموقتات مثلا، وقد عوض عنها بالمصلحة السلوكية. ولكن مصلحة الواقع - مع إمكان تداركها - باقية لم يفت منها عليه شئ، وعليه الاتيان بها على كل حال. ومن هنا تتضح القاعدة على رأي المخطئة، إذ مع التزامهم بوجود الاحكام الواقعية وانكشاف خطأ الاجتهاد الاول وعدم تنازل الشارع عن حكمه لعدم جعله في الطرق والامارات والاصول، اكثر من الطريقية أو الحجية، وهي لا تفيد غير المنجزية عند المصادفة للواقع، والمعذرية عند عدمها. ومع هذا الفرض فلا بد من القول بعدم الاجزاء. هذا كله من حيث القاعدة، وهي لا تفرق بين المقامين: مقام العمل

[ 629 ]

والافتاء، ومقام القضاء وفض الخصومة، كما لا تفرق بين الاحكام الوضعية والتكليفية. الخلاف في المسألة: ولكن بعض العلماء فرقوا بين مقامي الحكم والافتاء فالتزموا بعدم جواز النقض في الاول وجوازه في الثاني كالغزالي وغيره (1). كما فرق الشيخ النائني فيما يبقى له اثر - بعد انكشاف الخطأ بالاجتهاد الثاني - بين العبادات من الاحكام التكليفية وغيرها كالاحكام الوضعية، فالتزم بالاجزاء بالنسبة إلى العبادات وعدمه بالنسبة إلى غيرها (2). وهناك من أطلق القول من الاعلام - فيما يبدو - بالاجزاء استنادا إلى أدلة خاصة ذكروها. أدلة القائلين بالاجزاء في مقام العمل والافتاء: وقد ذكروا لذلك أدلة أربعة هي: 1 - أدلة نفي الحرج: أمثال قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج (3)). بدعوى أن مقتضى لسانها، هو حكومتها على الادلة الاولية بتضييق نطاقها عن شمول ما كان حرجيا من الاحكام. وبما أن الحكم بعدم الاجزاء هنا حرجي، فهو غير مجعول على المكلفين في هذا الحال.


(1) المستصفى، ج 2 ص 120، والخضري في أصول الفقه، ص 368. (2) أجود التقريرات، ج 1 ص 206. (3) الحج / 78 (*)

[ 630 ]

ويرد على هذا الاستدلال: أن هذه الادلة إنما تتم حكومتها في المقام إذا كان مفادها هو نفي الحرج النوعي، وإلا لكانت اضيق من المدعى، لبداهة ان القول بعدم الاجزاء لا يستلزم الحرج الشخصي في جميع مسائله. ومفاد هذه الادلة - كما هو التحقيق فيها - هو رفع الحرج الشخصي لا النوعي - وهو الذي تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع - وعليه فلا تصلح هذه الادلة لتأخير القاعدة، إلا في موارد الحرج الشخصي، وهي قليلة نسبيا. 2 - دعوى ان الاجتهاد الاول كالثاني: فلا موجب لرفع اليد عنه بالاجتهاد الثاني، والقول بعدم الاجزاء لا يتم إلا برفع اليد عن الاجتهاد الاول. ويرد على هذه الدعوى: انها إنما تتم إذا كان كلا الاجتهادين حجة، وهذا ما لا يعقل ان يكون، لان معنى اجتهاده الثاني هو قيام الحجة لديه على بطلان اجتهاده الاول لاكتشافه خللا فيه، كأن يكون قد أفتى أولا - استنادا إلى اطلاق أو عموم - ثم عثر بعد ذلك على مقيد أو مخصص له، وليس من الممكن ان يبقى العام على حجيته حتى مع العثور على المخصص أو المقيد أو يكون قد استند في اجتهاده السابق على رواية كان يعتقد صحتها ثم تبين له كذب راويها، وهكذا... ومع هذا الحال كيف يلتزم بعدم ترجيح الاجتهاد الثاني في صورة معارضته له مع انه لا يعدو - في واقعه - باب التعارض بين الحجة واللاحجة لا التعارض بين الحجتين، ومن المعلوم لزوم الاخذ بما هو الججة منهما بالضرورة.

[ 631 ]

3 - القول بأن القضية الواحدة لا تتحمل اجتهادين: وهو الذي نسب إلى صاحب الفصول (1). والذي يؤخذ به عدم وضوح منشأ المفارقة التي سجلها بهذا القول. فهو ان أراد منها ان القضية لا تتحمل اجتهادين مع بقاء حجيتهما للزوم التناقض وشبهه في مدلوليهما، فهو وان كان صحيحا، إلا أن القائلين بعدم الاجزاء لا يلتزمون ببقاء الحجية لهما معا، لبداهة انكشاف الخلل في الاجتهاد الاول المانع من حجيته. وان أراد - كما هو ظاهر كلامه - ان طبع القضية الواحدة يأبى ورود اجتهادين عليه من مجتهد واحد، فهو وان كان مع وحدة الزمان صحيحا أيضا، إلا أنه خارج عن الفرض لافتراضهم تأخر الاجتهاد الثاني عن الاول زمانا. ومع تعدد الزمان لا تأبى القضية الواحدة ألف اجتهاد وما أكثر ما تتبدل آراء المجتهدين في المسألة الواحدة. 4 - دعوى الاجماع على الاجزاء: وقد حكاه شيخنا النائني (2)، واستند إليه في القول بالاجزاء في خصوص العبادات باعتباره القدر المتيقن من مورده، وجزم بخروج الاحكام الوضعية عن المورد لاعتقاده ان فتوى جماعة في الاجزاء فيها (إنما هي لاجل ذهابهم إلى كون الاجزاء هو مقتضى القاعدة الاولية لا لاجل الاجماع على ذلك (3)). - وقد نوقشت هذه الدعوى بانكار وجود اجماع تعبدي في جميع


(1) أجود التقريرات، ج 1 ص 205. (2 - 3) فوائد الاصول، ج 1 ص 146. (*)

[ 632 ]

صور المسألة، (والقائل بالاجزاء انما ذهب إليه لدلالة الدليل عليه باعتقاده). (وعليه فلا مقتضى لرفع اليد عما تقتضيه القاعدة الاولية من لزوم الاعادة والقضاء في العبادات بعد انكشاف الخلاف، ولزوم ترتيب جميع آثار انكشاف الخلاف في المعاملات (1)). وبهذا يتضح ان تفصيل شيخنا النائني لا يمكننا الالتزام به ورفع اليد عن القاعدة إلا إذا تم الاجماع، والقضية تحتاج إلى الفحص في كل مسألة مسألة فقهية، لا الحكم فيها ككل. القول بالاجزاء في مقام الحكم: أما مقام الحكم وفض الخصومات فقد يضاف إلى تلك الادلة على عدم جواز النقض، ما تشعر به بعض الروايات من ان لحكم الحاكم موضوعية إذ اعتبرت الراد عليه رادا على الله (وهو على حد الشرك بالله (2)) من دون ان تفرق بين كون الرد ونقض الاجتهاد مبنيا على اجتهاد أو غيره. ويرد على هذا الاستدلال: ان إثبات هذا الاطلاق لا يخلو من صعوبة لعدم إحراز كونه في مقام البيان من هذه الجهة، بل قد يقال بعدم إمكان شموله له عادة، إذا مع استكشاف المجتهد ان حكمه الاول كان بغير ما أنزل الله، فكيف يحتمل وجوب قبوله وحرمة رده ؟ ويكون الراد عليه رادا على الله، مع ان رده هذا كان أخذا بحكم الله بحسب عقيدته. على ان استفادة الموضوعية لحكم الحاكم لا تتجاوز في تلكم الروايات


(1) أجود التقريرات (هامش)، ج 1 ص 206. (2) مستمسك العروة الوثقى، ج 1 ص 75. (*)

[ 633 ]

حدود الاشعار لا الظهور، بينما يبدو من صحيحة هشام ان حكم الحاكم لا يسري إلى الواقع فيغيره عما هو عليه، يقول هشام - بسنده -: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان، وبعضكم ألحن بحجته من بعض، فأيما رجل اقتطعت له من مال أخيه شيئا فقد قطعت له به قطعة من النار (1)). عدم النقض والتسلسل: وقد استدل الغزالي وتابعه غيره على عدم جواز النقض في الحكم بقوله: (ولو حكم بصحة النكاح حاكم بعد ان خالع الزوج ثلاثا، ثم تغير اجتهاده لم يفرق بين الزوجين، ولم ينقض اجتهاده السابق بصحة النكاح لمصلحة الحكم، فإنه لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد لنقض النقض أيضا ولتسلسل (2)). ويرد على هذا الاستدلال: 1 - ان امتناع التسلسل، إنما يتم إذا تمت الملازمة بينهما، وكانت واقعة في سلسلة العلل والمعلولات، لكنها هنا غير تامة لبداهة ان فعلية نقض الاجتهاد الاول لا تستلزم فعلية نقض النقض لجواز أن يثبت عليه المجتهد - أي النقض - إلى الاخير ولو استلزمتها، فهي من قبيل الملازمات الاتفاقية - أن صح تسميتها ملازمة - لوضوح ان نقض الاجتهاد الاول لا يكون علة لنقض النقض ولا معلولا له، ومع عدم العلية والمعلولية بينهما لا يلزم التسلسل الباطل وما يقال عن فعلية النقض، يقال عن إمكانه لو أراد الملازمة بين


(1) مستمسك العروة الوثقى، ج 1 ص 75. (2) المستصفى، ج 2 ص 120. (*)

[ 634 ]

الامكانين، لا بين النقضين الفعليين، فيكون معنى قوله: (لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد لنقض النقض)، انه لو جاز نقض الاجتهاد لجاز نقض النقض إذ التلازم بين الجوازين بالبداهة ليس منشؤه العلية والمعلولية بينهما، فلا يكون باطلا. 2 - ورود هذا الاشكال عليه، نقضا لالتزامه بجواز النقض في مقام الافتاء يقول: (اما إذا نكح المقلد بفتوى مفت، وأمسك زوجته بعد دور الطلاق وقد نجز الطلاق بعد الدور، ثم تغير اجتهاد المفتي، فهل على المقلد تسريح زوجته، هذا ربما يتردد فيه، والصحيح أنه يجب تسريحها كما لو تغير اجتهاد مقلده عن القبلة في اثناء الصلاة، فإنه يتحول إلى الجهة الاخرى، كما لو تغير اجتهاده في نفسه (1))، مع أن لزوم التسلسل - على مبناه - فيه واضح لجواز أن يقال: لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد لنقض النقض أيضا ولتسلسل... الخ وقد وقع بالمفارقة نفسها بعض المتأخرين، كالاستاذ الخضري (2). الاستدلال بقول عمر بن الخطاب: وقد استدل البعض على عدم جواز النقض بما أثر عن عمر بن الخطاب في المسألة الحجرية المعروفة في علم الميراث (وهي ما إذا وجد مع الاثنين، فأكثر من أولاد الام أخ شقيق فأكثر بالانفراد، ومع أخت شقيقة فأكثر واستغرقت الفروض كل التركة بأن وجد مع هؤلاء زوج وصاحبة سدس كالام والجدة الصحيحة (3)) حيث قضى (بعدم توريث أولاد الابوين، ولما عرضت عليه المسألة مرة أخرى قضى باشراكهم مع


(1) المستصفى، ج 2 ص 120. (2) أصول الفقه، ص 368. (3) سلم الوصول، ص 343. (*)

[ 635 ]

أولاد الام في فرضهم الثلث، ولما قيل له سبق ان قضيت بعدم اشراكهم قال ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي (1)). وهذا الاستدلال لا يتم: 1 - لمعارضته بما أثر عن عمر نفسه في كتابه إلى أبي موسى الاشعري قاضيه على الكوفة (ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه نفسك وهديت فيه إلى رشدك ان ترجع إلى الحق فان مراجعة الحق خير من التمادي على الباطل (2)). 2 - ان الاستدلال بقول عمر لا يكون حجة لما قلناه من ان إثبات الحجية لقول الصحابي لا تتم لعدم تمامية الدليل عليها، وقد سبق ان عرضنا الادلة التي استدل بها على كونه من السنة (في مبحث سنة الصحابة) وناقشناه، كما عرضنا أدلة من يريد إثبات الحجية له على أي حال (في مبحث مذهب الصحابي) وناقشناها هناك. نتيجة البحث: والنتيجة ان القاعدة تقتضي عدم الاجزاء في الجميع، ولا يخرج عنها إلا بدليل خاص، ولو وجد فهو خاص في مورده. أما الادلة العامة فليس فيها ما يصلح لتعطيل القاعدة في جميع الموارد.


(1 - 2) سلم الوصول، ص 343. (*)

[ 637 ]

خاتمة البحث القسم الثاني التقليد (1) مفهومه وحجيته تحديده لغة واصطلاحا، الخلاف في حجيته، رأي الحشوية والتعليمية، رأي علماء حلب والقدرية، حجية جواز التقليد، الغزالي واستدلاله.

[ 639 ]

تحديده لغة واصطلاحا: التقليد في اللغة جعل القلادة في العنق، ومنه التقليد في حج القران، أي جعل القلادة في عنق البعير. وقد عرف في اصطلاح الاصوليين والفقهاء بتعاريف متعددة، ربما التقت جملة منها في بعض الخطوط العامة له. ففي المستصفى انه (قبول قول بلا حجة (1))، وفي احكام الاحكام (عبارة عن العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة (2))، وفي العروة الوثقى (هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين وإن لم يعمل بعد (3))، وفي مستمسك العروة الوثقى هو (العمل اعتمادا على رأي الغير (4)). وهذه التعاريف وما يشبهها مختلفة سعة وضيقا، فالغزالي والآمدي أخذا فيه قيد عدم الحجية، بينما أطلق الباقون لتعم تعاريفهم ما قامت عليه الحجة وما لم تقم، وربما استفيد من بعض التعاريف تقييدها، بقيام الحجة عليها، فتكون مباينة لتعريفي الغزالي والآمدي. على ان الاختلاف في هذه التعاريف، لم يقتصر على هذه الناحية، فقد أخذ في بعضها الالتزام بقول الغير في مفهومه، بينما اعتبر البعض الآخر - العمل - فيه اعتمادا على رأي الغير. وقد حاول بعض الاعلام الجمع بينها لاعتقاده رجوع بعضها إلى الآخر واعتبار المراد منها جميعا هو خصوص العمل.


(1) المستصفى ج 2 ص 123. (2) احكام الاحكام، ج 3 ص 166. (3) مستمسك العروة الوثقى، ج 1 ص 8 (متن). (4) مستمسك العروة الوثقى، ج 1 ص 8. (*)

[ 640 ]

ولكن هذا الجمع غير ظاهر، ويأباه ما ذكروه لاختلاف المفهومين من ثمرات فقهية. ومنها ما لو التزم بقول مجتهد ولم يعمل بعد ثم مات المجتهد، فهو على أحد التعريفين مقلد لالتزامه بالعمل على قوله، وعلى الآخر ليس بمقلد لعدم عمله بما التزم به. فلو كنا ممن يقول بلزوم البقاء على تقليد الميت، لكان علينا ان نلزم هذا المكلف بالبقاء على تقليد صاحبه - بناء على المفهوم الاول - لصدق عنوان التقليد على التزامه ونلزمه بتقليد الحي - بناء على المفهوم الثاني - لعدم صدق التقليد على التزامه وذلك لعدم اقترانه بالعمل وعلى وفق آرائه. ولكن النزاع إنما يكون له ثمرة لو كان للفظ التقليد موضع من لسان الادلة ليقال بأن المراد منه أي شئ هو ولكن هذا اللفظ لم يرد - فيما يقال - إلا في رواية ضعيفة لا تصلح لان تكون مستندا لحكم شرعي (1). والذي يستفاد من الادلة هو لزوم التماس المنجز أو المعذر في كل ما يصدر عنه المكلف من فعل أو ترك، فإن حصل المنجز أو المعذر بجهده إجزأه، وإلا لزم عليه الرجوع إلى الغير إذا كان عالما، والاعتماد على قوله. وربما ناسب هذا المعنى تحديد اللغويين له، وكأن المنشأ في تسمية عمل العامي تقليدا، هو ما ينطوي عليه من جعل أعماله قلادة في عنق من يرجع إليه وتحميله مسؤوليتها، وهذا المعنى أجنبي عن الالتزام. ومع غض النظر عن هذه الجهة فالمتبادر من لفظ التقليد عرفا هو المحاكاة للغير في عمله أو تركه لا العمل وحده ولا الالتزام.


(1) وهي الرواية المأثورة عن تفسير العسكري (فللعوام ان يقلدوه) والتفسير المذكور مرمي بالضعف لجهالة رواية عن الامام (عليه السلام) (*)

[ 641 ]

والامر هين ما دام لم يرد لفظ التقليد في الادلة المعتبرة الخلاف في حجيته: والغريب ان تتعاكس فيه الآراء إلى درجة تشبه التناقض فالحشوية والتعليمية يذهبون (إلى ان طريق معرفة إلحق التقليد وان ذلك هو الواجب، وان النظر والبحث حرام (1)) (وقال قوم من القدرية يلزمهم النظر في الدليل (2)) وهو الذي نسب إلى علماء حلب (3) أيضا. وأكثرية المسلمين من الشيعة والسنة على وجوبه تخييرا على اختلاف في اعتبار بعض الشرائط في المفتى سنعرض لها بشئ من الحديث. رأي الحشوية والتعليمية: وربما وافقهم ابن الصلاح ومن تبعه في عهود التقليد من السنة، وقد سبق الحديث منا في مناقشة ما ساقوه من الادلة على لزوم حضر الاجتهاد والرجوع إلى خصوص الائمة الاربعة. أما أصل مبنى الحشوية في حضر الاجتهاد مطلقا في جميع العصور، فلم أعثر على توجيه له. والذي يبدو من عرض الغزالي له في مسألة التقليد الذي عرفه بقبول قول الغير بلا حجة أنهم يحضرون الاجتهاد حتى في مسألة وجوب التقليد عينا ليكون قولهم بلا حجة، وقد أطال في رده في غير طائل - بعد


(1) المستصفى، ج 2 ص 123. (2) المستصفى، ج 2 ص 124. (3) القوانين ج 2 ص 161. (*)

[ 642 ]

افتراضه انه قول بلا حجة - وكان حسبه في رده ان يقول أنه لا دليل على حجيته. ومثل هذا التقليد - بالاضافة إلى عدم قيام الحجة عليه - قيام الادلة القاطعة على الردع عنه، وحسبك ما صرح به الكتاب العزيز من ذمه للمقلدين الذين اعتمدوا أقوال وأعمال آبائهم كمصدر للسلوك وصدروا عن محاكاة له وتقليد، مع ان آباءهم كانوا لا يملكون من المعرفة شيئا. (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آبائنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (1)). ورجوع الجاهل إلى الجاهل هو عين هذا النوع من التقليد. رأي علماء حلب والقدرية: وإذا كان ما نسب إلى التعليمية من حضر الاجتهاد والنظر، مبعث استغراب فإن ما نسب إلى القدرية وعلماء حلب من لزوم الاجتهاد عينا وحرمة التقليد، لا يقل غرابة عن ذلك إذا حمل على ظاهره، وكأنهم أخذوا بظواهر الآيات الرادعة عن التقليد واعتبروها مصدرا لهم. ويرد على هذا الرأي: 1 - ان الآيات منصبة على الردع عن التقليد من غير حجة، أي عن رجوع الجاهل إلى الجاهل، لا رجوع الجاهل إلى العالم، بدليل ما ورد فيها من التبكيت - أو لو كان آباءهم لا يعلمون شيئا - فكأن منشأ المفارقة الذي اقتضى كل هذا التأنيب هو رجوعهم إلى من لا يعلم، أي رجوعهم إلى الجهال والتقليد الذي نذهب إليه، هو التقليد الذي يكون عن حجة ملزمة، أي الذي يكون وليد اجتهاد في أصله وقطع بحجيته.


(1) المائدة / 105. (*)

[ 643 ]

2 - إن فرض الاجتهاد العيني على جميع المكلفين لا يمكن ان يصدر من الشارع المقدس لما يلزم منه من اختلال النظام وشل الحركة الاجتماعية، وما رأيك في أمة تنصرف جميعا إلى التماس الاجتهاد وإعماله في جميع مجالات حياتها، هل يمكن أن تستقيم أمور دنياها بحال من الاحوال، ولا أقل من لزوم العسر والحرج المتناهيين، والدين أيسر واسمح من أن يكلف الامة بمثل هذه التكاليف: (وما جعل عليكم في الدين من حرج). 3 - منافاته لجميع الادلة القادمة على جواز التقليد، وهي أقوى منه وأصرح. وما أدري ما يصنع الناس - على رأي هؤلاء الاعلام قبل بلوغهم مراتب الاجتهاد، أيلزمون بالتقليد، وهو محظور عليهم - كما هو الفرض - أو يعملون بالاحتياط ؟ ! وربما كانوا لا يعرفون موارده أو لا يرون جوازه أو لم يمكن كما في دوران الامر بين المحذورين. والذي أتصوره ان هذه الدعوى لم يرد بها ظاهرها، وربما أرادوا بها لزوم الاجتهاد عينا في أصل مسألة جواز التقليد حذرا من الدور أو التسلسل. وهذا حق لو صح إطلاق كلمة الاجتهاد على الامور البديهية. وقد قلنا في تعريف الاجتهاد: انه لا يطلق إلا على ما كان فيه جهد وبذل وسع. والعامي هنا لا يحتاج إلى بذل أي جهد ليدرك لزوم رجوع الجاهل إلى العالم، وهو يعيشه بواقعه العملي ويصدر عنه في كل يوم.

[ 644 ]

حجية جواز التقليد: وحجية جواز التقليد تكاد تكون بديهيتها، كما أشرنا إليها، إما لكونها فطرية جبلية، كما يعبر صاحب الكفاية (1)، أو لان بناء العقلاء قائم عليها، بل لا يمكن ان يستقيم نظام بدونها ككل، لان وجودها ضرورة لازمة لطبيعة المجتمعات، وإلا - فما أظن - ان مجتمعا من المجتمعات، مهما كانت قيمته الحضارية، يستطيع ان ينهض أفراده بالاستقلال بالمعرفة التفصيلية لكل ما يتصل بحيواتهم دون ان يكون فيهم علماء وجهال - ليرجع جهالهم إلى علمائهم - على نحو يكون كل منهم - مثلا - عالما بالطب والهندسة وأصول الحرف والصناعات، ومستوعبا لجميع أنواع الثقافات بحيث يستغني عن أخذ أي شئ منها. وحتى الامم البدائية لا يمكن ان تتخلى عن هذه الظاهرة نسبيا. والحقيقة ان تسميتها ظاهرة اجتماعية عامة أولى من تسميتها بالبناء العقلائي، لانها قائمة على كل حال، وجد تبان من العقلاء أو لم يوجد. والذي نعلمه ونؤمن به ان مجتمع النبي (صلى الله عليه وآله) ما كان بدعا من المجتمعات لينفرد أفراده بالاستقلال بالمعرفة التفصيلية لمختلف ما يحتاجون التعرف إليه من شؤون دينهم ودنياهم، بحيث كانوا لا يتفاوتون من حيث العلم والجهل ليرجع جهالهم إلى علمائهم، وفيهم من كان يشغله الصفق في الاسواق عن تتبع المعرفة من منابعها. وإذا كانت هذه الظاهرة موجودة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) - وهي موجودة حتما - فهي ممضاة من قبله بإقرارهم عليها، ولو كان هناك تشريع على خلافها لاثر من طريق التواتر - عادة - وهو ما لم ينقل حتى من طريق الآحاد.


(1) الكفاية، ج 2 ص 359 حاشية الرشتي (متن). (*)

[ 645 ]

وما يحتمل ان يكون ردعا من أمثال تلكم الآيات الناهية عن التقليد لا يصلح لاثباته ما دامت صريحة، أو تكاد في الردع عن رجوع الجاهل إلى الجاهل وهو أجنبي عن هذه الظاهرة أو هذا البناء. على ان أمثال آيتي (النفر) و (سؤال أهل الذكر) بناء على ظهورها في التقليد والعشرات من الاحاديث التي أمرت بعض أصحاب الائمة بالتصدي للافتاء، أو أرجعت إلى بعضهم للاستفتاء صريحة في إمضاء هذا البناء ولزوم الاخذ به في الجملة. وهذه الادلة - فيما أعتقد - ليست واردة لجعل حكم تأسيسي ما دام هذا البناء قائما في ذلك العصر، وإنما هي من ادلة الاقرار له، فلا حاجة إلى الدخول في استعراضها ورد ما أثير حول دلالتها من مناقشات. الغزالي واستدلاله: نعم، استدل الغزالي بدليلين لا يرجعان إلى ما ذكرناه من الادلة لا بأس بعرضهما وهما: 1 - (اجماع الصحابة فإنهم كانوا يفتون العوام ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد، وذلك معلوم على الضرورة والتواتر من علمائهم وعوامهم (1)). ويرد عليه ان الاجماع بمفهومه الاصطلاحي أي صدور الفتوى عن الجميع، لا دليل على إثباته، ودعوى ثبوته بالتواتر والضرورة مصادرة. نعم، إذا أراد ان هذه الظاهرة كانت موجودة بينهم بالضرورة فهو صحيح، ولا إشكال فيه ولكنها ليست إجماعا بالمعنى المصطلح. 2 - (ان الاجماع منعقد على ان العامي مكلف بالاحكام، وتكليفه طلب رتبة الاجتهاد محال لانه يؤدي إلى ان ينقطع الحرث والنسل، وتتعطل


(1) المستصفى، ج 2 ص 124. (*)

[ 646 ]

الحرف والصنائع ويؤدي إلى خراب الدنيا لو اشتغل الناس بجملتهم بطلب العلم، وذلك يرد العلماء إلى طلب المعايش، ويؤدي إلى اندراس العلم، بل إلى إهلاك العلماء وخراب العالم، وإذا استحال هذا لم يبق إلا سؤال العلماء (1)). وهذا الدليل - على خطابيته - سليم في إثبات أصل جواز التقليد. ثم أورد على نفسه، ودفعه بقوله (فإن قيل: فقد أبطلتم التقليد وهذا عين التقليد، قلنا: التقليد قبول قول بلا حجة، وهؤلاء وجب عليهم ما أفتى به المفتي بدليل الاجماع (2)). وبهذا ندرك ان الاختلاف بين الغزالي وغيره في مفهوم التقليد لا يتجاوز الشكلية، وهو متحد المبنى مع القائلين بجواز التقليد أقصاه انه لم يسمه تقليدا، وإنما عبر عنه بقوله: (العامي يجب عليه الاستفتاء واتباع العلماء (3)). والاخذ برأي الغير من دون حجة موضع حظر الجميع باستثناء ما مر من الحشوية ان صح نسبة مثل ذلك الرأي إليهم.


(1) المستصفى، ج 2 ص 124. (2 - 3) المستصفى، ج 2 ص 124. (*)

[ 647 ]

خاتمة المطاف القسم الثاني التقليد (2) اعتبار الحياة في المقلد تمهيد، اعتبار الحياة والخلاف فيه، أدلة القائلين بعدم اعتبار الحياة، التمسك باطلاق الادلة اللفظية، الاستدلال بالقياس، بناء العقلاء، سيرة المتشرعة، الاستدلال بالاستصحاب، ما يقتضيه الاصل المعين للوظيفة تسجيل ملاحظة.

[ 649 ]

تمهيد: وشرائط المقلد التي ذكروها كثيرة، والذي يستحق أن يطال فيه الكلام منها ثلاثة وهي: 1 - الحياة. 2 - الاعلمية. 3 - العدالة. أما غيرها من الشرائط كالعقل، والذكورية، والحرية، والبلوغ، فاعتبار بعضها يقتضي أن يكون من الضروريات، كالعقل مثلا، إذ لا معنى للحديث في جواز تقليد المجانين في حال جنونهم وعدمه، والباقي ذكروا له أدلة وهي غير ناهضة بالدلالة، إلا ما يحكى من الاجماع على بعضها. ومقتضى بناء العقلاء، هو عدم التفرقة بين الذكر والانثى، والحر والعبد، والبالغ، والمميز من غير البالغين، مع توفر عنصر الاجتهاد فيهم، وهو الحجة ما لم يثبت الردع عنه، فالعمدة التحدث في خصوص هذه الشرائط الثلاثة. اعتبار الحياة والخلاف فيه: واعتبار الحياة في حجية قول المفتي من الشرائط التي وقع فيها الاختلاف كثيرا، فالاصوليون من الشيعة اعتبروا هذا الشرط ومنعوا من تقليد الميت ابتداء، بينما أجاز الاخباريون منهم ذلك. أما أهل السنة فقد اختلفت كلمتهم في ذلك، فبعضهم أجازوا تقليد الميت ابتداء، كما سوغوا الرجوع إلى الحي إذا كان متوفرا على شرائط

[ 650 ]

التقليد، ومنع البعض الآخر من تقليد الاحياء لقصرهم التقليد على الائمة الاربعة. والظاهر ان خلاف الاخباريين لرأي الاصوليين من الشيعة إنما هو لاختلافهم في وظيفة المجتهد عند الفتيا. فالاخباريون يرون ان وظيفة المجتهد لا تتجاوز نقل مضمون الرواية بفتياه، وليس له ان يستند في الفتيا إلى مقدمات نظرية، فهو مخبر عن المعصوم، ولا يشترط الحياة في حجية خبر المخبر باتفاق الكلمة. بينما يرى الاصوليون وغيرهم ان المجتهد مستنبط للحكم من الادلة، وقد يكون بعضها نظريا، وما دام كذلك فهو ليس بمخبر - حين يفتي عن المعصوم - إلا بضرب من التسامح - وإن أخبر عن الحكم أو الوظيفة. وعلى هذا، فإن دليل الحجية بالنسبة إلى المفتي إنما يتقوم برأيه القابل للنظر والتبدل، وهو يمكن ان يكون منوطا بالحياة. فاختلاف الاخباريين مع الاصوليين اذن اختلاف في أصل وظيفة المجتهد لا في شرائط الافتاء. وخلافهم في هذه المسألة لا يصلح ان يكون خلافا في موضع الكلام، لانه بالنسبة إليهم أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع. وخلاف ابن الصلاح مع اخوانه من اهل السنة، وإصراره على حضر التقليد لغير الائمة الاربعة منشؤه اجماع المحققين وبعض الادلة، وقد علمنا في مبحث سابق قيمة هذه الادلة فلا نعيد فيها الكلام. فعمدة الخلاف اذن هو ما بين الشيعة وأكثرية اهل السنة في اعتبار هذا القيد وعدمه. والاقوال الاخر إما ليست ذات موضوع لاختلافها في أصل وظيفة

[ 651 ]

المجتهد، أو ليست بذات أهمية لعدم استنادها إلى أساس. أدلة القائلين بعدم اعتبار الحياة: وقد استدل القائلون بعدم اعتبار هذا الشرط، أو استدل لهم بعدة أدلة نعرض ما عثرنا عليه منها وهي: 1 - التمسك باطلاق الادلة اللفظية: أمثال آيتي النفر وسؤال أهل الذكر من الكتاب العزيز، وطوائف من الروايات كان بعضها يأمر بعض الرواة بالتصدي للفتيا الدالة بالملازمة على جواز الاخذ منهم، وكان بعضها الآخر يأمر بالرجوع إلى بعض أصحاب الائمة واستفتائهم فيما يحتاجون إليه. ومقتضى إطلاق هذه الادلة هو عدم الفرق بين الاحياء منهم وغيرهم. وقد أجيب على هذا الاستدلال - بعد الغض عن أن أكثر هذه الادلة لا إطلاق فيه لعدم كون الشارع في مقام البيان من هذه الجهة -: أ - ان طبيعة السؤال أو الانذار أو الرجوع إلى شخص معين تقتضي اعتبار الحياة، إذ لا معنى لسؤال غير الاحياء أو صدور الانذار منهم أو الرجوع إليهم. ب - ولو سلم، فإن هذه الادلة لا يعقل شمولها للمختلفين بالفتوى، إذ لا معنى لان يعبدني الشارع بالمتناقضين، ولو على سبيل البدل، لان معنى جعل الحجية لهما تبنيهما معا من قبله، وكيف يعقل ذلك مع الجزم بمخالفة أحدهما للواقع، وقد سبق الحديث منا في ذلك في مبحث (التخيير الشرعي). وفرض المسألة لا يتم إلا في صورة اختلاف الحي مع الميت في الفتوى

[ 652 ]

إذ مع اتفاقهما لا ثمرة عملية لهذه المسألة، ومع الاختلاف لا تكون الادلة شاملة لهما معا ابتداء، وهي إنما يمكن الاستدلال بها في صورة عدم العلم بالخلاف فقط، ومسائلها نادرة جدا لو سلمت من المناقشات السابقة فيها. 2 - الاستدلال بالقياس: بتقريب قياسها على عدم اعتبار الحياة في حجية قول المخبر، لان العلة التي أوجبت حجية قول المخبر، هي حكايته عن الواقع، فكذلك الامر في المفتي، وبما أن المقيس عليه لا يعتبر قيد الحياة في حجية خبره فالمقيس مثله في هذه الجهة. والجواب على ذلك، أن هذا النوع من القياس، لم تثبت حجيته لوجود الفارق الكبير بينهما. فالمخبر إنما يستند في إخباره إلى الحس أو الحدس القريب منه، وبقاء الحياة لا يغير في واقع ما أحسه إذا كان صادقا في اخباره، ولذا نرى ان الصادقين في اخبارهم قلما يختلفون إذا حدثوا عن واقعة واحدة، بينما يستند المفتي أحيانا إلى مقدمات نظرية، وهي تختلف باختلاف خبرة المفتين بأصول الاستنباط ومقدار ما يملكون من ذكاء وصبر على البحث، بل تختلف باختلاف المراحل العلمية التي يجتازها المفتي الواحد، وما اكثر ما عدل المفتون عن فتاوى سابقة لعثورهم على أدلة على خلافها، أو لزيادة تجاربهم في معرفة كيفيات الاستنباط. وما يدرينا لو قدر لذوي الاجتهاد من الاموات أن تستمر بهم الحياة ما يدخل الزمن على آرائهم وفتاواهم من التطور والتغيير. ومع هذا فكيف يسلم قياسها على الاخبار، مع وجود هذا الفارق الكبير، ولا أقل من كونه من قبيل القياس غير المقطوع، وقد عرفت

[ 653 ]

في (مبحث القياس) مدى حجيته. 3 - بناء العقلاء: حيث لا يفرق في رجوع الجاهل إلى العالم بين الحي والميت، ويخير بينهما. وهذا البناء - لو تم - في صورة التساوي بينهما من حيث العلم أو صورة ما إذا كان الميت أعلم مثلا. إلا انه مما يحتاج إلى امضاء من الشارع المقدس أو عدم ردع على الاقل - لما قلناه: من ان البناء وحده لا يكفي في تكوين الحجية لما قام عليه - لعدم حصول القطع بمدلوله. والامضاء وعدم الردع إنما يتحققان إذا فرض وقوع مصداق من مصاديق هذه المسألة أمام الشارع، فأمضاها أو سكت عنها، كأن نتصور واقعة وقعت أمام النبي (صلى الله عليه وآله) قلد فيها مكلف عالما ميتا - ابتداء - مع وجود عالم حي مساو له أو دونه بالفضيلة، وهما مختلفان بالفتيا، فأقره النبي (صلى الله عليه وآله) على ذلك ولكن من أين لنا تصور ذلك أو إثباته تاريخيا، ومثله نادر الوقوع عادة إن لم يكن منعدما. إذ مع علم المكلف بالاختلاف، لا تصل النوبة إلى تقليد أحد مع وجود المعصوم وإمكان سؤاله والاخذ منه. فالقول بوجود البناء العقلائي غير المردوع عنه في خصوص صورة الاختلاف، لا يخلو عن افتئات ومصادرة. مع ان هذا البناء مما يشك في وجوده مع الاختلاف حتى بين الاحياء. على أنه لو صحت استفادة خصوصية الحياة في الادلة اللفظية، أو

[ 654 ]

ثبت الاجماع (1) على عدم جواز تقليد الميت ابتداء، كان ذلك كافيا في الردع عن هذا البناء لو وجد. 4 - سيرة المتشرعة: وهي التي يدعي بلوغها إلى عصر المعصومين. والجواب عليها: ان حسابها حساب ذلك البناء، بل هي أضعف منه بكثير لبداهة عدم قيامها على الرجوع الابتدائي إلى الاموات، وبخاصة في صورة الاختلاف. وكيف تثبت السيرة المستمرة إلى زمن المعصوم، اما على مبنى اهل السنة فواضح لرجوعهم جميعا إلى أئمة المذاهب الاربعة وهم متأخرون في حياتهم عن زمن النبي (صلى الله عليه وآله) جميعا، فكيف يمكن إثبات استمرار السيرة في الرجوع إليهم أمواتا إلى زمنه (صلى الله عليه وآله)، وأما على مبنى الشيعة فلان أكثرهم لا يقولون بجواز تقليد الميت ابتداء، فضلا عن ادعاء قيام سيرتهم على الرجوع إلى الاموات. 5 - الاستدلال بالاستصحاب: بتقريب ان هذه الحجية كانت ثابتة لقول المجتهد حال حياته، ويشك في ارتفاعها بالموت فتستصحب. والجواب على ذلك: ان هذه الحجية لا يمكن استصحابها للشك في سعة المجعول وضيقه. فالحجية المجعولة لا يعلم بحدود جعلها ابتداء، وهل يتسع إلى ما بعد موت صاحبها أو هي مختصة بحال الحياة ؟ فإن كانت مجعولة على النحو


(1) مستمسك العروة الوثقى، ج 1 ص 16. (*)

[ 655 ]

الاول فهي مقطوعة البقاء، وإن كانت على النحو الثاني فهي مقطوعة الارتفاع، وكلما دار الامر بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع لا يمكن جريان الاستصحاب فيه لفقده ركنا من أركانه، إذ لا يقين سابق بأحدهما على الخصوص، ومع فرض وجوده فلا يوجد شك في أن المتيقن باق - إن كان واسعا - أو انه مرتفع - إن كان ضيقا - لفرض دورانه بين مقطوع البقاء أو الارتفاع. فالركن المفقود اما اليقين أو الشك، ومع فقد أحدهما لا يجري الاستصحاب. وفي رأي بعض أساتذتنا ان المورد يقتضي استصحاب عدم الحجية لاحتمال (ان تكون حجية فتوى المجتهد مختصة بمن عاصره، وكان من وظيفته الرجوع إليه، وأما المكلف الموجود بعد موته فلا علم بحجية فتواه في حقه من الاول، فيجري استصحاب عدم جعل الحجية في حقه بلا معارض (1)). ما يقتضيه الاصل المعين للوظيفة: والرجوع إلى هذا الاصل، إنما يكون مع فقد الدليل الاجتهادي، أو الاصل الاحرازي، وهما مفقودان هنا، كما يدل عليه ما استعرضناه من أدلتهم وما ذكرناه في مناقشتهما. والاصل يقتضي في هذا الموضع، اعتبار الحياة لبداهة دوران الامر فيه بين التعيين والتخيير في مقام الحجية، وذلك لعدم احتمالنا أية خصوصية للموت - بما هو موت - توجب تعيين الرجوع إلى الاموات ابتداء، ونحتمل أن تكون للحياة خصوصية مهما كانت بواعث الاحتمال، ومتى دار الامر بين التعيين والتخيير في الحجية، تعين الاخذ بما هو محتمل التعيين


(1) مصباح الاصول، ص 460. (*)

[ 656 ]

للقطع بحجيته والشك في حجية الطرف الآخر، والشك في الحجية كاف للقطع بعدمها، كما قلنا ذلك مرارا. وعليه فإن تم ما عرضوه من أدلة اجتهادية على اعتبار الحياة - وهو ما لم نر أية ضرورة لتفصيل الحديث فيه - كان هو المتعين في مقام الاستناد، وإلا فالاصل العملي كاف في إثبات هذه الجهة. تسجيل ملاحظة: والشئ الذي أحببت أن اسجله - وان لم تكن له مدخلية في عوالم الاستدلال على اعتبار الحياة - ما لاحظته من ان في تشريع جواز الرجوع إلى الاموات في التقليد ابتداء - اماتة للحركة الفكرية التشريعية وتجميدا للعقول المبدعة عن الانطلاق في آفاقها الرحبة. وقد لاحظت هذا الواقع في كثير من علماء الاسلام من أهل السنة يوم سدوا على انفسهم أبواب الاجتهاد وحصروا التقليد بخصوص أئمتهم، حيث ظلت الحركة الفكرية واقفة عند حدودها لديهم قبل قرون، وما الف بعد ذلك كان يفقد في غالبه عنصر الاصالة والابداع. كما لاحظت ذلك عند الاخباريين، حين أجازوا لانفسهم تقليد العلماء من الاموات ابتداء. بينما نرى نمو الحركة العلمية وتطورها عند العلماء والاصوليين من الشيعة بما يتناسب ومستوى عصورهم. ولعل السر في ذلك الجمود يعود إلى ما يضفيه القدم عادة من الغلو في تقديس البشر لكل ما هو عريق فيه، وإعطاء اصحابه قيمة لا يحلم بها الاحياء من الناس، مما يزهد الاحياء في إعمال افكارهم في أشياء لا تعطي أية ثمرة عملية لمجتمعهم، ولا قيمة اجتماعية كبيرة لهم، وما قيمة علم لا ينتفع بثمره أحد من الناس حتى يتشجع اصحابه على الفناء فيه ؟

[ 657 ]

خاتمة المطاف القسم الثاني التقليد (3) اعتبار الاعلمية في المقلد المراد بالاعلمية، الخلاف في هذا الشرط، أدلة المانعين: اطلاق الادلة اللفظية، استقرار السيرة في عهد المعصومين، بناء العقلاء، تطابق الصحابة وإجماعهم، أدلة العسر والحرج، أدلة اعتبار الاعلمية: بناء العقلاء، الاجماع، الادلة اللفظية، الاصل المنتج للوظيفة.

[ 659 ]

المراد بالاعلمية: والمراد بالاعلمية هنا ان يكون صاحبها أقوى ملكة من غيره في مجالات الاستنباط لا الاوصلية إلى الواقع لعدم إمكان إحرازها في الغالب، وكون الفتاوى التي منشؤها الاخذ بالاحتياط تقتضي ان يكون صاحبها أوصل لا تكشف عن علم صاحبها الذي هو المناط في المرجعية والتقليد. الخلاف في هذا الشرط: وقد اختلفت كلمتهم في هذا الشرط (فمنهم من لا يتخير بينهم حتى يأخذ بقول من شاء منهم، بل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين من الاورع والاعلم، والادين وهو مذهب أحمد بن حنبل وابن سريج والقفال من أصحاب الشافعي وجماعة من الاصوليين (1)) وهو مختار الغزالي أيضا، يقول: (والاولى عندي اتباع الافضل، فمن اعتقد ان الشافعي رحمه الله أعلم، والصواب على مذهبه أغلب، فليس له ان يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي (2)). وهذا المبنى هو المشهور بين علماء الشيعة، بل (عن المحقق الثاني الاجماع عليه، وعن ظاهر السيد في الذريعة كونه من المسلمات عند الشيعة (3)). (وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الاصوليين والفقهاء إلى التخيير والسؤال لمن شاء من العلماء سواء تساووا أو تفاضلوا (4)).


(1) احكام الاحكام للآمدي، ج 3 ص 173. (2) المستصفى، ج 2 ص 125. (3) مستمسك العروة الوثقى، ج 1 ص 19. (4) الآمدي في احكام الاحكام، ج 3 ص 173. (*)

[ 660 ]

وذهب إلى ذلك بعض علماء الشيعة ممن تأخروا عن الشهيد الثاني (1). أدلة المانعين: وأهم ما استدل به المانعون عن اعتبار هذا الشرط بعد ضم أدلتهم بعضها إلى بعض هو: 1 - اطلاق الادلة اللفظية: وهي التي سبق عرض بعضها في هذا القسم حيث لم تفرق بين الاعلم وغيره، مع اختلاف العلماء عادة في العلم والمعرفة وندرة الاتفاق في الفتوى. وحملها على صورة الاتفاق حمل على الافراد النادرة. والجواب على هذا الاستدلال يتضح مما مر في مناقشة هذه الادلة قبل صفحات، وبخاصة ما يتصل منها بامتناع ان يصدر التعبد من الشارع بالامور المتناقضة. ومع هذا الامتناع لا بد من حملها على صورة الاتفاق بالفتوى، وهو ليس بنادر كما يدعى وبخاصة في مورد الآيتين ونظائرهما من الاحاديث، حيث يقل الاختلاف عادة في النافرين وأهل الذكر لقرب عهدهم بالمصادر الاساسية للتشريع، وهم أشبه بالمخبرين منهم بالمجتهدين، فالقول بندرة اتفاقهم لا نعرف له وجها. 2 - استقرار السيرة في عهد المعصومين: على الاخذ بفتاوى العلماء المعاصرين لهم مع العلم باختلاف مراتبهم بالعلم والفضيلة وعدم ردعهم عن ذلك.


(1) المستمسك، ج 1 ص 19. (*)

[ 661 ]

والجواب على ذلك هو عدم وجود مثل هذه السيرة مع العلم بالاختلاف، ولا أقل من الشك المانع من التمسك بها. 3 - بناء العقلاء: على التخيير بينهما غير المردوع عنه من قبل المعصوم قطعا. وهذا الاستدلال كسابقه لا يتم لبداهة ان بناء العقلاء قائم على خلافه، فالناس عادة لا يرجعون إلى المفضول من أهل الخبرة مع وجود الافضل وبخاصة في صورة اختلافهم بالرأي، ويرون ان العامل على وفق رأي المفضول مقصرا إذا أخطأ الواقع، وقد قرب الغزالي هذا المعنى بقوله: (من مرض له طفل وهو ليس بطبيب فسقاه دواء برأيه كان متعديا مقصرا ضامنا، ولو راجع طبيبا لم يكن مقصرا). (فان كان في البلد طبيبان فاختلفا في الدواء، فخالف الافضل، عد مقصرا (1)). بينما لا يراه العقلاء مقصرا لو قدر له استعمال دواء الافضل، ولو انهى بمريضه إلى الموت. وعلام يبذل الناس أموالهم الطائلة في اختيار المهندس الافضل، والمعلم الافضل، والطبيب الافضل مثلا ؟ ؟ لو لم يكن هذا البناء قائما على خلاف الاعتبار، وعلى الاخص في صور الاختلاف. وسيأتي أن أهم ادلة اعتبار هذا الشرط، هو هذا البناء الذي لم يثبت الردع عنه بشئ من هذه الادلة. 4 - تطابق الصحابة وإجماعهم: وقد استدل به الآمدي على ذلك بتقريب (ان الصحابة كان فيهم


(1) المستصفى، ج 2 ص 126. (*)

[ 662 ]

الفاضل والمفضول من المجتهدين، فإن الخلفاء الاربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال عليه السلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ. وقال عليه السلام: أقضاكم علي وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل). (وكان فيهم العوام، ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والاخذ بقولهم لا غير، ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف، تكليف العوام الاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولا انكر أحد منهم اتباع المفضول والاستفتاء له مع وجود الافضل، ولو كان ذلك غير جائز، لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه، ويتأيد ذلك بقوله (عليه السلام): أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم أولى (1)). وهذا الاستدلال لا يتم صغرى وكبرى. أما من حيث الصغرى، فلان اثبات الاجماع والتطابق، لا يتم بمجرد عدم النقل لما هو معروف بالبداهة من ان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، بل يحتاج إلى نص على عدم الخلاف من معاصريهم، أو الاطلاع على واقعهم التأريخي تفصيلا ليصح نسبة الاتفاق إليهم، وهو ما لم يدون أكثره ولا يمكن بلوغه بحال. وأما من حيث الكبرى فلان هذا الاجماع - لو تم وتمت حجيته - فهو لا يعدو كونه من الادلة اللبية التي لا اطلاق فيها ليشمل صورة المختلفين في الحكم، والقدر المتيقن هو صورة الاتفاق فيه أو عدم العلم بالاختلاف على الاقل. على أنا نشك ان العوام في صدر الاسلام كانوا لا يفرقون بين علي


(1) احكام الاحكام، ج 3 ص 174. (*)

[ 663 ]

من جهة، وبين ابي سفيان وبسر بن أرطأة ومروان بن الحكم من جهة اخرى، فإذا اختلف هؤلاء في حكم تخيروا في الرجوع إلى أيهم شاءوا. على أن الاجماع لو صح وجوده، وقلنا بوجود اطلاق له يشمل صورة الاختلاف، فهو لا يزيد على الادلة اللفظية، وقد قلنا بامتناع شمولها للمتناقضين لاستحالة التعبد بهما عقلا. وما يقال عن هذا الاجماع في عدم إمكان التعبد به في صورة الاختلاف، يقال عن الادلة اللفظية التي ذكرها - لو صحت سندا وتمت دلالتها على العموم -، وقد مر الحديث في حجيتها في مبحث (سنة الصحابة) و (مذهب الصحابي). 5 - أدلة العسر والحرج: بدعوى انها رافعة لوجوب الرجوع إلى الاعلم لكون تشخيصه حرجيا غالبا. والمناقشة فيها أيضا واقعة صغرى وكبرى. أما الصغرى، فلعدم وجود العسر والحرج مع توفر اهل الخبرة في تعيينه، وإمكان الرجوع إليهم. وأما الكبرى، فلما سبق بيانه من أن موضوع أدلة نفي الحرج هو الحرج الشخصي لا النوعي، والحكم يدور مدار وجود ذلك الحرج عند الشخص، فإن وجد لدى شخص ارتفع الحكم بقدره، لان الضرورات تقدر بقدرها. وعليه تكون هذه الادلة أضيق من المدعى.

[ 664 ]

وإذا كانت هذه الادلة لا تكفي لرفع اليد عن لزوم تقليد الاعلم، فهل هناك أدلة تعين اعتبار هذا الشرط ؟ أدلة اعتبار الاعلمية: وقد ذكر العلماء لذلك عدة أدلة نذكرها ملخصة: 1 - بناء العقلاء: وهو قائم على الاخذ برأي الاعلم من الاحياء في الامور المهمة، ومن راجع واقع مجتمعه الذي يعيش فيه، والمجتمعات التي يمكنه التعرف عليها، لوجد هذه الظاهرة قائمة على أتمها في مختلف مجالات حياتهم وهي ممضاة حتما، وإنما قيدنا الرجوع إلى الاعلم من الاحياء تقيدا بما نعرف من توفر هذه الظاهرة، وإلا فما علمنا أو حدثنا التأريخ ان أحدا حاول الفحص في قضية ما وقعت موضع ابتلائه عن الاعلم في الاموات والاحياء على السواء، فالظاهرة قائمة إذن على التماس الاعلم من الاحياء بالخصوص. 2 - الاجماع: وقد ادعي على لزوم الرجوع إلى الاعلم في ألسنة بعض الاعلام. ولكن هذه الدعوى لا تخلو من مناقشة لوجود المخالفين من العلماء ممن عرضنا رأي قسم منهم في بداية الحديث. 3 - الادلة اللفظية: وقد عرضت بعض الاحاديث في هذا الشأن. ولكنها مناقشة ايضا سندا ودلالة.

[ 665 ]

فالعمدة اذن هو البناء العقلائي، فإن تم وإلا رجعنا إلى ما يعينه الاصل المنتج للوظيفة الفعلية. الاصل المنتج للوظيفة: والاصل هنا يقتضي الاخذ برأي الاعلم لدوران الامر بين التعيين والتخيير. لبداهة ان رأي الاعلم معلوم الحجية، إما لكونه معينا، أو لانه طرف الحكم التخييري لوضوح عدم احتمال التعيين في جانب غير الاعلم، كأن يكون لعدم الاعلمية موضوعية في مقام جعل الحجية، وغير الاعلم مشكوك الحجية والشك في الحجية كاف للقطع بعدمها، فالرجوع إلى الاعلم هو المتعين بمقتضى الاصل.

[ 667 ]

خاتمة المطاف القسم الثاني التقليد (4) اعتبار العدالة في المقلد تحديد العدالة، الخلاف في اعتبارها، أدلته: الاجماع، بناء العقلاء، امتناع جعل الحجية لرأي الفاسق، إرتكاز المتشرعة، أدلة القائلين بعدم الاعتبار ومناقشتها، ما تقتضيه الوظيفة، نهاية الحديث.

[ 669 ]

تحديد العدالة: ونريد بالعدالة الاستقامة في السلوك - بالسير على وفق أحكام الشريعة الاسلامية الملزمة - والتي تنشأ عن بواعث نفسية، تكون نتيجة دربة وإيمان وتمثل لواقع الاسلام. ولعل القائلين بالملكة لا يريدون أكثر من هذه البواعث، كما أن القائلين بالاستقامة لا يريدون إلا هذا النوع منها، لا عدم صدور المخالفة الشرعية فحسب. الخلاف في اعتبارها: وهذا الشرط - فيما يبدو - قليل الخلاف في اعتباره لذهاب الاكثر إلى ذلك. أدلته: وقد استدل له في كلماتهم بأدلة لعل أهمها: 1 - الاجماع: وقد حكاه غير واحد من الشيعة (1) والسنة (2)، واعتبره البعض رادعا عن الاخذ ببناء العقلاء بناء على قيامه على التخيير بين العادل وغيره، وهو غير قائم في مثل هذا المقام، كما يأتي في إيضاحه.


(1) مستمسك العروة الوثقى، ج 1 ص 34. (2) الخضري ي في علم أصول الفقه، ص 371 وغيره. (*)

[ 670 ]

2 - بناء العقلاء: على اعتباره بدعوى أن العقلاء لا يساوون بين المستهتر - فيما يؤمن به - والمتقيد بحرفية ما يقول. فهم أقرب وثوقا واطمئنانا إلى العامل برأيه من غيره في صورة تساوي أهل الخبرة حتى مع الوثوق بصدق ما يخبر به من رأي. وهذا النوع من البناء - لو نوقش في وجوده - بالنسبة إلى مطلق أهل الخبرة في بقية المواضع، فلا أظن ان المناقشة تتم بالنسبة إلى عوالم التقليد ومشابهاته، فالناس بطبعها ترى في المقلد - بحكم مهمته التشريعية - موضعا للاقتداء والمحاكاة لا أخذ الرأي عنه فقط. ومن الصعب عليهم تفكيكهم بين ما يوحيه انحراف شخصيته لو كان الايمان بقوله. فهم في هذا الحال ينساقون إلى الاخذ عمن توفرت جوانب الملاءمة بين فعله وقوله، وترك الآخر لو خلوا وطبعهم. 3 - امتناع جعل الحجية لرأي الفاسق: على ان الشارع لا يمكن ان يلزم بالرجوع إلى فاسق، ويجعله موضعا لاقتداء ومحاكاة لعلمه ان العامة أسرع ما يكونون إلى التأثر بواقع المقلد ومحاكاته منهم إلى الاخذ بقوله. فلو قدر لمقلد ان ينهى عن شرب الخمر مثلا وهو يعاقرها ليل نهار، لكان تأثيره على العوام - بعد تلقيهم المسوغ الشرعي في الرجوع إليه - في التسامح بشربها أكثر بكثير من ألف قول يصدر عنه بتحريمها، ومن هنا قيل: ان وظيفة المرجع وظيفة إمامة. وفساد الامام فساد لرعيته، والامم إنما تنهار بانهيار ساستها وقادتها.

[ 671 ]

وما أكثر ما شاهدنا وحدثنا التأريخ من انهيار مجتمعات لانهيار حكامها الذين اتخذوا من أنفسهم قادة للناس أو اتخذتهم شعوبهم - بدافع من محاكاة الضعيف للقوي - مثلا تقتدي في السلوك. ارتكاز المتشرعة: ويؤيد ما ذكر ما ورد في المستمسك من ان المرتكز عند المتشرعة هو (قدح المعصية في هذا المنصب على نحو لا تجدي عندهم التوبة والندم، فالعدالة المعتبرة عندهم مرتبة عالية لا تزاحم ولا تغلب). (والانصاف أنه يصعب جدا بقاء العدالة للمرجع العام للفتوى، كما يتفق ذلك في كل عصر أو جماعة إذا لم تكن بمرتبة قوية عالية ذات مراقبة ومحاسبة، فإن ذلك مزلة للاقدام (1)). بقيت أدلة لفظية ذكروها لاعتبار العدالة وهي غير ناهضة في سندها ودلالتها، فلا حاجة إلى عرضها ومناقشتها. أدلة القائلين بعدم الاعتبار ومناقشتها: وأهم الادلة التي ذكروها على عدم الاعتبار هو التمسك باطلاقات الادلة اللفظية السابقة، وهي لا تفرق بين العادل والفاسق. والجواب عليها هو نفس الجواب الذي مر في اعتبار شرط الحياة، فلا نعيد. ودعوى الاجماع على عدم التفرقة بينهما - أعني الفاسق والعادل - يدفعها ما ادعي من الاجماعات على اعتبار هذا الشرط عند السنة والشيعة.


(1) مستمسك العروة الوثقى، ج 1 ص 34. (*)

[ 672 ]

ما تقتضيه الوظيفة: ومع الغض عن جميع هذه الادلة نفيا أو إثباتا، فالاصل العملي يقتضي اعتبار هذا الشرط لنفس ما ذكرناه سابقا من دوران الامر بين التعيين والتخيير لاحتمال مدخلية العدالة في الحجية، وعدم احتمال مدخلية الفسق، وهو يقتضي الاخذ بالحجة التي فيها احتمال التعيين للقطع بها والشك في وجودها بالطرف الآخر. نهاية الحديث: والذي انتهينا إليه - وهو الذي يقتضينا الاخذ به من وجهة نفسية أيضا - هو اعتبار هذا الشرط، فعلماء النفس - فيما أعتقد - يشكون كثيرا في سلامة استنباط الحكم الشرعي من غير العدول، لتحكم عوامل التبرير في استنتاجاتهم لاكثر من تصرفاتهم الناشزة، وهي عوامل بعضها لا شعوري.

[ 673 ]

ختام الحديث طبيعة ما رجعت إليه من المصادر: المصادر الاساسية، المصادر الحديثة، المصادر العامة، وظيفة الكتاب، العمل على تقويم هذه البحوث، شكر وتقدير.

[ 675 ]

وقبل ان أودع القارئ الكريم - إلى لقاء آخر - إن شاء الله في الكتاب الثاني من المدخل الذي تولى التحدث له عن (القواعد الفقهية العامة) على اساس من المقارنة أحببت ان أقف معه حول أمور قد يكون لها علاقة ما في صميم ما رافقني فيه من بحوث. وربما وجدنا الجواب في بعضها على التساؤلات التي تحدثها عادة أمثال هذه الرفقة الطويلة للتطواف في فصول الكتاب. وأول هذه الامور: طبيعة ما رجعت إليه من مصادر. وطبيعة هذه المصادر يمكن إرجاعه إلى أقسام ثلاثة: 1 - المصادر الاساسية: وهي التي ركزت على أفكارها طبيعة البحوث السابقة نقدا وتقييما، وأهم مزاياها: أصالة أفكارها، وعمق تجاربها، وتمثل أصحابها لها، بحيث يصح اطلاق لقب الاجتهاد عليهم، وقد أشرت إلى هذه المصادر في الهوامش غالبا عندما عرضت آراءها، وتحدثت حول ما جاء فيها من أفكار. 2 - المصادر الحديثة: وهي التي عرضت لنفس الافكار وحاولت ان تكتبها بلغة العصر وأساليبه المحدثة، وإن لم تزد على تلكم الافكار أو تبدل فيها في الغالب،

[ 676 ]

وقد وجدت في القليل من هذه المصادر أصالة الرأي وسلامة النهج. ومثل هذا القسم من المصادر ربما رجعت إليه - بعد التوثق من صحة النقل عن أصحاب المذاهب والآراء - لنقل نص لم أجد مصدره الاساس بين يدي، أو لم أملك من الوقت ما أستعين به على الفحص عنه، وقد أشرت إلى ما نقلته عنهم في الهوامش أيضا، كما اني أشرت إلى ما استفدته من تجارب بعض مؤلفيها، سواء ما يتصل منها بمنهجة البحث أم محاكمة الآراء. 3 - المصادر العامة: وأريد بها ذلك القسم من المصادر الذي يرجع إليه لالقاء بعض الاضواء على طبيعة ما طرقناه من بحوث ككتب الحديث، والتأريخ، والدراية، وأمثالها مما لا يقع في صميم بحوثنا الاصولية، وان استعنا بها على تصحيح رأي كائن أو تكوين رأي لم يكن، - أو على الاصح - لم يسبق لي ان اطلعت عليه في تجارب السابقين من الاعلام. والثاني من هذه الامور ما يتصل منها بتحديد. وظيفة الكتاب: وأظن ان القارئ الكريم أدرك من استعراض فصول هذا الكتاب وتجاربه - ان وظيفته وان كانت تأريخية وتقييمية كما رسمها منهج البحث إلا ان عنايته انصبت في الدرجة الاولى على الجانب التقييمي لايماننا بانه هو الاساس والمنطلق للفصل في جميع الآراء الفقهية التي سنعرضها في أجزاء الكتاب القادمة. ولهذا السبب كان اهتمامنا موجها إلى عرض جل مباني وآراء المجتهدين

[ 677 ]

في المسائل الاصولية، ولم يكن من همنا البحث عن جميع معتنقيها واستعراض أسمائهم وتحقيق صحة النسبة إليهم، لان ذلك يخرجنا عن طبيعة مهمتنا الاساسية. إذ غاية ما تدعو إليه طبيعة المدخل إلى دراسة الفقه هو الاحاطة بالمباني المختلفة والتعرف على السليم منها من غيره تمهيدا للدخول في مجالات إعمال الملكة في مسائلها الفقهية. وظني ان الكتاب أحاط نسبيا بهذه المباني وان لم يذكر جميع أسماء معتنقيها من المجتهدين، ومن ذكره منهم لا يتحمل مسؤولية خطأ النسبة فيما ينسبه من آراء إليه، ما دام قد أشار إلى ما لم يكن قد أخطأ في نسبته إلى ذلك المصدر. وللسبب نفسه، نرى أنه لا جدوى لذكر أكثر من للمبنى الواحد، وان ذكر عشرات المصادر، لان الاكثار من المصادر من التطويل غير المستساغ وهو مما لا يقتضي ان يكون إلا في حالات نادرة تقتضيها بعض الملابسات التي تحيط بذلك المبنى. وربما اخترنا من بين المصادر مصدرا لبعض المباني وأكثرنا من الرجوع إليه في كل ما يتصل بذلك المبنى نظرا لايماننا بأن هذا المصدر قد وفق أكثر من غيره في عرض ذلك المبنى وأدلته وكل ما يرتبط به، ولاعتقادنا بان هذا مما يسهل على الناقد مهمته بالرجوع إليه إذا أراد التعرف على واقع ما سجله هذا الكتاب. وثالث الامور هو: أكثر من غيره في عرض ذلك المبنى وأدلته وكل ما يرتبط به، ولاعتقادنا بان هذا مما يسهل على الناقد مهمته بالرجوع إليه إذا أراد التعرف على واقع ما سجله هذا الكتاب. وثالث الامور هو: العمل على تقويم هذه البحوث وهو ما سبق ان طلبناه في المقدمة، ونحاول تأكيده الآن، فان تناول

[ 678 ]

هذه البحوث بالنقد الموضوعي وتقويم ما لم يستقم منها بالاشارة إلى مفارقاته، أساس في نجاح هذه المحاولة والاستفادة من عطائها في مجالات التشريع. شكر وتقدير والذي أرجوه - وأنا في ختام الحديث - ان لا يفوتني تقديم أجزل الشكر وأعمق الامتنان للطليعة المبدعة من خريجي وطلاب (كلية الفقه) في النجف الاشرف، الذين كانوا السبب في تدوين هذه النصوص، وعلى الاخص من لاحقني منهم باستفساراته ومناقشاته. كما أرجو ان لا يفوتني تقديم نظير ذلك من الشكر والامتنان لاسرة (دار الاندلس) وعلى رأسها أخي الاستاذ الجليل السيد حسين عاصي صاحب الدار، على ما بذلوه من جهد في إبراز الكتاب بهذا المستوى من جمال الطبع وروعة الاخراج وقلة الاخطاء، سائلا المولى عزوجل ان يوفقهم جميعا إلى ما فيه خير الفكر، إنه ولي التوفيق. النجف الاشرف - محمد تقي السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم 27 ربيع الثاني سنة 1383